
رواية أنت الهدف الفصل الخامس عشر 15 بقلم ملك احمد
ساد الصمت داخل المكتب...
ذلك الصمت الذي كان أثقل من أي عتاب، وأقسى من أي كلمات.
وقفت سيرا أمام الباب للحظات، تقبض على طرف حقيبتها بقوة، بينما كانت أنفاسها مضطربة.
كانت تعلم أنها أخطأت...
وتعلم أيضًا أن مجرد كلمة "آسفة" قد لا تكون كافية هذه المرة.
رفعت يدها بتردد وطرقت الباب
لم يصلها أي رد...
ابتلعت ريقها، ثم دفعت الباب ببطء ودخلت.
كان آيان يقف أمام النافذة، يدير لها ظهره، واضعًا إحدى يديه داخل جيب بنطاله، بينما الأخرى تستند إلى حافة النافذة.
نظرته كانت معلقة بالخارج...
لكن عقله لم يكن هناك.
كان يستعيد تلك الصفعة..
تقدمت سيرا خطوة واحدة فقط.
ثم همست بصوت مرتجف يكاد لا يُسمع...
ـ سيرا: أستاذ آيان...
لم يلتفت...
ولم يجب.
شعرت بأن الأرض تضيق تحت قدميها.
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تقول بنبرة يغلب عليها الندم...
ـ سيرا: أنا آسفة... بجد... والله ما كنتش أقصد.
ـ آيان: ما كنتيش تقصدي؟
خرج صوته هادئًا...
خفضت رأسها وقالت بسرعة:
ـ سيرا: عارفة إني غلطانة... بس حاول تحط نفسك مكاني... هو حطني قدام أمر واقع... وأنا...
قاطعها فجأة...
ـ آيان: وانتي عرفتي منين إن الفيديو مش حقيقي؟
رفعت عينيها إليه أخيرًا.
ـ سيرا: عملت زي ما حضرتك قولتلي... وروحت أشوفه بنفسي.
استدار ببطء...
وأصبحت عيناه تواجهانها مباشرة.
نظر إليها لثوانٍ طويلة...
ثم قال باستغراب حقيقي:
ـ آيان: أنا أصلًا مش فاهم... إزاي صدقتيه؟
لم تجد إجابة تبرر ما فعلته.
ابتسمت بسخرية من نفسها، وقالت بصوت منخفض:
ـ سيرا: كنت غبية...
رفع أحد حاجبيه وقال بهدوء .
ـ آيان: حقيقة.
اتسعت عيناها بدهشة.
كانت تنتظر أن يخفف عنها...
لكنه قالها بكل صراحة.
ظل ينظر إليها للحظات...
ثم أكمل ببرود متعمد:
ـ آيان: تمام... روحي بقى اضربيه الكف اللي ادتهولي.
شعرت بالخجل يكسو وجهها.
حتى إنها لم تستطع رفع عينيها إليه.
ـ سيرا: أنا آسفة...
تنهد آيان أخيرًا...
ثم هز رأسه .
ـ آيان: خلاص... تمام.
رفعت رأسها بسرعة.
كانت تبحث في ملامحه عن أي إشارة.
أي دليل أنه سامحها فعلًا.
فسألته بتردد:
ـ سيرا: حضرتك... لسه زعلان؟
نظر إليها للحظة...
ثم أجاب بصوت هادئ:
ـ آيان: لا...
صمت قليلًا قبل أن يكمل...
ـ هحاول أتفهم.
لم تكن جملة طويلة...
لكنها كانت كافية لتشعر سيرا بأن حملًا ثقيلًا أزيح عن صدرها.
ـ سيرا: شكرًا جدًا لحضرتك.
هز رأسه بهدوء.
ـ آيان: تمام... روحي شوفي شغلك.
أومأت له سريعًا.
ثم خرجت من المكتب وهي تشعر براحة لم تشعر بها منذ الصباح.
أُغلق الباب خلفها...
وفي اللحظة نفسها...
اختفت البرودة التي كان يتصنعها آيان.
أطلق زفرة طويلة...
ثم ابتسم ابتسامة جانبية صغيرة.
ابتسامة انتصار.
ليس لأنه أخذ اعتذارها...
بل لأنه كان يعرف منذ البداية أنها ستكتشف الحقيقة بنفسها.
لكن تلك الابتسامة لم تستمر طويلًا.
فُتح الباب مرة أخرى دون استئذان.
دخلت يمنى بخطوات سريعة، وكان الغضب واضحًا على ملامحها.
رفع آيان نظره إليها باستغراب.
ـ آيان: في إيه؟
عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت مباشرة:
ـ يمنى: هو سيرا خرجت مبسوطة ليه؟
قطب حاجبيه.
ـ آيان: إيه اللي حصل؟ مالِك؟
أجابته بنبرة لم تستطع إخفاء انفعالها:
ـ يمنى: لا... بس عايزة أعرف.
رد ببساطة:
ـ آيان: اعتذرت.
سكتت للحظة...
ثم قالت بعدم تصديق:
ـ يمنى: وحضرتك سامحتها؟
ـ آيان: أيوه.
اتسعت عيناها أكثر.
ـ يمنى: بالسهولة دي؟
بدأ صبره ينفد.
ـ آيان: في إيه يا يمنى؟
تقدمت خطوة وقالت بعصبية:
ـ يمنى: إزاي ممكن تسامحها؟ دي ضربتك!
أجابها بهدوء حاسم:
ـ آيان: مكانتش تقصد اللي حصل.
هزت رأسها بعدم اقتناع.
ـ يمنى: بس برضو... مكانش ينفع تمد إيدها عليك.
نظر إليها نظرة حادة جعلتها تتجمد مكانها.
ثم قال ...
ـ يمنى...
التزمي حدودك.
أنا مديرك.
ساد الصمت.
أدركت يمنى أنها تجاوزت حدودها بالفعل.
خفضت رأسها فورًا.
ـ يمنى: عارفة... أنا آسفة.
أشار بيده نحو الباب.
ـ آيان: اتفضلي...
ومتدخليش غير لو في حاجة مهمة. وتستأذني ...
أومأت بصمت...
ثم خرجت بهدوء.
عاد الهدوء إلى المكتب من جديد.
تقدم آيان نحو النافذة .
لكن هذه المرة...
لم يكن ينظر إلى المدينة.
بل كان يفكر في سيرا.
لماذا شعر بالارتياح عندما اعتذرت؟
ولماذا لم يستطع أن يغضب منها كما كان يتوقع؟
سؤالان...
لم يجد لهما أي إجابة.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في منزل سيرا...
ما إن أغلقت باب المنزل خلفها حتى أسندت ظهرها إليه وأغمضت عينيها لثوانٍ.
وكأنها أخيرًا استطاعت أن تلتقط أنفاسها.
كل ما حدث منذ الصباح كان يمر أمام عينيها كأنه شريط سريع.
صفعتها لآيان...
نظراته الهادئة التي أخافتها أكثر من غضبه...
واعتذاره غير المباشر عندما قال: "هحاول أتفهم."
ابتسمت دون أن تشعر.
لم تكن ابتسامة فرح...
بل ابتسامة ارتياح.
همست لنفسها:
ـ الحمد لله...
ثم اتجهت إلى غرفتها ببطء.
وضعت حقيبتها على السرير، وما كادت تخلع حذاءها حتى دوّى صوت هاتفها.
نظرت إلى الشاشة.
رن هاتفها ...
ترددت للحظة...
ثم أجابت
ـ سيرا: ألو؟ مين ؟
ـ آيان: آيان ...
ـ سيرا : اتفضل يا استاذ آيان في حاجه ؟
ـ آيان: عندنا اجتماع مع البرتو النهارده في الحفله ...
فأكمل:
ـ آيان: وجودك ضروري.
ـ سيرا: حاضر... هكون موجودة.
ـ آيان: تمام.
أغلقت الخط ..
لكن على الجانب الآخر...
لم يُبعد الهاتف عن أذنه فورًا.
ارتسمت عليه بتسامة خفيفة...
ابتسامة لم يلاحظها حتى هو.
نظر إلى شاشة هاتفه للحظة..
كانت هناك خطة تدور داخل رأسه.
خطة لا يعرف تفاصيلها أحد.
حتى سيرا نفسها.
أما هي .
ظهر اسم واحد داخل عقلها....
إيهاب.
تنهدت ببطء.
كانت تعرف أنه سيحاول رؤيتها.
وسيبحث عن أي فرصة ليتحدث معها.
لكنها...
لم تعد تملك الرغبة في سماع أي تبرير.
ليس بعد كل ما اكتشفته.
ولأول مرة...
لم يكن الاشتياق هو الشعور المسيطر عليها.
بل خيبة الأمل.
ـ سيرا : كل حاجة انتهت...
حتى لو هو لسه ميعرفش.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في المساء...
كانت أضواء الفندق تنعكس على الأرضية الرخامية اللامعة.
وسيارات رجال الأعمال تتوقف تباعًا أمام المدخل الرئيسي.
ترجل آيان أولًا من السيارة.
كان يرتدي بدلة كحلية داكنة صُممت بعناية، زادت من هيبته، بينما كانت ساعته الفضية تلمع مع انعكاس الإضاءة.
وقف لثوانٍ يعدل أزرار سترته.
قبل أن تتوقف عيناه على باب السيارة الآخر.
خرجت سيرا بهدوء.
كانت ترتدي فستانًا برغندي طويلًا، انساب حولها برقة، وشعرها الأسود منسدل على كتفيها، بينما زاد العقد الأبيض البسيط من أناقتها.
توقفت خطوات آيان للحظة.
لم يقل شيئًا...
لكن عينيه بقيتا معلقتين بها لثوانٍ أطول مما ينبغي.
لاحظ هو نفسه ذلك.
فأدار وجهه سريعًا وكأن شيئًا لم يحدث.
في تلك اللحظة...
وصلت يمنى ومعها مدير الحسابات الجديد.
ثم دخل الأربعة إلى الفندق معًا.
كان ألبرتو في انتظارهم.
ابتسم فور أن رأى آيان، ثم فتح ذراعيه مرحبًا به
ابتسم آيان ابتسامة هادئة وهو يمد يده لمصافحة ألبرتو.
ـ آيان: Come stai, Alberto?
كيف حالك يا ألبرتو؟
ابتسم ألبرتو وصافحه بقوة.
ـ ألبرتو: Nel migliore dei modi. Ho fatto quello che mi hai detto.
في أفضل حال... لقد نفذت كل ما أخبرتني به.
هز آيان رأسه برضا.
ـ آيان: Bene.
جيد.
وفي أثناء حديثهما...
تحركت عينَا ألبرتو نحو سيرا.
تأملها للحظات ثم التفت إلى آيان مبتسمًا ابتسامة ذات مغزى.
ـ ألبرتو: Bellissima.
جميلة.
لم يلتفت آيان حتى لينظر إليها.
بل أجاب ببرود شديد، وكأنه لم يفهم ما يقصده.
ـ آيان: Concentriamoci solo sul prossimo affare.
فلنركز على الصفقة فقط.
ضحك ألبرتو .
ـ ألبرتو: Come vogliamo
كما تريد
جلس الجميع حول الطاولة.
بدأت الأوراق تُفتح أمامهم، وراح كل طرف يراجع البنود الأخيرة.
كانت سيرا تتابع الاجتماع باهتمام شديد، تدون بعض الملاحظات بين الحين والآخر، بينما كان آيان يناقش أدق التفاصيل ..
وبعد ما يقارب الساعة...
وُضعت الأقلام فوق الأوراق.
صافح الجميع بعضهم البعض.
وأُعلن رسميًا نجاح الاتفاق.
بدأت الموسيقى الهادئة تعلو داخل القاعة، وتحول الاجتماع إلى حفل استقبال صغير.
انتشر الضيوف في المكان.
لكن آيان...
لم يكن منشغلًا بالحفل.
فجأة...
توقفت عيناه عند مدخل القاعة.
ارتسمت عليه ابتسامة جانبية صغيرة.
ابتسامة لم يلاحظها أحد.
همس لنفسه:
ـ اللعبة بدأت...
ثم التفت نحو سيرا.
وأشار إليها بهدوء.
اقتربت منه وهي تنظر إليه باستغراب.
ـ سيرا: حضرتك ناديتني؟
اقترب منها قليلًا حتى لا يسمعهما أحد.
ثم قال بهدوء:
ـ آيان: بصي عند الباب...
عقدت حاجبيها...
ثم استدارت ببطء.
وفي اللحظة التالية...
تجمدت مكانها.
كان إيهاب...
يقف مع نفس الفتاه مرام .
يضحك معها، ويمسك يدها بكل أريحية، وكأن وجود سيرا في حياته لم يكن يومًا ذا قيمة.
شعرت سيرا بوخزة داخل قلبها.
لكنها لم تكن نفس الوخزة التي شعرت بها من قبل.
لم يكن هناك انكسار...
ولا دموع...
بل هدوء غريب.
هدوء شخص بدأ يرى الحقيقة كما هي.
نظر إليها آيان من طرف عينه.
كان يراقب رد فعلها في صمت.
وعندما وجدها ثابتة...
شعر براحة لا يعرف سببها.
قال بصوت منخفض:
ـ آيان: خليكي هادية...
واتصرفي طبيعي.
ثم أضاف بعد لحظة:
ـ وصوريه...
عشان يبقى معاكي دليل.
التفتت إليه بدهشة.
ـ سيرا: إنت... ليه بتساعدني؟
ساد الصمت بينهما.
ظل ينظر أمامه لثوانٍ طويلة.
وكأنه يبحث عن إجابة لا يريد الاعتراف بها.
ثم قال بهدوء:
ـ مش بحب الغش...
ولا الخداع.
ظلت تنظر إليه.
كانت تشعر أن هذه ليست الإجابة الكاملة.
لكنها لم تعلق.
سألها بعدها مباشرة:
ـ آيان: قولتيله اللي اكتشفتيه؟
هزت رأسها بالنفي.
ـ سيرا: لا.
أومأ برأسه.
ثم قال بثقة:
ـ كويس...
كده موقفك أقوى.
هو فاكر إنك لسه مش عارفة حاجة...
خليه يفضل فاكر كده.
ولما الوقت ييجي...
خدي حقك بالطريقة الصح.
شعرت سيرا لأول مرة...
أن هناك شخصًا يقف بجانبها...
لا ليشفق عليها...
بل ليعيد إليها حقها.
أخرجت هاتفها بهدوء.
واتجهت ناحية المكان الذي يقف فيه إيهاب.
كانت خطواتها ثابتة هذه المرة.
أما آيان...
فبقي يتابعها بعينيه
اقترب منه ألبرتو وهو ينظر إلى سيرا، ثم قال باستغراب:
ـ ألبرتو: Che cosa hai fatto?
ماذا فعلت؟
ابتسم آيان ابتسامة غامضة، دون أن يحول نظره عنها.
ثم أجابه بهدوء:
ـ Niente...
لا شيء.
لكن داخله...
كان يعلم جيدًا...
أنه حرّك أول قطعة في لعبة لم تبدأ بعد.
الفصل السادس عشر من هنا