رواية أنت الهدف الفصل الثلاثون 30 والاخير بقلم ملك احمد


رواية أنت الهدف الفصل الثلاثون 30 والاخير بقلم ملك احمد


كان الصمت هو سيد المكان...

ظلت سيرا واقفة في مكانها، لا تستطيع التحرك أو حتى التفكير.

كانت تشعر وكأن الزمن توقف للحظة...

الخاتم الذي ظنت أنها تخلصت من كل ما يربطها به عاد ليظهر أمامها من جديد.

عاد ليذكرها بكل شيء حاولت دفنه بداخلها...

بالحب...
بالألم...
وبالقرار الذي اتخذته وهي تظن أنها تحمي آيان.

رفع آيان يده وهو ينظر إلى الخاتم بين أصابعه.

كان ينظر إليه وكأنه يحمل بين يديه كل الذكريات التي جمعتهما.

ثم رفع عينيه إليها.

ـ آيان: ده اللي وقع منك؟

لم تجب.

ظلت تنظر إلى الأرض، تحاول أن تجد أي كلمة تخرجها من هذا الموقف.

أي عذر...
أي تفسير...

لكن كل شيء بداخلها كان يصرخ بالحقيقة.

اقترب آيان منها ببطء حتى أصبح أمامها مباشرة.

ـ آيان: جاوبي يا سيرا... مش ده خاتمك؟

رفعت عينيها للحظة نحو الخاتم، ثم أبعدتهما سريعًا.

ـ سيرا: لا... خاتم إيه أصلًا؟ مش كان معاك؟

ظل ينظر إليها بصمت.

لم يغضب من إنكارها...

لأنه كان يعرف أن وراء هذا الإنكار خوفًا كبيرًا.

ـ آيان: طيب لو إنتِ صادقة...

توقف للحظة، ثم قال بصوت هادئ:

ـ آيان: ارفعي عينك وبصيلي... قوليلي الحقيقة.

تجمدت سيرا.

كم مرة تمنت هذه اللحظة؟

كم مرة تخيلت أن يأتي اليوم الذي يعرف فيه الحقيقة؟

لكنها الآن...

لم تكن مستعدة لمواجهة عينيه.

لأنها تعرف أن الحقيقة ستؤلمه.

خفضت نظرها أكثر.

ـ سيرا: بعد إذنك يا آيان...

استدارت حتى ترحل، لكن صوته أوقفها.

ـ آيان: سيرا...

توقفت.

ظلت للحظات لا تتحرك، ثم التفتت إليه ببطء.

كان هناك شيء مختلف في نظراته.

لم تكن نظرات شخص غاضب...

كانت نظرات شخص مجروح.

ـ آيان: أنا عرفت كل حاجة.

اتسعت عيناها قليلًا.

شعرت بأن قلبها توقف.

ـ سيرا: عرفت إيه؟

اقترب خطوة.

ـ آيان: عرفت إنك مسبتنيش بمزاجك.

سكت للحظة، ثم أكمل:

ـ آيان: عرفت إنك كنتِ مجبرة... وإنك كنتِ بتبعدي عني وأنتِ أكتر واحدة كانت موجوعة.

بدأت الدموع تتجمع في عينيها.

لم تكن تريد أن يسمعها يقول ذلك...

لأنها كانت تحاول إقناع نفسها طوال الوقت أنها اختارت الرحيل.

لكن الحقيقة أنها كانت تهرب لأنها لم تجد طريقًا آخر.

ـ آيان: والسبب في كل ده...

نظر إليها 

ـ آيان: أمي.

نزلت دمعة من عين سيرا دون أن تشعر.

شعر بوخزة في قلبه.

كم من الوقت تحملت كل هذا وحدها؟

كم مرة بكت بعيدًا عنه؟

ـ آيان: أنا آسف يا سيرا...

اقترب أكثر.

ـ آيان: آسف على كل حاجة حصلتلك... آسف على كل كلمة وجعتك... آسف على كل لحظة حسيتِ فيها إنك لوحدك.

هزت رأسها محاولة منع دموعها.

ـ سيرا: آيان...

لكنه قاطعها.

ـ آيان: بس عايز أسمع الحقيقة منك... مش من أي حد تاني.

ظلت تنظر إليه للحظات طويلة.

ثم أخذت نفسًا عميقًا.

كانت تعرف أن الوقت قد حان.

حان وقت أن تتوقف عن الهروب.

وبدأت تحكي...

حكت له عن كل شيء.

عن اليوم الذي تغيرت فيه حياتها...

عن حديث والدته معها...

عن الكلمات التي جعلتها تشعر أنها لن تكون مناسبة لعالمه...

عن خوفها من أن تكون سببًا في خسارته لعائلته...

وحكت له عن السر الأكبر...

عن أنها كانت تعرف والده منذ سنوات.

كان آيان يستمع دون أن يقاطعها.

لكن داخله كان ينصدم مع كل كلمة.

لم يكن مصدقًا أن كل هذا حدث خلف ظهره.

أن الإنسانة التي أحبها كانت تحمل كل هذا الألم وحدها.

ـ آيان: يعني... إنتِ كنتِ تعرفي والدي زمان؟

أومأت سيرا.

ـ سيرا: أيوه.

ظل صامتًا للحظات.

ثم تنهد 

ـ آيان: أنا مش عارف أقولك إيه...

نظرت له باستغراب.

ـ آيان: أنك استحملتي كل ده لوحدك.

ابتسمت سيرا ابتسامة حزينة.

ـ سيرا: بس يا آيان... خلاص.

نظر لها.

ـ سيرا: يمكن قصتنا انتهت هنا.

صمتت للحظة ثم قالت:

ـ سيرا: نقفل الرواية بتاعتنا عند الصفحة اللي الأبطال فيها ما اتجمعوش.

نظر لها آيان للحظات...

ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.

ـ آيان: لا يا سيرا...

ثم أكمل ...

ـ آيان: في روايات بتبدأ من جديد بعد النهاية.

نظرت له.

ـ آيان: نكتب جزء تاني.

هزت رأسها بحزن.

ـ سيرا: بس والدتك مش موافقة.

نظر لها بثقة.

ـ آيان: أنا اللي أختار حياتي هتمشي إزاي... مش ماما.
 نظر لها وكأنه يوعدها ...

ـ آيان: المرة دي... اوعدك مش هسيبك تمشي ....

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

في اليوم التالي...

داخل القصر...

كانت نجلاء تجلس في الصالة بصمت غريب.

على عكس عادتها...

لم تكن تتحدث كثيرًا، ولم تكن تهتم بهاتفها أو بمن حولها.

كان كل تركيزها على شاشة هاتفها.

تتصل بآيان...

ولا يوجد رد.

مرة...
اثنتين...
ثلاث مرات...

وفي كل مرة كانت تسمع نفس الشيء.

لا إجابة.

وضعت الهاتف بجانبها وهي تشعر بقلق لم تعهده من قبل.

لم يكن خوفها هذه المرة من كلام الناس...

بل من فكرة أن ابنها يبتعد عنها.

دخل يوسف إلى المكان، فرفعت نجلاء عينيها إليه بسرعة.

ـ نجلاء: يوسف...

اقترب منها وهو ينظر إلى ملامحها القلقة.

ـ يوسف: في إيه؟

ـ نجلاء: آيان مش بيرد عليا.

جلس يوسف بهدوء.

ـ يوسف: هو كبير يا نجلاء... يعرف يتصرف.

نظرت له بضيق.

ـ نجلاء: بس أنا أمه.

صمت يوسف قليلًا، ثم قال:

ـ يوسف: وأحيانًا الأم بتكون أكتر شخص ممكن يوجع ابنها من غير ما تحس.

نظرت له نجلاء بصدمة.

كانت كلماته قاسية...

لكنها كانت الحقيقة.

ـ نجلاء: أنا كنت بعمل كل ده عشانه.

تنهد يوسف.

ـ يوسف: لا يا نجلاء...

نظر لها مباشرة.

ـ يوسف: كنتِ بتعملي كل ده عشان الصورة اللي في دماغك عن حياته.

سكتت.

لأنها لم تجد ردًا.

ـ يوسف: كنتِ عايزة ابنك يبقى ناجح... غني... متجوز الشخص المناسب في نظرك.

توقف للحظة.

ـ يوسف: بس نسيتي تسأليه هو عايز إيه.

خفضت نجلاء نظرها.

نجلاء : المفروض يجي النهارده الحفله لافتتاح الشركه بتاعتك انت وهو ..
ـ يوسف : لسه برضو زي ما انتي ...
ـ نجلاء : انا بس خايفه يكون رجع لسيرا ...
ـ يوسف : عمرك ما هتتغيري ...

نظرت له 
ثم قالت:

ـ نجلاء: بس أنا واثقة إنه مش هيرجع لسيرا.

نظر لها يوسف بحزن.

ـ يوسف: لسه بتحاولي تقنعي نفسك؟

لم ترد.

فأكمل:

ـ يوسف: سيرا عمرها ما كانت المشكلة يا نجلاء.

ثم تركها وغادر.

وقبل أن يخرج توقف للحظة.

ـ يوسف: وبالمناسبة... ابنك هييجي الحفلة.

نظرت له بسرعة.

ـ نجلاء: متأكد؟

ابتسم ابتسامة بسيطة.

ـ يوسف: لأنه آيان... وعارف واجبه.

ثم خرج.

ظلت نجلاء مكانها.

لكن هذه المرة لم تشعر بالراحة...

بل بالخوف.

لأنها بدأت تفهم أن وجود آيان في الحفلة لا يعني أن كل شيء بخير.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

في الليل...

كانت القاعة مضاءة بشكل كبير.

الأضواء تملأ المكان، والموسيقى الهادئة تختلط بأصوات الحاضرين.

الجميع كان ينتظر بداية الحفل.

حفلة افتتاح الشركة الجديدة.

جلست نجلاء بين مجموعة من سيدات الأعمال، ترتدي ابتسامتها المعتادة.

لكن عينيها كانتا تفضحانها.

كل دقيقة تنظر ناحية الباب.

تنتظر دخوله.

تريد أن تراه أمامها.

تريد أن تطمئن أن كل شيء ما زال كما كان.

اقتربت منها إحدى السيدات.

ـ السيدة: بجد يا نجلاء... ابنك يستاهل الفخر.

ابتسمت نجلاء.

ـ السيدة: رجل أعمال ناجح ولاعب مشهور... ربنا يحفظه.

ـ نجلاء: آيان طول عمره مميز.

تحدثت سيدة أخرى:

ـ السيدة: بس مش كان في كلام عن خطوبته من ندى بنت عز؟

توقفت ابتسامة نجلاء للحظة.

لكنها عادت سريعًا.

ـ نجلاء: حصلت شوية ظروف... بس إن شاء الله قريب.

لم تكن تعرف أن هذه الكلمات ستكون آخر مرة تتحدث فيها عن ذلك الأمر.

لأن الحقيقة كانت على وشك الظهور أمام الجميع.

وفجأة...

انطفأت أضواء القاعة.

ساد الصمت.

ثم ظهر صوت المقدم:

ـ المقدم: سيداتي وسادتي... نقدم لكم الآن الأستاذ آيان.

اتجهت كل الأنظار نحو الباب.

انفتح ببطء.

ودخل آيان.

كان يرتدي بدلة سوداء أنيقة، جعلته يبدو أكثر هيبة.

خطواته كانت ثابتة.

لكن داخله كان يحمل قرارًا غير حياته بالكامل.

تعالت التصفيقات.

ابتسم للحاضرين، ثم صعد إلى المسرح.

أمسك الميكروفون.

ـ آيان: حابب أشكر كل شخص موجود النهارده...

توقف للحظة.

ـ آيان: وكل شخص كان جزء من النجاح اللي وصلناله.

صفق الجميع.

نظر آيان للحاضرين، ثم أكمل:

ـ آيان: بس قبل ما أكمل... في شخص لازم أشكره.

رفعت نجلاء عينيها إليه.

كانت متأكدة أنه يقصدها.

ابتسمت قليلًا.

ـ آيان: شخص كان سبب كبير في نجاحي...

ثم نظر ناحية والدته.

اتسعت ابتسامتها.

بدأت تتحرك من مكانها.

لكن فجأة...

توقفت.

لأن سيرا ظهرت خلفها.

وقفت نجلاء مكانها...

لم تتحرك.

كانت تنظر خلفها وكأن عقلها يرفض تصديق ما تراه.

سيرا...

كانت تقف هناك.

هادئة...
واثقة...
لكن عينيها تحملان الكثير من المشاعر.

لم تكن نفس الفتاة التي تركت آيان منذ فترة.

كانت مختلفة.

لم تعد تلك الفتاة التي تخاف من خسارة الجميع.

بل أصبحت فتاة تعرف مكانها جيدًا.

كانت ترتدي فستانًا أنيقًا قرمزياً يليق بها، بسيطًا  مع عقد لؤلؤ وكعب اسود لكنه جعل الجميع ينظر إليها بإعجاب.

تعلقت عينا آيان بها للحظة.

ابتسم.

تلك الابتسامة التي لم تظهر إلا بوجودها.

ـ آيان: الشخص اللي كان سبب كبير في نجاحي...

صمت قليلًا.

ثم قال:

ـ آيان: الشخص اللي علمني إن النجاح مش بس فلوس أو شهرة... النجاح الحقيقي إنك يكون عندك حد يؤمن بيك وقت ما الكل يشك فيك.

نظر إلى سيرا.

ـ آيان: سيرا.

ساد الصمت للحظات.

ثم بدأ الجميع ينظر إليها.

كانت نجلاء ما زالت في مكانها.

غير قادرة على استيعاب ما يحدث.

اقترب آيان من طرف المسرح، ثم نزل واتجه إليها.

كل خطوة كان يخطوها كانت تجعل قلب سيرا ينبض أكثر.

توقف أمامها.

مد يده لها.

نظرت إلى يده للحظات.

ثم وضعت يدها في يده.

ابتسم آيان.

وصعد بها إلى المسرح أمام الجميع.

ـ آيان: أقدم لكم...

نظر إليها نظره كانت مليئه بالحب ...

ـ آيان: سيرا... خطيبتي.

اتسعت أعين الجميع من الصدمة.

انتشرت الهمسات في القاعة.

خصوصًا عند ندى التي كانت تقف بجانب والدها.
تغيرت ملامحها فور سماع الكلمة.

خطيبتي...

لم تكن مستعدة لسماعها.

نظرت إلى آيان للحظات، ثم نظرت إلى سيرا.

رأت في عينيهما شيئًا لم تستطع إنكاره.

حب حقيقي.

خفضت نظرها، ثم ابتعدت.

أما نجلاء...

فظلت تنظر لابنها.

لم تكن غاضبة فقط.

كانت تشعر بالصدمة.

اقتربت إحدى السيدات من نجلاء.

ـ السيدة: هو مش كان المفروض يخطب ندى بنت عز؟

لم تجب نجلاء.

لم تجد كلمة تقولها.

تحدثت سيدة أخرى وهي تنظر إلى سيرا:

ـ السيدة: بس البنت جميلة جدًا... واضح إنها مميزة. يا تري من عيلة ايه ؟

كانت الكلمات تصل إلى نجلاء واحدة تلو الأخرى.

لكنها لم تكن تسمع سوى شيء واحد...

أن ابنها اختارها.

اختار سعادته.
تركت المكان وخرجت ...

بعد انتهاء آيان من كلمته، نزل هو وسيرا من المسرح وسط تصفيق الجميع.

كانت يدها ما زالت في يده.

وكأنها تخشى أن تكون كل هذه اللحظة حلمًا.

جلسا على إحدى الطاولات.

نظرت سيرا حولها.

ثم قالت بصوت منخفض:

ـ سيرا: آيان...

نظر لها.

ـ آيان: نعم؟

ترددت قليلًا.

ـ سيرا: فين طنط؟

فهم سؤالها فورًا.

نظر حوله.

ثم قال:

ـ آيان: واضح إنها روحت.

خفضت سيرا عينيها.

لم تشعر بالانتصار...

ولم تشعر بالسعادة الكاملة.

كان بداخلها شيء يؤلمها.

رغم كل ما حدث...

كانت لا تزال تحب نجلاء وتحترمها.

شعر آيان بما تفكر به.

فأمسك يدها.

ـ آيان: سيرا...

نظرت له.

ـ آيان: متحمليش نفسك ذنب حاجة مش ذنبك.

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

لكن قبل أن ترد...

اقترب عز منهما.

ـ عز: مبروك يا آيان.

وقف آيان وصافحه.

ـ آيان: الله يبارك فيك.

نظر عز خلفه.

ـ عز: سلمي عليهم يا ندى.

اقتربت ندى بخطوات هادئة.

كانت تحاول أن تبدو قوية.

لكن عينيها كانتا تلمعان بالدموع.

ـ ندى: مبروك.

قالتها ثم ابتعدت سريعًا.

ظل عز للحظة محرجًا.

ـ عز: معلش يا آيان.

ابتسم آيان.

ـ آيان: ولا يهمك.

غادر عز.

نظرت سيرا إلى آيان.

ـ سيرا: هنروح فين بعد ما نخلص الحفلة؟

ابتسم آيان 

ـ آيان: هتعرفي...

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

بعد انتهاء الحفل...

كانت السيارة تسير بهدوء في الطريق.

جلست سيرا بجانب آيان، تنظر من النافذة بصمت.

كان بداخلها الكثير من المشاعر المتداخلة...

سعادة لأنها عادت إليه.

خوف من رد فعل والدته.

وقلق من أن تكون سببًا في خسارة جديدة بينهما.

لاحظ آيان صمتها.

فنظر إليها.

ـ آيان: ساكتة ليه؟

التفتت له.

ـ سيرا: بفكر في طنط نجلاء.

صمت قليلًا.

ـ آيان: عارف.

ـ سيرا: أنا مش عايزة أخسرك عيلتك بسببي يا آيان.

ابتسم 

ـ آيان: سيرا... إنتِ مش السبب.

توقفت السيارة أمام القصر.

نزل آيان، ثم اتجه إلى الجهة الأخرى وفتح لها الباب.

نظرت إليه بتوتر.

ـ سيرا: إنت متأكد من اللي هتعمله؟

نظر لها بثقة.

ـ آيان: لأول مرة... أنا متأكد من قراري.

أومأت له.

ثم دخلا معًا إلى القصر.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

داخل القصر...

كانت نجلاء تجلس وحدها.

لم تعد تلك المرأة القوية التي تظهر أمام الجميع.

كانت تجلس وهي تنظر أمامها بشرود.

منذ خروجها من الحفل، وهي تعيد كل شيء في عقلها.

نظرة آيان لها...

كلماته...

واللحظة التي وقف فيها أمام الجميع واختار سيرا.

سمعت صوت الباب.

رفعت عينيها.

وتجمدت.

آيان...

وسيرا بجانبه.

وقفت بسرعة.

ـ نجلاء: البنت دي بتعمل إيه هنا؟

ساد الصمت.

أمسك آيان بيد سيرا.

وكأنه يخبرها أنها لن تواجه شيئًا وحدها مرة أخرى.

ـ آيان: مش يمكن عشان هتكون زوجتي المستقبلية؟

اتسعت عينا نجلاء.

ـ نجلاء: انت مصدق نفسك؟

اقترب آيان خطوة.

ـ آيان: أيوه... مصدق نفسي.

نظرت إلى سيرا بضيق.

ـ نجلاء: البنت دي متنفعكش يا آيان.

نظر إليها آيان بحزن.

ـ آيان: ليه؟

لم تجب.

فأكمل:

ـ آيان: عشان مش من مستوايا؟

صمتت.

ـ آيان: هو إيه المستوى ؟

اقترب منها.

ـ آيان: الفلوس؟ الاسم؟ الشهرة؟

ثم نظر إلى سيرا.

ـ آيان: ولا الإنسان اللي وقف جنبي وأنا مكنتش أملك غير حياه بائسه ؟

خفضت نجلاء عينيها.

لكنها حاولت الدفاع عن نفسها.

ـ نجلاء: أنا عملت كل ده عشان مصلحتك.

ابتسم آيان بسخرية ...

ـ آيان: مصلحتي أنا؟

هز رأسه.

ـ آيان: لا يا أمي... كانت مصلحتك إنتِ.

تغيرت ملامحها.

ـ آيان: كنتِ عايزة تشوفي ابنك بالصورة اللي إنتِ رسمتيها... مش الصورة اللي هو عايزها.

صمت للحظات.

ثم قال:

ـ آيان: عارفة إيه أكتر حاجة وجعتني؟

نظرت له.

ـ آيان: إني اكتشفت إن الشخص اللي كنت فاكر إنه هيحميني من الدنيا... هو اللي دمرني

نزلت دموع نجلاء.

ـ نجلاء: آيان...

لكنه أكمل:

ـ آيان: أنا عرفت كل حاجة.

تجمدت.

ـ نجلاء: البنت دي بتكدب.

نظر لها آيان بهدوء.

ـ آيان: المشكلة إن مش هي اللي قالتلي الحقيقة.

توقف قليلًا.

ـ آيان: أنا عرفت لوحدي.

ساد الصمت.

لم تجد نجلاء ما تقوله.

ـ آيان: عندي سؤال واحد بس...

اقترب منها.

ـ آيان: ليه؟

صمت.

ـ آيان: ليه أم ممكن تأذي ابنها بالطريقة دي؟

نزلت دموعها.
ـ آيان: ليه ممكن حد يدمر حياة شخص بيحبه عشان الاسم والفلوس وكلام الناس؟

خفضت نجلاء رأسها.

ـ نجلاء: أنا...

توقفت.

لأول مرة لم تجد مبررًا.

ـ نجلاء: أنا كنت فاكرة إني بحميك.

نظرت إليه.

ـ نجلاء: بس طلعت بأذيك.

ساد الصمت داخل القصر...

لم يكن هناك سوى صوت بكاء نجلاء الخافت.

كانت تقف أمام ابنها، لكن لأول مرة لم تستطع أن ترى نفسها أقوى منه.

لأول مرة شعرت أنها أخطأت.

وليس خطأ بسيطًا...

بل خطأ كاد يجعلها تخسر أغلى شخص في حياتها.

ـ نجلاء: أنا آسفة يا آيان...

رفع آيان عينيه إليها.

كانت تلك الكلمة هي آخر شيء توقع أن يسمعه منها.

اقتربت منه خطوة.

ـ نجلاء: آسفة يا حبيبي...

توقفت وهي تبكي.

ـ نجلاء: أنا كنت أنانية... كنت شايفة الدنيا من ناحيتي أنا بس.

خفضت رأسها.

ـ نجلاء: كنت فاكرة إن الفلوس والاسم هيخلّوك سعيد... بس نسيت إن السعادة مش بتتشترى.

ظل آيان صامتًا.

كان بداخله الكثير من الألم.

فهي والدته...

والشخص الذي أمامه الآن ليست المرأة التي جرحته فقط...

بل المرأة التي أحبته وربته طوال حياته.

اقتربت سيرا منه قليلًا.

ـ سيرا: آيان...

نظر إليها.

ـ سيرا: اسمعها.

صمت للحظات.

ثم تنهد.

ـ آيان: أنا مش هقدر أنسى بسهولة يا أمي.

نظرت له نجلاء ...

ـ آيان: بس برضو مش هقدر أكرهك.

نزلت دموعها أكثر.

ابتسمت نجلاء وسط دموعها.

لكنها شعرت أنه من حقه أن يحتاج وقتًا.

مدت يدها تمسك يده.

لكنه ظل واقفًا للحظات دون حركة.

ثم ابتعد بهدوء.

ـ آيان: محتاج وقت.

أومأت نجلاء

ثم نظرت إلى سيرا.

كانت النظرة مختلفة هذه المرة.

لم تكن نظرة رفض...

بل نظرة اعتذار.

اقتربت سيرا منها.

ـ سيرا: أنا آسفة يا طنط... أنا مكنتش عايزة أكون سبب في أي خلاف بينكم.

نظرت لها نجلاء طويلًا.

ثم قالت بصوت مرتجف:

ـ نجلاء: لا...

هزت رأسها.

ـ نجلاء: إنتِ مش السبب.

اقتربت منها.

ـ نجلاء: أنا اللي غلطت.

ثم احتضنتها.

تجمدت سيرا للحظة.

لم تتوقع هذا أبدًا.

ثم بادلتها العناق.

كان عناقًا يحمل اعتذارًا عن سنوات من الألم.

دخل آيان في تلك اللحظة.

توقف عند الباب وهو ينظر إليهما.

ابتسم.

نظر إلى والده الذي كان يقف بعيدًا.

فابتسم يوسف أيضًا.

لأنه كان يعلم...

أن العائلة عادت أخيرًا.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

بعد مرور شهرين...

كان الاستاد ممتلئًا بالجماهير.

الهتافات تملأ المكان.

الأعلام ترفرف في كل مكان.

والجميع يحتفل بفوز الفريق.

كان آيان يقف وسط الملعب، يحمل الكأس بيده.

ابتسامته كانت مختلفة...

ابتسامة شخص حقق أكثر من مجرد بطولة.

فقد حقق انتصاره الحقيقي.

اقترب المصورون لالتقاط الصور.

وبعد لحظات...

نزلت سيرا إلى أرض الملعب.

كانت برفقة نجلاء ووالدتها وعائلتها وعائلة آيان.

وقفوا جميعًا بجانبه.

والتقطوا صورًا كثيرة.

كانت سيرا تنظر حولها بسعادة.

لم تصدق أن كل هذا حدث.

منذ أشهر فقط كانت تظن أن قصتها مع آيان انتهت.

واليوم...

كانت تقف بجانبه أمام الجميع.

اقترب آيان منها.

وفجأة...

جثا على ركبته.

توسعت عيناها بصدمة.

ساد الصمت للحظة في الملعب.

ثم بدأت الهتافات تعلو.

ـ آيان: سيرا...

نظرت إليه.

ـ آيان: من يوم ما دخلتي حياتي وأنا عرفت إن في حاجات أهم من الفوز والخسارة.

ابتسم.

ـ آيان: كنت فاكر إن الهدف الوحيد هو إني أسجل في المرمى...

نظر إلى عينيها.

ـ آيان: بس عرفت إن الهدف الحقيقي...

توقف للحظة.

ـ آيان: هو إنتِ.

دمعت عيناها.

كان صوت الجماهير يعلو من حولها.

لكنها لم تكن تسمع سوى صوته.

مد يده لها.

ـ آيان: تقبلي تتجوزيني؟

وضعت يدها على فمها من شدة التأثر.

ثم ابتسمت.

ومن خلفها جاء صوت تعرفه جيدًا.

ـ يمنى: يلا يا سيرا... 

ضحكت سيرا وسط دموعها.

نظرت إلى آيان مرة أخرى.

ثم قالت:

ـ سيرا: موافقة.

تعالت الهتافات في الاستاد.

ابتسم آيان بسعادة.

ثم وقف وألبسها الخاتم.

نظرت سيرا إلى الكاميرات، ورفعت يدها ليراها الجميع.

أما آيان...

فظل ينظر إليها وكأنه ما زال لا يصدق أنها أصبحت جزءًا من حياته.

كُنتُ أَظُنُّ أَنَّ الهَدَفَ الوَحِيدَ هُوَ التَّسْجِيلَ فِي المَرْمَى، لَكِنِّي عَرَفْتُ بِأَنَّ الهَدَفَ الحَقِيقِيَّ هُوَ أَنْتِ، وَالحَقِيقَةُ هِيَ أَنَّكِ أَنْتِ الهَدَفُ.

The End

بقلمي / ملك أحمد محمد 🤍

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

استووووب وأخيرًا خلصت الرواية...




تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة