
✨🩸 الباب الذي دخل منه الشيطان
ظل عمر ينظر إلى شاشة الهاتف لثوانٍ...
كان الاسم الذي ظهر أمامه قد أعاده سنوات إلى الوراء.
كريم...
لم يكن صديقًا مقرّبًا، بل مجرد زميل قديم، وكانت العلاقة بينهما محدودة. لكن أحيانًا، تكون الأبواب التي ندخل منها إلى الخطأ هي الأبواب التي نظنها آمنة.
ضغط عمر زر الرد، وجاءه صوت كريم مفعمًا بالحيوية:
ـ السلام عليكم يا عمر... عامل إيه؟
رد بصوت خافت:
ـ الحمد لله.
ساد صمت قصير، ثم قال كريم بحزن:
ـ والله زعلت جدًا لما عرفت بخبر طنط كاملية... ربنا يرحمها ويغفر لها.
اغرورقت عينا عمر بالدموع.
ـ آمين... شكرًا يا كريم.
قال كريم:
ـ أنا عارف إنك قافل على نفسك من يومها، بس صدقني، ده مش هيريحك. تعالى اقعد معانا شوية، غيّر جو، حتى لو ساعة.
تردد عمر...
لكنه لم يعطه إجابة واضحة.
اكتفى بقوله:
ـ هفكر.
وأغلق الهاتف.
ظل ينظر إلى صورة أمه المعلقة على الحائط، وكأنه ينتظر منها جوابًا.
ثم همس بصوت بالكاد يُسمع:
ـ أخرج... ولا أفضل هنا؟
لم يجبه أحد...
لكن الصمت كان أثقل من أي كلام.
في المساء...
دخل مهران غرفة ابنه.
نظر إليه للحظات، ثم ابتسم.
لكنه بدلًا من أن يجلس معه، أو يسمع وجعه، أو يحتوي حزنه...
أخرج بطاقة بنكية جديدة، ووضعها في يده.
ثم سلّمه مفاتيح سيارة رياضية حديثة، وقال بثقة:
ـ اصرف زي ما تحب...
إنت صاحب المكان، وكل اللي عندي ليك.
ابتسم عمر ابتسامة باهتة.
أما مهران، فكان يظن أنه يفعل الصواب.
لكنه لم يكن يدرك أن الابن لا يحتاج دائمًا إلى المال...
بل يحتاج إلى أب يسمعه، ويحتويه، ويأخذ بيده.
وهنا كان الاستهتار الحقيقي...
استهتار بعض الآباء الذين يظنون أن المال يصنع الرجال، وأن الهدايا تُغني عن التربية، وأن النفوذ يعوض غياب القيم.
لكن الحقيقة...
أن المال يشتري أشياء كثيرة، إلا الأدب، والأخلاق، والاحترام، ودفء الأسرة.
وفي إحدى الأمسيات...
خرج عمر من الفيلا.
فوجد كريم ينتظره أمام الباب.
ابتسم وهو يصافحه بحرارة.
ـ أخيرًا رجعت للحياة.
ابتسم عمر ابتسامة خفيفة.
ـ بحاول.
قال كريم:
ـ تعالى نشرب قهوة... ساعة بس.
وافق عمر.
جلسا في أحد المقاهي الراقية.
وبعد قليل...
انضم إليهما شابان، ابنا رجلَي أعمال معروفين.
في البداية، دار الحديث عن السفر، والسيارات، والمشروعات.
ثم تحوّل الحديث إلى السهرات والحفلات.
قال أحدهما ضاحكًا:
ـ يا عم... إحنا لسه شباب، والشغل عمره ما هيخلص.
ابتسم عمر مجاملة، لكنه ظل صامتًا.
أما كريم، فقال وهو يربت على كتفه:
ـ متقلقش... كلها قعدة لطيفة. محتاج تخرج من الحزن اللي إنت فيه.
لم يشعر عمر بالخطر...
وهكذا كانت الخطوة الأولى نحو الهاوية.
بدأ يخرج معهم باستمرار، ويبتعد شيئًا فشيئًا عن كل ما كانت أمه تزرعه داخله من قيم ومبادئ.
وأصبح كريم لا يترك فرصة إلا واتصل بعمر.
مرة يدعوه إلى الغداء...
ومرة إلى أحد المقاهي...
ومرة إلى سهرة في استراحة أحد أصدقائهم.
في البداية كان عمر يعتذر كثيرًا.
لكن مع مرور الأيام، بدأ يوافق.
ليس لأنه يحب تلك الحياة...
بل لأنه كان يهرب.
يهرب من الفيلا التي أصبحت تذكره بأمه في كل زاوية.
يهرب من غرفتها التي ما زالت رائحة عطرها تسكنها.
ويهـرب من نفسه...
كان مهران يلاحظ أن ابنه أصبح يخرج كثيرًا.
لكنه كان يبتسم كلما رآه يستعد للخروج، ويقول في نفسه:
"الحمد لله... بدأ ينسى."
ولم يكن يعلم...
أن ابنه لم ينسَ.
بل كان يحاول أن يخدّر وجعه بالهروب.
ولو أن مهران جلس مع ابنه جلسة صادقة، واحتواه بحنان الأب، لربما تغيّر كل شيء.
لكن الاستهتار بالتربية كان قد بدأ يؤتي ثماره المؤلمة.
وفي إحدى الليالي...
عاد عمر متأخرًا.
كانت الساعة تقترب من الثانية بعد منتصف الليل.
دخل الفيلا بهدوء، حتى لا يوقظ أحدًا.
لكنه فوجئ بوالده جالسًا في الصالون.
رفع مهران رأسه وقال مبتسمًا:
ـ سهرت مع أصحابك؟
أجاب عمر:
ـ أيوه.
ابتسم مهران وربت على كتفه.
ـ كويس...
الشباب لازم يخرجوا ويغيّروا جو.
ثم أخرج بطاقة بنكية أخرى من جيبه، ووضعها في يد ابنه، وقال ضاحكًا:
ـ الأولى أكيد قربت تخلص.
اصرف براحتك...
إنت ابني، ومفيش حاجة تغلى عليك.
نظر عمر إلى البطاقة...
ثم إلى والده.
وفي داخله مرّ صوت أمه:
"مش كل حاجة تقدر تشتريها الفلوس يا عمر."
تنهد في صمت...
وصعد إلى غرفته دون أن ينطق.
ومع مرور الوقت...
لم تعد السهرات مجرد جلسات في مقهى.
بل أصبحت تمتد حتى الفجر، وسط صحبة سيئة، وأجواء أبعدته يومًا بعد يوم عن نفسه، وعن دينه، وعن المبادئ التي تربى عليها.
وكان كريم يقول له دائمًا:
ـ يا عم... سيب نفسك تعيش، محدش واخد منها حاجة.
وكان عمر يبتسم ابتسامة باهتة...
دون أن يشعر أنه يسير في طريق، كل خطوة فيه تبعده أكثر عن حياته الحقيقية.
أما مهران...
فكان يعيش في راحة زائفة.
يظن أن ابنه بخير لأنه لا يطلب شيئًا.
ولا يعلم مع من يخرج.
ولا أين يقضي ليله.
ولا ماذا يحدث في حياته.
وكان كلما احتاج عمر مالًا...
أعطاه أكثر.
وهنا كانت الكارثة.
فالمال قد يفتح الأبواب...
لكنه لا يحمي الأبناء إذا غابت الرقابة، وغابت التربية، وغاب الحوار.
وفي صباح أحد الأيام...
دخل عمر مكتب والده.
وقال:
ـ بابا...
أنا عايز آخد كام يوم إجازة.
رفع مهران رأسه من فوق الأوراق.
ـ ليه؟
ـ تعبان شوية.
ابتسم مهران وقال:
ـ سافر...
روح الساحل، أو أي مكان ترتاح فيه.
ثم كتب له شيكًا بمبلغ كبير، وقال:
ـ متفكرش في الفلوس...
المهم تروق على نفسك.
أخذ عمر الشيك، وشكره.
لكن عندما خرج، قال لنفسه:
"هو بابا فاكر إن أي وجع بيتعالج بالفلوس؟"
وفي مساء اليوم نفسه...
اتصل كريم.
ـ إحنا عاملين قعدة على يخت حسام.
تعالى ساعتين بس.
تردد عمر...
ثم وافق.
وصل إلى المرسى.
وصعد إلى اليخت.
وكان يعلم أن الجلسة لن تكون كأي جلسة سبقتها...
لكنه رغم ذلك...
أكمل طريقه.
وكان القدر يكتب فصلًا جديدًا من فصول سقوطه.
❓ سؤال نهاية الجزء ❓
هل سيفيق عمر قبل أن يخسر نفسه تمامًا؟
وهل سيتذكر وصية أمه، ويقرر أن يبدأ رحلة العلاج؟
أم أن الاستهتار سيأخذه إلى طريق لا عودة منه؟
يتبع... ✨💫
✍️ بقلم: وفاء الدرع
🌿 إذا أعجبتكم الرواية، علقوا بالصلاة على الحبيب المصطفى ﷺ.
الفصل السابع من هنا