رواية الاستهتار الفصل الرابع 4 بقلم وفاء الدرع


رواية الاستهتار الفصل الرابع 4 بقلم وفاء الدرع


✨🩸الخبر الذي هزَّ القصر
لأول مرة...
ساد الصمت داخل فيلا آل الألفي.
لم يعد صوت ضحكات كاملية يملأ المكان كما كان.
حتى الخدم كانوا يسيرون بخطواتٍ هادئة، وكأنهم يخشون أن يوقظوا وجعًا يسكن جدران البيت.
أما عمر...
فلم يعد يفارق والدته لحظة.
كان يوقظها بنفسه لتتناول دواءها، ويُعد لها الطعام بيديه، ويجلس إلى جوارها بالساعات، يحاول أن يخفي دموعه بابتسامة صغيرة كلما نظرت إليه.
وفي إحدى الأمسيات...
كانت كاملية تجلس في شرفة غرفتها، تتأمل السماء وقد بدأت الشمس تميل إلى الغروب.
اقترب منها عمر ووضع على كتفيها شالًا خفيفًا.
ابتسمت وهي تقول:
ـ بقيت أنت اللي بتخاف عليَّ؟
ابتسم وهو يجلس إلى جوارها.
ـ هو ينفع بعد العمر ده كله أسيبك لوحدك؟
ضحكت ضحكة خافتة، لكنها سرعان ما تحولت إلى نوبة سعال عنيفة.
حاولت أن تخفيها...
لكن هذه المرة لم تستطع.
وما إن أنزلت المنديل عن فمها...
حتى شهق عمر.
بقعة دم أكبر من كل مرة.
ارتجفت يداه وهو ينظر إليها.
ـ كفاية يا ماما...
إحنا لازم نعرف الحقيقة.
خفضت رأسها في صمت.
كانت تعلم أن لحظة المواجهة اقتربت.
في صباح اليوم التالي...
أصر عمر على الذهاب بها إلى طبيب متخصص أوصى به أحد أصدقائه.
وفي الطريق...
كانت السيارة تسير ببطء، بينما كان الصمت يملأ المكان.
قطع عمر الصمت وقال:
ـ فاكرة يا ماما لما كنت صغير، وكنت أخاف من الحقنة؟
ابتسمت كاملية رغم تعبها.
ـ وأفضل ألف البيت كله علشان الممرض ميعرفش يمسكني.
ضحك عمر لأول مرة منذ أيام.
ـ وإنتِ كنتِ تقوليلي: "الوجع لحظة... لكن الشفا بإذن الله."
نظرت إليه بحنان، ثم قالت:
ـ افتكر الجملة دي دايمًا يا عمر...
الدنيا كلها وجعها لحظة...
بس اللي يتمسك بربنا عمره ما يضيع.
وصل الاثنان إلى المستشفى.
أُعيدت الفحوصات مرة أخرى.
وأشعة جديدة...
وتحاليل أكثر دقة.
كان الانتظار هذه المرة أطول وأثقل.
ظل عمر يدور في الممر كأنه ينتظر عمره كله.
كل دقيقة كانت تمر عليه كأنها سنة.
وكان كلما رأى باب غرفة الطبيب مغلقًا، ازداد قلبه خوفًا.
خرج الطبيب أخيرًا.
نظر إلى الملف طويلًا، ثم قال بهدوء:
ـ أستاذ عمر... ممكن تدخل معايا؟
دخل وهو يحاول أن يبدو قويًا.
جلست كاملية في المقعد المقابل، وقد فهمت من ملامح الطبيب أن الخبر ليس سهلًا.
تنهد الطبيب طويلًا، ثم قال:
ـ للأسف... النتائج أكدت وجود ورم خبيث.
ساد الصمت.
وكأن الزمن توقف.
لم يسمع عمر بقية الكلمات.
كل ما تردد داخل أذنيه كلمة واحدة...
"خبيث..."
نظر إلى أمه...
فوجدها تغمض عينيها وهي تردد في هدوء:
"الحمد لله..."
أما هو...
فانهارت كل قوته.
جلس على الأرض دون أن يشعر.
وأخذ يبكي كما لم يبكِ في حياته.
اقتربت منه كاملية رغم ضعفها.
وربتت على رأسه كما كانت تفعل وهو طفل.
وقالت بصوت امتزج فيه الألم بالرضا:
ـ متعيطش يا حبيبي...
العمر بإيد ربنا.
ولو ربنا كتبلي الشفا... هقوم.
ولو اختارني عنده...
يبقى ده الخير.
أمسك يدها بقوة، وهو يهز رأسه بعنف.
ـ لا...
متقوليش كده.
أنا مقدرش أعيش من غيرك.
احتضنته، رغم أن جسدها كان بالكاد يقوى على الوقوف.
وقالت وهي تبكي لأول مرة أمامه:
ـ كل اللي نفسي فيه...
أشوفك راجل صالح...
وأطمن عليك.
وفي تلك اللحظة...
فتح باب الغرفة فجأة.
كان مهران الألفي يقف أمامهما.
وصل بعد أن أخبره عمر بمكانهما.
نظر إلى وجه زوجته...
ثم إلى دموع ابنه...
ثم إلى الطبيب.
وقال بصوتٍ مرتعش لم يعرفه أحد من قبل:
ـ قوللي...
مراتي مالها؟
نظر إليه الطبيب في صمت...
ثم قال الجملة التي هزّت عالم مهران كله:
ـ مدام كاملية مصابة بالسرطان... ونحتاج أن نبدأ العلاج فورًا.
شحب وجه مهران.
وتراجع خطوة إلى الخلف.
ولأول مرة...
شعر أن المال الذي جمعه طوال عمره...
لا يستطيع أن يشتري دقيقةً واحدة من الصحة.
معركة لا تُخاض بالمال
ساد الصمت داخل غرفة الطبيب...
كان صمتًا ثقيلًا، كأن الكلمات فقدت معناها، وكأن الزمن توقف عند تلك الجملة التي مزقت القلوب:
"مدام كاملية... مصابة بورم خبيث."
وقف مهران الألفي كأن الأرض سُحبت من تحت قدميه.
نظر إلى الطبيب، ثم إلى زوجته، ثم إلى ابنه الذي كان يبكي بحرقة، ولم يعرف ماذا يقول.
لأول مرة في حياته...
عجزت الكلمات عن إنقاذه.
اقترب من الطبيب وهو يحاول أن يتمالك نفسه، وقال بصوتٍ مرتجف:
ـ أكيد في غلط... أعملوا التحاليل تاني... هسافر بيها بره مصر... أجيب أكبر دكاترة في العالم... الفلوس مش مشكلة.
تنهد الطبيب وقال بهدوء:
ـ إحنا بالفعل أعدنا التحاليل أكثر من مرة... والتشخيص واضح.
لكن بإذن الله ما زالت عندنا فرصة للعلاج... المهم نبدأ بسرعة.
أغمض مهران عينيه للحظات.
كانت تلك أول مرة يشعر فيها أن المال الذي أفنى عمره في جمعه... يقف عاجزًا أمام مرضٍ لا يخشى الأرصدة ولا النفوذ.
في طريق العودة...
لم ينطق أحد بكلمة.
كانت كاملية تنظر من نافذة السيارة إلى الأشجار التي تمر سريعًا، وكأنها تحفظ تفاصيل الحياة بعينيها.
أما عمر...
فكان يقود السيارة ودموعه تنساب في صمت.
وفجأة قالت كاملية بابتسامة هادئة:
ـ هو إحنا راجعين البيت ساكتين كده ليه؟
نظر إليها عمر، فلم تستطع عيناه إخفاء ألمه.
ابتسمت وربتت على كتفه.
ـ يا حبيبي... المرض ابتلاء، مش نهاية الدنيا.
رد بصوتٍ مكسور:
ـ بس أنا موجوع. من الالم اللي انت حساه انا عارف ان المرض ده قلمه صعب قوي على صاحبه..
ابتسمت وهي تخفي دمعة سالت على خدها.
الحمد لله على كل حال وانا مش عايزه اشوفك كده. 
بصي لها وابتسم من وراء قلبه ابتسامه جميله على وجهه 
 قالت.ـ تبقى حافظ على الضحكة دي... ومتخليش الدنيا تسرقها منك.
منذ ذلك اليوم...
تغير كل شيء داخل الفيلا.
أصبحت مواعيد العلاج هي أهم من أي اجتماع.
وتحولت غرفة كاملية إلى مكانٍ لا يخلو من القرآن والدعاء.
حتى الخدم كانوا يتسابقون لخدمتها، فقد كانت تعاملهم كأهلها، لا كعاملين لديها.
أما عمر...
فلم يعد يهتم بالجامعة ولا بالخروج مع أصدقائه.
كان يرافق والدته في كل جلسة علاج.
يمسك بيدها وهي تدخل غرفة العلاج الكيماوي.
ويجلس خارج الباب، يقرأ القرآن ويدعو الله أن يرفع عنها البلاء.
وكان كلما خرجت متعبة، يبتسم لها رغم دموعه ويقول:
ـ أنا فخور بيكي يا ماما... إنتِ أقوى واحدة في الدنيا.
فتبتسم له وتقول:
ـ قوتي من دعواتك يا حبيبي.
أما مهران...
فكان يعيش صراعًا لم يعرفه من قبل.
ترك كثيرًا من اجتماعاته.
وألغى سفراتٍ كانت تساوي ملايين الجنيهات.
وصار يقضي الساعات إلى جوار زوجته.
وفي إحدى الليالي...
دخل غرفتها بعد أن نام عمر.
وجدها تمسك بمصحفها الصغير.
جلس أمامها في صمت.
ثم قال بصوتٍ خافت:
ـ سامحيني يا كاملية.
رفعت رأسها ونظرت إليه باستغراب.
ـ على إيه؟
انخفضت عيناه.
ـ على كل مرة قلتِ لي فيها اقعد معنا انا وابنك... 
وما سمعتش كلامك.
على كل مرة فضلت الشغل عليكم.
على كل مرة افتكرت إن الفلوس هتعوض غيابي.
امتلأت عينا كاملية بالدموع.
وقالت بهدوء:
ـ لسه في وقت يا مهران.
قرب من عمر...
قبل ما الأيام تسرقه منك.
ومتخليش ابننا يدور على حضن بره البيت.
بكى مهران لأول مرة أمامها.
وأمسك يدها يقبلها وهو يقول:
ـ أوعدك...
هعوضه عن كل يوم فات.
ابتسمت كاملية، لكن قلبها كان يعلم أن الزمن قد لا يمنحهما الفرصة الكافية.
وفي صباح اليوم التالي...
استيقظت كاملية على تعبٍ شديد لم تشعر به من قبل.
حاولت أن تنهض، لكن قدميها لم تساعداها.
سمع عمر صوت ارتطامٍ خفيف، فهرول إلى غرفتها.
فتح الباب...
فتجمد مكانه.
كانت والدته ملقاة على الأرض، تحاول أن تبتسم له رغم الألم.
صرخ بأعلى صوته:
ـ بابا... بسرعة!
ركض مهران إلى الداخل، وحمل زوجته بين ذراعيه لأول مرة منذ سنوات طويلة.
كانت خفيفة بصورة أخافته.
نظر إليها، فإذا بها تهمس بصوتٍ يكاد لا يُسمع:
ـ متخافوش... أنا بخير.
لكن الطبيب، بعد أن فحصها في المستشفى، هز رأسه بحزن وقال:
ـ لازم تفضل تحت الملاحظة... حالتها بدأت تدخل مرحلة دقيقة، ولازم نكون مستعدين لأي تطورات.
خرج عمر من الغرفة وهو يشعر أن الدنيا تدور من حوله.
أما مهران...
فوقف أمام باب غرفة العناية، وأسند رأسه إلى الحائط.
ورفع يديه إلى السماء لأول مرة منذ سنوات طويلة، وقال والدموع تسبق كلماته:
"يارب...
أنا يمكن قصرت...
وغلطت...
وانشغلت بالدنيا...
لكن متحرمنيش منها.
خد كل اللي أملكه...
وسيبلي كاملية."
لكن الأقدار...
لا تسير دائمًا كما نتمنى.
❓هل تستجيب كاملية للعلاج وتعود إلى بيتها؟
أم أن الأسرة أصبحت على موعد مع أصعب امتحان في حياتها؟
يتبع... ✨💫
✍️ بقلم وفاء الدرع
علق بالصلاه على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم

                     الفصل الخامس من هنا 
تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة