
رواية أنت الهدف الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم ملك احمد
في اليوم التالي...
دخلت سيرا إلى الشركة بخطوات هادئة، تحمل حقيبتها بيد، وبعض الملفات باليد الأخرى.
وقبل أن تصل إلى باب المكتب، اهتز هاتفها معلنًا عن اتصال.
ابتسمت فور أن رأت اسم والدتها، ثم أجابت سريعًا.
سيرا: الو يا ماما؟
جاءها صوت والدتها الدافئ.
منى: عاملة إيه يا سيرا يا حبيبتي؟
ابتسمت سيرا وهي تهز رأسها بخفة.
سيرا: يا ماما يا حبيبتي... أنا لسه سايبة البيت من شوية.
ضحكت الأم.
منى: عادي يا بنتي... وحشتيني.
اتسعت ابتسامة سيرا دون أن تشعر.
سيرا: الحمد لله يا ماما... أنا كويسة.
ساد صمت قصير، ثم قالت منى بنبرة بدت وكأنها تذكرت أمرًا مهمًا.
منى: متنسيش إن النهارده إياد جاي.
أجابت سيرا وهي تنظر إلى ساعة يدها.
سيرا: حاضر يا ماما... بس ممكن أتأخر شوية.
منى: ليه؟
سيرا: عشان هروح أنا وآيان نتعرف على مامته.
ساد الصمت للحظة، ثم قالت الأم بابتسامة يملؤها الدعاء.
منى: ربنا يوفقكم يا حبيبتي... وخدي بالك من نفسك.
ابتسمت سيرا بحب.
سيرا: حاضر... سلام.
أغلقت الهاتف، وأطلقت زفرة طويلة.
لأول مرة منذ سنوات... شعرت أن حياتها بدأت تهدأ.
وكأن كل الطرق التي كانت تغلق في وجهها... بدأت تُفتح واحدًا تلو الآخر.
لكنها لم تكن تعلم...
أن خلفها مباشرة، كانت يمنى تقف في صمت.
كانت قد سمعت المكالمة كاملة.
وامتلأت عيناها بالدموع التي حاولت عبثًا أن تمنعها من السقوط.
وضعت يدها على فمها حتى لا يخرج صوت بكائها...
ثم استدارت ببطء، وغادرت المكان قبل أن تلتفت إليها سيرا.
أما سيرا...
فلم تنتبه لوجودها من الأساس.
ودخلت مكتبها لتبدأ عملها كأي يوم عادي.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في مكتب آيان...
كان آيان يجلس خلف مكتبه، يراجع بعض الملفات بعناية.
لم يكن يسمع سوى صوت تقليب الأوراق...
حتى قطع الصمت طرقات خفيفة على الباب.
آيان: اتفضل.
فتح الباب ببطء.
ودخلت يمنى.
وقفَت أمامه دون أن تتكلم.
رفع رأسه إليها، ولاحظ شحوب وجهها واحمرار عينيها.
قطب حاجبيه قليلًا.
آيان: في إيه ؟
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم قالت بصوت مرتجف.
يمنى: هو... حضرتك وسيرا هتتخطبوا؟
توقف للحظة، مستغربًا السؤال.
لكنه أجاب بهدوء.
آيان: مش فاهم سبب السؤال... بس أيوه.
كأن هذه الكلمة وحدها كانت كافية لتحطم آخر ما تبقى داخلها.
أغمضت عينيها لثوانٍ، ثم ابتسمت ابتسامة باهتة.
يمنى: طيب... وأنا؟
نظر إليها بعدم فهم.
آيان: إنتِ إيه؟
خرجت منها ضحكة صغيرة، امتزجت بالبكاء.
يمنى: أنا بحبك يا آيان...
بقالي سنين بحبك.
كل يوم كنت بقول يمكن تلاحظ...
يمكن تحس...
يمكن تبصلي مرة غير أي مرة...
بس أنت... ولا مرة حسيت.
ساد الصمت بينهما.
لم يقاطعها.
ولم يجد كلمات يقولها.
تابعت وهي تمسح دموعها سريعًا.
يمنى: أنا ضحيت بحاجات كتير عشانك.
سيبت أهلي...
وسافرت...
واستحملت الغربة تلات سنين كاملة...
كل ده عشان أبقى قريبة منك.
يمكن في يوم...
تحبني.
لكن اليوم فهمت إن اليوم ده عمره ما هييجي.
تنهد آيان ببطء.
ثم قال بصوت هادئ، لكنه صادق.
آيان: أنا مقدر كل حاجة عملتيها عشاني، ومش هقدر أنكر إنك كنتِ دايمًا شخص مهم في حياتي ...
بس المشاعر اللي جواكي ناحيتي أنا مقدرتش أبادلها.
أنا عمري ما شوفتك غير صديقة قريبة ليا... وشخص أقدره وأحترمه.
هزت رأسها وكأنها كانت تتوقع الإجابة منذ زمن.
يمنى: عارفة...
وده أصعب حاجة.
إني عارفة...
ومع ذلك قلبي مرفضش يحبك.
أنا مخترتش أحبك...
ولا مخترتش أتعلق بيك...
ولا مخترتش أعيش سنين مستنية حلم... مستحيل يتحقق.
آيان: انا اسف يا يمنى...
قاطعته ...
يمنى : متقولش حاجة.
أنا خلاص قررت.
همشي يا آيان.
ومش هتشوفني تاني.
نظر لها بإستغراب ...
آيان: خليكي في شغلك... وكأن الكلام ده محصلش. وانا اعتبر اني مسمعتش اي حاجه
ابتسمت بحزن ..
يمنى: للأسف حصل..
وأنا مستحيل أعرف أكمل هنا بعد اللي قولته.
أخرجت ظرفًا صغيرًا من حقيبتها.
ووضعته أمامه فوق المكتب.
يمنى: دي استقالتي بعد اذنك
ثم استدارت...
وغادرت المكتب.
أغلق الباب خلفها بهدوء.
أما آيان...
فظل ينظر إلى الظرف طويلًا.
تنهد بضيق.
كانت يمنى بالنسبة له صديقة يثق بها...
ويقدرها كثيرًا.
وكان يعلم منذ فترة أنها تحمل له مشاعر لم يبادلها يومًا.
ولذلك...
لم يشأ أن يمنحها أملًا كاذبًا.
في تلك اللحظة...
دخلت سيرا.
ابتسمت وهي تقترب.
سيرا: آيان...
رفع عينيه إليها.
سيرا: فين يمنى؟
أجاب بهدوء.
آيان: استقالت.
اتسعت عيناها بصدمة.
سيرا: إيه؟
استقالت؟
ليه؟
ابتعد بنظره قليلًا.
آيان: قالت إن عندها أسباب شخصية... ومش حابة تحكيها.
شعرت سيرا بالقلق.
سيرا: طب أنا هروح أكلمها.
وقبل أن تتحرك...
أوقفها صوته.
آيان: سيرا... استني.
التفتت إليه.
نظر إليها للحظات قبل أن يقول.
آيان: مفيش داعي.
هي مش هترجع تاني.
ظلت تنظر إليه في حيرة.
لأول مرة...
تشعر أنها لا تستطيع قراءة ما يدور بداخله.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في المساء...
توقفت السيارة أمام القصر.
كانت سيرا تجلس في هدوء، تحاول أن تخفي توترها الذي بدأ يزداد مع كل لحظة تمر.
نظرت إلى انعكاس صورتها في المرآة الصغيرة أمامها.
كانت ترتدي فستانًا طويلًا بلون الشامبين، بتصميم هادئ وأنيق، ينسدل بانسيابية مع حركتها دون مبالغة.
تركت شعرها منسدلًا بطريقة بسيطة زادت من رقة ملامحها، واكتفت ببعض التفاصيل الهادئة التي جعلت إطلالتها مناسبة للمكان والموقف.
لم تكن تريد أن تبدو كأنها تحاول إثبات شيء...
كانت فقط تريد أن تكون سيرا.
لاحظ آيان صمتها، فنظر إليها بابتسامة صغيرة.
آيان: مالك؟
رفعت عينيها إليه، ثم أخذت نفسًا عميقًا.
سيرا: متوترة...
خايفة ميحبونيش.
نظر إليها آيان للحظات، وكأنه يحاول أن يطمئنها قبل أي شخص آخر.
آيان: لا إن شاء الله يحبوكي.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
سيرا: أتمنى.
آيان: يلا.
نزل من السيارة، ثم اتجه ليفتح الباب ..
واتجه الاثنان نحو القصر.
سارت بجانبه ....
اتجه الاثنان إلى الصالون.
وقفت سيرا تتأمل المكان في هدوء.
قبل أن تقع عيناها على والدة آيان.
كانت سيدة في منتصف الخمسينيات.
تبدو أنيقة للغاية.
ملامحها جامدة...
ونظراتها حادة.
شعرت سيرا منذ اللحظة الأولى...
أن تلك النظرات لا تحمل أي ترحيب.
اقترب آيان منها.
آيان: ماما.
التفتت إليه.
ثم نقلت نظرها إلى سيرا.
ابتسمت ابتسامة رسمية بالكاد ظهرت على شفتيها.
نجلاء: أهلًا.
ابتسمت سيرا باحترام.
سيرا: اتشرفت بحضرتك.
أومأت نجلاء برأسها.
نجلاء: اتفضلوا... دقيقة وهكون عندكم.
ثم غادرت.
تنهدت سيرا فور ابتعادها.
سيرا: آيان...
آيان: نعم؟
سيرا: حاسة إن مامتك مش حباني.
ابتسم بخفة محاولًا طمأنتها.
آيان: لا...
هي بس مش متعودة عليكي.
ابتسمت سيرا...
لكن داخلها...
لم يهدأ.
Flash Back...
قبل يوم...
وقف آيان أمام والدته.
كانت نجلاء تنظر إليه بصرامة.
آيان: أنا اخترت البنت دي.
عقدت ذراعيها أمام صدرها.
نجلاء: وأنا مش موافقة.
ثبت نظره عليها.
آيان: أنا اللي هعيش معاها... مش حضرتك.
قالت بنبرة حادة.
نجلاء: عندك ندى.
بنت جميلة...
وغنية...
ومن عيلة كبيرة.
ابتسم بسخرية.
آيان: جوزيها لأي شاب.
أنا مش عايزها.
اشتعل غضبها.
نجلاء: بترفض بنت رجل أعمال معروف...
وعايز واحدة محدش يعرف أصلها؟
أجابها دون تردد.
آيان: عشان بحبها.
ساد الصمت.
نظرت إليه وكأنها لم تصدق ما سمعته.
نجلاء: بتحبها؟
هو لسه في حاجة اسمها حب؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
آيان: للأسف...
طلع في.
وطلع أهم من الاسم...
وأهم من الفلوس...
وأهم من الشهرة.
طلع أهم حاجة...
راحة بالي.
قالت ببرود.
نجلاء: وراحة بالك مش هتلاقيها معاها.
اقترب منها.
آيان: أنا مرتاح...
وبكرة لما تيجي...
استقبليها كويس.
ثم غادر.
وظلت نجلاء تنظر إلى الباب المغلق.
نجلاء: الواد ده أكيد اتجنن.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
Back...
عادت نجلاء إلى الصالون.
نجلاء: شوية وباباك جاي يا آيان.
آيان: تمام.
وضعت الخادمة فناجين القهوة.
أمسكت سيرا بفنجانها محاولة إخفاء توترها.
ارتشفت رشفة صغيرة.
وفي اللحظة نفسها...
فُتح باب الصالون.
رفعت رأسها بشكل تلقائي.
لكن...
ما إن وقع بصرها على الرجل الذي دخل...
حتى تجمدت تمامًا.
اتسعت عيناها بصدمة.
وتوقف الزمن حولها...
وكأنها تعرفه.
بل...
وكأنها لم تتوقع أبدًا أن تراه هنا.
الفصل الخامس والعشرون من هنا