
✨🩸 الحقيقة التي أخفتها أم
لم ينم عمر تلك الليلة.
ظل يتقلب في فراشه، وصورة المنديل الملطخ بالدم لا تفارق خياله.
كلما أغمض عينيه، رأى وجه أمه الشاحب، وابتسامتها التي كانت تحاول أن تخفي وراءها وجعًا كبيرًا.
ومع أول خيط للفجر، توضأ، وصلى ركعتين، ثم وقف أمام باب غرفة والدته.
طرق الباب برفق.
جاءه صوتها الهادئ الذي اعتاد أن يمنحه الأمان:
ـ ادخل يا حبيبي.
دخل وهو يحمل كوبًا من الحليب.
ابتسم لها وقال:
ـ النهارده مفيش نقاش... هنروح للدكتور.
ابتسمت كاملية وهي تهز رأسها.
ـ يا عمر... أنا كويسة.
اقترب منها وجلس بجوارها، ثم أمسك يدها بحنان.
ـ علشان خاطري... لو بتحبيني، متخليش قلبي يفضل قلقان.
نظرت إليه طويلًا...
كان ما زال ذلك الطفل الذي كان يختبئ في حضنها كلما خاف من صوت الرعد.
تنهدت وقالت بابتسامة خافتة:
ـ حاضر... هنروح.
بعد ساعات...
توقفت سيارة عمر أمام أحد المستشفيات الكبرى.
كان يمسك بيد أمه وهو يساعدها على النزول، وكأن الأدوار قد تبدلت، وأصبح هو من يخاف عليها.
أُجريت لها الفحوصات، ثم طلب الطبيب بعض الأشعة والتحاليل الإضافية.
مرت الساعات بطيئة...
وكان عمر يسير في الممر ذهابًا وإيابًا، لا يكف عن الدعاء.
أما كاملية...
فكانت أكثر هدوءًا منه.
كانت تبتسم كلما نظرت إليه، وكأنها هي التي تطمئنه، رغم أنها المريضة.
خرج الطبيب أخيرًا.
وقال بصوت هادئ:
ـ مدام كاملية... حضرتك تتفضلي معايا لو سمحتِ.
وقف عمر سريعًا.
ـ وأنا يا دكتور؟
ابتسم الطبيب ابتسامة رسمية.
ـ الأول أتكلم معاها، وبعد كده نتكلم كلنا.
دخلت كاملية إلى المكتب.
وأُغلق الباب.
جلس عمر على المقعد المقابل، يحدق في الباب وكأنه ينتظر حكمًا على حياته.
مرت عشر دقائق...
بدت له كأنها عشر سنوات.
ثم خرجت أمه.
كانت تبتسم...
لكن عينيها كانتا محمرتين.
اقترب منها بسرعة.
ـ قالك إيه؟
ربتت على كتفه وقالت:
ـ شوية علاج... وهبقى كويسة.
نظر إليها طويلًا...
ثم إلى الطبيب الذي خفض بصره.
شعر أن شيئًا ما يُخفى عنه.
في طريق العودة...
كان الصمت سيد الموقف.
أدار عمر جهاز الراديو، ثم أغلقه بعد ثوانٍ.
قال بهدوء:
ـ ماما...
إنتِ مخبية عليا حاجة؟
ابتسمت وهي تنظر من نافذة السيارة.
ـ لأ يا حبيبي.
ـ والله؟
التفتت إليه، وربتت على يده.
ـ والله.
لكن قلب الأم...
كان يرتجف.
فقد أخبرها الطبيب بالحقيقة التي لم تتوقعها.
المرض خبيث...
ويحتاج إلى رحلة علاج طويلة.
أغمضت عينيها في صمت.
ولم يكن خوفها من المرض...
بل من اليوم الذي سيعيش فيه عمر بدونها.
وفي المساء...
دخلت غرفتها، وأغلقت الباب.
وقفت أمام سجادة الصلاة.
ورفعت يديها إلى السماء.
وانهمرت دموعها لأول مرة.
وقالت بصوت مرتعش:
"يارب...
أنا راضية بقضائك كله...
لكن ابني...
أوصيك بقلبه.
هو ضعيف من غيري.
فلا تتركه لنفسه.
واجعل له من بعدي من يأخذ بيده إلى طريقك."
ثم سجدت طويلًا...
تبكي...
وتدعو...
حتى ابتلت سجادة الصلاة بدموعها.
وفي اليوم التالي...
عاد مهران من الشركة وهو يتحدث في الهاتف عن صفقة جديدة.
استقبلته كاملية كعادتها.
وحاولت أن تبدو قوية.
لكنها فقدت توازنها فجأة.
وكادت تسقط على الأرض.
أسرع عمر إليها وأمسكها قبل أن ترتطم بالأرض.
صرخ بخوف:
ـ ماما!
أما مهران...
فأغلق الهاتف أخيرًا، ونظر إليها بقلق لأول مرة منذ سنوات.
قال وهو يقترب منها:
ـ مالك يا كاملية؟
رفعت رأسها، وقالت بابتسامة متعبة:
ـ مجرد إرهاق...
لكن عمر لم يعد يحتمل الصمت.
نظر إلى والده وقال بانفعال:
ـ دي بقالها أيام تعبانة... وإنت ولا حاسس!
ساد الصمت في أرجاء الفيلا...
ونظر مهران إلى ابنه في دهشة.
كانت تلك...
أول مرة يرتفع فيها صوت عمر في وجه والده.
وأول مرة يشعر مهران...
أن هناك شيئًا خطيرًا يحدث داخل بيته...
بينما كان هو منشغلًا بكل شيء...
إلا عائلته.
❓سؤال نهاية الجزء الثالث❓
هل سيعرف مهران حقيقة مرض كاملية؟
وهل سيترك أعماله لينقذ زوجته قبل فوات الأوان...
أم أن القدر بدأ يكتب الفصل الأصعب في حياة هذه الأسرة؟
يتبع... ✨💫
✍️ بقلم وفاء الدرع
علق بالصلاه على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم
الفصل الرابع من هنا