
بقلم سيليا البحيري
في مقر جهاز الاستخبارات...
لم تكن الغرفة مجرد مساحة عمل، بل خلية صامتة مشحونة بتركيز ثقيل، كأن الهواء نفسه يخضع للأوامر.
وقف ريان أمام المكتب، الملف ما زال مفتوحًا بين يديه، وصورة دارين تحدق فيه من الورق كأنها تتحداه. عيناه لم تكن تقرأ فقط... بل تفكك، تربط، تشك.
وعلى الطرف الآخر، كان جاسر واقفًا بثبات صلب، يراقبه بصمت قائد اعتاد قراءة الرجال قبل الملفات.
وفجأة-
اهتز الهاتف....
رنة واحدة...
ثم ثانية...
لكنها كانت كافية لتغيّر إيقاع المكان كله.
مدّ جاسر يده بسرعة محسوبة، التقط الهاتف، نظر إلى الشاشة...
وفي لحظة، انطفأ الهدوء في ملامحه.
رد فورًا، صوته حاد ومباشر:
"اتكلم."
على الطرف الآخر، صوت متوتر، يركض بالكلمات:
"يا فندم، في تطور خطير حصل... الآنسة غزل الشرقاوي-"
توقف لثانية... كأن الكلمة نفسها ثقيلة.
"-اختفت."
الصمت... لم يكن صمتًا عاديًا.
كان سقوطًا مفاجئًا... كأن الغرفة فقدت توازنها للحظة.
ريان رفع رأسه فجأة، عينيه اتسعتا، لكن جسده بقي ثابتًا.
أما جاسر... فلم يتحرك.
ثانية...
اثنتان...
ثم-
"إزاي؟!"
انفجر صوته، لا يحمل فقط غضبًا... بل تهديدًا صريحًا.
"كانت فين بالضبط؟ وإزاي حد يلمسها من غير ما حد يحس؟!"
الصوت رد بسرعة:
"كانت في طريقها للجامعة يا فندم... العربية بتاعتها اتلقت على جانب الطريق-"
قاطعه جاسر بعنف:
"اتلقت إيه؟! عايز تفاصيل مش جمل ناقصة!"
"متروكة يا فندم... وفي آثار مقاومة واضحة... الباب مفتوح، وفي خدوش حوالين العربية."
في تلك اللحظة، ريان تحرك خطوة للأمام، صوته منخفض لكنه حاد كحد السكين:
"من امتى حصل ده؟ وكم الزمن الفاصل بين آخر ظهور ليها واكتشاف العربية؟"
جاسر رماه بنظرة سريعة... ثم أعاد تركيزه على المكالمة:
"الوقت بالظبط."
"تقريبًا من عشرين دقيقة يا فندم."
أغلق جاسر الخط بعنف، الهاتف ارتطم بالمكتب، ويده بقيت مشدودة لثانية قبل أن يضرب الطاولة بقبضة ثقيلة.
"لعنة الله عليهم..."
صوته كان منخفضًا... لكن مليئًا بنار حقيقية.
ريان لم يتحرك فورًا.
ثوانٍ من الصدمة... نعم.
لكنها لم تدم.
"اختفت... قبل ما أبدأ حتى."
الفكرة مرّت... ثم احترقت.
وفجأة-
اختفى كل شيء.
لا قلق... لا تردد.
فقط هدوء بارد... من النوع الذي يسبق العمليات.
رفع رأسه، نظر مباشرة إلى جاسر، وقال بنبرة ثابتة:
"دي مش حالة اختفاء عشوائي يا فندم... دي عملية منظمة، متخطط لها بدقة، والتنفيذ كان سريع ونظيف."
توقف لحظة... ثم أكمل وهو يبدأ في التحرك داخل الغرفة، خطواته محسوبة كأنه يرسم خريطة:
"العربية متروكة في مكانها، وآثار المقاومة موجودة... ده معناه إن الهدف اتاخد بالقوة لكن بدون ضوضاء كافية تلفت الانتباه، وده بيشير لفريق مدرب، مش شخص واحد. مفيش طلب فدية حتى الآن... يبقى الهدف مش مادي."
رفع عينيه، صوته أصبح أكثر حدة:
"إحنا قدام احتمالين: يا إما دافع شخصي عميق... يا إما تصفية حسابات مرتبطة بشبكة أكبر. وفي الحالتين-اللي عمل كده كان بيراقبها من فترة."
سكون قصير...
ثم أومأ جاسر ببطء.
الغضب ما زال في عينيه... لكنه تراجع خطوة أمام الحسابات.
"تمام."
مدّ يده لهاتف المكتب، ضغط زر الاتصال الداخلي:
"ابعتلي المقدم جواد فورًا... دلوقتي، مش بعد خمس دقايق."
"حاضر يا فندم."
أغلق الخط، ثم نظر إلى ريان نظرة قائد يسلم ساحة حرب:
"من اللحظة دي... دي مهمتك الأولى، ومش عندي رفاهية الفشل."
ريان لم يتردد، رد فورًا:
"مفهوم يا فندم. الهدف هيرجع، أياً كان الثمن."
الباب انفتح بقوة مدروسة-
دخل المقدم جواد.
هيبته سبقت خطواته، عينيه تمسحان المكان بسرعة، جاهز لأي سيناريو.
"أفندم؟"
قالها وهو يقف بثبات.
جاسر لم يضيع ثانية:
"الآنسة غزل الشرقاوي اتخطفت من أقل من نص ساعة، العملية تمت بشكل احترافي، والعربية بتاعتها متروكة وفيها آثار مقاومة."
تغيرت ملامح جواد فورًا، لكن صوته بقي مسيطرًا:
"هل في شهود؟ كاميرات؟ أي تحرك مرصود في المنطقة؟"
أشار جاسر إلى ريان:
"ده الملازم ريان، هيكون معاك في العملية... وهو اللي بدأ تحليل أولي."
تبادل الاثنان نظرة سريعة-
نظرة رجال ميدان، لا تحتاج كلام طويل.
ثم قال ريان بنبرة عملية:
"الوقت ضدنا... أول ساعة هي الفارق بين إنقاذ هدف أو فقدانه. لازم نأمن كل الكاميرات في محيط 5 كيلومتر، ونحدد أي مركبة وقفت أو غيرت مسارها فجأة. كمان محتاجين تحليل فوري لنقطة الاختفاء... آثار الإطارات، اتجاه السحب، أي حاجة."
أومأ جواد فورًا:
"أنا هقسم الفرق... مجموعة للموقع، ومجموعة للمراقبة، ومجموعة لتحليل البيانات."
رفع جاسر صوته، وهذه المرة كان كأمر عسكري مباشر:
"أنا عايز كل الكاميرات في المنطقة خلال آخر ساعة تتسحب وتتراجع حالًا، كل الطرق المؤدية لنقطة الاختفاء تتقفل معلوماتيًا، وأي عربية مشت بسرعة غير طبيعية تتحدد فورًا."
توقف لحظة... ثم أكمل بصوت منخفض... لكنه مرعب:
"عايز اسم اللي عمل كده... قبل نهاية اليوم."
"أوامرك يا فندم."
قالها جواد بجدية كاملة.
أما ريان...
فأخذ نفسًا بطيئًا، كأنه يثبت نفسه قبل الانطلاق، ثم قال:
"هنلاقيها... مش احتمال... ده التزام."
نظر له جاسر لثوانٍ...
ثم رد بصوت هادئ... لكنه يحمل وزن حرب كاملة:
"لازم."
وفي تلك اللحظة-
لم تعد مجرد قضية.
بل مطاردة....
🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎
ليلٌ كثيف...
ليس مجرد ظلام، بل طبقة ثقيلة تغطي الطريق السريع الممتد كخيطٍ معتم وسط العدم.
الأضواء القليلة تمرّ متقطعة، والسيارات نادرة... كأن العالم كله قرر أن يبتعد عن هذا المكان.
في قلب هذا الفراغ-
كانت سيارة سوداء تشق الطريق بثبات بارد... لا تسرع... لا تتردد...
كأنها تعرف وجهتها جيدًا... أكثر مما ينبغي.
في المقعد الخلفي...
جسدٌ ساكن.
غزل.
رأسها مائل على الجانب، خصلات شعرها مبعثرة على وجهها، أنفاسها بطيئة... ثقيلة...
أثر المخدر واضح في كل تفصيلة فيها... كأنها غارقة في عمق لا تستطيع الخروج منه.
أما في الأمام-
فكان السائق.
يداه على المقود بثبات، عينيه تراقبان الطريق... لكنهما لا تنسيان المرآة أبدًا.
كل بضع ثوانٍ... نظرة سريعة للخلف.
تأكد.
سيطرة.
ثم عودة للطريق.
رنّ الهاتف.
كسر الصمت فجأة، لكن السائق لم يتوتر.
مدّ يده بهدوء، نظر للشاشة...
ابتسامة صغيرة، خبيثة، زحفت على شفتيه.
ردّ فورًا:
"أيوه... تمام، أنا معاك."
جاءه الصوت من الطرف الآخر-
نسائي... بارد... ناعم بشكل مخيف... مع تلك اللكنة الأجنبية الخفيفة التي تضيف له حدة غير مرئية:
"عايزة تقرير واضح... إيه الوضع عندك دلوقتي؟ هل العملية تمت زي ما اتخطط لها؟"
السائق أرخى كتفه قليلًا، وكأنه يستمتع بالإجابة:
"الوضع تحت السيطرة الكاملة... الهدف معايا في العربية، ومفيش أي مشاكل حصلت في التنفيذ. تقدري تقولي... إنها وقعت في المصيدة من غير ما تاخد بالها حتى."
صمت قصير...
ثم جاء الرد، أبطأ... أعمق:
"كويس... ده اللي كنت متوقعاه منك."
توقفت لحظة... ثم أضافت بنبرة أكثر برودًا، كأنها تقطع جملة على مهل:
"اسمع كويس... أهم حاجة بالنسبة لي دلوقتي، إنها تفضل عايشة. مش عايزة أي تصرف غبي يبوظ اللي أنا مخططاله."
تردد السائق لحظة، ثم قال:
"مفهوم... هنحافظ عليها، مفيش أي ضرر هيحصل لها... لحد ما توصلي للي انتي عايزاه."
ابتسمت هي... ويمكن سماع ذلك في صوتها:
"لأن لسه عندي حسابات... طويلة جدًا معاها."
أومأ وكأنها تراه:
"هتوصل خلال ساعة بالكتير... الطريق فاضي، وكل حاجة ماشية زي ما اتخطط."
"ما تتأخرش... أنا مش بحب الانتظار."
أُغلق الخط.
عاد الصمت...
لكن لم يعد كما كان.
في الخلف-
بدأ شيء صغير يتحرك.
أصابع غزل... ارتعشت ببطء.
أنفاسها تغيّرت... أصبحت أسرع، أقل انتظامًا.
جفونها اهتزت... مرة... ثم أخرى...
ثم-
فتحت عينيها.
العالم أمامها كان ضبابيًا...
الأضواء تمتد وتنكسر... الأصوات مشوشة... كأنها تحت الماء.
حاولت تتحرك-
لكن جسدها لم يستجب كما يجب.
ثانية...
ثم الإدراك ضربها فجأة.
تجمّدت.
يديها... مقيدتان بإحكام خلفها.
قدميها... مربوطة.
وفمها... مكمّم بقماش خشن.
اتسعت عيناها فجأة، وارتفع تنفسها بشكل حاد...
نظرت حولها بسرعة، بعشوائية... تبحث عن أي معنى، أي تفسير.
"فين أنا؟! إيه اللي حصل؟!"
حاولت الصراخ-
لكن الصوت تحطم داخل القماش.
"ممممف-!!"
في المرآة...
التقت عينا السائق بعينيها.
ابتسم.
ابتسامة بطيئة... ملتوية... كأنها تستمتع بالخوف أمامها.
"آه... أخيرًا صحيتي."
قالها بنبرة هادئة، لكن مشبعة بسخرية واضحة.
"بصراحة كنت مستني اللحظة دي... عايز أشوف رد فعلك لما تفهمي إنك مش في المكان اللي كنتي فاكرة نفسك فيه."
ارتجف جسدها...
بدأت تتحرك بعنف، تحاول فك القيود، تدفع نفسها، ترفض الواقع.
"مممم!!"
أدار رأسه قليلًا نحوها، نظرة جانبية باردة:
"اهدي شوية... الحركة الكتير مش هتفيدك في حاجة، بالعكس... هتخلي الموضوع أسوأ عليك."
توقف لحظة... ثم أضاف بصوت أخفض، أثقل:
"صدقيني... اللي جاي مش مجرد خطف وخلاص. انتي لسه ما شفتيش حاجة."
زاد هلعها.
ركلت بقدميها، حاولت تضرب الباب، تحرك جسدها بكل قوتها.
لكن-
في لحظة واحدة-
مدّ السائق يده للخلف بسرعة خاطفة، حركة مدربة... بلا تردد.
ضربة قوية استقرت على جانب رأسها.
تجمّدت.
ثانية واحدة-
ثم...
انهار جسدها مجددًا.
الوعي انطفأ... كشمعة في مهب الريح.
عاد السائق لوضعه، وكأن شيئًا لم يحدث.
عدّل المقود بهدوء...
وعيناه رجعتا للطريق... ثابتتان... خاليتان من أي شعور.
في الخلف-
كانت غزل ساكنة تمامًا.
لا حركة...
لا صوت...
مجرد جسدٍ يُسحب...
ببطء... بثبات...
نحو مصيرٍ لا يحمل أي رحمة
🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎
في فيلا الشرقاوي...
لم يعد المكان يشبه نفسه.
الهواء ثقيل... خانق...
والصمت يملأ الصالة الكبيرة، لكنه ليس صمت راحة... بل صمت متوتر، مشدود، كوترٍ على وشك أن ينقطع.
على الأريكة...
جلست ميار.
ملامحها شاحبة كأن الدم انسحب من وجهها، عيناها محمرتان من البكاء، ويديها متشابكتان بقوة في حجرها... كأنها تحاول أن تتمسك بشيء غير مرئي... شيء يتفلت منها.
"بنتي..."
خرجت الكلمة مكسورة... مهشمة.
"رجّعوا لي بنتي... بالله عليكم حد يرجّعها لي... أنا مش قادرة أستحمل الفكرة إنها لوحدها... وخايفة..."
انحنت قليلًا، واهتز جسدها مع بكائها.
بجوارها، كانت غرام تحتضنها، تمسح دموعها بحنان، لكن عينيها نفسها لم تكن مطمئنة.
"هترجع يا ميار... صدقيني هترجع... ربنا كبير ومش هيسيبها..."
لكن صوتها لم يكن يحمل يقينًا كاملًا... فقط محاولة للتماسك.
في الجهة الأخرى-
وقف سليم.
كالصخرة... لكن من الداخل يتصدع.
صدره يعلو ويهبط بعنف، عروق رقبته بارزة، وعيناه مشتعلة، مثبتتان على جاسر وكأنهما تحملانه المسؤولية كاملة.
"إزاي؟!"
انفجر صوته فجأة، كالرعد الذي يشق السماء.
"إزاي بنتي تتاخد من الشارع كده؟! إزاي يحصل ده وإنت بنفسك وعدتني إنها تحت حمايتك؟! ولا كلامك كله كان مجرد كلام وخلاص؟!"
الصمت سقط فجأة...
لكن هذه المرة كان أثقل.
جاسر لم يتحرك، لم يرفع صوته، لكنه نظر إليه بنظرة ثابتة... قاسية.
"إحنا مش بنتعامل مع بلطجية يا سليم..."
قالها بهدوء محسوب، لكن كل كلمة فيه كانت حادة.
"إحنا قدام جهة منظمة... بتخطط، بترصد، وبتتحرك بدقة. وده معناه إن اللي حصل مش صدفة، ولا غلطة بسيطة."
"وأنا مالي بالكلام ده؟!"
صرخ سليم، وقد فقد السيطرة.
"أنا مش عايز تحليل ولا شرح... أنا عايز بنتي! عايزها ترجع قدامي سليمة... دلوقتي قبل بكرة!"
في زاوية من المشهد-
كان ريان واقفًا.
صامت... يراقب.
عيناه تتحركان بين الوجوه... بين الغضب... والانكسار... والفوضى.
حتى-
توقفت على ميار.
امرأة تبكي... لا كأم فقدت السيطرة... بل كأم تشعر أن جزءًا من روحها انتُزع منها.
لثانية...
شعر بشيء غريب.
وخز... خفيف... لكنه عميق.
إحساس غير مفهوم... لكنه لم يكن مريحًا.
لكن قبل أن يستوعبه-
"ريان."
صوت جاسر قطعه.
التفتت الأنظار كلها نحوه.
"ده الملازم ريان..."
أكمل جاسر بنبرة رسمية واضحة.
"وهو المسؤول عن تأمين غزل من البداية... وهو دلوقتي جزء أساسي من فريق البحث."
تحركت نظرة سليم نحوه ببطء... من رأسه حتى قدميه...
نظرة تقييم... ثقيلة... مليئة بالشك.
ثم-
ضحك.
ضحكة قصيرة... باردة... جارحة.
"ملازم؟ ولا لسه طالب؟"
اقترب خطوة، نظر إلى جاسر بسخرية صريحة:
"هو الجهاز وصل لدرجة إن حماية بنتي تبقى في إيد واحد لسه بيتعلم؟ ولا إيه؟! ولا هو فاشل ومحدش عايزه في المهام المهمة... فقلتوا نجربه في بنتي؟!"
الصمت...
ثم-
تغير وجه ريان.
الهدوء الذي كان يلفه... انكسر.
لكن لم يصرخ.
لم ينفعل.
بل رفع رأسه ببطء... ونظر مباشرة في عيني سليم.
نظرة ثابتة... حادة.
"أنا آسف يا فندم..."
قالها بهدوء... لكن صوته كان أثقل مما يبدو.
ثم التفت إلى جاسر:
"بالشكل ده... أنا مش شايف إني الشخص المناسب للمهمة."
تجمدت الملامح.
"ريان-"
بدأ جاسر...
لكن ريان أكمل، بنبرة أكثر وضوحًا:
"أنا مش هدخل نفسي في قضية... صاحبها شايفني فاشل من قبل ما أبدأ. ده مش هيخليني أشتغل بكفاءة... ولا هيخلي في ثقة بين الطرفين."
ثم نظر مجددًا إلى سليم...
نظرة مباشرة... لا تحمل خوفًا.
"لو حضرتك شايف إنك تقدر تنقذ بنتك بنفسك... يبقى ده حقك."
ارتفعت أنفاس سليم، واقترب منه خطوة، الغضب في عينيه بلغ ذروته:
"إنت بتكلمني كده إزاي؟! إنت عارف بتكلم مين؟!"
لكن-
ريان لم يتراجع.
بل ردّ، بهدوء ساخر خفيف:
"بنفس الطريقة اللي حضرتك كلّمتني بيها... مفيش فرق."
تجمّد المكان.
التوتر أصبح ملموسًا.
سليم كاد ينفجر...
لكن-
توقف.
لأنه...
دقق النظر في وجهه.
ثانية...
ثانيتان...
شيء ما... مألوف؟
خط من الملامح... طريقة النظر...
لكن عقله لم يربط.
وقبل أن ينطق-
"كفااااية!"
صرخة ميار شقت المشهد.
وقفت فجأة، دموعها تنهمر بلا توقف، لكن هذه المرة... كان في عينيها غضب.
نظرت إلى سليم... نظرة لم يعتدها منها.
"اسكت بقى!"
الجميع صُدم.
حتى هو.
"مش وقتك تهين الناس وتكسر فيهم! بنتي مخطوفة... وأنا بموت كل ثانية... وإنت واقف تحارب اللي ممكن يساعدنا؟!"
صمت.
سليم نظر لها... وكأن الكلمات أصابته في مكان لم يكن مستعدًا له.
ثم-
تحركت ميار.
ببطء... بثقل...
حتى وصلت إلى ريان.
وقفت أمامه.
لثانية... نظرت له...
ثم-
مدّت يدها... وأمسكت يده.
يدها كانت باردة... مرتعشة.
"أنا آسفة..."
قالتها بصوت يكاد ينكسر.
"سامحني على اللي اتقال لك... مش ده وقته... وأنا... أنا مش قادرة أضيع أي فرصة... حتى لو صغيرة..."
رفعت عينيها إليه، ممتلئة برجاء صادق:
"رجّع لي بنتي... بالله عليك... أنا مليش غيرها... لو حصل لها حاجة... أنا مش هعيش بعدها."
الصمت عاد...
لكن هذه المرة... كان مختلفًا.
ريان نظر إلى يدها الممسكة بيده...
ثم إلى عينيها.
شيء داخله... تحرك.
ببطء.
أخذ نفسًا عميقًا...
ثم رفع نظره إلى سليم...
ثم عاد إليها.
صوته خرج هذه المرة أهدأ... لكنه أقوى:
"هترجع."
كلمة واحدة...
لكنها لم تكن وعدًا عاديًا.
سحب يده برفق...
ثم التفت إلى جاسر:
"أنا مكمل في المهمة... ومش هنسحب."
عيناه أصبحتا باردتين... حادتين...
كأن شيئًا ما استقر داخله.
ثم أضاف، بنبرة منخفضة... خطيرة:
"واللي عمل كده... مش هيفلت."
توقف لحظة...
ونظر للجميع.
"إحنا مش بس هنلاقيها... إحنا هنوصله."
🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎
باب الفيلا-
لم يُفتح... بل اندفع.
ارتطم بالجدار بقوة، واندفعت معه خطوات سريعة، متلاحقة، تكاد تسبق صاحبها.
"غزل فين؟!"
صوت غيث دوّى في الصالة كطلقة حادة، شقّ الصمت الثقيل الذي كان يملأ المكان.
دخل كالإعصار...
عيناه مذعورتان، تتحركان بسرعة بين الوجوه، كأنهما تبحثان عن إجابة تختبئ في أحدهم.
وجهه شاحب، أنفاسه متقطعة، صدره يعلو ويهبط بعنف، وكأن الطريق إلى هنا لم يكن مجرد مسافة... بل معركة.
خلفه، دخل رمزي بخطوات أسرع مما يسمح به هدوؤه المعتاد، ووراءه شيرلين، ملامحها مشدودة، وقلقها واضح في كل تفصيلة.
"غزل فين؟!"
كررها غيث، هذه المرة بصوت أعلى... أخطر... كأنه إن لم يسمع الإجابة الآن، سينهار أو ينفجر.
لكن-
لا أحد رد.
الصالة...
مليئة بالناس.
لكنها بدت فجأة... فارغة.
كلهم ينظرون إليه.
وهذا الصمت-
لم يكن حيادًا.
كان حكمًا.
توقف غيث فجأة في منتصف المكان.
خطواته انقطعت... كأن الأرض سحبته من تحته.
نظر حوله... ببطء...
ثم قال، بصوت منخفض، لكنه يحمل رعبًا صافيًا:
"حد... يرد عليا... ويقولي أنا فاهم غلط..."
ميار... لم تتحمل.
انفجرت بالبكاء من جديد، هذه المرة دون محاولة للتماسك.
وهنا-
فهم.
تجمد.
"لا..."
همسها أولًا، وهو يهز رأسه ببطء، كأنه يرفض الواقع نفسه.
"لا... لا، مش ممكن... غزل مش ممكن تختفي كده..."
خطوة للخلف...
ثم فجأة-
التفت بعنف.
عيناه وقعتا على جاسر.
"إنت!"
اندفع نحوه بخطوات سريعة، حادة، كل خطوة تحمل اتهامًا.
"إنت كنت المفروض تحميها! مش ده كلامك؟ مش إنت اللي قلتلي إنها تحت عينك؟!"
جاسر ثبت مكانه، نظره ثابت، صوته خرج هادئًا... لكنه مشدود:
"غيث... إهدى علشان نعرف-"
لكن غيث قاطعه بعنف، كأن الكلمة نفسها إهانة:
"أهدى إيه؟! أهدى إزاي وأنا داخل بيتي ومش لاقي مراتي؟! أهدى وأنا آخر واحد كان معاها... وكان المفروض أكون أنا الأمان ليها؟!"
صوته انكسر للحظة...
ثم عاد أقسى.
"كانت قدامي... بتتكلم معايا... بتتنفس... وفجأة... اختفت؟!"
قبض على شعره بعصبية، شدّه بقوة، كأنه يحاول انتزاع الفكرة من رأسه.
"إزاي؟! حد يقولي إزاي ده يحصل؟!"
اقترب أكثر من جاسر، حتى أصبحت المسافة بينهما مجرد خطوة.
عيناه تحترقان... لا بدموع... بل بشيء أخطر.
"إنت المسؤول... سواء عاجبك أو لأ... إنت اللي كنت شايل الملف ده... وإنت اللي وعدتني."
الصمت عاد...
لكن هذه المرة، كان الجميع على حافة الانفجار.
جاسر لم يتراجع... لم يخفض عينيه.
قال بثبات، نبرة قائد يعرف حجم الكارثة لكنه لا يسمح لنفسه بالانهيار:
"وأنا لسه عند كلامي... وهترجع. مش كلام مواساة... ده التزام."
"مش كفاية!"
صرخ غيث، وكأن الكلمة صفعة.
"أنا مش عايز التزام ولا وعود... أنا عايزها قدامي... دلوقتي! فاهم؟ دلوقتي!"
💀
تدخل رمزي بسرعة، صوته يحمل حزم الأب وقلق الرجل:
"غيث... كفاية كده... أنت كده مش بتساعد-"
"ما تقوليش كفاية!"
التفت له بعنف، صوته مكسور هذه المرة رغم حدّته:
"مراتي مخطوفة يا بابا... فاهم يعني إيه؟! يعني في حد خدها غصب عنها... وأنا واقف مش عارف أوصل لها!"
عاد بنظره إلى الجميع...
نظرة لم تكن فقط غاضبة...
بل خائبة.
"كلكم هنا... ناس كبيرة... نفوذ... علاقات... خبرة..."
ضحك بسخرية موجوعة.
"ومحدش فيكم عارف هي فين... ولا مين لمسها... ولا حتى ليه!"
اقتربت شيرلين منه، عيناها مليئتان بالدموع:
"يا حبيبي... إحنا كلنا-"
لكنه تراجع خطوة للخلف... بسرعة.
كأن مجرد اللمس... يؤلمه.
لم يكن يرفضها...
بل يرفض أن ينهار.
وفي تلك اللحظة-
كان ريان يراقب.
عيناه ثابتتان على غيث.
يرى فيه شيئًا مألوفًا...
رجل مكسور... نعم.
لكن أخطر من ذلك-
رجل مستعد يحرق كل شيء... مقابل أن يستعيد ما فقده.
تقدم خطوة.
صوته خرج هادئًا... لكنه يحمل حدة واضحة:
"إحنا مش قاعدين."
نظر إليه غيث فورًا.
نظرة صدام.
ريان أكمل، بثبات:
"في فرق كبير بين إنك تقف وتصرخ... وبين إنك تشتغل علشان توصل."
صمت قصير.
غيث حدق فيه، وكأنه يقيسه... يختبره.
ثم قال ببطء، بنبرة تحمل تهديدًا صريحًا:
"لو ما رجعتش... أنا مش هستنى حد. أنا هقلب الدنيا عليها... وهجيبها حتى لو اضطرّيت أكسر كل حاجة في طريقي."
ريان لم يتراجع.
لم يرمش حتى.
بل رد بنفس البرود... لكن بثقة أثقل:
"مش هتحتاج تعمل كده."
تقدم خطوة، لتصبح المسافة بينهما أقل.
"لأننا هنسبقك."
نظرة مباشرة... صامتة...
تحدي مقابل تحدي.
وفي تلك اللحظة-
لم يعد الأمر مجرد بحث.
بل سباق.
🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎
في فيلا عائلة البحيري، كانت الغرفة هادئة على نحوٍ يخدع... كأنها تُخفي تحت سكونها شيئًا يتربّص. جلست ميار الشابة خلف مكتبها، الكتب مفتوحة أمامها، وقلمها يتحرك ببطء فوق الصفحة دون تركيز حقيقي. عيناها لم تكونا مع الكلمات، بل في مكان آخر تمامًا... أفكار متشابكة، إحساس غامض بالقلق لا تعرف له سببًا.
وفجأة-رنّ الهاتف.
اهتزّ على الطاولة، فقطع ذلك الصمت الرقيق كحجر سقط في ماء ساكن. نظرت للشاشة، وما إن رأت الاسم حتى ارتسمت ابتسامة تلقائية على شفتيها، ابتسامة خفيفة دافئة لا تشبه توترها قبل لحظات. ردّت بسرعة، وصوتها يحمل تلك النغمة التي لا تخرج إلا لشخص واحد:
"وحشتني... كنت لسه بفكر فيك-"
لكن صوته لم يترك لها فرصة لتكمل.
"ميار..."
تجمّدت الابتسامة على وجهها. نبرة صوته... لم تكن طبيعية. كانت هادئة، نعم... لكنها هدوء مُثقل، كأن كل كلمة تُقال بعد صراع.
اعتدلت في جلستها فورًا، وقلبها بدأ يخفق بشكل غير مريح.
"في إيه؟ مالك؟"
ثانية صمت مرت... لكنها بدت أطول من اللازم. ثم جاء الصوت، منخفضًا... وكأنه يخشى أن ينطق بالحقيقة:
"غزل... اتخطفت."
لم تستوعب. للحظة، فقط لحظة، بدا وكأن عقلها رفض الكلمة.
ثم سقط القلم من يدها.
"إيه؟!" صرخت، وهي تقف فجأة حتى كاد الكرسي يسقط خلفها. "إنت بتقول إيه؟! إزاي يعني اتخطفت؟!"
"من شوية... محدش عارف حصل إيه بالظبط، العربية اتلاقت... وهي مش موجودة-"
"لا... لا..." بدأت تهز رأسها بعنف، كأنها تحاول طرد الفكرة من رأسها بالقوة. "مستحيل... مستحيل يحصل كده!"
"ميار، اسمعيني-"
لكنها لم تستمع.
أنهت المكالمة فجأة، وكأنها لو لم تسمع المزيد... ربما لا يكون الأمر حقيقيًا. ثم اندفعت خارج الغرفة، الباب انفتح بعنف، وخطواتها على السلم كانت سريعة، متعثرة، يطاردها خوفها قبل أن تصل.
"باباااا!"
صوتها اخترق الفيلا كلها، مليئًا بفزع لم يعتد عليه أحد منها.
في الأسفل، كانت العائلة مجتمعة، حديث خفيف كان يدور... قبل أن ينقطع فجأة. كل الرؤوس التفتت نحوها. أدهم وقف فورًا، قلبه انقبض من شكلها قبل أن يسمع كلمة واحدة.
"في إيه يا ميار؟! مالك؟!"
نزلت آخر درجة تقريبًا وهي تبكي، أنفاسها متقطعة، وكأن الكلمات ترفض الخروج:
"غزل... غزل-"
ثم خرجت أخيرًا، كطعنة:
"غزل اتخطفت!"
الصمت الذي تلاها... لم يكن صمتًا عاديًا. كان صمت صدمة، كأن الهواء نفسه توقف.
مها وضعت يدها على فمها، وعيناها اتسعتا برعب:
"يا نهار أبيض... إنتي بتقولي إيه يا بنتي؟!"
محمود اعتدل في جلسته فجأة، صوته خرج حادًا رغم محاولته التماسك:
"استني بس... اتخطفت إزاي؟ ومين قال كده؟!"
أدهم اقترب منها بسرعة، أمسك كتفيها وكأنه يحاول تثبيتها:
"إنتي متأكدة من اللي بتقوليه؟ في حد كلمك؟!"
هزّت رأسها بعنف، دموعها لا تتوقف:
"سليم كلمني حالًا... قال محدش عارف حاجة، قال إنها اختفت فجأة... العربية بس اللي اتلاقت!"
مها انهارت على المقعد، صوتها خرج مخنوقًا بالبكاء:
"بنتي... يا حبيبتي يا بنتي... كانت لوحدها؟! حد كان معاها؟!"
زياد وقف مكانه، يمرر يده في شعره بتوتر واضح:
"دي مش حاجة بسيطة... دي عملية كبيرة، اللي عمل كده عارف هو بيعمل إيه."
هايدي نظرت حولها بقلق، صوتها منخفض لكنه واضح:
"في حد مخطط... ده مش خطف عشوائي، دي رسالة."
لكن قبل أن يكمل أحد-
جاء صوت آخر. بارد... حاد... كالسهم.
"أكيد وراها هو."
التفتت كل الأنظار نحو ممدوح.
وقف، عيناه مشتعلة بحقد قديم لم يخفت، وكأن الخبر لم يفاجئه بقدر ما أيقظ شيئًا بداخله.
"مين؟" سأل سيف، حاجباه معقودان.
ردّ ممدوح دون تردد، بنبرة تقطر سمًا:
"ياسر."
شهقت وفاء، وقفت فجأة وكأن الاسم صدمها جسديًا:
"إنت بتقول إيه؟! إزاي تفكر كده؟!"
لكن ممدوح لم يتوقف، كأنه وجد أخيرًا ما يُخرج كل ما بداخله:
"هو ده وشه وش خير؟! من يوم ما رجع وكل حاجة بتقع حوالينا! مصايب ورا مصايب!"
اقترب خطوة، صوته ارتفع:
"مش بعيد يكون هو اللي عملها... عايز يوجعنا، يورينا إنه لسه موجود!"
"كفاااية!" صرخت وفاء، صوتها انكسر وهي تبكي. "حرام عليك! ده ابنك مهما حصل!"
ضحك ممدوح بسخرية قاسية، نظرة احتقار مرّت في عينيه:
"ابني؟! أنا ما عنديش ابن بالاسم ده... اللي عمله زمان مسح أي صلة بيني وبينه!"
دموع وفاء سقطت بلا توقف، صوتها صار رجاءً أكثر منه اعتراضًا:
"كفاية ظلم... كفاية قسوة... مش كل حاجة تتحط عليه-"
لكنه قاطعها بحدة، وعيناه تشتعلان:
"لو طلع هو اللي عملها... أقسم بالله أنا اللي هحاسبه بإيدي، ومش هرحمه!"
في وسط هذا الانفجار...
كانت ميار الشابة واقفة، تنظر إليهم جميعًا وكأنها خارج المشهد. الأصوات تصلها مكتومة، الوجوه تتحرك... لكن عقلها كان في مكان واحد فقط.
غزل.
وحدها.
خائفة..
ربما تبكي... ربما تنادي أحدًا... ولا أحد يسمعها.
أما مها، فكانت تبكي بحرقة، تمسك طرف ثوبها وكأنها تتمسك بشيء سينقذها:
"أنا عايزة بنتي و حفيدتي... أي حد يطمني عليها... يقول لي إنها كويسة... بس كويسة..."
لكن لا أحد كان يملك إجابة.
وفي قلب هذا الانهيار... كانت الحقيقة تتحرك في الظل، تتشابك خيوطها أكثر، وتصبح... أخطر مما يتخيلون.
🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎
في مكانٍ معتم... لا يشبه أي مكان تعرفه غزل.
هواء بارد يتسلل إلى عظامها قبل جلدها، وثقل غريب في رأسها كأنها خرجت من قاع ماءٍ مظلم لا قرار له. أنفاسها متقطعة، متكسرة، وكل محاولة لالتقاط وعيها كانت كأنها تسحب نفسها من حفرة لا تنتهي.
ارتجف جفنها... مرة... مرتين...
ثم فتحت عينيها.
الرؤية لم تكن واضحة. سقف رمادي باهت، إضاءة صفراء خافتة تتدلّى بلا رحمة، ورائحة معدنية باردة تملأ المكان... شيء بين الصدأ والفراغ.
حاولت أن تتحرك.
ألم حادّ في معصميها.
نظرت بسرعة...
مقيدة.
حبال أو أغلال مشدودة بإحكام لا يترك مجالًا للهرب، وقدماها كذلك، وكأن المكان قرر أن يمحو فكرة الحركة من الأساس.
تسارع نبضها.
"أنا... فين؟"
همست لنفسها قبل أن تخرج الكلمة بصعوبة من حلقها.
رفعت رأسها ببطء...
ثم توقّفت الحياة داخلها.
امرأة.
تقف أمامها.
بهدوء كامل.
لا حركة زائدة... لا توتر... فقط ثبات مخيف، كأنها جزء من المكان نفسه.
أنيقة بشكل لافت، ثياب سوداء باهظة، شعر مرتب بدقة قاسية، ووجه جميل... لكن جمالًا لا يحمل دفئًا، بل برودة معدنية، كتمثال صُنع لشيء واحد فقط: الحكم.
عيناها...
ليستا عيني إنسان عادي.
كانت تنظر كأنها تزنها، تحللها، ثم تقرر مصيرها دون تردد.
صمت طويل.
لم تتكلم المرأة.
لم تبتسم بعد.
فقط كانت تنظر.
وغزل بدأت تشعر أن هذا الصمت نفسه يضغط على صدرها.
بلعت ريقها بصعوبة، صوتها خرج مهتزًا، مكسورًا:
"إنتي... إنتي مين؟"
ابتسامة صغيرة تشكلت على شفتي المرأة... بطيئة، محسوبة، لكنها لم تصل إلى عينيها أبدًا.
خطت خطوة واحدة.
كعب حذائها ارتطم بالأرض بصوت خافت... لكنه بدا في عقل غزل كأنه طلق ناري في غرفة مغلقة.
"أخيرًا... صحيتي."
قالتها بصوت ناعم بشكل مخيف، كأنها تختار كل حرف بعناية حتى لا يضيع أثر الألم.
اقتربت أكثر، ثم انحنت قليلًا حتى أصبحت على مستوى عينيها.
"كنتِ أهدى... لما كنتي نايمة."
ارتجفت غزل.
"أنا... عملت لك إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة... إنتي ليه ماسكاني؟"
ثانية صمت.
ثم ضحكة قصيرة.
باردة.
قاسية.
كأنها خرجت من مكان لا يعرف الرحمة.
"عملتي إيه؟"
رفعت حاجبها ببطء، وكأن السؤال نفسه مضحك.
"إنتي عملتي حاجات كتير أوي... بس واضح إنك نسيتي."
تقدمت خطوة أخرى.
الصوت تغيّر... أصبح أعمق، أثقل.
"قتلتي أخويا."
كلمة واحدة.
لكنها كسرت الهواء حول غزل.
اتسعت عيناها فجأة.
"أنا؟!"
ارتبك صوتها، ارتجفت حروفها.
"أنا ما قتلتش حد... أنا-"
لكن المرأة رفعت يدها، مقاطعة، ببرود قاطع لا يحتمل النقاش.
"لورانزو."
الاسم سقط في المكان كرصاصة بطيئة.
تجمد جسد غزل بالكامل.
الذكريات... ليست واضحة، لكنها كافية لتفتح بابًا من الخوف القديم داخلها.
"لا..."
همست وهي تهز رأسها بعنف خفيف، كأنها تحاول إغلاق باب انفتح رغماً عنها.
"إنتي غلطانة... أنا ما-"
لكن المرأة لم تتركها تكمل.
فجأة أمسكت فكها بقوة.
ألم حاد جعل غزل تئن بصوت مكتوم.
اقتربت المرأة أكثر، عيناها أصبحتا أخطر، أهدأ... كهدوء ما قبل الإعدام.
"هو مات..."
قالتها ببطء شديد.
"وإنتي كنتي آخر واحدة في طريقه... ده كفاية عندي."
سكون.
ثم أكملت، صوتها أخفض لكن أكثر رعبًا:
"أنا مش محتاجة تفسير... أنا محتاجة نتيجة."
ارتجف جسد غزل.
"اسمعيني... والله أنا ما ليش علاقة... أنا ما كنتش أعرف حتى-"
لكن المرأة دفعتها فجأة.
سقطت غزل للخلف، اصطدمت بالأرض، أنفاسها اختلطت بالألم والهلع.
المرأة اعتدلت، ونفضت يدها كأنها لم تلمس شيئًا.
"أنا مش جاية أسمع تبريرات."
قالتها ببرود تام.
ثم بدأت تدور حولها ببطء... كأنها تتأمل قطعة انتهت صلاحيتها لكنها لم تُكسر بعد.
"أنا جاية أشوف... قد إيه هتستحملي."
توقفت خلفها.
ثم انحنت قليلًا وهمست قرب أذنها:
"قد إيه تقدري تعيشي وإنتي بتتكسري."
ارتجفت غزل، حاولت أن تتحرك، أن تبتعد، أن تفهم أي شيء... لكن القيود كانت أقوى من إرادتها.
"ليه؟... ليه بتعملي كده؟!"
صوتها خرج أقرب للبكاء.
لكن الرد جاء هادئًا جدًا... مخيفًا في هدوئه.
"لأنك دفعتِ التمن قبل كده... بس ما دفعتيهوش كامل."
ابتعدت خطوة.
ثم أشارت للحراس عند الباب دون أن تنظر لهم.
"جهزوها."
ارتجفت غزل بقوة.
"استني...! أنا ما عملتش حاجة! والله ما-"
لكن المرأة كانت بالفعل تلتفت.
تستعد للمغادرة.
ثم توقفت.
دون أن تنظر خلفها قالت بصوت منخفض، بارد كالجليد:
"استعدي يا غزل..."
سكون.
"اللي جاي... مش هيبقى تحقيق... ولا انتقام عادي."
صمت قصير.
ثم أضافت:
"ده تدريب على الانهيار."
خرجت.
وأُغلق الباب خلفها بهدوء قاتل.
وبقيت غزل وحدها...
مقيدة...
تتنفس بصعوبة...
في غرفة بدأت تتحول تدريجيًا من مكان...
إلى بداية جحيم لا تعرف نهايته
🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎
في فيلا الشرقاوي...
وخلف الجدران التي امتلأت بالصراخ والاتهامات في الخارج...
كان هناك عالم آخر تمامًا.
عالم صغير...
هادئ ظاهريًا...
لكن القلق فيه كان يمشي على أطراف أصابعه.
غرفة واسعة مليئة بالألعاب، ألوانها زاهية... دمى... سيارات... مكعبات متناثرة...
مكان صُمم للضحك.
لكن اليوم-
الضحك اختفى.
جلس الأطفال متفرقين...
كلٌ في زاويته...
كأنهم يشعرون بشيء لا يفهمونه... لكنه يضغط على صدورهم.
ياسين الصغير كان في قلب المشهد.
وجهه احمرّ... عيناه لمعتا بالدموع... شفته السفلية بدأت ترتعش...
"آآه..."
صوت صغير... لكنه كان كفيلًا بكسر ما تبقى من تماسك.
وقبل أن ينفجر بالبكاء-
اندفعت حور نحوه بسرعة، حملته بين ذراعيها وكأنها تخطفه من الحزن نفسه.
"لا لا لا... يا روحي، إيه ده بس؟! مين اللي مزعّل القمر ده؟"
صوتها كان مليئًا بمحاولة اليقين... حتى لو لم تشعر به.
ضمّته إليها بقوة... تهزه برفق... تمسح على شعره الصغير بيد مرتعشة قليلًا.
"بصلي... بص يا ياسين، أنا هنا... مش لوحدك خالص، فاهم؟ أنا خالتك حور... وماينفعش تزعل وأنا موجودة كده!"
أمسكت لعبة صغيرة من الأرض... حركتها أمام عينيه وهي تبتسم بإصرار.
"شايف العربية دي؟ دي بتقولك بلاش عياط... عيب على الرجالة الكبار كده!"
ابتسمت... لكن عينيها لم تبتسم.
بجوارها، جلس مازن على الأرض، يحاول أن يشارك بطريقته... لكن محاولته كانت مهزوزة مثل صوته.
"بوووو!"
قالها وهو يحاول إخافة ياسين بشكل مضحك... ثم كررها بصوت أخف، كأنه لا يملك طاقة كافية.
"بوو... طب ضحك بقى... مش كده؟"
لكن ملامحه كانت مكشوفة.
هو ليس بخير.
ولا يعرف كيف يخفي ذلك.
أما أمجد، فاقترب بلعبة سيارة... حرّكها على الأرض ببطء، ثم رفعها أمام ياسين.
"بص... عربية سباق... دي سريعة أوي، ممكن تروح تجيب ماما وترجع، إيه رأيك؟"
قالها بنبرة حاول أن يجعلها خفيفة... لكن عينيه خانتاه.
كان يبحث عن شيء... أو بالأحرى... عن أحد.
محمد جلس في الزاوية، صامتًا، ينظر إلى الأرض وكأنه يحاول فهم ما لا يُفهم.
أما سارة... فكانت الأكثر هدوءًا.
هادئة... بشكل غير مريح.
لم تتحرك كثيرًا... لم تتكلم... فقط كانت تراقب.
عيناها تتنقل بين الوجوه... تلتقط التفاصيل... كأنها تجمع قطع لغز لم يكتمل بعد.
وفي منتصف الغرفة-
وقف أدهم.
ثابت.
صامت.
لكن داخله لم يكن كذلك.
وجهه متماسك بشكل متعمد... فكّه مشدود... عينيه تحاولان أن تكونا قويتين...
لكن الحقيقة كانت واضحة لمن يدقق.
هو يعرف.
قبض يده بقوة حتى برزت عروقه... ثم قال بصوت منخفض، لكنه يحمل أمرًا لا يُناقش:
"خلوه ما يعيطش... بأي طريقة."
التفتوا له جميعًا.
لم يكن صوته عاليًا... لكنه كان كافيًا.
اقترب بخطوات بطيئة... جلس بجانب حور... نظر إلى ياسين طويلًا.
طفل صغير...
لا يفهم شيئًا...
لكن يشعر بكل شيء.
ابتلع أدهم ريقه بصعوبة... صوته خرج أخف مما أراد:
"هو... بيعيط كده ليه؟ كان مع ماما قبل ما..."
توقف.
لم يكمل.
ثم نظر إلى حور:
"إنتي كويسة؟ قادرة تمسكيه؟"
هزّت رأسها بسرعة، رغم ارتباكها:
"آه... أنا كويسة... بس..."
ترددت... نظرت له بعينين ممتلئتين بالأسئلة:
"أدهم... هي فين غزل؟ يعني... هي مش بترد على حد... إيه اللي بيحصل؟"
الصمت سقط فجأة.
كل حركة توقفت.
حتى مازن... سكت.
كلهم نظروا إلى أدهم.
ينتظرون.
كلمة.
أي كلمة.
أدهم أخذ نفسًا بطيئًا... حاول أن يضبط ملامحه... أن يختار كذبة لا تكسرهم.
"هترجع."
قالها بثبات مصطنع.
"قريب... جدًا كمان."
نظر له مازن، حاجباه انعقدا:
"قريب؟ يعني راحت فين أصلاً؟ هو إيه اللي بيحصل؟"
تردد أدهم لثانية...
ثم قال:
"مشوار... عندها حاجة وراحت تخلصها."
الكذبة خرجت.
واضحة.
ثقيلة.
لكن-
لم يعترض أحد.
لأنهم... لم يريدوا الحقيقة.
سارة فقط...
كانت تنظر له.
نظرة طويلة... صامتة...
كأنها تقول: "أنا عارفة إنك مش صادق."
لكنها لم تتكلم.
أما حور... فشدّت ياسين أكثر، وابتسمت له بحنان:
"سمعت؟ ماما راحت مشوار صغير وهترجع بسرعة... وإحنا هنستناها سوا، تمام؟"
ثم قبّلت رأسه:
"وإنت لازم تبقى شاطر لحد ما تيجي... عشان تفرح بيك."
ياسين بدأ يهدأ تدريجيًا...
شهقاته خفّت... ثم خرجت منه ضحكة صغيرة... ضعيفة... لكنها كانت كأنها ضوء صغير في غرفة مظلمة.
تنفس الجميع قليلًا.
لحظة هدوء...
لكنها لم تصل إلى أدهم.
رفع عينيه ببطء نحو الباب.
نظرته كانت بعيدة...
أبعد من الغرفة... أبعد من الفيلا...
كأنها تبحث عن مكان واحد فقط.
غزل.
قبض يده بقوة مرة أخرى.
وفي داخله... لم يعد هناك طفل.
"أنا هجيبك..."
قالها بصمت.
"مهما حصل... ومهما كانوا مين."
ثم أظلمت عيناه أكثر...
بشيء لم يعد بريئًا.
"واللي عمل كده..."
توقف.
نَفَس ببطء...
"مش هسيبه يعيش كأن حاجة ما حصلتش."
🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎
في فيلا البحيري...
كان البيت يتحرك كخلية نحل مذعورة.
خطوات تتسارع على السلالم، أصوات أوامر متقطعة، أبواب تُفتح وتُغلق بعجلة...
كل شيء يصرخ بأن هناك كارثة على الأبواب.
لكن-
في الطابق العلوي...
خلف بابٍ مغلق بإحكام...
كان هناك عالم آخر تمامًا.
عالم بلا ضوضاء...
بلا فوضى...
بل-
مشحون... خانق... كأن الهواء نفسه يحمل شرارة تنتظر الانفجار.
وقف زياد في منتصف الغرفة.
ظهره مشدود... أنفاسه ثقيلة...
الهاتف ملتصق بأذنه، وأصابعه تضغط عليه بقوة كأنه يخنقه.
"اسمعني كويس... أنا مش فاضي ألعب معاك."
صوته خرج حادًا، جافًا، بلا ذرة صبر.
"أنا طلبت حاجة بسيطة... عنوانه. عايزه دلوقتي، حالًا، مش بعد شوية ولا لما تراجع ملفاتك ولا أي هبل من ده."
صمت قصير...
ثم تغيّرت ملامحه فجأة، واشتعلت عيناه.
"لا، أنت مش فاهم!"
صوته ارتفع بشكل مخيف.
"في بنت مخطوفة! فاهم يعني إيه مخطوفة؟! مش وقت إجراءات ولا روتين... هاتلي العنوان فورًا وإلا-"
توقف...
فكه انقبض... أنفاسه تسارعت.
"ولو طلع هو اللي ورا اللي حصل..."
قالها ببطء، وكل كلمة كانت تقطر تهديدًا:
"أنا مش هسيبه للشرطة... ولا لأي حد. أنا اللي هحاسبه... بإيدي."
💀
أنهى المكالمة بعنف، وكأن الضغط على زر الإغلاق لم يكن كافيًا لتفريغ الغضب.
رمى الهاتف على الطاولة... صدره يعلو ويهبط...
والصمت سقط فجأة، ثقيلًا كستارة مسرح أُسدلت بعد مشهد دموي.
"زياد..."
صوتها جاء هادئًا... لكنه لم يكن ضعيفًا.
التفت قليلًا... دون أن ينظر بالكامل.
كانت هايدي تقف خلفه.
لم تكن خائفة.
لكن عينيها... كانتا تقولان إنها ترى ما لا يريد هو رؤيته.
اقتربت خطوة، ببطء محسوب.
"إنت متأكد من اللي بتعمله؟ متأكد إنك ماشي في الطريق الصح؟"
رد دون أن يلتفت:
"آه. متأكد. أكتر من أي وقت."
"حتى لو الطريق ده ممكن يدمرك؟"
قالتها بهدوء، لكن بنبرة اخترقت المسافة بينهما.
التفت لها فجأة.
نظرة حادة... مشتعلة.
"دمار؟"
ضحك بسخرية قصيرة، بلا روح.
"الدمار الحقيقي إنك تسكتي لما يكون في حد بيأذي اللي بتحبهم... وأنا مش هسكت."
تقدمت خطوة أخرى، أقرب هذه المرة.
"ده اخوك يا زياد... مش واحد غريب."
سكتت لحظة... ثم أضافت بصوت أخفض:
"و توأمك...."
الكلمة أصابته كرصاصة.
"أخويا؟"
كررها ببطء، ثم ضحك... ضحكة مرة، قاسية.
"أخويا اللي حاول يقرب من
بنت عمه؟! أخويا اللي أنا شفت بعيني-"
"إنت شفت اللي اتخليت تشوفه."
قاطعتـه بهدوء... لكن بنبرة حاسمة كسكين.
الصمت تمدد بينهما.
زياد ثبت نظره فيها...
ثانية... ثانيتين...
كأن عقله يحاول يرفض الفكرة قبل حتى أن يفكر فيها.
"يعني إيه؟"
قالها ببطء، بحذر، كأنه لا يريد الإجابة.
اقتربت أكثر... حتى صارت على بعد خطوة واحدة فقط.
"يعني مش كل حاجة قدامك كانت حقيقة... ومش كل اللي حصل كان صدفة."
رفعت عينيها إليه مباشرة:
"في حد لعب بعقلك... وبثقتك... وخلاك تشوف اللي هو عايزه بس."
شيء اهتز داخله.
لحظة صغيرة... كشرخ في جدار صلب.
لكن-
كبرياؤه تدخل بسرعة... كحارس غاضب.
أدار وجهه بعيدًا.
"مش وقته الكلام ده."
نبرته عادت باردة... قاطعة.
"دلوقتي في بنت مخطوفة... وده أهم من أي نقاش قديم."
ثم أكمل، ببطء أخطر:
"ولو هو ليه علاقة باللي حصل..."
شد قبضته بقوة حتى ابيضت مفاصله:
"أنا مش هرحمه."
اقتربت منه أكثر، كأنها ترفض أن تتركه يهرب.
"ولو مش هو؟"
سؤال بسيط... لكنه ثقيل كحكم.
سكت.
ثانية...
ثانيتان...
ثلاث.
لكنه... لم يجب.
هايدي أغمضت عينيها لحظة، كأنها تلقت الإجابة رغم الصمت.
ثم فتحتها ونظرت له بحزن واضح.
"إنت بتكرر نفس الغلطة يا زياد... نفس الغلطة اللي دمرت كل حاجة قبل كده."
صوتها لم يرتفع... لكنه كان مليئًا بألم صادق.
"بتصدق أول رواية توصلك... وبتبني عليها حكم نهائي... من غير ما تدور... من غير ما تشك لحظة."
استدار لها فجأة.
"كفاية."
قالها بصوت منخفض... لكنه كان مرعبًا أكثر من الصراخ.
"أنا مش ناقص جدال دلوقتي... ولا عندي استعداد أسمع نظريات."
نظر لها مباشرة، بنظرة قاسية لم تعتدها منه:
"وخليكي برا الموضوع ده خالص... عشان ما أطلعش غضبي فيكي."
الكلمات سقطت... ثقيلة... جارحة.
لكنها-
لم تتراجع.
نظرت له... طويلًا... بثبات.
ثم قالت بهدوء عميق:
"أنا مش خايفة منك يا زياد."
توقفت لحظة... وعيناها لانت قليلًا:
"أنا خايفة عليك... من نفسك... ومن اللي بيوجهك من غير ما تحس."
هذه المرة...
هو من هرب بعينيه.
استدار بعيدًا... كأن النظر لها أصبح أصعب من مواجهة العالم كله.
أما هي...
فوقفت مكانها... لثوانٍ.
ثم أخذت نفسًا عميقًا... ببطء.
وعندما فتحت عينيها-
لم تعد نفس النظرة.
الحزن لم يختفِ...
لكنه تحوّل.
إلى شيء أهدأ...
أبرد...
أخطر.
"خلاص..."
همست لنفسها.
"كفاية لحد هنا."
بدأ عقلها يعمل بسرعة...
قطع متناثرة تتجمع:
صوت دارين...
المكالمة...
التصرفات...
التوقيت...
ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيها.
ابتسامة لا تحمل دفئًا... بل وعدًا.
"لو إنت مش شايف الحقيقة..."
همست بصوت منخفض:
"أنا هخلي الكل يشوفها."
رفعت هاتفها ببطء...
أصابعها ثابتة هذه المرة.
"هفضحك..."
قالتها بهدوء بارد.
"قدام الكل... ومن غير ما أسيب لك فرصة تهرب."
وفي تلك اللحظة-
لم تعد مجرد شاهدة على اللعبة.
بل-
لاعبة جديدة...
قررت تدخل الساحة...
وتقلب الطاولة.
🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎
في غرفة دارين...
كان الصمت لا يشبه الهدوء... بل يشبه فخًا مفتوحًا.
الستائر الثقيلة مسدلة بإحكام، تحجب ضوء النهار، ولا تسمح إلا بخيوط باهتة تتسلل كأنها خائفة من الدخول.
المكان أنيق... منظم... لكن الهواء نفسه كان متوترًا، كأن الجدران تسمع... وتخزن.
وقفت دارين أمام المرآة.
ثابتة... بلا حركة.
لكن عينيها... لم تكونا ساكنتين.
تحدق في انعكاسها كأنها تبحث عن إجابة مخبأة خلف صورتها.
"مين...؟"
همست ببطء، وكأن الكلمة تخرج من عمق شكّها.
مالت برأسها قليلًا، ضيّقت عينيها أكثر.
"مين اللي يقدر يعمل ضربة بالحجم ده... من غير ما يوصل لي خبر؟"
استدارت فجأة... خطواتها سريعة، غير منتظمة.
"مين يجرؤ أصلاً؟!"
ضربت الطاولة بيدها بقوة، فاهتزت المزهرية فوقها.
أنفاسها تسارعت، وصدرها ارتفع وانخفض بعنف.
"أنا مش واحدة بيتلعب عليها!"
قالتها بصوت أعلى، وكأنها تحاول إقناع نفسها قبل أي أحد.
"كل حاجة بتمر من تحت إيدي... كل حاجة! يبقى إزاي ده يحصل وأنا آخر واحدة تعرف؟!"
توقفت فجأة.
جسدها تجمد... وعيناها لمعتا.
"ولا..."
قالتها ببطء... أخطر من الصراخ.
"في حد بيلعب... من ورايا؟"
الصمت ازداد ثقلًا.
وفجأة-
رنّ الهاتف.
نظرت للشاشة بسرعة.
اسم أحد رجالها.
ردت فورًا، نبرتها حادة:
"اتكلم... في إيه؟"
جاءها الصوت مترددًا... مرتبكًا:
"مدام دارين... في مشكلة كبيرة حصلت، وإحنا... إحنا لسه بنحاول نفهم-"
"اختصر."
قاطعتـه ببرود قاتل.
"أنا مش فاضية أسمع تمهيد... قول النتيجة."
ابتلع الرجل ريقه عبر الهاتف:
"الشحنة... اتقبض عليها."
كأن الكلمة سحبت الهواء من الغرفة.
"إيه؟"
قالتها ببطء، غير مستوعبة.
"إنت قلت إيه؟ عيد الكلام تاني كده... يمكن أنا سامعتش كويس."
"الشرطة الإيطالية يا فندم... مسكت الشحنة عند السواحل، وفي تفتيش دقيق حصل... وكأن-"
"وكأن إيه؟!"
صرخت فجأة.
"كأنهم كانوا مستنينها؟! كأن في حد قالهم؟!"
صمت الرجل... لحظة واحدة كانت كفيلة بتأكيد شكها.
"إزاي ده يحصل؟!"
صوتها اهتز بالغضب.
"إزاي عملية بالحجم ده تقع... وإنتوا ولا حد فيكم يحس؟!"
"إحنا مش فاهمين يا فندم، بس في احتمال-"
أغلقت الخط في وجهه.
بلا كلمة.
سكون...
ثانية...
اثنتان...
ثم-
انفجرت.
رمت الهاتف في الحائط بعنف، فتحطم إلى أجزاء.
دفعت الطاولة بقوة، فسقطت المزهرية وتكسرت على الأرض.
خطواتها أصبحت عشوائية... كأنها تحارب شيئًا غير مرئي.
"مستحيييل!"
صرخت بصوت ملأ الغرفة.
"أنا... عمري ما بفشل!"
أنفاسها أصبحت حادة... متقطعة.
"ولا مرة... ولا مرة صفقة تقع مني بالشكل ده!"
قبضت على شعرها بقوة، كأنها تحاول انتزاع الإجابة من رأسها.
"مين لعبها؟!"
"مين اللي سرب؟!"
"مين اللي فكر إنه يقدر يقف قصادي؟!"
توقفت فجأة.
ببطء... شديد البطء...
رفعت رأسها.
نظرة باردة ظهرت في عينيها... خطيرة.
"اللي عمل كده..."
قالتها بهدوء يخيف أكثر من الصراخ.
"هخليه يتمنى الموت... ومش هيلاقيه."
رنّ الهاتف مرة أخرى.
هذه المرة...
رقم مجهول.
تجمدت لثانية.
ليس خوفًا...
بل حسابًا.
ثم التقطت الهاتف، وردت:
"مين؟"
صمت.
ثم-
ضحكة.
بطيئة... ممتدة... مستفزة.
"واضح إن التوقيت مش مناسب خالص..."
قال الصوت بسخرية لاذعة.
اشتعلت عيناها.
"إنت مين؟ وإزاي جبت الرقم ده؟!"
ضحك مجددًا، بهدوء مستفز:
"بصراحة... أنا زعلان عليكِ."
توقف لحظة، وكأنه يتذوق كلماتها القادمة.
"صفقة بالحجم ده... وتضيع من إيدك كده؟ خسارة كبيرة."
قبضت يدها بقوة حتى ابيضت مفاصلها.
"إنت مين؟!"
قالتها بحدة أشد.
"ولو فاكر إنك بتستفزني بالكلام ده... تبقى غلطان، لأنك مش فاهم إنت بتكلم مين."
الصوت اقترب... أصبح أهدأ... لكنه أثقل.
"أنا فاهم كويس جدًا إنتِ مين."
قالها ببطء.
"وفاهم أكتر إنتِ متعودة على إيه... على إن كل حاجة تمشي زي ما تحبي... وإنك دايمًا سابقاهم بخطوة."
صمت لحظة...
ثم أضاف:
"بس شكلها أول مرة... تتفاجئي."
عينها ارتجفت.
شيء في صوته...
ثقة... معرفة...
مش مجرد تهديد.
صرخت:
"رد عليا! إنت مين بالظبط؟ وبتتكلم بثقة دي على أساس إيه؟!"
...
ثانية صمت.
ثم-
تغيّر صوته.
اختفت السخرية...
وجاء بدلها شيء أبرد... أثقل... أخطر.
"أنا؟"
قالها ببطء شديد.
ثم أكمل... كأن كل حرف محسوب:
"أنا... ملك موتك."
سكون.
الكلمة لم تكن مجرد تهديد...
كانت وعدًا.
تجمدت دارين في مكانها.
أما الصوت... فأكمل بهدوء مرعب:
"واللي جاي... مش هيكون مجرد خسارة صفقة... ولا مشكلة صغيرة تقدري تتحكمي فيها."
توقف لحظة...
ثم همس:
"أنا هخلي كل خطوة تمشيها... وكل نفس تاخديه... يبقى وجع."
"هخلي حياتك تتحول لحاجة إنتِ بنفسك مش هتعرفي تهربي منها."
سكون قصير...
ثم الكلمة الأخيرة:
"جحيم."
أُغلق الخط.
بقيت دارين واقفة.
الهاتف في يدها...
لكن أصابعها...
كانت ترتعش.
لأول مرة منذ سنوات.
نظرت أمامها... دون تركيز.
العالم حولها لم يتغير...
لكن إحساسها به... تغيّر تمامًا.
همست بصوت خافت:
"مين ده...؟"
رفعت عينيها ببطء نحو المرآة.
انعكاسها...
لم يعد واثقًا كما كان.
بل-
حذر.
متيقظ.
كأنها... أصبحت هي نفسها... الهدف.
"اللعبة..."
قالتها ببطء.
"اتغيرت."
🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎
في مكانٍ لا يحمل اسمًا...
ولا يعترف بوجود العالم خارجه...
غرفة ضيقة...
جدرانها رمادية باردة كأنها لم تعرف الدفء يومًا...
رطوبة تتسلل إلى الأنفاس فتجعل الهواء أثقل من أن يُحتمل...
ومصباح أصفر يتدلّى من السقف، يتأرجح ببطء، يرسم ظلالًا مشوهة تتحرك على الجدران كأشباح صامتة.
على الأرض-
كانت غزل.
جسدها مرهق...
يدَاها مقيدتان بإحكام خلف ظهرها...
قدماها مربوطتان...
وشعرها مبعثر حول وجه شاحب...
لكن-
عينيها...
مستيقظتان.
ليستا عيني ضحية...
بل عيني شخص... يرفض أن يُهزم.
رفعت رأسها بصعوبة، أنفاسها متقطعة، وكأن كل شهيق معركة صغيرة.
همست بصوت مكسور، بالكاد يُسمع:
"يا رب..."
أغمضت عينيها لحظة...
دمعة انسلت بهدوء على خدها.
"خلي غيث بخير..."
توقفت، وكأن الاسم وحده يمنحها قوة خفية.
"وخلي ياسين... ما يكونش خايف... ما يكونش بيعيط عليّا."
عضّت شفتها لتمنع نفسها من الانهيار.
ارتجف جسدها... ثم شدّت نفسها.
"أنا كويسة..."
همست لنفسها، هذه المرة بنبرة أقوى.
"أنا لازم أكون كويسة... عشانهم... مش عشانّي بس."
رفعت رأسها ببطء...
وفي تلك اللحظة-
تغيّر شيء.
الضعف...
انسحب.
وحلّ مكانه...
صلابة صامتة.
"تك... تك... تك..."
صوت خطوات عالية الكعب اخترق الصمت.
منتظمة... واثقة... كأنها إعلان دخول لا يحتاج إذنًا.
توقفت أمام الباب.
ثانية...
ثم-
انفتح ببطء.
ودخلت...
فالينتينا.
أناقة سوداء قاتلة...
خطوات محسوبة...
وجه جميل حد القسوة...
ونظرة... لا تعرف الرحمة.
توقفت على بعد خطوات...
تأملت غزل من أعلى لأسفل، كما يُفحص شيء تم امتلاكه.
ثم قالت، بنبرة ساخرة باردة:
"أخيرًا صحيتي... كنت فاكرة إني هضطر أصحيكي بطريقة تانية، شكلها مش هتعجبك."
اقتربت خطوة...
ثم أخرى...
حتى أصبحت قريبة بما يكفي لترى أدق تفاصيل وجهها.
"إيه رأيك في المكان؟"
سألتها ببطء، وكأنها تعرض عليها جناحًا فندقيًا.
الصمت.
غزل رفعت رأسها.
نظرت لها مباشرة.
لا خوف.
لا ارتباك.
فقط-
تحدي صريح.
ابتسمت... ابتسامة خفيفة، ساخرة:
"بصراحة؟"
توقفت لحظة، وكأنها تفكر بجدية.
"متواضع جدًا... بس مناسبك."
تصلّبت ملامح فالينتينا.
اقتربت أكثر، عيناها تضيقان:
"واضح إنك مش مستوعبة وضعك... أو يمكن لسه الصدمة ما وصلتلكش بالكامل."
انحنت قليلًا نحوها، صوتها صار أخفض... أخطر:
"إنتي هنا... مش ضيفة. إنتي هنا عشان تدفعي تمن."
توقفت لحظة...
"وهتتمني الموت... صدقيني... وهتدعيه... ومش هيجيلك."
لكن-
غزل ضحكت.
ضحكة قصيرة... خفيفة... لكنها مستفزة كصفعة.
رفعت نظرها لها بثبات:
"غريبة..."
قالتها بهدوء قاتل.
"نفس الكلام بالظبط اتقال لي قبل كده."
توقفت...
ثم أضافت، وعينيها لم تتركا عيني فالينتينا:
"من أخوكي."
تجمدت فالينتينا.
لحظة واحدة...
لكنها كانت كافية.
غزل لم تتوقف.
"كان واقف قدامي بنفس الثقة دي... بنفس النبرة... ونفس التهديدات."
مالت رأسها قليلًا، كأنها تستعيد المشهد.
"وكان مقتنع إنه كسب... وإنه خلاص سيطر."
ثم ابتسمت...
ابتسامة باردة:
"وفي الآخر؟"
سألت بهدوء...
"مات."
"إخرسي!!!"
انفجرت فالينتينا.
الصوت ارتد في الجدران كطلق نار.
عيناها اشتعلتا بجنون لم تحاول إخفاءه.
لكن غزل-
اقتربت بقدر ما تسمح به القيود.
وصوتها أصبح أقسى... أكثر ثباتًا:
"إنتي جاية تكمّلي اللي بدأه؟ ولا جاية تعيدي نفس الغلط؟"
رفعت حاجبها بسخرية خفيفة.
"لأن لو ده هدفك... فخليني أختصر عليكِ النهاية."
سكتت لحظة...
ثم قالت بثقة:
"مش هتكسّريني."
تجمدت فالينتينا في مكانها.
غزل أكملت... بهدوء مخيف:
"غيث هيوصل لي... حتى لو الدنيا كلها وقفت قدامه."
"بابا... عمره ما بيسيبني."
"و عمو جاسر... مش من النوع اللي يسيب حساب مفتوح."
نظرت لها من أعلى لأسفل:
"وإنتي؟"
ابتسمت بسخرية باردة.
"هتخلصي يا إما في السجن... يا إما مدفونة... بس في الحالتين... مش هتكملي اللعبة."
كانت الكلمات...
طلقات.
كل جملة... إصابة.
كل نظرة... استفزاز.
"إنتي فاكرة نفسك مين؟!"
صرخت فالينتينا، وفقدت آخر خيط من هدوئها.
تقدمت بسرعة-
لكن غزل سبقتها بالكلام:
"أنا؟"
ابتسمت بثقة حادة.
"أنا اللي أخوكي بكل اللي عنده... مقدرش يكسرها."
ثم نظرت لها نظرة مباشرة... حادة كالسهم:
"وإنتي... أضعف منه بكتير."
صفعة صوتها دوّى في الغرفة.
ارتد رأس غزل إلى الجانب...
شفتها انشقّت قليلًا... طعم الدم ملأ فمها.
الصمت سقط.
أنفاس فالينتينا كانت سريعة... غير منتظمة...
غضبها خرج عن السيطرة... وهذا أسوأ ما يمكن أن يحدث لها.
أما غزل...
فأعادت رأسها ببطء.
رفعت عينيها...
والدم على شفتيها.
ثم-
ابتسمت.
"كده... بدأنا صح."
تراجعت فالينتينا خطوة.
تنظر لها... لا بكره فقط...
بل بشيء جديد.
عدم ارتياح.
"إنتي... مجنونة."
همست بها، كأنها تحاول تفسير ما تراه.
غزل هزّت رأسها ببطء:
"لا."
قالتها بهدوء ثابت.
"أنا بس... مش خايفة."
توقفت لحظة...
ثم أضافت:
"والفرق بيني وبينك... إنك محتاجة تخوفي اللي قدامك عشان تحسي بالقوة... وأنا... قوتي جاية من جوا."
سكون.
ثوانٍ طويلة.
ثم-
ابتسمت فالينتينا.
ابتسامة باردة جدًا... عادت فيها السيطرة... لكن بشكل أخطر.
"تمام..."
قالتها وهي تستقيم بكامل أناقتها.
"واضح إننا هنحتاج وقت أطول شوية... عشان نكسر الثقة دي."
استدارت نحو الباب...
خطواتها عادت منتظمة... محسوبة.
ثم توقفت.
دون أن تلتفت، قالت بصوت منخفض:
"استعدي كويس يا غزل..."
توقفت لحظة...
ثم أضافت:
"اللعب الحقيقي... لسه ما بدأش."
أُغلق الباب.
عاد الصمت.
لكن هذه المرة...
لم يكن خانقًا كما قبل.
غزل أغمضت عينيها...
أخذت نفسًا عميقًا... رغم الألم... رغم القيود.
ثم-
ابتسمت.
ابتسامة خفيفة...
واثقة.
"تعالي..."
همست بصوت بالكاد يُسمع.
"أنا مستنياكي."
🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎
في فيلا الشرقاوي...
لم يكن الصمت مجرد غيابٍ للصوت...
بل كان حضورًا خانقًا... يجلس فوق الصدور... يضغط... ويُبطئ الأنفاس.
الستائر نصف مسدلة... الضوء خافت...
والهواء... ثقيل كأنه يعرف ما حدث قبل أن يُقال.
وقف جاسر بجوار سليم...
اثنان يشبهان جدارين من حجر...
لكن خلف ذلك الثبات... كانت نار.
عين جاسر تتحرك في المكان بدقة...
يراقب كل تفصيلة... كل حركة...
بينما سليم... كان واقفًا كقنبلة مؤجلة...
فكّه مشدود... أنفاسه غير منتظمة...
وكأن كلمة واحدة... قد تفجّره.
في الجهة الأخرى...
كانت ميار بين ذراعي غرام...
جسدها يهتز مع كل شهقة...
دموعها لا تتوقف... ولا حتى تحاول.
"بنتي..."
خرج صوتها مكسورًا... كأن كل حرف يُنتزع منها بالقوة،
"أنا حاسة بيها... والله حاسة بيها... كأنها بتصرخ ومحدش سامعها... كأنها لوحدها... بتتألم... وأنا مش جنبها..."
شدّت غرام عليها أكثر...
يدها تمسح شعرها بحنان، لكنها هي نفسها كانت تقاوم دموعها.
"اسمعيني يا ميار..."
قالت بصوت دافئ رغم ارتجافه،
"غزل مش ضعيفة... دي بنتك... اتربّت على القوة... على المواجهة... صدقيني... اللي زيها ما بيقعش بسهولة... يمكن تتوجع... آه... لكن تقوم... وتكمل..."
توقفت لحظة...
ثم همست بصوت أخفض... كأنها تطمئن نفسها قبلها:
"هتعديها... لازم تعديها..."
لكن عينيها...
لم تكونا مقتنعتين بالكامل.
وفجأة-
صوت سيارات يقطع الصمت.
رؤوس ارتفعت... أنفاس احتبست.
أبواب تُفتح بسرعة... خطوات متعجلة...
دخلت عائلة البحيري أولًا... وجوههم مشدودة... أعينهم تبحث عن إجابة قبل السؤال.
وخلفهم مباشرة...
عائلة الحديدي.
أوس... شغف...
إلياس... ديلان...
أدهم... تاج...
المكان امتلأ فجأة...
لكن التوتر... ازداد بدل أن يخف.
الرجال تحركوا فورًا نحو سليم وجاسر.
إلياس اقترب بخطوات سريعة، نبرته حادة لا تحتمل التأجيل:
"إيه اللي حصل بالظبط؟ وإيه الجديد؟ في أي خيط؟ أي حاجة حتى لو صغيرة؟"
سليم ضحك ضحكة قصيرة... خالية من أي حياة، ثم قال بمرارة:
"الجديد؟ مفيش جديد... ولا قديم... ولا حتى سراب... بنتي اختفت كأن الأرض بلعتها... ومحدش عارف إزاي ولا مين..."
أما النساء-
فاتجهن مباشرة نحو ميار.
شغف لم تحتمل المشهد...
ركضت نحو ميار الشابة واحتضنتها بقوة... كأنها تحاول تمنعها من الانهيار الكامل.
"غزل..."
انكسر صوتها... وتحول إلى بكاء،
"قولولي إنها هترجع... قولوا أي حاجة تطمني... أنا مش قادرة أستحمل فكرة إنها لوحدها..."
ميار الشابة بكت معها...
بلا كلمات... فقط ألم مشترك.
في زاوية أخرى-
تحركت ميار الشابة فجأة نحو سليم الشاب.
"سليم!"
صوتها كان مليئًا بالأمل... وكأنها تتمسك بأي خيط.
التفت لها فورًا، وعيناه مليئتان بالتعب.
"فيه حاجة؟... قول إن في حاجة... حتى لو بسيطة... قول إنكم قربتوا..."
توقف...
خفض رأسه ببطء...
والصمت... سبق الكلمة.
"لا..."
كلمة واحدة...
لكنها سقطت كحجرٍ في قلبها.
"ولا أي حاجة؟... حتى شك؟ حتى حد نشتبه فيه؟"
هز رأسه...
"ولا خيط... كأن اللي عمل كده كان عارف كل خطوة قبل ما تحصل..."
تراجعت خطوة...
كأن الأرض نفسها رفضت تثبتها.
في الجهة الأخرى-
اقترب أوس من غيث.
وقف أمامه...
لحظة صمت... ثقيلة... محمّلة بكل ما لا يُقال.
ثم قال بهدوء عميق:
"إحنا مش جايين نواسيك بس... إحنا معاك فعلًا... خطوة بخطوة... لحد ما نرجعها."
غيث لم ينظر له...
عيناه ثابتتان في الفراغ... لكن داخله... كان إعصارًا.
"أنا هجيبها..."
قالها بصوت منخفض... لكنه حاد... كأنه قرار لا يقبل النقاش،
"حتى لو قلبت الدنيا كلها... حتى لو مشيت على كل طريق في البلد دي... أنا هرجعها..."
أوس شد على كتفه بقوة:
"مش لوحدك... المرة دي... مش لوحدك."
لكن غيث...
لم يرد.
وفي وسط كل هذا...
كان هناك شخص... خارج الإطار.
ريان.
جالس أمام الحاسوب...
كأن العالم كله انكمش... واختفى...
ولم يبقَ إلا شاشة... ونبضات هدف واحد.
أصابعه تتحرك بسرعة مذهلة...
نقرات متلاحقة...
شاشات تتبدل... خرائط تظهر وتختفي... إشارات... خطوط... بيانات تتدفق.
عيناه ثابتتان... باردتان...
لا يلتفت لأي صوت... لأي بكاء... لأي صراخ.
فقط... يعمل.
جاسر لاحظه...
اقترب منه... صوته منخفض لكنه محمّل بالضغط:
"ريان... وصلنا لفين؟ قولّي إن في حاجة... أي حاجة تدلنا حتى لو احتمال ضعيف..."
دون أن يرفع عينيه، قال ريان بهدوء شديد:
"لسه بدور... اللي عمل كده نظيف... مفيش كاميرا واضحة... مفيش حركة عشوائية... كل خطوة محسوبة... كأنهم كانوا حافظين جدولها بالدقيقة..."
نقرات أسرع...
شاشة جديدة ظهرت.
"بس مفيش حاجة كاملة... دايمًا في غلطة... صغيرة... بس كفاية..."
الوقت مرّ...
الدقائق تحولت لثقل...
والجميع... ينتظر.
حتى البكاء خف...
كأن الأمل نفسه... يخشى أن يظهر.
فجأة-
توقفت أصابع ريان.
تجمّد.
عينيه ضاقت...
أنفاسه تغيّرت.
"همم..."
همسها لنفسه.
جاسر اقترب فورًا:
"فيه إيه؟ شفت حاجة؟ ولا مجرد احتمال؟"
ريان لم يرد مباشرة...
عيناه تراقبان الشاشة بدقة...
ثم تحرك ببطء...
استدار.
نظر للجميع.
ولأول مرة-
سكتت الغرفة.
البكاء... توقف.
الأنفاس... تباطأت.
القلوب... علّقت بين الضلوع.
"ريان؟"
قالها سليم بصوت حاد... متوتر... كأنه يخشى الإجابة.
ثانية صمت...
ثانية كأنها سنة.
ثم-
بهدوء...
لكن وقع كالصاعقة:
"لقيت مكان غزل."
الكلمة لم تكن مجرد خبر...
كانت... شرارة.
عيون اتسعت.
قلوب خفقت بعنف.
الأمل... عاد... لكنه مخيف هذه المرة.
وجاسر...
نظر له مباشرة...
بعينين تلمعان بالخطر.
"فين؟"
أما ريان...
فأغلق الحاسوب ببطء...
وقال بنبرة لم تعرف التردد:
"مكان مش سهل...
بس... إحنا هنروحه."
*☆يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع☆☆*
الفصل الثاني والأربعون من هنا