
رواية أنت الهدف الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم ملك احمد
ظلت نظراتهما معلقة ببعضهما...
لم يتحرك أيٌ منهما...
وكأن الزمن توقف عند تلك اللحظة...
كان الممر مزدحمًا بالمعازيم ...
أصوات الأحاديث تدور من حولهما...
وأصوات الهواتف والخطوات تملأ المكان...
لكن بالنسبة لهما...
لم يعد هناك أحد...
كان كل شيء قد اختفى...
ولم يبقَ سوى عينين تنظران إلى بعضهما بعد فراقٍ دام أسابيع.
شعرت سيرا بأن أنفاسها أصبحت غير منتظمة...
أما قلبها...
فكان يخفق بقوة حتى ظنت أن الجميع يستطيع سماعه.
حدقت في ملامحه...
كانت كما هي...
لكن الإرهاق ترك أثره الواضح عليها.
عيناه اللتان كانتا دائمًا تمتلئان بالحياة...
أصبحتا تخفيان حزنًا عميقًا...
أما آيان...
فكان ينظر إليها وكأنه يخشى أن تختفي مرة أخرى إذا رمش بعينيه.
ارتجفت سيرا...
وسرعان ما أشاحت بوجهها بعيدًا.
ـ سيرا (بداخلها): لا... اكيد بيتهيألي ...
أغمضت عينيها لثوانٍ...
ثم أخذت نفسًا عميقًا...
وعندما التفتت مرة أخرى...
لم تجده.
اتسعت عيناها وهي تنظر حولها بسرعة.
يمينًا...
ويسارًا...
لكن لا أثر له.
همست لنفسها باستغراب...
ـ سيرا: معقول... كنت بتتخيل؟
وضعت يدها فوق قلبها تحاول تهدئة نبضاته...
لكن هاتفها رن فجأة.
نظرت إلى الشاشة...
كان إياد.
أجابت سريعًا...
ـ سيرا: إيه يا إياد؟
ـ إياد: أنا واقف بره... اطلعي دقيقة.
ـ سيرا: ليه؟
ـ إياد: في شوية حاجات ناقصة، بس تعالي الأول.
ـ سيرا: حاضر... جاية.
أغلقت الهاتف...
ثم أخذت حقيبتها...
وتوجهت للخارج ...
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في الخارج...
خرجت سيرا وهي تنظر في أرجاء المكان.
كان الليل قد بدأ يحل ...
والهواء يداعب خصلات شعرها.
بحثت بعينيها عن إياد...
لكنها لم تجده.
تقدمت عدة خطوات...
ثم أخرجت هاتفها واتصلت به.
رن الهاتف...
مرة...
مرتين...
ثلاث مرات...
لكن دون أي رد.
خفضت الهاتف وهي تعقد حاجبيها.
ـ سيرا: هو راح فين؟
نظرت حولها مرة أخرى.
ـ سيرا: غريبة... ده كان بيقولي إنه واقف هنا.
أرسلت له رسالة...
لكن لم يصلها أي رد.
بدأ القلق يتسلل إلى قلبها.
ـ سيرا: أكيد حصله حاجة.
استدارت لتعود إلى الداخل...
رفعت رأسها...
وتجمدت في مكانها.
كان آيان.
وقف أمامها بهدوء...
وعيناه لم تفارقا وجهها للحظة.
تراجعت خطوة إلى الخلف دون وعي.
أما هو...
فلم يتحرك.
ساد بينهما صمت طويل...
حتى شعرت سيرا بأن هذا الصمت أصبح أثقل من أي حديث.
حاولت الالتفاف لتغادر...
لكن آيان تقدم خطوة...
وأغلق الطريق أمامها.
رفعت رأسها إليه بضيق مصطنع.
ـ سيرا: إيه؟
لم يجب.
ظل ينظر إليها فقط.
زاد ارتباكها.
ـ سيرا: عايز إيه يا آيان؟
تنهد ببطء...
ثم قال بصوت خافت...
ـ آيان: عايز أعرف الحقيقة.
ابتسمت ابتسامة باهتة.
ـ سيرا: الحقيقة قولتهالك قبل كده.
هز رأسه بالنفي.
ـ آيان: لا...
إنتِ قولتي كلام...
لكن الحقيقة... لسه مخبياها.
حاولت تجاوزه مرة أخرى.
لكنه لم يسمح لها.
ـ سيرا: لو سمحت... وسع.
ـ آيان: مش قبل ما تردي عليا.
رفعت عينيها إليه بغضب.
ـ سيرا: هو إنت فاكر إنك لما تمنعني من المشي هتغير حاجة؟
ـ آيان: يمكن...
لو الحقيقة خرجت منك.
أبعدت نظرها عنه.
أما هو...
فقال بعد لحظة صمت...
ـ آيان: انتي ليه عملتي فيا كده ؟
ارتعشت أصابعها...
لكنها تماسكت.
ـ سيرا: أنا معملتش حاجة.
ضحك بسخرية ...
ـ آيان: معملتيش حاجة؟
يعني اللي حصلي ده كله... ولا حاجة؟
يعني كل يوم كنت بصحى فيه وأنا مستني منك رسالة... ده كان ولا حاجة؟
يعني كل مرة كنت بروح المكان اللي كنا بنقعد فيه يمكن أشوفك... دي كانت ولا حاجة؟
ازدادت دموعها خلف عينيها...
لكنها قاومتها.
ـ سيرا: دي مشكلتك.
ابتسم بحزن...
ـ آيان: لا...
دي مشكلتنا إحنا الاتنين.
لأنك زيي...
وأنا شايف ده في عيونك.
هزت رأسها بسرعة.
ـ سيرا: إنت بتتوهم.
ـ آيان: قولي إنك مبتحبنيش.
رفعت عينيها إليه...
نظرت داخل عينيه لثوانٍ...
وشعرت بأن كل قوتها بدأت تنهار.
خفضت رأسها سريعًا.
ـ سيرا: مش بحبك.
ثم قال بهدوء...
ـ آيان: كدابة.
ساد الصمت مرة أخرى...
لكن هذه المرة...
كان أثقل من السابق.
كانت سيرا تشعر أن كلمة واحدة منها قد تهدم كل الجدار الذي بنته بصعوبة.
أما آيان كان يشعر بأنه علي بعد خطوه واحده من اكتشاف الحقيقه ...
ـ سيرا : بعد اذنك ...
ـ ثم كادت أن تذهب لكن أمسك يدها ...
ـ آيان : انا تعبت يا سيرا ...
خفضت سيرا بصرها...
وشعرت بغصة تؤلم حلقها.
ـ سيرا: سيب إيدي.
لم يتحرك.
بل ظل ينظر إليها في صمت.
ـ آيان: هسيبها...
بس لما تجاوبي على سؤال واحد.
تنهدت بضيق وهي تحاول أن تبدو قوية.
ـ سيرا: سألت كتير قبل كده... وكل مرة جاوبتك.
ـ آيان: لا...
ولا مرة جاوبتيني.
إنتِ كنتي بتردي...
لكن عمرك ما قولتي الحقيقة.
أغلقت عينيها للحظة...
كانت تسمع دقات قلبها بوضوح.
بينما أكمل آيان بصوت هادئ...
ـ آيان: مهما قولتي انك بتكرهيني ...حتى الكره اللي كنتي بتقوليه... كنت بشوف الحب مستخبي وراه.
رفعت سيرا رأسها بسرعة.
ـ سيرا: كفاية يا آيان.
هز رأسه ببطء.
ـ آيان: لا...
مش كفاية.
أنا استحملت كتير ...
كل يوم بسأل نفسي...
أنا غلطت في إيه؟
قوليلي...
لو غلطان هعتذر.
لو جرحتك هفضل أطلب السماح لحد ما تسامحيني.
شعرت سيرا بأن دموعها بدأت تحرق عينيها.
أدارت وجهها بعيدًا حتى
ـ آيان: كنت بعد كل ماتش...
أول حد أدور عليه بعيني...
إنتي .
ولو ملقتكيش...
كنت بحس إن الفرحة ناقصة.
نزلت دمعة من عين سيرا بسرعة...
فمسحتها قبل أن يراها.
لكن آيان كان قد رآها بالفعل.
ابتسم ...
ـ آيان : شفتي؟ كلامك كله كدب ...
هزت رأسها بسرعه ...
ـ سيرا: أنا مش بعيط عشانك.
ـ آيان: أمال عشان مين؟
لم تجد إجابة.
أخذت نفسًا عميقًا...
ثم قالت وهي تجمع كل قوتها...
ـ سيرا: عشان تعبت.
لكن تعبت منك.
الكلمات خرجت من فمها...
بينما قلبها كان يصرخ بعكسها.
أما آيان...
فشعر وكأن شيئًا انكسر بداخله.
نظر إليها طويلًا...
ثم قال بهدوء ...
ـ آيان: حتى دلوقتي...
لسه بكدب ودني...
ومصدق عيني.
ساد الصمت.
لم يعد أيٌ منهما يعرف ماذا يقول.
كانت الرياح تمر بينهما...
تحرك خصلات شعر سيرا...
وفي اللحظة التي همّت فيها بسحب يدها...
وقع بصر آيان على شيء صغير يلمع عند عنقها.
ضيق عينيه.
نظر مرة أخرى...
ليتأكد مما رآه.
تجمد مكانه.
كانت قلادة فضية...
ويتدلى منها...
خاتم.
شحب وجهه فجأة.
لا...
هذا مستحيل.
أنزل يده إلى جيبه بسرعة...
وأخرج الخاتم الذي يحتفظ به منذ رحيلها.
نظر إليه...
ثم إلى القلادة مرة أخرى.
الخاتمان...
متطابقان تمامًا.
همس بعدم تصديق...
ـ آيان: إزاي...؟
فبدأت عشرات الأسئلة تدور في رأسه.
إذا كان الخاتم الذي أخذه منها ما زال معه...
فمن أين جاء هذا؟
ولماذا تخفيه؟
نظر إليها مرة أخرى...
لكن هذه المرة...
لم يكن ينظر إلى فتاة هجرته...
بل إلى لغزٍ كامل...
يعرف أن إجابته ستغيّر كل شيء.
ظل آيان واقفًا مكانه...
لا يزال ينظر إليها.
أما هي...
فاكتفت بنظرة أخيرة...
ثم استدارت...
ورحلت دون أن تلتفت مرة أخرى.
ظل يتابعها بعينيه حتى اختفت تمامًا...
ثم أغلق يده على الخاتم بقوة...
وهمس لنفسه...
ـ آيان: لا...
في حاجة مستخبية
لازم اعرف الحقيقه ...
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في منزل يوسف...
كان القصر غارقًا في هدوءٍ ثقيل...
لا يُسمع فيه سوى صوت عقارب الساعة...
توقفت سيارة يوسف أمام القصر...
نزل منها بخطوات سريعة...
وأغلق الباب بقوه واضحه .
كان الغضب يسيطر على ملامحه...
أما عقله...
فلم يتوقف عن التفكير في ابنه.
منذ عودة آيان من المستشفى...
لم يعد كما كان.
أصبح صامتًا...
منعزلًا...
لا يبتسم...
ولا يتحدث إلا للضرورة.
حتى كرة القدم...
الشيء الوحيد الذي كان يعيد إليه الحياة...
لم تعد تعني له شيئًا.
تنهد يوسف ..
ثم دخل إلى القصر.
وجد نجلاء تجلس في الصالون بكل هدوء...
ترتدي ثيابًا أنيقة...
وأمامها فنجان قهوة...
وكأن شيئًا لم يحدث.
رفعت رأسها نحوه...
وقالت ببرود...
ـ نجلاء: رجعت؟
لم يجبها.
خلع سترته ووضعها على الأريكة بعصبية...
ثم اقترب ..
ـ يوسف: إنتِ عملتي إيه؟
نظرت إليه باستغراب مصطنع.
ـ نجلاء: عملت إيه؟
ـ يوسف: إنتِ إزاي تعزمي ندى وتقولي إن آيان هو اللي عازمهم...
وابنك أصلًا ميعرفش أي حاجة؟
ارتشفت رشفة من القهوة...
ثم قالت بهدوء أثار غضبه أكثر...
ـ نجلاء: كنت متأكدة إنه هييجي.
ضحك يوسف بسخرية.
ـ يوسف: متأكدة؟
ولا كنتِ بتحاولي تجبريه؟
وضعت الفنجان على الطاولة...
ونظرت إليه بثبات.
ـ نجلاء: في الآخر هو ابني.
وأنا عارفة مصلحته.
اقترب يوسف منها أكثر.
ـ يوسف: مصلحته؟
إنتِ بجد بتتكلمي عن مصلحته؟
إنتِ أصلًا آخر واحدة تتكلم عن مصلحة آيان.
تغيرت ملامحها قليلًا.
ـ نجلاء: يوسف...
ابتسم بسخرية.
ثم أكمل بغضب...
ـ يوسف: قوليلي...
آخر مرة قعدتي معاه إمتى؟
آخر مرة سألتيه هو عامل إيه؟
آخر مرة عرفتي إذا كان بينام ولا لأ؟
إذا كان بياكل؟
إذا كان بيتعالج؟
إذا كان محتاج حد يسمعه؟
صمتت نجلاء...
لكنها سرعان ما استعادت هدوءها.
ـ نجلاء: آيان كبير...
ويعرف يدير حياته.
هز يوسف رأسه بعدم تصديق.
ـ يوسف : طب خلاص سيبيه يعيش حياته ...
ـ نجلاء: بس انا أمه ...
ـ يوسف: لا...
إنتِ اللي معرفتيش تبقي أم.
اتسعت عيناها بغضب.
ـ نجلاء: يوسف!
رفع صوته لأول مرة...
ـ يوسف: إيه؟
الحقيقة زعلتك؟
طيب اسمعي الحقيقة كلها.
ابنك كان بيموت بالبطيء...
وإنتِ ولا كأنك شايفة.
كان كل يوم بيضيع من بين إيدينا من بعد موت اخواته ...
وإنتِ كل اللي كان يهمك...
اسم العيلة.
سمعتها.
وصفقاتها.
أما ابنك...
فكان آخر اهتماماتك.
وقفت نجلاء من مكانها وهي تضرب الطاولة بيدها.
ـ نجلاء: أنا بعمل كل ده عشانه!
ـ يوسف: لا.
إنتِ بتعمليه عشان نفسك.
عشان كبرياءك.
عشان الناس متتكلمش.
أما آيان...
فلو كان سعيد مع سيرا...
كان المفروض أول واحدة تدعميه.
لكن إنتِ عملتي العكس.
سادت لحظة صمت...
ثم ابتسمت نجلاء ابتسامة باردة.
ـ نجلاء: واضح إنك عرفت.
نظر إليها يوسف بحدة.
ـ يوسف: أعرف إيه؟
قالت وهي تنظر مباشرة في عينيه...
ـ نجلاء: إن سيرا...
هي نفسها البنت الصغيرة اللي أنقذتها زمان.
لم تظهر الدهشة على وجه يوسف...
بل ازداد غضبه.
ـ يوسف: أيوه.
عرفت.
وبقيت فاهم سبب خوفك منها.
لكن لسه مش فاهم...
ليه كل الحقد ده؟
ليه كل الكره ده؟
ليه كل ما البنت تقرب من السعادة...
تحاولي تهديها؟
تنهدت نجلاء...
ثم قالت ببرود...
ـ نجلاء: لأن وجودها هيضيع كل حاجة.
ـ يوسف: لا...
وجودها كان هيرجع لابنك الحياة.
أما إنتِ...
فإنتِ اللي ضيعتي كل حاجة.
صمتت نجلاء.
لكن عينيها كانتا تخفيان خوفًا حقيقيًا لأول مرة.
اقترب يوسف منها خطوة...
وقال بنبرة حاسمة...
ـ يوسف: اسمعيني كويس...
لو طلع إنك السبب في اللي حصل بينهم...
أنا أول واحد هقف ضدك.
ولو آيان عرف الحقيقة...
ساعتها...
مش أنا اللي هحاسبك.
ابنك نفسه هو اللي مش هيسامحك.
لأول مرة...
اهتزت نظرات نجلاء.
لكنها أخفت ذلك سريعًا.
أما يوسف...
فاكتفى بالنظر إليها للحظات...
ثم استدار.
وقبل أن يغادر...
توقف عند الباب...
وقال دون أن يلتفت إليها...
ـ يوسف: الأيام جاية...
والحقيقة عمرها ما بتستخبى.
ثم خرج من القصر...
بينما بقيت نجلاء واقفة مكانها...
تنظر إلى الفراغ...
وقد اختفت ابتسامتها تمامًا...
لأنها أدركت...
أن كل الأسرار التي دفنتها...
بدأت تخرج إلى النور.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
بعد قليل ...
كانت سيارة آيان تسير بسرعة في الشوارع...
لكن عقله لم يكن مع الطريق.
منذ أن رأى الخاتم...
وهو لا يستطيع التفكير في شيء آخر.
كل لحظة بينه وبين سيرا كانت تمر أمام عينيه...
نظراتها...
ارتباكها...
محاولتها المستمرة لإخفاء شيء عنه.
وذلك الخاتم...
الذي كان متأكدًا أنه يحمل جزءًا من قصتهما.
أمسك آيان المقود بقوة..
توقف أمام مبنى المستشفى...
ظل جالسًا داخل السيارة لثوانٍ...
يأخذ نفسًا عميقًا.
كان يشعر أنه على وشك معرفة شيء...
قد يغير كل شيء.
نزل من السيارة...
ودخل إلى المستشفى.
توجه مباشرة إلى مكتب الإدارة.
استقبله مدير المشفى باحترام.
ـ المدير: أهلًا يا استاذ آيان.
ـ آيان: محتاج منك خدمة.
ـ المدير: أكيد، اتفضل.
نظر إليه آيان بجدية.
ـ آيان: عايز أشوف تسجيلات كاميرات يوم معين.
تغيرت ملامح المدير قليلًا.
ـ المدير: تسجيلات؟
ـ آيان: أيوه... موضوع مهم.
بعد لحظات من الإجراءات...
سمح له المدير بالدخول إلى غرفة المراقبة.
جلس آيان أمام الشاشة...
والعامل بدأ يبحث عن التاريخ الذي طلبه.
مرت ثوانٍ طويلة...
حتى ظهر التسجيل.
اقترب آيان من الشاشة دون وعي.
كانت عيناه تراقبان كل حركة.
ثم...
ظهرت نجلاء.
توقفت أنفاسه.
كانت تقف أمام سيرا.
تحدثت معها بعصبية...
ثم أمسكت بذراعها.
اتسعت عينا آيان.
نهض من مكانه بسرعة.
ـ آيان: استنى...
أوقف الموظف التسجيل.
ـ آيان: رجع الجزء ده.
عاد التسجيل مرة أخرى.
ركز آيان على وجه سيرا...
كانت خائفة.
مرتبكة.
ثم...
رأى شيئًا جعله يصمت.
دموع.
سيرا كانت تبكي.
ظل ينظر للشاشة وكأنه يحاول سماع ما يقولونه رغم عدم وجود صوت.
ـ آيان: أنا مش سامع حاجة...
قالها بضيق.
اقترب أكثر من الشاشة.
حاول قراءة تعابير وجهها...
لكن المسافة كانت بعيدة.
استمر التسجيل...
حتى دخلت سيرا إلى الداخل.
وبعد فترة...
خرجت.
لكن ملامحها كانت مختلفة.
كانت تحمل حزنًا كبيرًا.
أخفض آيان نظره للحظة...
ثم عاد للمتابعة.
مر وقت آخر...
وظهرت سيرا مرة ثانية.
هذه المرة...
كانت نجلاء معها.
راقب آيان كل حركة.
ثم تجمد تمامًا.
نجلاء...
تمد يدها إليها بشيء.
وسيرا تأخذه.
قرب وجهه من الشاشة.
ثم اتسعت عيناه.
الخاتم.
نفس الخاتم.
أوقف الموظف التسجيل فجأة.
لكن آيان لم يتكلم.
كان فقط ينظر أمامه.
كل شيء بدأ يترتب في عقله.
نجلاء...
الخاتم...
سيرا...
رحيلها المفاجئ...
كل شيء.
وضع يده على وجهه بضيق.
ـ آيان: ماما...
خرجت الكلمة منه بضيق .
لم يكن يتخيل أن الشخص الذي كان يبحث عن الحقيقة منه...
قد تكون والدته هي من أخفتها عنه.
ظل صامتًا للحظات.
ثم طلب من الموظف تشغيل المقطع مرة أخرى.
شاهده مرة...
ومرة أخرى..
لكن الحقيقة كانت أمامه.
نهض ببطء.
أخذ نفسًا عميقًا.
ثم خرج من الغرفة.
كان يحمل أسئلة كثيرة...
لكن سؤالًا واحدًا كان يطغى على كل شيء...
لماذا تحملت سيرا كل هذا وحدها؟
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
عند سيرا...
كانت تقف داخل الحمام أمام المرآة.
الماء كان ينساب على وجهها... تغسل وجهها من البكاء ...
لكنها لم تكن تشعر به.
كل ما كانت تفكر فيه...
هو آيان.
كلماته.
نظراته.
وطريقة سؤاله لها.
وضعت يدها على قلبها.
ـ سيرا: ليه رجعت دلوقتي؟
لم تكن تخاف من مواجهته...
بل كانت تخاف من نفسها.
تخاف أن تنهار أمامه...
وتقول كل شيء.
فتحت عينيها ...
ونظرت إلى انعكاسها في المرآة.
كانت آثار البكاء واضحة على وجهها.
أخذت منديلًا...
وبدأت تمسح دموعها.
لكن فجأة...
توقفت.
اتسعت عيناها.
نظرت إلى عنقها.
ـ سيرا: الخاتم...
وضعت يدها بسرعة على القلادة.
تذكرت لحظة حديثها مع آيان...
عندما تحركت القلادة...
وسقط الخاتم منها دون أن تنتبه.
شعرت بالخوف.
ـ سيرا: يا رب...
يا رب يكون وقع مني بس.
أو يكون لسه موجود.
خرجت من الحمام بسرعة...
وقلبها ينبض بقوة.
لم تكن تعرف...
أن الخاتم الذي تخاف أن يراه آيان...
كان هو المفتاح...
الذي سيكشف كل الحقيقة.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
خرجت سيرا من الحمام بسرعة...
كانت خطواتها متوترة...
وعيناها تتحركان في كل مكان.
لم يكن يشغل عقلها سوى شيء واحد...
الخاتم.
ذلك الخاتم الذي أصبح يحمل ذكريات كثيرة...
ليس مجرد قطعة من المعدن...
بل كان يحمل بداية قصتهما...
وكل لحظة عاشتها مع آيان.
نظرت حولها مرة أخرى...
ثم بدأت تبحث في المكان الذي كانت تقف فيه.
انحنت قليلًا...
وأخذت تمرر عينيها على الأرض.
لكن لا شيء.
لم تجده.
شعرت بقلق يزداد داخلها.
ـ سيرا: أكيد وقع هنا...
أنا متأكدة.
تحركت عدة خطوات...
وبدأت تبحث بين المقاعد...
وتحت الطاولات القريبة.
مر أحد العاملين بجوارها...
فرفعت رأسها بسرعة.
ـ سيرا: لو سمحت...
توقف ونظر إليها.
ـ العامل: نعم؟
ـ سيرا: هو حد لقى خاتم هنا؟
نظر حوله قليلًا.
ـ العامل: لا... معرفش ممكن لما الحفله تخلص اشوفه لحضرتك ....
خفضت رأسها بإحباط.
ـ سيرا: تمام... شكرًا.
رحل العامل...
وعادت هي للبحث.
كانت تحاول أن تقنع نفسها بأن الأمر بسيط...
وأنها ستجده.
لكن قلبها كان يخبرها بشيء آخر.
فكرة واحدة كانت تلاحقها...
ماذا لو وجده آيان؟
ماذا لو عرف؟
وضعت يدها على رأسها بتوتر.
ـ سيرا: لا...
لو كان شافه كان جه وسألني.
كان واجهني.
يبقى أكيد وقع مني ومحدش أخده.
لكنها لم تكن تعلم...
أن هناك شخصًا بالفعل وجده.
وأنه كان يقف الآن في مكان قريب...
يحمل الإجابة التي هربت منها طويلًا.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في مكان آخر...
كان آيان يقود سيارته بسرعة.
لكن هذه المرة...
لم يكن غاضبًا.
كان يحاول أن يفهم.
يحاول أن يجمع كل القطع المبعثرة.
كلمات سيرا...
نظراتها...
الخاتم...
وتصرفات والدته.
كل شيء أصبح يشير إلى حقيقة واحدة...
أن سيرا لم تتركه لأنها لم تحبه.
بل لأنها كانت تخفي شيئًا أكبر.
أوقف السيارة أمام المكان الذي كانت فيه.
نزل بسرعة...
ودخل.
كان يبحث عنها بعينيه.
حتى وجدها.
كانت تقف وحدها...
تنظر إلى الأرض بقلق.
تبحث عن شيء فقدته.
توقف للحظة يراقبها.
رآها وهي تحاول إخفاء خوفها.
ولأول مرة...
لم يشعر بالغضب منها.
شعر فقط بالألم.
اقترب منها بخطوات هادئة.
لكنها لم تنتبه.
كانت ما زالت تبحث.
حتى سمعت صوته.
ـ آيان: بتدوري على ده؟
تجمدت مكانها.
توقفت أنفاسها.
رفعت رأسها.
كان يقف أمامها.
وفي يده...
الخاتم.
اتسعت عيناها.
لم تستطع الكلام.
أما آيان...
فكان ينظر إليها بهدوء غريب.
ليس هدوء شخص لا يهتم...
بل هدوء شخص عرف أن هناك حقيقة كبيرة.
اقترب خطوة.
ورفع الخاتم قليلًا.
ـ آيان: ده اللي وقع منك؟
ظلت صامتة.
كانت تحاول التفكير في أي كلمة...
أي رد...
لكن عقلها توقف.
الفصل الثلاثون من هنا