رواية الاستهتار الفصل الاول 1 بقلم وفاء الدرع


رواية الاستهتار الفصل الاول 1 بقلم وفاء الدرع


ليست كل الكوارث تبدأ بصوتٍ مرتفع... ولا كل النهايات المأساوية تسبقها علامات واضحة.
أحيانًا... تبدأ الحكاية بابتسامة أبٍ لابنه وهو يقول: "اعمل اللي إنت عايزه... وأنا وراك."
وتبدأ بكلمة: "سيبوه... لسه صغير."
ثم تتحول هذه الكلمات، مع مرور الأيام، إلى جدارٍ يحجب الحق عن صاحبه، ويزرع في قلبه وهمًا خطيرًا... أن الخطأ لا عقاب له، وأن المال يستطيع أن يشتري كل شيء.
لكن الحقيقة... أن هناك أخطاء لا تمحوها الأموال، ولا يمحوها النفوذ، ولا تنقذ صاحبها أشهر الأسماء.
هناك جرائم لا تُرتكب بسكين... ولا تحتاج إلى طلقة رصاص.
جرائم صامتة... تنمو داخل البيوت، بين أبٍ أحب ابنه، لكنه لم يُحسن تربيته، وأمٍ كانت ترى الخطر يقترب يومًا بعد يوم، فتصرخ، وتنصح، وتحذر... ولا يجد صوتها من يصغي إليه.
إنها جريمة الاستهتار...
الاستهتار بالتربية... الاستهتار بالمسؤولية... الاستهتار بكلمة "لا" التي قد تنقذ مستقبلًا كاملًا.
كم من أبٍ ظن أن كثرة المال تعني نجاحه في تربية أبنائه؟
وكم من أمٍ بكت في صمت، وهي ترى ابنها يسير نحو طريقٍ مظلم، بينما الجميع يصفقون له لأنه ابن عائلة كبيرة؟
في بيوتٍ فاخرة... تُضاء الثريات كل ليلة، لكن القلوب تعيش في ظلام.
موائد عامرة بأشهى الطعام... لكنها تخلو من جلسةٍ صادقة، أو نصيحةٍ نابعة من القلب.
غرف واسعة... وسيارات فارهة... وحسابات بنكية لا تنتهي...
لكن طفلًا صغيرًا كان يبحث فقط عن حضنٍ يسمع نبضه، وعن كلمةٍ تشعره بالأمان.
كبر الطفل... وكبر معه الفراغ.
حتى أصبح شابًا يملك كل شيء... إلا نفسه.
ولأن الدنيا لا تترك خطأً بلا حساب... جاء اليوم الذي وقف فيه الجميع أمام الحقيقة.
حقيقة أن التربية ليست ثوبًا فاخرًا نشتريه، ولا شهادةً نعلقها على الحائط، ولا أموالًا تُلقى في جيب الابن كلما طلب.
التربية موقف... وقدوة... ودعاء... ووقت... وحب يعرف متى يحتضن، ومتى يمنع.
هذه ليست حكاية شابٍ ضل طريقه فقط...
وليست قصة أبٍ ثري فقد السيطرة على ابنه...
بل هي حكاية بيتٍ كامل، ظن أصحابه أن الرفاهية تكفي لصناعة السعادة، فاكتشفوا متأخرين أن القيم إذا غابت، ضاع كل شيء.
ستضحكون أحيانًا... وستبكون كثيرًا...
ستغضبون من بعض الشخصيات...
وربما ستسامحونها عندما تعرفون كيف وصلت إلى ما وصلت إليه.
فهذه الرواية لا تبحث عن مذنبٍ واحد...
بل تطرح سؤالًا قد يغيّر نظرتنا إلى الحياة كلها:
من المسؤول حقًا عندما يضيع الابن؟
هل هو الابن وحده؟
أم الأب الذي فتح له أبواب الخطأ؟
أم المجتمع الذي صفق للمال، ونسي الأخلاق؟
ستعرفون الإجابة...
لكن ليس من الصفحة الأولى.
بل بعد رحلةٍ طويلة، مليئة بالوجع، والانكسار، والندم، والدموع...
رحلةٍ تثبت أن بعض الدروس لا تُكتب بالحبر...
بل تُكتب بدموع الآباء، وحسرة الأمهات، وقلوب الأبناء عندما يكتشفون الحقيقة بعد فوات الأوان.
الاِسْتِهْتَار
ليست مجرد رواية...
بل رسالة إلى كل أب، وكل أم، وكل ابن...
لعلها تُنقذ قلبًا قبل أن يضيع...
وتوقظ ضميرًا قبل أن يأتي يومٌ لا ينفع فيه الندم.
اقرأ... ولكن لا تكتفِ بالقراءة.
تأمل...
فربما تجد في هذه الحكاية وجهًا تعرفه...
أو بيتًا يشبه بيتك...
أو كلمةً كنت تحتاج أن تسمعها منذ زمن.
✍️ بقلم: وفاء الدرع
يتبع... ✨🌑

✨🩸 الاِسْتِهْتَار 🩸✨
الجزء الأول: بذرة الخطأ
لم يولد أحدٌ مجرمًا...
ولم يستيقظ شاب ذات صباح ليقرر أن يسلك طريق الضياع.
كل سقوطٍ كبير... تسبقه خطواتٌ صغيرة، يراها الجميع عادية، حتى يأتي اليوم الذي تتحول فيه إلى هاوية.
في أحد الأحياء الراقية، كانت تقف فيلا آل الألفي شامخةً كأنها قصر من قصور الزمن الجميل.
بوابة حديدية ضخمة، وحديقة تزينها أشجار نادرة، ونافورة يتراقص ماؤها في هدوء، وسيارات فارهة مصطفة أمام المدخل.
كان كل من يمر أمام الفيلا يقول بإعجاب:
"دي فيلا الحاج مهران الألفي... واحد من أكبر رجال الأعمال في البلد."
لكن لا أحد كان يعلم أن خلف تلك الجدران اللامعة، كانت هناك حكاية أخرى... حكاية بيتٍ امتلأ بالمال، وافتقر إلى شيءٍ لا يُشترى.
داخل المكتب الفخم، جلس مهران الألفي خلف مكتبه المصنوع من خشب فاخر، يتابع صفقات شركته، بينما هاتفه لا يتوقف عن الرنين.
كان في منتصف الخمسينيات من عمره، مهابًا، قوي الشخصية، لا يعرف معنى الفشل، وكل من حوله ينفذ أوامره دون نقاش.
دخل عليه سكرتيره وقال باحترام:
"يا فندم... الأستاذ عمر مستني حضرتك."
ابتسم مهران ابتسامة واسعة.
"خليه يدخل... ده ابني."
دخل عمر بخطوات هادئة.
شاب في الثالثة والعشرين من عمره، وسيم الملامح، يرتدي ملابس أنيقة، تبدو عليه علامات الأدب والهدوء.
اقترب من والده وقبّل يده باحترام.
ابتسم مهران بفخر وقال:
"إزيك يا بطل؟"
ابتسم عمر ابتسامة خفيفة.
"الحمد لله يا بابا."
فتح مهران درج مكتبه، وأخرج مفتاح سيارة جديدًا، ثم وضعه أمام ابنه.
نظر عمر إليه باستغراب.
"إيه ده؟"
قال مهران وهو يبتسم بثقة:
"دي هدية نجاحك في الجامعة."
اتسعت عينا عمر.
"بس يا بابا... العربية اللي معايا جديدة."
ضحك مهران بصوت مرتفع.
"وأنا ابني ينفع يركب عربية قديمة؟ دي أحدث موديل... ولو بعد شهر عجبتك واحدة أحسن، هنجيبها."
تردد عمر للحظة، ثم قال بهدوء:
"أنا والله مش محتاج كل ده."
ربت مهران على كتفه وقال:
"أنا طول عمري بتعب علشانك... عيش حياتك، ومتخليش حاجة نفسك فيها."
خرج عمر وهو يحمل المفتاح، لكنه لم يشعر بالفرحة التي توقعها الجميع.
كان يشعر أن هناك شيئًا ناقصًا... شيئًا لا يعرف اسمه.
في الطابق العلوي...
كانت كاملية تقف أمام نافذة غرفتها، تراقب المشهد في صمت.
ابتسمت عندما رأت ابنها، لكنها سرعان ما تنهدت.
دخل مهران وهو يقول بفخر:
"شفتي العربية الجديدة؟"
التفتت إليه وقالت بهدوء:
"شفت."
انتظر منها أن تشاركه فرحته، لكنها ظلت صامتة.
اقترب منها متعجبًا.
"مالك؟"
قالت وهي تنظر في عينيه:
"هو عمر محتاج عربية جديدة... ولا محتاج يقعد مع أبوه ساعة كل يوم؟"
تغيرت ملامح مهران قليلًا.
"يعني إيه؟"
قالت بصوت هادئ لكنه مؤلم:
"إنت بتدي له كل حاجة بالفلوس... إلا نفسك."
ابتسم مهران ساخرًا.
"يا كاملية... إحنا بنعيش في زمن الفلوس. ابني مش ناقصه حاجة."
هزت رأسها بأسى.
"لا... ناقصه أهم حاجة."
قطب حاجبيه.
"وهي إيه؟"
أجابت والدمعة تلمع في عينيها:
"أب."
ساد الصمت...
صمتٌ ثقيل، لم يقطعه سوى صوت ساعة الحائط.
لكن مهران لم يقتنع.
اكتفى بأن أخذ مفاتيح سيارته، وغادر المنزل، وهو يردد في نفسه:
"هي الستات بتحب تعقد الأمور وخلاص."
أما كاملية...
فأغلقت عينيها، وهمست بدعاء خرج من قلب أم خائفة:
"يارب... احفظ ابني من الدنيا... ومن أي طريق يبعده عنك."
في تلك الليلة...
كان عمر يجلس وحده في شرفة غرفته.
ينظر إلى السماء.
يتأمل النجوم.
اقتربت منه أمه، وجلست بجواره في هدوء.
ابتسمت وسألته:
"مالك يا حبيبي؟"
ابتسم ابتسامة باهتة.
"مفيش."
ربتت على يده بحنان.
"إنت عمرك ما عرفت تخبي عني."
سكت قليلًا، ثم قال:
"هو بابا بيحبني؟"
تجمدت للحظة.
ثم احتضنته بقوة وقالت:
"طبعًا بيحبك."
قال وهو ينظر بعيدًا:
"أنا عارف إنه بيحبني... بس نفسي أحس بحبه."
انكسرت الكلمات داخل قلبها...
ولم تجد ما تقوله.
فقط ضمته أكثر، بينما كانت تدعو الله في سرها أن يأتي اليوم الذي يفهم فيه مهران أن الأبوة ليست هدية تُشترى... بل قلبٌ يُعاش معه.
لكن القدر...
كان يكتب بداية قصة أخرى.
قصة لن تغيّر حياة عمر وحده...
بل ستهز حياة العائلة كلها.


                         الفصل الثاني من هنا 
تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة