
بقلم سيليا البحيري
في فيلا الشرقاوي...
بعد تلك الجملة التي خرجت من فم ريان بهدوء قاتل-
"لقيت مكان غزل."
لم يعد هناك صمت...
بل انفجار.
"فين؟!"
صرخ سليم، صوته خرج كطلقة، عينيه متسعتان، كأن قلبه سبق جسده واندفع نحو الإجابة.
"قول بسرعة... ما تسكتش!"
قالها غيث وهو يندفع نحوه، خطواته سريعة، متوترة، كأنه على وشك أن يمسك بالكلمة من فمه بالقوة.
ميار اقتربت... يدها ترتجف، صوتها مكسور لكنه مليء برجاء مؤلم:
"بنتي فين يا ابني؟... قولّي إنها بخير... قولّي بس إنها عايشة..."
الغرفة كلها تحركت...
أنفاس متسارعة... أعين معلّقة... قلوب على الحافة.
لكن-
ريان...
رفع يده.
حركة بسيطة...
لكنها أوقفتهم جميعًا.
"استنوا."
قالها بهدوء... لكن بنبرة لا تقبل المقاطعة.
الصوت... كان مختلفًا.
ليس حماسًا...
بل حذر.
عاد ينظر إلى الشاشة...
عينيه تضيقان تدريجيًا...
تفاصيل تتحرك... خرائط تتبدل... إشارات تتقاطع.
شيء ما...
لا يعجبه.
جاسر التقط ذلك فورًا...
اقترب خطوة، صوته منخفض لكنه مشدود:
"فيه إيه يا ريان؟... إنت مش مرتاح... شايف إيه؟"
لم يرد مباشرة.
أصابعه بدأت تتحرك بسرعة أكبر... تكبير... تصغير... تغيير زاوية... تتبع مسار.
ثم همس-
"غريبة..."
"غريبة إيه؟!"
انفجر سليم، صبره بدأ ينهار،
"ما تتكلم يا ابني... أنا قلبي هيقف!"
غيث اقترب أكثر، صوته أخطر، أهدأ... لكنه يغلي:
"إنت شايف حاجة... قولها كاملة... ما تلفش وتدور..."
ريان أخذ نفسًا ببطء...
كأنّه يرتب أفكاره قبل أن يطلقها.
ثم قال، وعينيه لا تزالان على الشاشة:
"الإشارة اللي وصلتلنا... مش مباشرة."
صمت.
إلياس عقد حاجبيه، صوته حاد لكنه يحاول الفهم:
"يعني إيه مش مباشرة؟... إنت بتقول إن المكان ده مش حقيقي؟ ولا إيه بالظبط؟"
ريان رفع عينيه لهم أخيرًا...
نظرة مركزة... حادة:
"يعني... في حد بيلعب بينا."
"وضح!"
قالها جاسر هذه المرة بحدة واضحة، لم يعد يحتمل الغموض.
ريان أشار إلى الشاشة، صوته أصبح تقنيًا... دقيقًا:
"ده موقع اتبعت منه إشارة تتبع... غالبًا من جهاز كانت شايلته غزل... أو حاجة قريبة منها... لكن-"
ضغط على لوحة المفاتيح بقوة...
بيانات جديدة ظهرت.
"الإشارة دي... قديمة."
"قديمة؟!"
رددها سليم كأنه لم يفهم الكلمة نفسها،
"يعني إيه قديمة؟ يعني بنتي كانت هناك... وبعدين؟!"
ريان نظر له مباشرة...
بهدوء قاسٍ:
"يعني المكان ده... كانت فيه."
توقف لحظة...
ثم أكمل:
"ومش فيه دلوقتي."
الانفجار هذه المرة كان أثقل.
"يعني إيه الكلام ده؟!"
صرخ سليم، صوته اختنق بين الغضب والخوف،
"يعني حد خدها من مكان لمكان؟! يعني بتتنقل؟!"
غيث صوته خرج أخفض... لكنه أخطر:
"ولا اتنقلت... عشان تهرب مننا؟"
ريان رد دون تردد:
"اتنقلت."
الصمت عاد...
لكن هذه المرة...
أثقل... كأنه جدار.
جاسر شبك يديه أمامه... عينيه لا تترك ريان:
"وده معناه إيه بالظبط؟ قولها صريحة."
ريان نظر له...
ثم قال ببطء، كل كلمة محسوبة:
"معناه... إن اللي خاطفها... عارف إننا بندور عليها."
الوجوه تجمّدت.
غرام همست، يدها على صدرها:
"يا رب استر... ده كده الموضوع أكبر بكتير..."
ميار وضعت يدها على فمها، صوتها بالكاد خرج:
"يعني بيهربوا بيها من مكان لمكان؟... يعني كل ما نقرب... يبعدوا؟!"
أوس شد فكه، نبرته حادة:
"يبقى مش عشوائي... ده حد بيخطط... وبيحسب خطواتنا."
ريان هز رأسه ببطء:
"مش بس كده..."
عاد ينظر للشاشة...
عيناه تركزان على نقطة محددة...
ثم قال:
"المكان ده... مش مجرد مكان قديم."
توقف...
ثم رفع عينيه ببطء:
"ده طُعم."
"إيه؟!"
خرجت من أكثر من شخص في نفس اللحظة.
"طُعم؟!"
كررها إلياس بحدة،
"يعني هم عايزينّا نروح له بإرادتنا؟!"
ريان أومأ:
"بالظبط... الإشارة دي اتسابت عن قصد... علشان نوصل لها... علشان نتحرك..."
جاسر أكمل عنه فورًا، صوته أصبح أخفض... أخطر:
"كمين."
ريان:
"كمين."
الصمت هذه المرة...
لم يكن صمت صدمة...
بل صمت حرب.
غيث قبض يده بقوة... عروقه برزت، صوته خرج كهدير مكتوم:
"يعني إيه؟! نقف؟! نسيبها؟! نفضل قاعدين مستنيين وهم بيلعبوا بينا؟!"
خطوة للأمام...
عينيه اشتعلتا:
"ولا نتحرك ونكسر دماغهم؟!"
ريان نظر له بثبات...
بهدوء غريب... كأنه يقف في عين العاصفة:
"هنتحرك."
توقف لحظة...
ثم أضاف... بصوت أخطر:
"بس مش كإننا رايحين ننقذ حد بس..."
نظرة مرّت على الجميع...
"رايحين حرب."
الجميع سكت.
الهواء نفسه... توتر.
ريان عاد ينظر للشاشة...
ثم قال ببطء... كأنه يوقّع حكمًا:
"ولو تحليلي صح..."
رفع عينيه...
نظرة باردة... دقيقة:
"يبقى اللي قدامنا... مش هاوي."
🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎
في فيلا ياسر...
كان المساء ينساب ببطء... كحبرٍ ثقيل فوق صفحة سوداء.
لا ضجيج... لا حركة تُذكر...
فقط هدوء... غريب... غير مريح...
هدوء يشبه تلك اللحظة التي تسبق سقوط البرق.
داخل الصالة الواسعة...
وقف ياسر أمام النافذة...
ظهره للجميع...
وعيناه غارقتان في العتمة خارج الزجاج، كأنه لا يرى الحديقة... بل يرى شيئًا أبعد... أقدم... وأشد ظلمة.
يده في جيبه... كتفاه ثابتتان...
لكن من يعرفه جيدًا...
كان سيلاحظ أن سكونه ليس راحة...
بل سيطرة.
ليان كانت تراقبه من بعيد...
بهدوء... بصمت...
لكن قلبها لم يكن هادئًا.
فيه حاجة بتتآكل جواه...
فكرت وهي تضيّق عينيها قليلًا،
وساكت... كعادته... ساكت لحد ما ينفجر.
أما آدم...
فكان يجلس على الأريكة...
يمرر إصبعه على شاشة هاتفه بلا تركيز...
يتنقل بين تطبيق وآخر... دون أن يرى شيئًا.
"مفيش حاجة بتتغير هنا..."
تمتم بضيق،
"كل حاجة تقيلة... حتى الهوا..."
لم يُجبه أحد.
وفجأة-
صوت ارتطام عنيف بالبوابة الخارجية...
اهتز له المكان كله.
ثم صراخ...
صوت ممزق... غاضب... كأنه خارج من صدر مشتعل:
"ياااااسررررر!!"
آدم انتفض واقفًا:
"إيه ده؟! حد بيهجم علينا ولا إيه؟!"
ليان اتجهت نحو النافذة بسرعة، قلبها بدأ يدق بقوة:
"فيه حد بيكسر البوابة... واضح إنه مش جاي بهدوء خالص..."
لكن-
ياسر...
لم يتحرك.
أغمض عينيه لثانية...
كأن الصوت وصل له من زمن بعيد...
ثم فتحهما ببطء.
"سيبوه."
قالها بهدوء...
هادئ بشكل مخيف.
ثوانٍ فقط-
وفتح باب الفيلا بعنف.
دخل...
كعاصفة لا تعرف التردد.
زياد.
عيناه مشتعلة...
وجهه مشدود...
أنفاسه متقطعة... كأنه كان يركض... أو يقاتل... أو كلاهما.
تجمّد المكان.
آدم همس بذهول:
"مين ده؟! إيه اللي بيحصل؟!"
لكن لم يرد عليه أحد.
عين ياسر ثبتت عليه...
لحظة قصيرة...
مرت فيها صدمة خاطفة...
ثم-
اختفت.
عاد وجهه باردًا... كأنه لم ير شيئًا غير متوقع.
"غريبة..."
قالها ببطء، نبرة صوته هادئة لكن تحمل سخرية خفيفة،
"وصلت لعندي بالسرعة دي؟ شكلك ما ضيعتش وقت..."
زياد انفجر:
"إنت قليل الأصل لدرجة إنك لسه بتسأل؟!"
اندفع نحوه، خطواته ثقيلة، غاضبة،
"فين غزل؟! قولّي فين وديتها؟!"
الصمت...
سقط فجأة.
آدم نظر لوالده بارتباك:
"بابا... هو بيتكلم عن إيه؟ مين غزل دي؟!"
ليان أمسكت ذراعه فورًا:
"اسكت... دلوقتي مش وقته... خالص."
ياسر رفع حاجبه ببطء...
ثم ضحك.
ضحكة قصيرة... باردة... خالية من أي دفء.
"غزل؟"
كرر الاسم، كأنه يتذوقه،
"إنت لسه زي ما إنت يا زياد... ما اتغيرتش..."
ثم نظر له مباشرة...
نظرة ثابتة... قاطعة:
"اهبل و عبيط."
"إخرس!!"
صرخ زياد، صوته ارتد في الجدران،
"ما تمثلش عليا! أنا مش جاي أسمع لعب عيال!"
اقترب أكثر... حتى كاد يلتصق به:
"البنت مخطوفة! سامع؟! مخطوفة!
وأنت راجع من يومين بس... وبتقول قدام الكل إنك هتحرق الدنيا!
تفتكر ده معناه إيه؟!"
ياسر هذه المرة...
لم يضحك.
نظر له بثبات...
صمت لثانية...
ثم قال بصوت منخفض... لكن كل كلمة فيه حادة:
"لو أنا اللي خاطفها..."
توقف...
ثم اقترب خطوة واحدة فقط-
قريبة... محسوبة... خطيرة:
"كنت هاجي أقف قدامكم كده؟"
ضربة.
مباشرة.
لكن زياد...
لم يتراجع.
بل اشتعل أكثر:
"إنت تعمل أي حاجة!
إنت واحد..."
توقف...
ثم قالها... بكره صريح:
"حقير."
عين ياسر...
اهتزت.
لثانية واحدة.
ليان لاحظت.
هايدي كذلك.
أما زياد...
فلم يرَ شيئًا.
تابع... بسمّ:
"واحد حاول يقرب من بنت عمه المتجوزة..."
الصمت...
لم يعد صمتًا.
بل فراغ انفجر.
آدم صُدم:
"إيه؟! هو بيقول إيه؟!"
لكن-
ياسر...
لم ينظر له
كل ما كان موجودًا في عالمه الآن...
هو زياد.
وببطء شديد...
تكلم:
"إنت... صدقت."
لم تكن سؤالًا.
كانت... حكمًا.
زياد رد فورًا، دون تردد:
"آه صدقت!
مش أنا لوحدي... كلنا صدقنا!
لأنك عملتها! لأنك دايمًا بتعمل اللي محدش يتوقعه... وبتبرره بعد كده!"
وهنا-
شيء ما...
انكسر.
داخل ياسر.
بهدوء...
بلا صوت.
لكنه... لم يظهره.
بل-
ابتسم.
ابتسامة باردة... لكنها موجوعة من الداخل.
"طبعًا..."
خفض رأسه قليلًا... ثم رفعه،
"لأنكم بتحبوا تصدقوا القذر... أسهل... أريح... مش محتاج تفكير."
"بلاش فلسفة!"
صرخ زياد،
"أنا مش جاي أسمع خطب! قول الحقيقة!"
ياسر اقترب أكثر...
حتى أصبح أمامه مباشرة...
المسافة بينهما... لا تُذكر.
"الحقيقة؟"
كررها بهدوء...
ثم انحنى قليلًا... وهمس:
"الحقيقة إنك طول عمرك ضعيف..."
"وإنك أسهل حاجة عندك... إنك تصدق أي حاجة...
إلا إنك تشغل عقلك."
زياد اندفع...
يده ارتفعت-
لكن-
يد أمسكت به.
بقوة.
هايدي.
"كفاية!"
قالتها بحدة... لم يعتدها منها.
نظر لها بصدمة:
"سيبيني يا هايدي!"
لكنها لم تتركه.
بل شدّت عليه أكثر...
ثم نظرت لياسر.
نظرة طويلة...
تعرف... تفهم... تشك... لكنها لا تندفع.
ثم قالت لزوجها، بوضوح:
"ده مش اللي خطفها."
"إنتي بتدافعي عنه؟!"
انفجر زياد.
"أنا بدافع عن الحقيقة!"
ردت بقوة، صوتها حاد، قاطع،
"ومش كل مرة حد يرمي كلمة... نصدقها ونمشي وراها زي العمي!"
ثم اقتربت منه أكثر... همست بحدة:
"دارين بتلعب... وإنت بتديها اللعبة على طبق من دهب!"
تجمّد زياد.
لأول مرة...
التردد ظهر.
ثانية...
ثانيتين...
أما ياسر...
فنظره لم يترك هايدي.
نظرة صامتة...
لكن فيها امتنان خفي... واحترام.
ثم عاد لبروده.
"أنا هرجع حقي."
قالها بهدوء... لكن بنبرة وعد.
نظر لزياد مباشرة:
"وكل حاجة هتتكشف..."
اقترب خطوة...
وصوته انخفض:
"حتى الحاجات... اللي هتكسرك."
هايدي شدّت ذراع زوجها:
"نمشي... دلوقتي... قبل ما الموضوع يخرج عن السيطرة."
زياد كان يتنفس بعنف...
عيناه على توأمه...
غضب...
كره...
وشيء آخر...
أعمق...
لم يفهمه بعد.
ثم-
استدار.
بصعوبة...
كأن كل خطوة تُنتزع منه.
خرج...
والباب أُغلق خلفه بقوة.
عاد الصمت.
لكن هذه المرة...
لم يكن هدوءًا.
كان... خرابًا مؤجلًا.
آدم نظر لوالده، صوته مرتجف:
"بابا... الكلام اللي اتقال ده... إيه؟! إنت ساكت ليه؟!"
"مش وقته."
قالها ياسر ببرود.
ثم استدار...
ومشى.
ببطء.
لكن-
خطواته...
لم تكن ثابتة كما كانت.
ليان بقيت مكانها...
تنظر إليه...
تفهم... دون أن يُقال لها.
الحرب دي... مش بس برا...
فكرت بصمت،
دي جواه...
ثم همست لنفسها:
"واللي جاي... هيكون أعنف بكتير."
🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎
داخل السيارة،
لم يكن الصمت مجرد غيابٍ للكلام...
بل كان كائنًا ثقيلًا يجلس بينهما، يضغط على الصدر... ويمنع الهواء من المرور.
المحرك يهمس بصوت منخفض،
أضواء الشارع تنزلق على الزجاج كأشباحٍ عابرة...
والليل في الخارج بدا واسعًا أكثر مما ينبغي... كأنه يراقب.
في المقعد الامامي
جلس زياد... جسده مشدود كوترٍ على وشك الانقطاع.
أنفاسه غير منتظمة، تتصاعد وتهبط بسرعة...
وعيناه، رغم ثباتهما، كانتا مليئتين بعاصفةٍ لا تهدأ.
أما هايدي...
فكانت تقود.
لكن قيادتها لم تكن هادئة كما تبدو.
أصابعها ملتفة حول المقود بقوة،
حتى أن مفاصلها ابيضّت... كأنها تمسك بشيء يمنعها من الانهيار.
ثوانٍ مرّت...
ثقيلة... خانقة...
ثم-
"إنتِ كنتِ بتدافعي عنه؟"
خرج صوته فجأة،
حادًا... خشنًا...
كأنه يكسر الزجاج الصامت بينهما.
هايدي لم تلتفت.
عيناها بقيتا على الطريق...
لكن صوتها خرج ببطء محسوب:
"عن مين... يا زياد؟"
ضحك ضحكة قصيرة... بلا روح.
"ما تعمليش نفسك مش فاهمة... أنا قصدي ياسر."
ضغط على الاسم...
وكأنه يلفظه من فمه بصعوبة.
"الراجل اللي دخلتِ دافعتي عنه قدامي... بعد كل اللي حصل."
صمتت لحظة.
طويلة بما يكفي ليزداد غضبه.
ثم قالت-
بهدوءٍ مقلق:
"أنا ما دافعتش عن ياسر..."
توقفت،
ثم أكملت:
"أنا دافعت عن الحقيقة."
زياد التفت لها فجأة،
ملامحه انفجرت:
"حقيقة إيه؟!"
انحنى للأمام قليلًا، صوته يرتفع:
"إنتِ سمعتي نفسك؟! إحنا لسه خارجين من بيت واحد ممكن يكون خاطف بنت من عيلتنا... وإنتِ بتتكلمي عن الحقيقة؟!"
لم ترد فورًا.
ضغطت على المقود أكثر...
ثم قالت، دون أن تنظر له:
"وإنت شايف نفسك كنت بتعمل إيه؟"
نبرة صوتها بدأت تسخن.
"اقتحمت بيته... زي البلطجية... واتهمته بدون دليل... وكنت مستعد تضربه."
تجمد للحظة...
ثم قال بذهول:
"إنتِ شايفة ده عادي؟!"
التفتت له فجأة،
نظرة حادة قطعت الهواء:
"لا."
صوتها كان واضحًا... صلبًا:
"أنا شايفة إنك فقدت السيطرة."
الكلمة ضربته.
"أنا؟!"
أشار لنفسه بعنف:
"أنا بحاول ألاقي بنت مخطوفة! بنتنا! بنت العيلة!"
"بتهور؟"
قاطعته فورًا.
"وباتهامات مبنية على شك؟!"
شدّ على قبضته، صوته أصبح أخفض... أخطر:
"هو الوحيد اللي عنده مصلحة!"
اقترب بجسده للأمام:
"رجع فجأة... بعد سنين... وبيهدد... وبيقول هيدمر الكل... وبعدها على طول غزل تختفي؟! تقوليلي صدفة؟!"
هايدي أطلقت ضحكة خفيفة...
لكنها كانت خاوية تمامًا.
"مصلحة؟..."
هزّت رأسها ببطء، كأنها تشفق عليه.
"إنت لسه... عايش في نفس الكذبة."
الصمت وقع.
زياد تجمد.
"إيه؟"
السيارة توقفت عند إشارة.
الضوء الأحمر انعكس على وجهها...
فأعطى ملامحها قسوة إضافية.
التفتت له بالكامل هذه المرة.
نظرتها ثابتة... لا تهرب.
"ياسر... بريء."
الكلمة لم تكن مجرد جملة.
كانت قنبلة.
زياد لم يرمش.
حدق فيها... كأنه لم يسمع جيدًا.
"إنتِ... بتقولي إيه؟"
صوتها ارتفع لأول مرة:
"بقول الحقيقة اللي إنت رافض تشوفها!"
أنفاسها تسارعت:
"بقول إن الراجل اللي إنت بتكرهه...واللي هو توأمك... ممكن يكون ضحية!"
"مستحيل."
قالها فورًا.
لكن صوته... لم يكن واثقًا كما أراد.
هايدي ضربت المقود بيدها.
"دارين!"
صرخت بها.
"دارين هي السبب!"
الاسم...
وقع كالرعد داخل السيارة.
زياد تراجع في مقعده...
كأن أحدهم دفعه.
"دارين...؟"
كررها ببطء.
"إنتِ بتقولي إن... دارين... لفّقت؟"
هايدي كانت تتنفس بسرعة الآن...
لكنها لم تتراجع.
"أيوه."
نظرت له مباشرة:
"هي اللي لعبت على الكل."
"هي اللي صنعت القصة."
"هي اللي خلّتكم تشوفوا اللي هي عايزاه... وتصدقوه."
سكتت لحظة...
ثم أكملت، بصوت أكثر ألمًا:
"وإنتوا... صدقتوا."
ابتسمت بمرارة:
"بسهولة مرعبة."
زياد مرر يده في شعره بعصبية...
نظر للأمام...
ثم عاد لها.
"لا..."
همس.
"لا... الكلام ده... مش منطقي."
"المشكلة مش في المنطق."
قالتها بهدوء قاتل.
"المشكلة إن الحقيقة مش مريحة."
صمت.
"إنت مش عايز تصدق..."
أكملت، وعينيها لم تتركاه:
"لأنك لو صدقت... هتكتشف إنك ظلمت أخوك."
الكلمة... أصابته.
أخوك.
ابتلع ريقه بصعوبة.
صوته خرج أضعف:
"إنتِ... متأكدة؟"
هذه المرة-
هايدي لم تجب فورًا.
نظرت إليه طويلًا...
كأنها تقرأ كل ما داخله.
الغضب... الشك... الخوف...
والجزء الصغير... الذي بدأ يتصدع.
ثم قالت-
بهدوء... أثقل من أي صراخ:
"أنا ما بقولش كلام."
توقفت لحظة.
"أنا سمعت."
قلبه خفق بقوة.
"سمعتي إيه؟"
نظرت للطريق مرة أخرى...
لكن صوتها كان واضحًا... لا يرتعش:
"سمعت دارين... وهي بتعترف."
"سمعتها وهي بتقول إنها لفّقت كل حاجة... وإنها كانت عارفة إنكم هتصدقوها."
الصمت.
هذه المرة...
لم يكن ثقيلًا فقط.
كان... خانقًا لدرجة أن الهواء نفسه بدا متوقفًا.
زياد لم يتحرك.
عيناه ثابتتان... لكن داخله-
انهار شيء.
بطء... مؤلم...
لكن واضح.
ولأول مرة منذ سنوات...
لم يكن متأكدًا من شيء.
أما هايدي...
فأكملت القيادة.
لكن عينيها...
لم تعدا فقط تنظران للطريق.
بل...
نحو حربٍ بدأت للتو.
🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎
في مكانٍ لا اسم له على الخريطة...
بعيدًا عن ضوضاء المدينة ودفء البشر...
كانت الغرفة أشبه بصندوقٍ من إسمنتٍ بارد،
جدرانها صمّاء... بلا نوافذ... بلا ذاكرة.
مصباحٌ أصفر يتدلّى من السقف،
يتأرجح ببطء مع كل ذبذبة هواء...
فيصنع ظلالًا متكسّرة على الأرض،
كأن الضوء نفسه... متردد في البقاء.
في المنتصف-
جلست غزل على كرسي معدني.
معصماها مقيدان بإحكام...
آثار الحبال واضحة على جلدها...
لكن جسدها-
لم يعد ذلك الجسد المرتجف منذ ساعات.
كانت ساكنة.
سكونٌ غريب...
ليس استسلامًا... بل تركيز.
أنفاسها منتظمة... عميقة... محسوبة.
وعيناها...
حادّتان... يقظتان... كأنهما لا تنتميان لمخطوفة... بل لمطاردة.
كأن الخوف-
استهلك كل ما لديه...
وتحوّل إلى شيءٍ آخر.
شيءٍ أبرد... وأخطر.
على الجانب الآخر من الغرفة...
كانت فالينتينا.
تقف أمام طاولة صغيرة،
ترتب أدواتٍ معدنية بعنايةٍ شبه طقسية.
صوت احتكاكها الخفيف...
كأنه جزء من لحنٍ بارد.
لم تكن تبدو كمجرمة.
بل كعالِمة...
أو جرّاحة تستعد لعمليةٍ لا تتعجلها.
رفعت نظرها من فوق كتفها...
وتأملت غزل طويلًا.
ابتسامة بطيئة ارتسمت على شفتيها.
"ما زلتِ صامدة..."
قالتها بنبرة أقرب للإعجاب منها للتهديد،
كأنها تقيّم قطعة نادرة.
غزل لم ترد فورًا.
رفعت رأسها ببطء...
نظرتها استقرت في عينيها مباشرة.
"وأنتِ..."
قالت بهدوء جاف،
"ما زلتِ تتكلمين أكثر مما تفعلين."
سكون.
ثم-
ضحكت فالينتينا بخفة،
ضحكة قصيرة... لكنها حقيقية هذه المرة.
"أحب هذا النوع من الجرأة..."
قالت وهي تلتقط أداة وتعيد وضعها،
"خصوصًا عندما تكون في غير محلها... وقبل لحظة الانكسار."
تحركت خطوة نحوها.
ثم أخرى.
"تعرفين؟"
مالت رأسها قليلًا،
"أكثر ما يثير اهتمامي... هو هذه المرحلة."
أشارت ببطء نحو غزل:
"اللحظة التي يعتقد فيها الشخص أنه ما زال يملك السيطرة... بينما هي تتسرب من بين أصابعه."
غزل لم ترمش.
"جربتِ قبل كده تكسريني؟"
سألت، بصوتٍ هادئ... لكنه يحمل تحديًا واضحًا.
توقفت فالينتينا أمامها تمامًا.
نظرت في عينيها بتركيز.
"لا."
قالتها ببساطة،
"لكنني... شاهدت الكثيرين وهم ينكسرون."
انحنت قليلًا،
صوتها أصبح أخفض... أقرب:
"وصدقيني... كلهم كانوا يشبهونك في البداية."
غزل شدّت معصميها المقيدين قليلًا...
لكن ملامحها بقيت صلبة.
"وأنتِ؟"
سألت فجأة.
"مين كسرك... عشان تبقي بالشكل ده؟"
لجزء من الثانية-
توقفت فالينتينا.
شيءٌ دقيق مرّ في عينيها...
لمع... ثم اختفى.
لكنها ابتسمت من جديد.
"محاولة لطيفة."
همست،
"لكن مش كفاية."
اعتدلت،
ثم التقطت ملفًا من على الطاولة.
فتحته... وبدأت تقلب صفحاته ببطء.
"غيث..."
قالت الاسم وكأنها تذوقه.
"زوجك."
توقفت أنفاس غزل لجزءٍ من الثانية.
لكنها استعادت إيقاعها بسرعة.
"ماذا عنه؟"
سألت ببرود محسوب.
فالينتينا رفعت نظرها لها مباشرة.
"هل فكرتِ يومًا..."
بدأت ببطء،
"في اللحظة التي يُجبر فيها رجل على الاختيار؟"
أغلقت الملف نصف إغلاق،
"بين إنقاذ شخص... أو العيش ببقية حياته وهو يعرف أنه فشل؟"
صمت.
"النوع ده من الضغط..."
تابعت،
"يكسر أقوى الرجال."
غزل شدّت قبضتها.
"إياكِ تلمسيه."
قالتها هذه المرة بوضوح،
نبرة حادة خرجت رغمها.
ابتسامة فالينتينا اتسعت...
بهدوءٍ مخيف.
"آه..."
همست،
"إذاً هنا... النقطة الحساسة."
اقتربت أكثر...
حتى أصبحت على بعد خطوة واحدة فقط.
"وماذا عن طفلك؟"
هذه المرة-
تجمد الزمن.
لم يكن تجمدًا ظاهرًا...
بل داخلي.
لحظة صامتة...
مرّت فيها آلاف الصور في عقل غزل.
ياسين.
ضحكته.
يداه الصغيرتان.
لكنها...
دفنت كل ذلك في عمقها.
رفعت عينيها... ببطء.
"لا تهدديني."
قالتها،
لكن الصوت كان أهدأ مما توقعت.
فالينتينا لم تبتعد.
بل اقتربت أكثر،
حتى كادت أنفاسها تلامس وجهها.
"أنا لا أهدد..."
قالت بهدوءٍ جليدي،
"أنا... أشرح النتائج."
ثم-
استدارت فجأة.
عادت إلى الطاولة،
وضغطت زرًا صغيرًا في جهازٍ معدني.
صوت خافت انطلق...
ذبذبة قصيرة...
إشارة اتصال مشفّر بدأت تنتشر.
غزل تابعتها بعينين ضيقتين.
"ماذا تفعلين؟"
فالينتينا لم تلتفت.
"أُقرّب العالم منك."
قالت ببساطة،
"خطوة... خطوة."
توقفت لحظة...
ثم أضافت:
"وبعدها... نشوف مين فيهم هيقدر يوصل لك الأول."
ابتسمت بخفة،
"والأهم... بأي حالة."
غزل أخذت نفسًا عميقًا.
ثم قالت-
بثبات:
"ستفشلين."
هذه المرة-
التفتت فالينتينا ببطء شديد.
نظرتها تغيّرت.
أبرد... أعمق.
"كل واحد قال لي الجملة دي..."
بدأت،
خطت خطوة نحوها،
"كان عنده نفس النبرة... نفس الثقة..."
توقفت أمامها.
"ولا واحد فيهم... كمل كلامه للنهاية."
سكون ثقيل.
لكن-
غزل... لم تنكسر.
بل على العكس...
عيناها لمعتا بشيءٍ آخر.
تفكير.
بدأت تربط...
الصوت...
الإشارة...
الكلمات...
النية.
ثم-
تكلمت فجأة:
"أنتِ... مش عايزاني أنا."
توقفت فالينتينا.
"أنتِ عايزة حد تاني."
أكملت غزل بهدوء،
"كل ده... علشان تستفزيه."
صمت.
ثوانٍ طويلة.
ثم-
ابتسامة بطيئة ظهرت على وجه فالينتينا.
لكنها لم تكن ساخرة بالكامل هذه المرة.
"ذكية..."
همست.
اقتربت منها مرة أخرى،
لكن هذه المرة... بنظرة مختلفة.
"وده اللي هيخلي اللعبة... ممتعة أكتر."
رفعت يدها...
وأشارت نحو الباب المعدني.
"لأن الشخص اللي بتحاولي تحميه..."
توقفت،
ثم مالت قليلًا نحوها:
"بدأ يتحرك."
لأول مرة-
ضاقت عينا غزل بوضوح.
ليس خوفًا...
بل حساب.
عينها انتقلت نحو الباب.
وفي الخارج-
صوت خافت.
معدن يحتك بمعدن.
القفل...
بدأ يتحرك.
الهواء نفسه...
حبس أنفاسه.
واللعبة-
دخلت مرحلة جديدة.
🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎
في غرفة الأطفال بفيلا الشرقاوي...
كان الجو متوتر بشكل غريب رغم وجود الأطفال.
ياسين الرضيع كان يبكي بشدة، صوته يملأ المكان بشكل متقطع ومؤلم، لا شيء يهدئه... لا هزّ، لا رضّاعة، لا كلمات.
حور كانت واقفة قربه وهي على وشك البكاء:
"أنا حاولت... والله حاولت!"
أدهم الصغير (13 سنة) كان جالسًا بجانبه، يحاول أن يبقى ثابتًا رغم التوتر، يضع يده الصغيرة بحذر على السرير:
"مش بيرضى يهدى..."
في تلك اللحظة دخلت شغف بسرعة، تحمل طفلتها تاج بين ذراعيها، وخلفها ميار الشابة.
حور ركضت نحوهم:
"الحقيه! مش بيبطل عياط!"
شغف اقتربت بسرعة، نظرت للرضيع بتركيز، ثم قالت بهدوء عملي:
"طيب... اهدوا."
مدت يدها لميار الشابة:
"خدي تاج."
ميار أخذت الطفلة بحذر، بينما شغف انحنت وحملت ياسين بين ذراعيها.
وفي لحظة...
تغيّر كل شيء.
صوت بكاء ياسين بدأ يهدأ تدريجيًا مع حركة هادئة من شغف وهي تهزه بخفة.
"ششش... خلاص..."
همست له بصوت منخفض:
"مفيش حاجة... أنا هنا."
حور وقفت مدهوشة:
"إزاي هدي كده بسرعة؟"
أدهم الصغير بصوت خافت:
"واضح إنه ارتاح لها..."
شغف لم ترفع عينيها عن الطفل، ثم قالت بهدوء:
"العيال الصغيرة بتحس بالخوف قبل الكلام."
ثم رفعت رأسها نحو الأطفال:
"اطلعوا بره شوية."
حور ترددت:
"بس..."
لكن أدهم كان أذكى من سنه، فهم الموقف بسرعة.
اقترب خطوة وقال بجدية صغيرة:
"تمام... بس لو بكى تاني، نادي علينا."
شغف ابتسمت له بلطف:
"اتفقنا."
خرج الأطفال ببطء، لكن أدهم توقف لحظة عند الباب ونظر لياسين بحماية واضحة قبل أن يغادر.
بعد خروجهم...
سكون خفيف ساد الغرفة.
شغف كانت ما زالت تهز الطفل بخفة، بينما ميار الشابة تقف وهي تحمل تاج، تنظر لها بترقب.
"أخيرًا هدي..."
قالت ميار الشابة بصوت منخفض.
شغف لم ترد مباشرة... فقط ثبتت نظرها على الباب.
ثم قالت بهدوء:
"مش طبيعي إنه يبكي بالشكل ده من غير سبب."
ميار الشابة اقتربت خطوة:
"إنتِ كمان لاحظتي؟"
شغف هزت رأسها:
"في حاجة غلط..."
صمت قصير.
ثم أضافت وهي تخفض صوتها:
"التهديدات اللي كانت بتوصل لغزل... الموضوع مش بسيط زي ما كنا فاكرين."
ميار الشابة شحبت:
"يعني لسه مستمر؟"
شغف نظرت لها بجدية:
"أيوه."
ثم أضافت:
"وأظن إننا بقينا أقرب للحقيقة... بس مش في المكان الصح."
سكون ثقيل.
ميار الشابة سألت بقلق:
"هنقول لحد؟"
شغف هزت رأسها بسرعة:
"لأ... مش دلوقتي."
نظرت نحو الباب مرة أخرى:
"لو غلطنا خطوة... ممكن نخلي الخطر يوصل لحد هنا."
وفي الخارج...
كان صوت خطوات الأطفال يبتعد، بينما داخل الغرفة...
بدأت خيوط سر جديد تتجمع بصمت.
🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎
في فيلا الشرقاوي....
الليل كان ثقيل بشكل غير طبيعي.
غيث كان واقفًا في الصالة، الهاتف في يده، يتنفس بسرعة غير معتادة عليه.
الهدوء اللي كان يحاول يحافظ عليه من ساعات... بدأ ينهار.
"فينك يا غزل..."
همسها بصوت منخفض، كأنه
بيكلم نفسه.
وفجأة-
إشعار رسالة.
فتح الهاتف بسرعة.
الصورة ظهرت.
غزل.
مقيدة.
وجهها شاحب، لكنها واعية... وعيناها تحملان تحديًا رغم كل شيء.
تجمد.
ثانية... ثانيتين...
ثم:
"لا..."
صوته خرج مكسور لأول مرة.
فتح الرسالة.
نص قصير جدًا:
"لو عايزها ترجع حيّة... هتلتزم باللي هقوله."
غيث قبض على الهاتف بقوة لدرجة بياض مفاصله.
"ابن الـ..."
توقف قبل ما يكمل، ثم أخذ نفسًا عميقًا محاولًا يسيطر على نفسه.
رسالة ثانية وصلت فورًا:
"تعال لوحدك.
من غير الشرطة.
ومن غير جاسر الحديدي."
عيونه ضاقت.
"فاكرني غبي؟"
صمت لحظة...
ثم فتح الرسالة التالية.
موقع.
إحداثيات.
تحتها جملة واحدة:
"لو اتأخرت... مش هتلحق حتى تودّعها."
سكون.
غيث أغلق الهاتف ببطء.
ثم قال بصوت منخفض جدًا:
"أنا جاي."
استدار بسرعة، لكن فجأة توقف.
نظرة واحدة على الصورة.
غزل.
ثم همس كأنه وعد:
"هترجعي... حتى لو دفعت الدنيا كلها."
في نفس اللحظة...
الهاتف رن مرة أخرى.
رقم مجهول.
غيث رد فورًا:
"إنت عايز إيه؟"
صوت خافت... مشوش، فيه سخرية باردة:
"عايز أتأكد إنك فاهم اللعبة."
غيث شد على أسنانه:
"لو لمستها..."
الصوت قاطعه:
"مش أنا اللي بلمس... أنا اللي بوجه."
سكون.
ثم:
"تعالى لوحدك... وخلينا نشوف قد إيه أنت مستعد تخسر."
انقطع الخط.
غيث وقف مكانه لثواني...
ثم تحرك.
لكن هذه المرة...
مشيته لم تكن مجرد رجل يبحث عن زوجته.
بل رجل داخل على حرب.
🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎
بعد ساعة...
الطريق كان يمتد أمامه كخيطٍ أسود طويل،
فارغ... صامت... بلا نهاية واضحة.
أضواء الأعمدة تنزلق على زجاج السيارة في ومضات متقطعة،
تدخل... وتختفي...
كأن الزمن نفسه يركض معه ولا يلحقه.
داخل السيارة-
كان كل شيء مشدودًا.
صوت المحرك يعلو بشكل مستمر،
كأن السيارة تعترض على ما يفعله بها...
لكن غيث-
لم يخفف.
يداه على المقود كانتا قاسيتين...
قبضته مشدودة حتى برزت عروقه،
وعيناه مثبتتان على الطريق... بلا رمش تقريبًا.
لكن عقله؟
لم يكن هناك.
كان معها.
"استحملي..."
همسها بصوت منخفض، بالكاد يُسمع،
كأنه يرسلها عبر الهواء... إليها.
ابتلع ريقه...
وضغط على البنزين أكثر.
"استحملي شوية بس... أنا جاي."
توقف لحظة،
ثم أكمل بصوتٍ أثقل:
"حتى لو آخر حاجة أعملها."
صمت.
صوت الإطارات على الأسفلت صار أعلى...
والسرعة ارتفعت أكثر.
ثم-
ضحك.
ضحكة قصيرة... مكسورة...
بلا أي أثر للفرح.
"لوحدي..."
كرر الكلمة كأنها طعنة.
هز رأسه ببطء،
"أكيد... لازم لوحدي."
نظر أمامه بتركيز أشد،
لكن عينيه كانتا مليئتين بشيء آخر.
تذكّر الرسالة.
"من غير الشرطة... من غير جاسر الحديدي..."
زفر بقوة.
"عارف أنت بتعمل إيه..."
قالها لنفسه،
ثم ابتسم بسخرية مرّة:
"لا... مش عارف."
سكت لحظة...
ثم همس:
"مش هاوي..."
فجأة-
ضرب المقود بيده.
"بس ليه أنا؟!"
انفجر صوته داخل السيارة،
ارتدّ من الزجاج... وعاد إليه أقسى.
"ليه أنا؟!"
كررها،
"هي عملت لك إيه؟! هي مالها؟!"
تنفس بعنف،
صدره يعلو ويهبط بسرعة.
ثم...
صوته انخفض تدريجيًا.
"ولا..."
توقف.
عيناه ضاقتا.
"ولا الموضوع... مش هي أصلاً."
سكون.
ثوانٍ ثقيلة مرت.
ثم قال ببطء...
كأنه يعترف لنفسه بشيء كان يهرب منه:
"الموضوع... أنا."
قبض على المقود أكثر...
حتى كاد أن يصرخ من الألم.
"لو أنا الهدف..."
ابتسم ابتسامة باهتة،
"خلاص."
هز رأسه،
صوته أصبح أهدأ... لكنه أخطر:
"خدني."
"اعمل اللي أنت عايزه فيا..."
توقف لحظة،
ثم اشتعلت عيناه فجأة:
"بس ما تقربش لها."
ضغط على البنزين أكثر.
"أنا اللي جاي لك..."
قالها بوضوح،
"مش هي."
السيارة انحرفت قليلاً في منعطف حاد...
ثم استقرت.
أنفاسه كانت ثقيلة.
"هتشوف..."
همس،
"هتشوف إيه معنى إنك تلمس حاجة تخصني."
صمت.
لكن هذه المرة-
الصمت لم يكن فارغًا.
كان مليئًا بها.
بوجهها.
بنظرتها.
بكلماتها.
"أنا مش زي ما هي فاكرة..."
قالها فجأة،
كأنه يرد عليها... رغم أنها ليست هناك.
توقف لحظة...
وصوته... انكسر.
"أنا بس... خفت عليها."
ابتلع ريقه بصعوبة،
"كنت فاكر إني بحميها... وأنا في الحقيقة... كنت ببعدها."
تذكر نظرتها الأخيرة.
البرود في عينيها.
الكلمات التي قالتها...
"الطلاق."
أغمض عينيه لثانية-
فقط ثانية.
لكنها كانت كافية لتؤلمه.
فتحها بسرعة.
"وهي..."
ابتسم بمرارة،
"كانت بتحاول تحميني."
ضحك ضحكة خافتة...
سكت...
ثم قال بصوت منخفض جدًا:
"وأنا... سيبتها."
قبضته على المقود ارتجفت.
"سيبتها لوحدها."
كررها... ببطء...
كأنه يعاقب نفسه.
ثم شدّ على أسنانه.
"غبي."
قالها بقسوة.
"أنا الغبي."
صمت.
لكن هذه المرة-
لم يهرب من الكلمة.
بل ثبت فيها.
ثم قال... ببطء... بثقل:
"بس مش هتكرر."
رفع نظره للطريق.
نظرة تغيّرت.
لم تعد فقط غاضبة...
بل حاسمة.
"المرة دي..."
شدّ على المقود،
"يا أنا... يا أنت."
في البعيد-
بدأت معالم المكان تظهر.
مبنى معزول.
أضواء خافتة.
طريق ترابي ينفصل عن الطريق الرئيسي.
أي شخص عاقل-
كان سيبطئ.
يفكر.
يتراجع.
يطلب دعمًا.
لكن غيث-
لم يكن يفكر كأي شخص.
لم يرفع قدمه عن البنزين.
بل ضغط أكثر.
السيارة اندفعت نحو المكان...
كأنها سهم.
كأنه...
يعرف أنه يدخل فخًا.
وكأنه...
اختار ذلك.
عن وعي.
"أنا جاي لك..."
همسها مرة أخيرة،
هذه المرة... ليست لغزل.
بل-
لمن ينتظره.
وعيناه اشتعلتا.
"والمرة دي..."
صوته أصبح أخفض... أخطر:
"مش هخرج زي ما دخلت."
السيارة انحرفت نحو الطريق الترابي-
والليل...
ابتلعها بالكامل.
🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎
في غرفة الأطفال - فيلا الشرقاوي...
الهدوء أخيرًا عاد... لكن لم يكن مريحًا.
بل هدوء ثقيل... مليء بالخوف.
ياسين الرضيع كان نائمًا بسلام في حضن شغف، أنفاسه الصغيرة منتظمة بعد نوبة بكاء طويلة وكأنه استنزف كل طاقته.
شغف كانت تربّت على ظهره برفق... بحنان أمٍ تعرف كيف تهدئ الألم حتى لو لم تفهم سببه بالكامل.
على الطرف الآخر من السرير...
كانت ميار الشابة جالسة، تحمل طفلتها تاج، تنظر لياسين بنظرة حزينة.
"صعبان عليا أوي..."
قالتها بصوت منخفض.
شغف لم ترفع عينيها:
"حاسس بغيابها..."
ميار تنهدت:
"معقول طفل صغير يحس كده؟"
شغف ابتسمت ابتسامة خفيفة، حزينة:
"الأطفال أذكى مننا... بس مش بيعرفوا يعبروا."
سكون بسيط.
ثم قالت ميار فجأة:
"شغف... إحنا كده بنضحك على نفسنا."
شغف رفعت نظرها لها هذه المرة.
"إزاي؟"
ميار شدّت على تاج بين ذراعيها:
"اللي كان بيبعت التهديدات لغزل... هو نفسه اللي خطفها."
صمت.
لكن هذه المرة... لم تنكر شغف.
بل قالت بهدوء:
"وأنا شايفة كده برضه."
ميار اقتربت قليلًا، صوتها أصبح أخفض:
"طيب إحنا ساكتين ليه؟"
شغف زفرت ببطء:
"لأن الموضوع مش بسيط."
ميار بسرعة:
"بس لازم نقول! يمكن يساعدوا!"
شغف هزت رأسها:
"أو يمكن نخلي الوضع أسوأ."
ميار انصدمت:
"أسوأ من إيه؟ هي أصلاً مخطوفة!"
شغف نظرت لها بجدية:
"أيوه... ومين قالك إن اللي عمل كده هيقف عندها بس؟"
سكون.
ميار شحبت قليلًا:
"إنتِ قصدك..."
شغف أكملت بهدوء مخيف:
"اللي قدر يوصل لها... يقدر يوصل لأي حد فينا."
ميار ضمّت تاج بقوة غريزية:
"يا نهار أبيض..."
شغف تابعت:
"غزل كانت خايفة... مش على نفسها... علينا."
صمت ثقيل.
ثم ميار قالت بتردد:
"بس... برضه... ما ينفعش نسكت."
شغف ضحكت بسخرية خفيفة:
"تقولي كده لأوس؟"
ميار رفعت حاجبها:
"ليه؟"
شغف لفّت عينيها بملل:
"عرف."
"إيه؟!"
"عرف كل حاجة."
ميار فتحت عينيها بصدمة:
"إنتِ قولتيله؟!"
شغف هزت رأسها:
"لا... هو اللي ضغط عليا... وغلطت واتكلمت."
ثم أضافت بمرارة:
"واتخانقنا خناقة محترمة."
ميار همست:
"أكيد..."
شغف سخرت:
"لا والله؟! كنت فاكرة هيقولّي شكراً يا حبيبتي إنك مخبية عني حاجة زي دي؟"
ميار حاولت تهدئة الجو:
"طب وهو عمل إيه؟"
شغف تنهدت:
"اتجنن... وحقه بصراحة."
ثم أضافت بهدوء:
"هو شايفها أخته... مش مجرد صاحبة."
سكون.
ميار نظرت لياسين:
"كلنا شايفينها كده..."
شغف همست:
"بس مش كلنا عارفين نحميها."
صمت طويل...
ثم قالت ميار فجأة:
"طب نعمل إيه دلوقتي؟"
شغف نظرت نحو الباب... ثم عادت بعينيها لها:
"نستنى."
"نستنى إيه؟!"
"نستنى اللي أقوى مننا يتحرك."
ميار فهمت فورًا:
"جاسر..."
شغف هزت رأسها ببطء:
"و عمو جاسر مش لوحده."
ثم نظرت لها بنظرة عميقة:
"وفي حد تاني... بدأ يدخل اللعبة."
ميار عقدت حاجبيها:
"مين؟"
شغف لم تجب مباشرة...
فقط نظرت نحو الخارج... وكأنها تفكر في شيء أكبر من مجرد خطف.
وفي حضنها...
تحرك ياسين قليلًا... ثم عاد للنوم.
كأنه...
لا يعرف أن العاصفة لم تبدأ بعد.
🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎
الباب انفتح بهدوء...
وظهر أوس.
وقف لحظة عند العتبة، عينيه اتجهت فورًا نحو شغف... ثم نحو ياسين النائم في حضنها، وتاج بين يدي ميار.
الجو المشحون كان واضح حتى قبل أن يتكلم.
ميار فهمت فورًا.
نظرت لشغف نظرة سريعة... ثم قامت بهدوء.
"هاخد تاج معايا؟"
شغف هزت رأسها بتعب:
"لا... خليه معاه."
ميار اقتربت من أوس، وضعت تاج بين ذراعيه بابتسامة خفيفة محاولة تخفيف التوتر:
"خد بنتك... واهدى شوية."
أوس لم يرد.
لكن نظرته كانت كافية.
ميار خرجت بهدوء وأغلقت الباب خلفها.
سكون.
ثواني قليلة...
ثم-
"إنتِ عارفة اللي حصل؟"
صوته كان منخفض... لكنه مليان غضب.
شغف لم تنظر له:
"عارفة."
أوس ضحك بسخرية مريرة:
"عارفة؟ بس؟!"
رفع صوته قليلًا:
"بسبب سكوتك... بسبب غبائك في إخفاء الموضوع... غزل اتخطفت!"
شغف رفعت عينيها له فجأة، والغضب اشتعل فيها:
"إنت بتقول إيه؟!"
أوس اقترب خطوة:
"اللي حصل! لو كنتِ اتكلمتي من الأول-"
قاطعته بحدة:
"ما تحمّلنيش حاجة أكبر مني!"
"أكبر منك؟! ده أمن ناس!"
"وأنا كنت فاكرة بحميهم!"
"وبحمايتك دي ضيّعتيها!"
شغف قامت فجأة، بعصبية، لكن بحذر حتى لا توقظ ياسين:
"وطّي صوتك!"
همست بحدة:
"الأطفال نايمين!"
أوس تنفس بعنف، خفض صوته بصعوبة، لكن الغضب ما اختفى:
"الأطفال؟! أنا بتكلم عن غزل!"
شغف صرخت همسًا:
"وأنا كمان!"
سكون لحظة...
ثم صوتها انكسر فجأة:
"فاكرني مش خايفة عليها؟!"
عينها لمعت بالدموع:
"فاكرني مش بموت كل ثانية وهي مش قدامي؟!"
أوس سكت.
شغف كملت بصوت مرتجف:
"دي مش صاحبتي بس... دي أختي... روحي..."
دمعة نزلت على خدها رغماً عنها:
"وأنا... أنا اللي سمحت إن ده يحصل..."
أوس تجمد مكانه.
الغضب اللي كان مسيطر عليه... بدأ يهدأ.
نظر لدموعها...
وده كان كفيل إنه يكسره.
اقترب منها ببطء.
"شغف..."
لكنها هزت رأسها، محاولة تبعد:
"سيبني..."
لكنه لم يسمع.
مد يده... وسحبها إليه بلطف رغم مقاومتها الخفيفة.
احتضنها.
بهدوء هذه المرة.
"خلاص... خلاص..."
صوته نزل لنبرة مختلفة تمامًا:
"أنا آسف."
شغف لم تقاوم أكثر.
انهارت في حضنه.
"أنا خايفة يا أوس..."
همستها خرجت ضعيفة:
"خايفة نلحق متأخر..."
أوس شدد عليها أكثر:
"مش هنتأخر."
غمض عينيه للحظة:
"مش وأنا موجود."
شغف تمسكت بقميصه:
"وهي لو حصل لها حاجة... أنا-"
قاطعها فورًا:
"مش هيحصل."
نبرة صوته كانت حاسمة.
ثم أبعدها قليلًا، نظر لعينيها:
"غزل هترجع."
صمت لحظة...
ثم أضاف بهدوء:
"وأنا مش هسيب اللي عمل كده."
شغف نظرت له...
ولأول مرة منذ دقائق...
هدأت قليلًا.
وفي حضنها...
تحرك ياسين بخفة...
لكنه لم يستيقظ.
وكأن العالم كله ينهار...
وهو ما زال نائمًا... لا يعرف شيئًا.
🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎
في مكان آخر الليل كان كثيفًا...
سكون غريب يلف المكان كأنه مقطوع عن العالم.
أوقف غيث سيارته بعنف عند أطراف الطريق الترابي، أنفاسه متسارعة، وعيناه تمسحان المكان بقلق حاد.
أطفأ المحرك...
لكن قلبه لم يهدأ.
همس لنفسه وهو يفتح الباب:
"غزل..."
نزل من السيارة بخطوات سريعة، الباب يُغلق خلفه بصوت مكتوم، وكأن المكان ابتلع الصوت.
نظر حوله.
لا شيء.
مخزن قديم... مهجور...
أضواء خافتة تتسلل من الداخل...
وصمت... مرعب.
قبض على هاتفه بقوة، ثم نظر للشاشة... الإحداثيات لا تزال أمامه.
"هنا..."
ابتلع ريقه بصعوبة.
ثم بدأ يتقدم.
خطوة...
وأخرى...
كل حاسة فيه كانت مستنفرة.
"غزل!"
ناداها بصوت عالٍ هذه المرة.
الصوت ارتد إليه... فارغًا.
"غزل! أنا هنا!"
لا إجابة.
شد على شعره بعصبية، وبدأ يدور حول نفسه، يبحث، ينظر خلفه، أمامه، فوقه...
"فينك؟!"
صوته بدأ يحمل خوفًا واضحًا:
"أنا جيت... زي ما قالوا... لوحدي..."
سكون.
ثم فجأة-
صوت خافت... خلفه.
تجمد مكانه.
استدار بسرعة-
"مين هناك؟!"
لكن الظلام لم يُجب.
اقترب خطوة، عينيه تحاول اختراق العتمة:
"أنا عارف إنكوا هنا! طلّعوا غزل!"
صمت.
ثم-
خطوة.
قريبة جدًا.
لم يُمهل حتى ليلتفت بالكامل.
ضربة قوية... دقيقة... خلف رأسه مباشرة.
شهق بصوت مكتوم...
العالم اهتز حوله.
الهاتف سقط من يده...
ارتطم بالأرض... وانطفأ.
غيث ترنّح خطوة...
ثم أخرى...
رؤيته بدأت تتشوش...
الأضواء تداخلت...
"غ...زل..."
الكلمة خرجت ضعيفة... مكسورة.
ثم-
سقط.
جسده ارتطم بالأرض بلا مقاومة.
سكون.
ثوانٍ...
ثم ظهرت خطوات في الظلام.
ظل...
ثم آخر...
صوت بارد... أنثوي... ممتلئ بالرضا:
"وأخيرًا وصل."
توقف بجانب جسد غيث الملقى.
"كان أسهل مما توقعت."
صوت رجل آخر، خشن:
"نجيبه جوه؟"
ردت ببرود قاتل:
"طبعًا."
ثم انحنت قليلًا... نظرت إليه وهو فاقد الوعي...
ابتسامة بطيئة، مخيفة، ارتسمت على شفتيها.
"اللعبة بدأت فعلاً..."
🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎
المكان كان خانقًا...
جدران باردة...
ضوء أصفر باهت يتدلّى من السقف...
وصمت ثقيل لا يُكسره إلا صوت أنفاس غزل المتقطعة.
كانت جالسة على الأرض، يداها مقيدتان، ظهرها مسنود للحائط...
عيناها مفتوحتان على اتساعهما... لكنهما تائهتان.
همست بصوت مكسور:
"يا رب... احميه..."
فجأة-
صوت خطوات.
رفعت رأسها بسرعة.
الباب الحديدي فتح بصرير مزعج...
دخلت فالينتينا.
أناقة قاتلة... ابتسامة باردة... عيون مليئة بالشر.
وقفت أمام غزل، تراقبها كأنها تستمتع بكل لحظة ضعف فيها.
"كيف حالكِ الآن؟"
غزل لم ترد.
فقط نظرت لها... بنظرة مليئة بالكره والتحدي.
فالينتينا ابتسمت أكثر:
"لا زلتِ قوية؟ جيد... أحب ذلك."
ثم اقتربت خطوة، وانحنت قليلًا:
"لأن لدي مفاجأة لكِ."
قلب غزل انقبض.
"مفاجأة؟"
قالتها بحذر... لكن داخلها بدأ يصرخ بالخوف.
فالينتينا استقامت، ثم صفقت ببطء:
"أدخلوه."
ثانية...
اثنتان...
ثم-
دخل رجلان...
يحملان جسدًا فاقد الوعي.
عين غزل اتسعت بصدمة مرعبة.
"غيث...؟!"
الصوت خرج منها كصرخة مخنوقة.
ركضت نحوه بقدر ما تسمح به قيودها:
"غيث! غيث!"
الرجال ألقوه على الأرض بإهمال.
جسده سقط بلا حركة.
"لا... لا... لا..."
انحنت عليه، تحاول تحريكه، صوتها يرتجف:
"غيث... فوق... لو سمحت فوق..."
لا استجابة.
رفعت وجهها ببطء نحو فالينتينا...
والرعب تحول في لحظة إلى نار.
"إنتِ عملتي فيه إيه؟!"
فالينتينا ابتسمت... ببطء... بشماتة مرعبة:
"جاء بنفسه."
اقتربت أكثر، صوتها انخفض:
"أخبرته أن يأتي وحده... فجاء كالأحمق."
غزل نهضت بصعوبة، وقفت أمامها رغم قيودها:
"لو لمستِه..."
صوتها كان منخفضًا... لكنه خطير:
"أقسم بالله... مش هرحمك."
لحظة صمت...
ثم-
اختفت الابتسامة من وجه فالينتينا.
تحولت عيناها... إلى غضب مظلم.
في لحظة-
مدت يدها... وأمسكت شعر غزل بقوة.
"آآه!"
جذبتها بعنف حتى رفعت رأسها للخلف.
"تُهدديني؟!"
صوتها خرج حادًا... مجنونًا:
"أنتِ؟!"
غزل تألمت... لكن نظرتها لم تنكسر.
"مش تهديد... وعد."
فالينتينا شدّت شعرها أكثر:
"سأجعلكِ تتمنين الموت... ولن يأتي!"
اقتربت منها جدًا... همست بجانب أذنها:
"تعلمين لماذا أحضرته؟"
غزل سكتت... لكنها تعرف الإجابة...
وقلبها بدأ ينهار.
فالينتينا ابتسمت... ابتسامة شيطانية:
"ستشاهدين..."
نظرت نحو غيث الملقى على الأرض:
"سأعذبه... أمام عينيكِ..."
ثم همست ببطء:
"حتى يموت."
"لا!!!"
صرخت غزل بكل قوتها.
حاولت التحرر، اندفعت نحو غيث:
"ابعدي عنه!"
لكن القيود أعاقتها.
وقفت أمامه رغم ذلك... كأنها تحميه بجسدها:
"لو قربتي له... أنا اللي هكون نهايتك!"
فالينتينا ضحكت...
ضحكة باردة... مجنونة.
"ما زلتِ لم تفهمي..."
ثم أشارت بيدها للرجال:
"ابدأوا."
غزل اتسعت عيناها برعب-
لكن قبل أن يتحرك أحد...
تحركت يد غيث...
ببطء... خفيف...
وكأن الوعي... بدأ يعود.
غزل شهقت:
"غيث...؟!"
وفالينتينا... ابتسامتها اتسعت أكثر.
"ممتاز..."
همست:
"ليستيقظ... حتى يشعر بكل شيء."
*☆يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع☆☆*
الفصل الثالث والاربعون من هنا