
.
✨ الرحيل الذي كسر الجميع
مرَّت ثلاثة أيام...
وثلاث ليالٍ طويلة، لم يغمض فيها جفن لعمر ولا لمهران.
كانت كاملية ترقد داخل غرفة العناية المركزة، بين أجهزةٍ لا تتوقف عن إصدار أصواتها، وأنابيب تحيط بجسدٍ أنهكه المرض، لكنها لم تستطع أن تنتزع من وجهها ذلك النور الذي اعتاده كل من عرفها.
كان عمر يجلس أمام باب الغرفة منذ الصباح حتى منتصف الليل.
يرفض العودة إلى البيت.
يرفض الطعام.
ويرفض أن يصدق أن أمه، التي كانت تملأ البيت بالحياة، أصبحت خلف باب لا يستطيع الدخول إليه إلا لدقائق معدودة.
أما مهران...
فقد تغير الرجل الذي كان يعرفه الجميع.
لم يعد يتحدث عن الصفقات.
ولم يعد يسأل عن الشركات.
أغلق هاتفه لأول مرة منذ سنوات، وسلم إدارة أعماله إلى مساعديه، ولم يعد يرى في الدنيا كلها شيئًا أهم من أن تفتح كاملية عينيها مرة أخرى.
وفي صباح اليوم الرابع...
خرج الطبيب من غرفة العناية.
نظر إلى مهران وعمر، وقال بهدوء:
ـ تقدروا تشوفوها... لكن بهدوء، لأنها محتاجة ترتاح.
كاد عمر يركض، لكنه تمالك نفسه.
دخل أولًا.
كانت كاملية مستلقية على السرير، وقد بدا المرض واضحًا على ملامحها، لكن ابتسامتها بقيت كما هي.
ما إن رأته حتى رفعت يدها بصعوبة.
أسرع إليها، وجثا على ركبتيه بجوار السرير، وأمسك يدها بكلتا يديه، ثم قبلها وهو يبكي.
قال بصوتٍ متقطع:
ـ متسبنيش يا ماما... أنا لسه محتاجك.
ربتت بأصابعها المرتعشة على رأسه، كما كانت تفعل وهو طفل.
وقالت بصوتٍ ضعيف:
ـ كلنا هنمشي يا حبيبي... بس المهم نمشي وربنا راضٍ عنا.
هز رأسه بعنف وهو يبكي.
ـ لا... أنا مقدرش أعيش من غيرك.
ابتسمت، والدموع تلمع في عينيها.
ـ تقدر...
لأن ربنا هيكون معاك.
أوعى تسيب صلاتك...
وأوعى تزعل أبوك...
وخليك راجل يشرفني قدام ربنا.
انحنى عمر على يدها، يقبلها مرة بعد مرة، وهو يبكي كطفل فقد طريقه.
ثم أشارت بعينيها إلى مهران.
اقترب ببطء...
ولأول مرة منذ زواجهما، لم يجد الكلمات التي يقولها.
نظر إليها طويلًا.
ثم أمسك يدها، وانفجر باكيًا.
ـ سامحيني يا كاملية...
سامحيني على كل لحظة كنت فيها بعيد عنكم.
سامحيني علشان كنت فاكر إن الفلوس أهم.
سامحيني...
ابتسمت له ابتسامة هادئة.
وقالت بصوتٍ يكاد لا يُسمع:
ـ أنا مسامحاك...
بس أوعى تضيع عمر...
هو أمانة.
لو ضاع...
هتبقى خسرتنا إحنا الاتنين.
أغمض مهران عينيه وهو يبكي بحرقة.
وقال:
ـ أوعدك...
هكون أب حقيقي.
حتى لو اتأخرت.
وقبل أذان المغرب بقليل...
بدأ جهاز القلب يُصدر صوتًا مختلفًا.
دخل الأطباء والممرضون مسرعين.
أُغلق الباب.
وقف عمر في الخارج، يردد الشهادة، ويداه ترتجفان.
أما مهران...
فكان واقفًا بلا حراك، ينظر إلى الباب، وكأن عمره كله يقف خلفه.
مرت دقائق...
بدت وكأنها دهر.
ثم خرج الطبيب.
كانت ملامحه كافية ليعرفا الحقيقة.
قال بصوتٍ خافت:
ـ البقاء لله...
لم يتحمل جسدها أكثر من ذلك.
رحلت في هدوء.
رحلت وهي تردد الشهادة.
صرخة عمر هزت أرجاء المستشفى.
ـ مامااااا...!
اندفع نحو الغرفة، وارتمى على جسدها، يقبل رأسها ويديها، ويرجوها أن تفتح عينيها ولو لمرة واحدة.
لكنها...
كانت قد رحلت إلى جوار ربٍ كريم، لا يظلم عنده أحد.
أما مهران...
فلم يبكِ في البداية.
ظل واقفًا ينظر إليها في صمت.
ثم اقترب منها ببطء، وجلس إلى جوارها.
وأمسك يدها الباردة.
وقال بصوتٍ مكسور:
ـ البيت من غيرك مش بيت...
وأنا من غيرك...
ولا حاجة.
ثم انحنى على جبينها، وقبله للمرة الأخيرة.
وانهار باكيًا كما لم يبكِ رجلٌ من قبل.
في تلك الليلة...
عاد الجميع إلى الفيلا.
لكن الفيلا لم تعد كما كانت.
غرفة كاملية مفتوحة...
وسجادة صلاتها في مكانها...
ومصحفها على الطاولة...
وفنجان القهوة الذي كانت تشرب منه ما زال في المطبخ.
كل شيء كان ينطق باسمها...
إلا هي.
دخل عمر غرفتها.
احتضن وسادتها.
وأغمض عينيه.
كانت رائحتها لا تزال تملأ المكان.
جلس على الأرض يبكي حتى غلبه التعب.
وفي تلك اللحظة...
شعر أن الدنيا أصبحت أضيق من أن تتسع لحزنه.
وكان ذلك...
بداية الفراغ الذي سيغير حياته كلها.
لكن الزمن داخل فيلا آل الألفي كان قد توقف منذ لحظة رحيل كاملية.
لم تعد رائحة القهوة التي كانت تعدها كل صباح تملأ أرجاء البيت.
ولم يعد صوت القرآن يخرج من غرفتها مع أول ضوء للفجر.
حتى الورد الذي كانت تعتني به في الحديقة، بدأ يذبل وكأنه هو الآخر يفتقد صاحبة اليد الحانية.
كان البيت كما هو...
لكن الروح غادرته.
أما عمر...
فلم يعد ذلك الشاب الهادئ الذي يعرفه الجميع.
.
وكان أكثر ما يخيفه...
أن ينسى صوتها.
في كل ليلة، كان يشغل رسالة صوتية قديمة كانت قد أرسلتها إليه وهو في الجامعة.
كانت تقول فيها:
"خلي بالك من نفسك يا حبيبي... وربنا يرضى عنك ويبارك في عمرك."
كان يعيد سماعها عشرات المرات...
ثم يبكي حتى يغلبه النوم.
أما مهران...
فكان يعيش عذابًا من نوع آخر.
كل ركن في الفيلا يذكره بكاملية.
كل كلمة كانت تقولها عادت تتردد في أذنيه.
"اقعد مع ابنك..."
"الفلوس مش كل حاجة..."
"متضيعش عمر..."
كم سخر من كلماتها.
وكم ظن أنه يعرف الحياة أكثر منها.
والآن...
لم يبق منها سوى الذكريات.
وفي إحدى الليالي...
قرر مهران أن يدخل غرفة ابنه لأول مرة منذ سنوات.
طرق الباب برفق.
لكن لم يأته رد.
فتح الباب ببطء.
وجد عمر جالسًا على الأرض، يحتضن صورة والدته.
كان شارده، وعيناه غائرتين من كثرة السهر.
اقترب مهران وقال بصوت خافت:
ـ يا عمر...
رفع عمر رأسه ببطء.
نظر إلى والده، ثم أعاد نظره إلى الصورة، دون أن ينطق.
جلس مهران إلى جواره.
ظل دقائق طويلة صامتًا.
ثم قال:
ـ وحشتني هي كمان.
لأول مرة...
رأى عمر الدموع في عيني والده.
لكن شيئًا بداخله كان قد انكسر.
قال بصوت بارد:
ـ هي كانت محتاجاك وهي عايشة.
دلوقتي الدموع مش هترجعها.
كانت الكلمات كالسهم.
خفض مهران رأسه، ولم يجد ما يدافع به عن نفسه.
لأنه يعلم...
أن ابنه قال الحقيقة.
مرت الأيام...
وأصبح عمر يرفض الخروج من البيت.
توقفت دراسته.
وأغلق هاتفه.
واعتذر عن لقاء أصدقائه.
حتى أبناء خالته حاولوا زيارته أكثر من مرة، لكنه كان يعتذر في كل مرة.
كان يشعر أن كل من حوله يعيش حياته...
إلا هو.
وذات مساء...
دخلت الخادمة "أمينة" إلى غرفته، تحمل كوبًا من الشاي.
قالت بحنان:
ـ يا ابني... لازم تاكل.
ابتسم ابتسامة شاحبة.
ـ مش جعان يا أمينة.
وضعت الكوب أمامه وقالت:
ـ أمك كانت توصيني عليك.
كانت تقول لي: "لو شوفتي عمر زعلان، متسبيهوش لوحده."
امتلأت عينا عمر بالدموع.
وقال بصوت مبحوح:
ـ أنا تعبت...
تعبت أوي.
ردت أمينة وهي تمسح على رأسه كما كانت تفعل أمه:
ـ اصبر يا ابني...
ربنا بيجبر القلوب المكسورة.
وفي صباح اليوم التالي...
رن هاتف عمر.
نظر إلى الشاشة.
رقم قديم...
لأحد زملائه في الجامعة.
ظل يتردد للحظات...
ثم ضغط زر الإجابة.
لم يكن يعلم...
أن تلك المكالمة ستكون أول خطوة في طريقٍ حاولت أمه أن تُبعده عنه طوال حياتها.
من صاحب هذه المكالمة؟
وهل ستكون بداية عودة عمر إلى الحياة...
أم بداية سقوطه في الهاوية؟
يتبع... ✨💫
✍️ بقلم وفاء الدرع
صل على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
الفصل السادس من هنا