
✨🩸 قلبُ أمٍّ لا ينام
مرت الأيام هادئة...
أو هكذا كانت تبدو لمن ينظر إلى قصر آل الألفي من الخارج.
كل شيء كان يسير كما اعتاد الجميع.
مهران يغادر مع أول خيوط الفجر إلى شركاته واجتماعاته، ولا يعود إلا بعد منتصف الليل، مثقلًا بأرقام الصفقات والأرباح.
وعمر يذهب إلى جامعته، يحقق النجاح عامًا بعد عام، حتى أصبح مثالًا للشاب المهذب والمتفوق.
أما كاملية...
فكانت قلب هذا البيت.
إذا ضحكت، ضحك الجميع.
وإذا غابت عن غرفة الجلوس ساعة، شعر كل من في البيت أن شيئًا ينقص المكان.
كانت تستيقظ قبل الجميع، تصلي الفجر، ثم تجلس تقرأ شيئًا من القرآن، وتدعو طويلًا لابنها.
كانت تردد دائمًا:
"يارب... اجعل قلب عمر متعلقًا بك، ولا تجعل الدنيا تفتنه مهما اتسعت أمامه."
وفي صباح أحد الأيام...
دخل عمر المطبخ وهو يفرك عينيه من أثر النوم.
ابتسم عندما وجد أمه تعد له الإفطار بنفسها.
اقترب منها من الخلف واحتضنها كطفل صغير.
فضحكت وهي تقول:
ـ إيه يا واد... كبرت ولسه بتعمل كده؟
ابتسم وهو يقبل رأسها.
ـ وهفضل طول عمري ابنك الصغير.
قالت وهي تربت على خده:
ـ وربنا يخليك ليا يا نور عيني.
جلسا يتناولان الإفطار، بينما كان البيت هادئًا على غير عادته.
سألها عمر:
ـ بابا نزل؟
أومأت برأسها.
ـ من بدري... عنده اجتماع مهم.
تنهد عمر وقال:
ـ نفسي مرة نفطر كلنا مع بعض.
ابتسمت كاملية ابتسامة أخفت بها وجعًا كبيرًا.
ـ إن شاء الله يا حبيبي... ربنا يجمعكم على خير دايمًا.
في المساء...
عاد مهران إلى الفيلا متعبًا.
استقبلته كاملية بابتسامتها المعتادة.
وضعت أمامه الطعام وقالت بهدوء:
ـ عمر كان مستنيك النهارده.
رد وهو ينظر إلى هاتفه:
ـ كان عندي شغل مهم.
قالت:
ـ كل يوم عندك شغل مهم.
رفع رأسه قليلًا وقال بضيق:
ـ يعني أسيب شغلي؟
ابتسمت بحزن.
ـ لا...
بس افتكر إن ابنك بيكبر.
والسنين اللي بتضيع...
مش بترجع.
تنهد مهران وقال:
ـ أنا بشتغل علشانه.
ردت وهي تنظر في عينيه:
ـ هو محتاجك إنت...
مش فلوسك.
ساد الصمت مرة أخرى...
لكن هذه المرة كان الصمت أثقل من أي كلام.
بعد أيام...
كانت كاملية ترتب غرفة عمر.
وجدت بين كتبه ورقة صغيرة.
فتحتها.
كان مكتوبًا فيها بخط يده:
"أغلى أمنية عندي... يجي يوم نقعد أنا وبابا نتكلم ساعة من غير تليفون... ومن غير شغل."
ارتجفت يداها.
وضعت الورقة على صدرها، وأجهشت بالبكاء.
لم يكن ابنها يطلب سيارة جديدة...
ولا ساعة باهظة الثمن...
كان يطلب أبًا.
ومنذ ذلك اليوم...
بدأ الإرهاق يظهر على كاملية.
أصبحت تتعب سريعًا.
تشعر بدوار متكرر.
وتسعل كثيرًا، لكنها كانت تخفي كل ذلك حتى لا تقلق عمر.
لاحظت الخادمة "أمينة" شحوب وجهها فقالت:
ـ يا هانم... لازم تكشفي.
ابتسمت كاملية.
ـ شوية تعب وهيعدي.
لكن التعب...
لم يكن عابرًا.
وفي إحدى الليالي...
استيقظ عمر ليشرب الماء.
فسمع صوت سعال شديد صادر من غرفة والدته.
أسرع إليها.
وجدها تمسك طرف السرير بصعوبة.
اقترب منها مذعورًا.
ـ ماما... مالك؟
ابتسمت رغم الألم.
ـ متخفش... شوية برد.
لكنه لمح منديلًا أبيض بجوارها...
تلطخه قطرات دم.
تجمد مكانه.
ارتجف صوته وهو يهمس:
ـ الدم ده إيه؟
أسرعت كاملية تخفي المنديل.
وقالت بابتسامة مصطنعة:
ـ ولا حاجة يا حبيبي... جرح بسيط.
لكن قلب عمر...
لم يصدق.
ظل ينظر إليها طويلًا.
وشعر لأول مرة...
أن الخوف دخل بيته.
وفي صباح اليوم التالي...
قرر أن يصطحبها إلى الطبيب مهما رفضت.
أما كاملية...
فكانت تنظر إليه في صمت.
وفي داخلها خوف لم تخبر به أحدًا.
كانت تشعر...
أن الأيام القادمة...
لن تكون سهلة.
يتبع...
✍️ بقلم وفاء الدرع
علق بالصلاه على النبي صل الله عليه وسلم
الفصل الثالث من هنا