
رواية ظننتك قلبي لكن بعض الظن إثم ج2 الفصل الثامن عشر 18 بقلم رشا روميه
الجزء_الثاني «ظلال سوداء ...»
إبتعد عن الأسوءان، سوء الفهم وسوء الظن فهما أخطر مسافة قد تقع بهما، لا تدع سوء الظن يجرفك بمنحدر يجعلك تتحسر على ما قدمت من أجله، فربما تخدعك المظاهر، وترى الأمور من زاوية منعكسة، ووقتها لن تستطيع الحكم بالقطع، فإن بعض الظلال السوداء تكون أكبر من حجمها ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
ليت أُذناه قد صُمت عن السماع حين تفوه بها "أمين"، كلمة إخترقت قلبه أولًا، لم يكن مرورها عابرًا على نفسه خاصة بهذا الوقت ...
تيبس "عيسى" عن الحركة وهو يناظر الطبيب بملامح الصدمة، ليس لأنه عقيم لا يقدر على الإنجاب، بل لما هو وراء هذا المعنى، فمصيره يتقبله فهو قدره، لكن ذلك يثبت بما لا شك به بأن "غدير" خائنة، وإلا فمن أين جاء هذا الطفل الذي تحمله بأحشائها ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
تهدلت قواه برغم أنه جالسًا بموضعه، كما لو كان جبلًا تهدم ليخر كذرات من التراب لا تماسك ولا قوة ...
ضيق نفس، وغصة قلب، وألم روح، ناظر "عيسى" الفراغ وهو يردد كلمة الطبيب بتكرار فارغ كما لو كان يسمع صدى صوته من خلفه ...
- عقيم ...!!!
أجابه "أمين" بأسف شديد ...
- أنا آسف حقيقي، بس مكانش ينفع أخبي عليك، لازم الوضوح في النقطة دي، التحاليل أثبتت وجود عيب خلقي بيمنع حضرتك من الإنجاب تمامًا، وللأسف ملهاش علاج، أنا صارحتك عشان مترهقش نفسك بعلاج مش حيفيدك بحاجة ...
كان "أمين" يوضح الأمر بعملية لـ"عيسى"، لكنه لم يستطع سماع حرف واحد مما يقول، فقد تشتت ذهنه بإتجاه مغاير تمامًا، فحتى الأمل الذي كان ينتظره بإعلان برائتها وسوء ظنه تلاشى تمامًا ...
وقف "عيسى" ليغادر العيادة دون الإستماع لبقية حديث الطبيب، لينتبه على صوت "أمين" الذي إستوقفه ...
- أستاذ "عيسى"، إستنى بس ...
أشار له "عيسى" بكفه محاولًا إخراج كلماته المتعلقة بحنجرته ..
- معلش مضطر أمشي ...
مد "أمين" يده بنتيجة التحاليل تجاه "عيسى" ..
- طب إتفضل التحاليل أهي، وفي أي وقت تشرفني حضرتك والمدام ونحاول نلاقي حل طبي ...
كالمغيب تمامًا ردد "عيسى" كلمته بتعجب ..
- المدام ..!!! ( ثم أكمل منهيًا تلك الزيارة التي لن تُكرر مرة أخرى)، إن شاء الله..
خرج من العيادة بإحساس غريب، إحساس سيجعل قلبه يتوقف عن عمله، إنسحاب روحه من جسده، إن يسير بخطوات على الأرض لكنه لا يشعر بقدميه، أصبح يرى الصورة من حوله كما لو أنه يراها بأعين متفرجة ولا تخصه، ليتسائل بداخله [ هل هو واعي لما يحدث أم أن هذا كابوس مخيف .. ؟!!! هل "غدير" حقًا خائنة .. ؟؟ هل أصبح الظن حقيقة ولحقتها الآثام ..!! هل تلك الظلال السوداء ستعم حياته حتى نهاية العمر ..؟؟] ...
تحرك نحو المكتب بدون وعي، لكنه ترك العنان لقدميه بدون تفكير، فما حدث قد بدل حياته من النقيض للنقيض، لقد ظن أنه أسعد المخلوقات على الأرض، وأن "غدير" هي منبع حياته ولحظاته الحلوة، لكن بعض الظن إثم ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
شقة مأمون الجديدة ..
تخبط هنا وهناك، تارة تجاه النوافذ المغلقة بإحكام وقد وضع عليها شبكة من الأعمدة الحديدية، وتارة تجاه الباب الموصود لتدرك بالنهاية أنها قد وقعت بالفخ الذي نصبه لها هذا المخادع ..
وقفت "نغم" بإدراك متأخر أنها رهينة لـ"مأمون" وليست زوجة له، عادت بخطوات مرتجفة تجاه "مأمون" و "ريهام" تناظر عيونهما الساخرة من سذاجتها بهدوء مريب كما لو أنهم تيقنوا بأنها لن تستطيع الخروج من هنا، مكان مغلق منزوي لن يسمع به إستغاثتها مهما حاولت الصراخ ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
وقفت قبالتهم متسائله بصدر مضطرب ...
- إنتوا عايزين مني إيه ؟!!!
إستقام "مأمون" ليلتف حولها ثم ضغط بكفيه فوق كتفيها يجبرها على الجلوس فوق المقعد قائلًا ببرود ...
- هو ده الكلام، أقعدي بقى عشان أقولك عايزين إيه ...
جلست "نغم" تحاول إخفاء ألم قلبها المنفطر فقد خُدعت وتم إستغلال قلبها النقي، خطيئة لا تدري إن كانت مذنبة بها أم لا، أنها إطمئنت ووثقت بمن لا يستحق الثقة والمحبة، إنتظرت أن يوضحا لها سبب فعلتهم بها حين بدأ "مأمون" ...
- جدنا الله يرحمه بقى مطرح ما راح، قبل ما يموت قال إنه كتب البيت كله لإبنه عشان إتظلم طول عمره، وهو جدي كان عنده مين غير أبوكِ وأبويا؟؟!! وطبعًا مكتبش البيت بإسم أبويا، وأنا عارف ومتأكد إن عقد البيت عندكم إنتوا، أنا بقى عايز عقد البيت ...
عقدت "نغم" جبينها بدون فهم لتتسائل بإستنكار ...
- عقد البيت، يعني إنت عامل ده كله عشان عقد البيت القديم بتاعنا ...؟؟!!!!!
ضحكت "ريهام" ضحكتها المستفزة ساخرة من تلك محدودة التفكير لتقف إلى جوار زوجها تستكمل الإيضاح ...
- وهو عقد البيت ده شوية، البيت فيه مستثمر بيشتري المنطقة كلها عشان حيعملها مشروع قرية كبير أوي، البيت إللي مش عاجبك ده حيتباع بالملايين ...
حاولت "نغم" فهم تلك المحاولة الدنيئة بإجبارها على زواجها من "مأمون" الذي لا داعي له ...
- ولما إنت عايز عقد البيت، بتتجوزني ليه وتعمل كل الفيلم ده، أنا ذنبي إيه ؟!!
ببسمته المتهكمة أجابها ...
- عشان إنتوا طول عمركم ماسكين في البيت بإيديكم وأسنانكم، ومع كل إللي أمي بتعمله فيكم وبرضه قاعدين، يبقى كان لازم ألوي دراعكم عشان تدوني العقد، البيت ده بتاعي أنا، أنا وبس ...
نظرت له "ريهام" ترفع حاجبها الأيمن بوعيد ليتراجع عن كلمته قائلًا ...
- وهو أنا وإنتِ إيه يا حبي، مش واحد، هو أنا أقدر أستغنى عنك ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
تراجعت "ريهام" عن نظراتها الحادة ..
- اه، بحسب( ثم أكملت تجاه "نغم")، إحنا بقالنا شهور بنظبط حكايتك دي، عشان يظهر إن أنا و"مأموني" متخانقين وبيننا مشاكل عشان تقعي أكتر في غرامه، ما هو أصل الحكاية كانت باينه عليكِ أوي، وإنتِ ليل نهار تقفي له في البلكونة، إنتِ إللي عبيطة وسهل يتضحك عليكِ ..
تهدلت عينا "نغم" بصدمة من تفكيرهم المخادع وكشف أمر محبتها له لتردد بإنكسار ...
- أنا عبيطة !!!!!! عشان إتخدعت فيه، أبقى عبيطة ؟!!
لم يتحمل "مأمون" لحظات التأثر لصدمة "نغم" ليهتف بها بإنفعال وقلة صبر ...
- يووه، ما تخلصينا بقى، أيوه، إنتِ عيلة ساذجة وكنتِ هدف سهل عشان أوصل للعقد، أنا رحت الشقة ملقتش حاجة، إنتوا شايلينه فين ؟!! إنطقي ...
كزت "نغم" فوق أسنانها بغيظ من سذاجتها وإستغلالهم لطيبة قلبها لتردف بإنفعال لا يناسب وضعها على الإطلاق ...
- مش حقولك ...
قفز "مأمون" يهاجمها بقوة فقد إنتظر كثيرًا حتى يصل لمبتغاه ولن يضيع بسبب تلك التافهة، أطبق كفيه حول عنقها يهددها لتخبره بمكان العقد ...
- إنطقي أحسن لك، لو خايفه على عمرك قولي العقد فين ..؟؟؟
سعلت "نغم" بقوة وهي تشعر بالإختناق لقوة "مأمون" التي لا تحتملها ...
- معرفش ...
_ إنطقي بقولك فين العقد ؟!!
حاول الضغط بقوة فوق عنقها حتى تنطق وتخلص نفسها من بين يديه لكنها لم تردد سوي كلمة واحدة ...
- معرفش، معرفش ...
ترك رقبتها لتتحرر بعض نسمات الهواء لداخل رئتيها من جديد، تلمست عنقها المتألم وتلاحقت دموعها فقوة تحملها ضعيفة للغاية، تتمنى لو أن أختها أو أمها هنا ليساعدنها للهرب من أيدي "مأمون"، لقد صدق الجميع بظنهم به، هي فقط من ظنت أنه فارسها المغوار لكن بعض الظن إثم ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
كيف تخبره أن هذا العقد ليس بحوزتهم، كيف تحرر نفسها من هذا المحبس وليس لديها ما تفاوض به لأجل حريتها، فقد ضاع العقد منذ زمن طويل ولا تدري أين يكون ...
حاولت دون يقين من الإستجابة فربما يرق قلبه لإبنة عمه ...
- طلقني يا "مأمون"، ده أنا مهما كنت برضه بنت عمك !!!!
ملامحه الغاضبة جعلتها تراه بشكل مغاير تمامًا، فهذا الوسيم أصبح أقبح من رأت عينيها، لم تعد تطيق النظر لوجهه، هل تبدلت مشاعرها بتلك السرعة أم أنها لم تحبه من الأساس ..
هتف بها بإنفعال ...
- شوفي بقى، لا بنت عمي، ولا بنت خالي، أنا كنت عارف إنك مش حتتكلمي، عشان كدة كان لازم أتجوزك عشان أحطك قدام الأمر الواقع إنتِ وأمك، يا تدوني عقد البيت وتكتبوا لي تنازل، يا مفيش طلاق وحخليكِ كدة لا طايلة سما ولا أرض، أحسن لك قولي العقد فين ...
إرتعشت شفتيها بقوة فهي أضعف من أن تواجه أمر كهذا لتنهار دفاعاتها قائله ...
- معرفش، والله ما أعرف هو فين؟!
نظر "مأمون" تجاه "ريهام" فعليهم البحث عن طريقة للوصول لعقد ملكية بيت النجار فلن يضيعا خطتهم هباء ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
بيت النجار (شقة زكيه) ...
ليس هناك راحة تماثل البيت وهدوئه، كما لو كان هناك مستشعرات للأمان بداخله ..
فور أن ولجت "زكيه" لغرفتها وفراشها، شعرت بمدى إحتياجها لتلك الراحة، أيام عدة كانت لها بصمة قاسية عليها لتسقط غافية لبضع ساعات تستعيد بهم نشاطتها وراحتها المفقودان ...
إستيقظت تنظر لساعة قديمة ممزقة الأساور وضعت فوق الطاولة الخشبية بالغرفة لمعرفة الوقت، نهضت تتنفس حريتها مرة أخرى قبل أن تتحرك بأرجاء الشقة تتأمل أركانها التى إشتاقت إليهم ...
تنهدت براحة قبل أن تحدث نفسها ...
- والله بيت الواحد ده نعمة من عند ربنا، الحمد لله، بس توبه والله الواحد يستحمل كدة تاني، أنا تعبت ومش حقدر أستحمل فوق طاقتي، كفاية كدة، وأهي "نغم" إتجوزت، عقبال ما أعرف طريق "شجن"، كفاية قاعدة في البيت ده مع "صباح"، أروح أي مكان وأبعد عن الأذى ده، أنا كفاية إستحملت عشانهم سنين، لازم أرتاح بقى وكفاية إللي جرى ...
دلفت لغرفة نومها مرة أخرى لتسحب محفظتها قبل أن تغادر الشقة متجهة لشقة "مأمون" للقاء "نغم" للإطمئنان على أحوالها مع زوجها أولًا ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
الإبتلاءات نوع من صيحات للإفاقة، فبعض الأحيان يأخذنا الغرور والإعتداد بأنفسنا لنطغى بشرور كامنة بداخل نفوسنا الضعيفة، ليأتي الإبتلاء ليذكرنا بأننا لا نملك القوة وأن القوة بيد الله، درس من دروس الدنيا ولعلنا نتعظ ...
صرخت "حنين" بألم، شعور بعدم الإحتمال لأكثر من ذلك، كل يوم يمر هو أسوء من ذي قبل، حالتها أصبحت مذرية، تقرحاتها وآلامها تمادت بشكل بشع ...
هرولت أمها تجاهها لا تقوى على لمسها ...
- إيه يا "حنين"، أعمل لك إيه يريحك ؟؟
بأنفاس متألمة اجابتها "حنين" بما يشبه الصراخ ...
- مش قاااادرة، جسمي نار، مش قادرة أستحمل، حد يشوف لي حل ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
لملمت "أم حنين" شفتيها بتأزم ...
- مفيش بقى غير إننا نوديكِ المستشفى، هم هناك يلاقوا حل، محدش قادر يقرب منك، ولا فيه علاج نافع معاكِ ...
رغم إخفائها لأمر مرضها بالبداية، إلا أنها ما عادت تكترث، فقط تريد الراحة من هذا الألم، لتصرخ متذكره ما لم يكن عليها نسيانه من الأساس ...
- يا رب، إرحمني يارب ...
طلبت "أم حنين" من أحد أبنائها الصغار بطلب إحدي سيارات الأجرة لإصطحاب "حنين" إلى المستشفى ..
- إطلع يا واد هات تاكسي يودينا المستشفى ..
سحبت "حنين" طرف جلباب أمها بتوسل ...
- كلمي "فريد" يامه، كلميه يمكن قلبه يحن عليا ويسامحني، أنا غلطت وتوبت، أنا عرفت غلطي وقيمته عندي، والله أنا ندمانه على "فريد" وإللي عملته معاه، عارفة إن إللي أنا فيه ده عقاب من ربنا على إللي عملته ...
أشفقت تلك الأم على إبنتها لتومئ بالتفهم ..
- حشيع له حد يقوله إنك في المستشفى، يمكن قلبه يحن ...
برفق شديد وربما بدون تلامس يذكر إصطحبت والدة "حنين" إبنتها إلى مستشفى متخصص بعلاج الجذام والأمراض الجلدية المستعصية فحالها أصبح متدهور للغاية ....
بقلم رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
فيلا الأيوبي بالنوبارية ...
قلوب مغلفة بالسواد، وأحقاد ظاهرة، والمسمى أقرباء، لكن بعض الظلال توحى بالعظمة لكن بالأصل هم أدنى من أن يوزن لهم ميزان ...
تابعت "شجن" أبناء عمومة -العم "أيوب"- وهم يرغمونه على توقيع أوراق التنازل عن أملاكه لهم، حتى أن أحدهم أمسك كفه بقوة وهو يهدده حتى يوقع لهم ...
حالفها الحظ بتصوير كل ما حدث بالصوت والصورة بهاتف "أيوب" الذي بحوذتها، لكن ذلك لم يكن كافيًا فعليها التصرف ودون تباطئ ...
إنتظرت تلك اللحظة الحاسمة، فبعد أن لاحظت خروجهم من الغرفة يحملون الأوراق بأيديهم أسرعت بتحركها نحو "أيوب" أولًا ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
دنت منه بهدوء متسلل هامسة حتى لا يدرك أحدهم أن هناك من بالداخل برفقة "أيوب" ...
- عم "أيوب"، إنت كويس ...
بإعياء شديد، وتعاسة لاحت بعينيه المتعبتين ...
- وحبقى كويس إزاي، شوفتي عملوا إيه !!!! حق إبني راح ...
وضعت كفها فوق ذراع "أيوب" بقوة وهي تتحدث بجدية رغم همسها المنخفض ...
- لا يا عم "أيوب"، عمر ما حق إبنك حيروح، أنا حرجع لك حقه ...
تطلع بها بتخوف من أن تلقى بنفسها بالأذى مع هؤلاء المجرمين ...
- إنتِ حتعملي إيه، إوعي يا "شجن"، متتهوريش، بالله عليكِ بلاش تعملي حاجة ممكن تأذي نفسك معاهم، أنا عارفهم كويس ...
دفعت بعنقها للأمام بلا إكتراث لهم ...
- ولا يهمك منهم، متخافش ..
لم تنتظر لأكثر من ذلك بل إندفعت تجاه باب الغرفة تركض بأقصى سرعة تمكنت بها لتنطلق بقوة خارجة من الغرفة ...
تفاجئ أبناء عمومة "أيوب" بأحدهم يفتح باب الغرفة التى كانوا بها للتو، إلتف ثلاثتهم بأعين متوهجة يطالعون بدهشة من كان معهم وإستمع لما فعلوه بالداخل ...
رؤيتهم لـ"شجن" وهي تركض منطلقة كمُهرة خيل أصيلة إنطلق جماحها دون توقف أثار بنفوسهم رجفة فزع لوهلة حتى أنهم تيبسوا بموضعهم للحظات ...
لم تكن "شجن" تريد سوى تلك اللحظات فقط من المفاجئة حتى تنفذ خطتها المتهورة التي تفكرت بها، فقد إنطلقت راكضة بإتجاههم دون توقف، باغتتهم بحركة خاطفة ممسكة بالأوراق التي كان مازال "جميل" يحملها بين يده ...
صدمة أفاقوا منها حين إنتبهوا لـ"شجن" تستكمل ركضها لدرجات السلم متجهة نحو خارج البيت ليتصادم ثلاثتهم بإنفعال ...
- إيه ده ؟!! البت خدت الورق ...!!!
- إجري يا "عوض" إلحقها ...
- يلا يا أخويا إنت وهو، بسرعة حد يمسكها، لازم نجيب منها الورق ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
نبههم "جميل" لما هو أبعد من مجرد ورق ...
- هو الورق بس، دي أكيد سمعت كل حاجة جوه في الأوضة، "أيوب" لو جرى له حاجة إحنا إللي حيتهمونا بيها، البت دي لازم تيجي حالًا ...
فارق العمر واللياقة كان لصالح "شجن" بالطبع، فحتى بعد أن تمالكوا صدمتهم، كانت "شجن" خرجت من البيت تمامًا وهى تهتف بقوة آمرة بصرامة ...
- إركب العربية بسرعة وإطلع، يلااااااا مفيش وقت ....
بقلم رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
بيت محفوظ الأسمر ...
ماتت العديد من الأشياء علمتني كيف أحيا، تقاس الدروس بقسوتها، فاللحظات اللينة عمرها قصير ..
مع إقتراب عصر هذا اليوم وإنتصاف شمسه بوسط السماء بيوم صحو غير عادي، أغلقت "وعد" باب غرفة "محب" التى تمكث بها لتعود حيث جلس ولدها الصغير يعبث ببعض الألعاب الإليكترونية الجديدة التي جلبها له "محب" ...
تابعت "زين" بأعين فارغة كما لو كانت لا تنتبه له بل شاردة بأفكارها هنا وهناك ...
عالم تغيب به عن واقع آخر مختلف تمامًا ينتظرها خارج الغرفة، حيث هذا اللقاء الغامض بين "عتاب" و "محب" بعدما سلمها ورق التنازل الذي كانت تنتظره بعد أن أقنع "محب" زوجته بالتوقيع عليه ...
عقل يبحث عن أقصى فائدة يستطيع الحصول عليها، كعقل "عتاب"، فقد تخيلت كل تلك الأحداث وما سيأتي بالطبع، لهذا كان عليها أن تنهي الأمر كما تخيلت تمامًا ...
نظرت نحو "محب" قبل أن تضع شئ ما بداخل راحة يده، ثم إحتدت نظراتها تلقي بأمر لا يستوجب التأخير ...
- خد ده، حطهولها في العصير، أنا حروح مشوار ضروري، أرجع ألاقيها شربته كله ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
فتح "محب" راحة يده بدون فهم، لكن إقتضاب وجهه تسائل بما لم تتفوه به شفتيه ...
- إيه ده يا "عتاب" ؟!!!
رمقته "عتاب" بقوة تنهره عن هذا الضعف الظاهر بداخل عينيه ...
- بلاش خيابه وكمل معايا، هي صعبانة عليك ولا إيه ...؟!! لازم كل حاجة تخلص من غير ما حد ياخد باله، ولا يمسك علينا دليل ...
عاد "محب" ببصره لتلك القارورة الصغيرة التي تتوسط كفه متسائلًا بنبرة خفيضة لكنه كان بالفعل منفعلًا ...
- إيه إللي في الإزازة دي ؟!!!!!!!!
وضعت "عتاب" كفها تقبض بقوة القارورة بكف "محب"،ثم عادت لنظراتها الحادة التي إمتلأت بالكراهية والحقد ...
- سم، حيكون إيه يعني، دواء كحه (ثم أشارت بإتجاه الغرف تقصد "وعد")، أمال عاوزها بكره تبلغ عننا في النيابة ..!!!! ما خلاص كدة، هي مضت التنازل والفلوس ترجع لنا ونخلص منها وكل واحد يعيش حياته، مش ده كان إتفاقنا ...!!!
إبتلع "محب" ريقه بتوتر مما تطلبه منه "عتاب" ...
- بس إحنا متفقناش على القتل يا "عتاب"، أنا لا يمكن أعمل كدة ...
كورت "عتاب" قبضتها بغيظ لتدفع بها بلكمة بكتف "محب" بقسوة، فهي لن تسمح له بإفساد مخططها مطلقًا ...
- إسترجل كدة، وبعدين محدش حيعرف حاجة، أنا مشيت الدكتورة والممرضة، وأمك مش بتقوم من مكانها، والعيال وديتهم رحلة مش راجعين إلا بعد ثلاث أيام، يعني مفيش فرصة زي دي، ومحدش حيشوف ولا حيعرف حاجة،فهمت، وبقولك إيه لو محطتلهاش السم يا ويلك مني يا "محب" ....
- ده إنتِ مرتبة كل حاجة بقى ؟!!
بقلم رشا روميه قوت القلوب
رفعت "عتاب" من رقبتها بزهو قائله وهي تسحب حقيبتها العريضة تضعها فوق كتفها لتجيبه بعجالة ...
- طبعًا، كله مترتب، أنا ورايا مشوار ضروري، أرجع على خبر موتها، السم يتحط في العصير حالًا عشان يعمل مفعوله، مفيش وقت ...
تطلع "محب" بإتجاه غرفته التي تجلس بها "وعد"، ثم عاد ببصره نحو عتاب ليومئ بإقتضاب ...
- طيب ...
زفرت "عتاب" مطولًا، فيبدو أن حلمها الذي ظنت أنه بعيد سيتحقق أخيرًا، لتغادر البيت متجهة لمقابلتها مع "باسم" بعد أن أخبرته أن ورق التنازل بحوزتها وعليه لقائها لمساعدتها بإتمام خطتها للإستيلاء على الثروة التي تحلم بها ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
حي النعماني ...
نظرت "زكيه" نحو الأعلى لمرة أخرى بأعين مقتضبة تتأكد من أنها بالمكان الصحيح، أخذت تطالع تلك البناية الصغيرة من أكتر من زاوية حتى تتيقن أنها لم تخطئ بالعنوان ...
وبعد حيرة دامت لبعض الوقت، إستوقفت أحد المارة تسأله بتوجس ...
- قولي يا أخويا، مش "مأمون" إبن الحاج "فخري النجار" ساكن هنا برضه ؟!!
أجابها الشاب بعدم تيقن ...
- مش عارف والله، ممكن تسألي حد من إللي في المحلات دول، أصل أنا مش من هنا ...
حركت رأسها بتفهم لتتجه صوب أحد المحال لتسأل صاحبه فبالتأكيد لديه إجابة عن سؤالها ...
- مساء الخير يا أخويا، متعرفش لو كان "مأمون النجار" ساكن هنا ولا لأ، أنا أصلي معرفش البيت ...
وقف الرجل ينظر تجاه البناية التي تشير إليها "زكيه"، ثم أجابها بما زاد حيرتها وقلقها ...
- هو كان قاعد في البيت ده، بس بقاله فترة مش بييجي، باين عزل لبيت تاني، مش عارف والله يا ست ...
دارت بعينيها بين الأرجاء بحيرة، فهي كل ما تعرفه أن حين ترك "مأمون" بيت العائلة وقد إستأجر شقة بهذا البيت، ترى أين ذهب الآن، وأين تسكن إبنتها ؟!!
فتحت محفظتها للبحث عن رقم هاتف إبنتها لسؤالها بدلًا من بقائها بتلك الحيرة، فربما تكون قد دونته بإحدى القصاصات يومًا، لكنها لم تجد سوى رقم واحد فقط، رقم "عهد" ...
إبتسمت "زكيه" تلقائيًا فهذه الفتاة سبب وجودها خارج محبسها ولابد من شكرها وسؤالها عن "نغم" فربما تعلم عنها شيئًا ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
حُرة أنا بكل شيء إلا مشاعري، فقد خرجت عن سيطرتي ولم تعد لي القدرة على كبحها، لكنه يبدو أنك علمت بما يؤلمني لتعاقبني به، إنكشف سر قلبي فأصبح نقطة ضعفي ...
أردت السند والأمان وسقطت ببحور العشق أغرق، فلا شاطئ ولا ملاذ، لملمت "عهد" شعرها المنسدل بكفها وهي تحاول الظهور بنفس الصورة التي يعتادها بها الجميع، القاسية الخشنة المتماسكة، لا تتأثر ولا يهزمها شيء، حتى لو كان ذلك بمجرد مكالمة هاتفية لا أكثر ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
تنهدت "عهد" وهي تغمض عينيها ثم أردفت بجمود ...
- كويس، كويس، تمام أوي كدة، سلام ...
أنهت مكالمتها وهي تلقي بنفسها فوق المقعد فهي عادت للتو من الجهاز بعد التحقيق مع "عائشة" ولم يتسنى لها حتى تبديل ملابسها فقد إنشغلت بتلك المكالمة منذ أن ولجت لشقتها ...
أعادت رأسها المتخمة تحاول العودة لصفاء ذهنها، فقد أثارت أفعال "معتصم" وتجاهله لها بإضطراب لنفسها، زعزع ثوابتها بتشابهه معها، فكم يتشابهان حتى شعرت بأن وجوده قد رمم روحها المهشمة، سيطر حتى بغيابه على نفسها وأفكارها، فها هو غائب عنها حاضر بتفكيرها وعقلها، لا تنفك أن تفكر بسواه ..
تعالى رنين هاتفها لتُفتح عيناها، يتملكها شعور بأنه هو من يدق، تعالت دقات قلبها حتى شعرت بأنها تحتاج لتنظيمها لتجيب على المتصل ...
لكن خيبة علقت بملامحها حين وجدت رقم غريب لا تعرفه يدق بها، تحمحمت بسعال خفيف قبل أن تجيب بنبرة خشنة ...
- ألو ...
إستقبلتها خالتها "زكيه" بصوتها الحنون متغاضية عن خشونتها التي تعرفها جيدًا ...
- وحشتيني يا "عهد" ...
وقع صوتها الحنون جعل "عهد" تشعر بالراحة أخيرًا، فكم إشتاقت لوجودها بحياتها المتحجرة لتكسبها من حنانها ولينها لتصبح حياة، هتفت بها "عهد" بهدوء كانت تحتاجه ...
- خالتي، إنتِ كويسة ؟!!
بقلم رشا روميه قوت القلوب
- بخير يا حبيبتي، مش عارفه أشكرك إزاي على وقفتك جنبي لحد ما طلعت من الحبس، إنتِ بنتي حبيبتي ...
دفعت "عهد" بهواء زفيرها براحة ...
- حمد الله على السلامة يا خالتي، المهم إنك خرجتِ بالسلامة ...
سألتها "زكيه" بقلق ...
- الحمد لله، "عهد"، متعرفيش عنوان بيت "نغم" و "مأمون"، أصل أنا رحت له شقته ملقتهمش ..؟؟!
عقدت "عهد" حاجبيها بضيق وربما ببعض الغيظ من تلك الساذجة السطحية ...
- لأ معرفش، بنتك دي غبية أوي يا خالتي، مرضتش تيجي تقعد معايا، وأصرت على جوازة الندامة دي، ومن ساعتها معرفش عنها حاجة ...
تمالكت "زكيه" ضيقها من تلك الأزمات التي توضع بها واحدة تلو الأخرى ...
- الظروف حكمت يا بنتي، حنعمل إيه، "مأمون" كمان مش وحش، ده راجل جدع ...
نهرتها "عهد" بإسلوبها الجاف من خضوعها وإستسلامها بهذا الشكل ...
- إنتِ لسه متعلمتيش من إللي حصل لك يا خالتي، بقى بالذمة دي جوازة عدلة، ولا حتى "مأمون" ده مضمون، ما هو أكيد شكل أمه العقربة ولا أبوة الخيبان ...!!!!
- ربك خلاف الظنون يا بنتي ...
إستكملت "عهد" حدتها لعدم رضاها عن تفكير "زكيه" و "نغم" معًا ...
- ما هو إحنا مش نرمي نفسنا في البحر، و ونقول يمكن نكون بنعرف نعوم، ما من الأول بلاش ...
عقبت "زكيه" بإستسلام ...
- خلاص بقى إللي حصل حصل، أنا حروح العطارة بتاعة الحاج "فخري" أكيد عارف مكان الشقة ...
زمت "عهد" شفتيها بندم على قسوتها مع خالتها ...
- طب متزعليش، وطمنيني لما توصلي لها، أنا كمان حجيلك أطمن عليكِ ...
هي تدرك أن لـ"عهد" قلب رقيق بخلاف ما تظهره من خشونة، لتبتسم "زكيه" بحنو...
- وأنا كمان حستناكِ يا "عهد"، متتأخريش عليا عشان وحشاني ...
- مسافة السكة، إستني آجي لك ونطمن على "نغم" سوا، أنا مش واثقة في إللي إسمه "مأمون" ده ...
أومأت "زكيه" بالموافقة مردفة ...
- طيب حستناكِ في البيت ونروح نسأل الحاج "فخري" عن العنوان عشان نروح سوا ...
- ماشي ...
أنهت مكالمتها وهي تستعد للمغادرة، تحركت بخفة وسرعة كعادتها في السير لتخرج من الشقة موصدة الباب من خلفها، لكنها فوجئت بصوت خلفها ينادي بإسمها، إلتفت نحو صاحب النداء لتتوهج عيناها بحدة ممن تراه أمامها فقد تفاجئت برؤيته الغير متوقعة ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ـ
متفرد مغوار لا له شبيه ولا أربعين، لن يتقبل الهزيمة، ولن تثني عزيمته كلمة تهديد ...
إستقل "معتصم" سيارته متجهًا نحو الجهاز فتلك الرسائل المتوالية ليس لها إلا معنى واحد فقط، أن عليه التحرك وبأقصى سرعة حتى لا يناله ما نال زملائه من قبل ...
دق هاتفه برنين رسالة واردة جديدة ليقرأها أثناء قيادته بوجه مقتضب ...
[ قدامك آخر فرصة عشان تسيب القضية وترجع إللي معاك وإلا متلومش إلا نفسك ..]
ضحكة ساخرة تهكم بها "معتصم" على صاحب الرسالة مردفًا بثقة عالية ...
- ده مين ده إللي يخاف، طب وروني بقى حتقدروا تعملوا إيه ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
دار بعينيه ينظر للطريق يمينًا ويسارا ثم أكمل محدثًا نفسه ...
- أنا لازم أأمن الدنيا، المعلومات إللي على الفلاشة دي لازم توصل للقيادة بأي شكل ...
دار بالسيارة نحو المنعطف الأخير قبل وصوله لمقر الجهاز لمقابلة السيد "نظمي" ليطلعه على تلك المعلومات الهامة وإتخاذ التدابير اللازمة للقبض على هذا الرجل الأخطر منذ توليه مهماته بالجهاز ...
لكن الأمر لابد أن يحاط بالمهارة والسرية التامة حفاظًا على أمانهم جميعًا ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
إنما الجميع لطفاء بقدر المصلحة، فإن إنتهت المصالح تجلت الحقائق، فبعض الديون تسدد دون أن نخطط لها ...
بأحد الكافيهات الراقية جلس "باسم" برفقة "عتاب" التي أتت بالموعد المحدد، قناع من المحبة غلف وجهه وهو يناظرها بعينيه الماكرتين، رأتهما هي عشقًا وولهًا ومحبة، قد تكون إختارت تلك الغشاوة عمدًا لإحتياجها إليه، لكنها بالنهاية وقعت بشِركة دون أن تدري ...
بسمة عريضة إحتلت ثغرها وهي تمد يدها ببعض الأوراق تجاه "باسم" قائله...
- خلاص يا "باسم"، "وعد" مضت ورق التنازل، خلاص الفلوس كلها حتبقى بتاعتي ...
- معقول، بالسرعة دي، برافو عليكِ، زي ما فهمتك تمام ...
سحب "باسم" الأوراق يتمعن بها وبكل التفاصيل المدونة بالبنود المحددة به، ثم أردف بعشقه الزائف ...
- خلاص يا "توبة"، مش باقي غير إمضتك الكريمة على نفس الورق بإنك موافقة على قبول التنازل ده، وتسيبي لي بقى الدنيا أظبطها بالمظبوط عشان محدش يشك في حاجة ...
ملست "عتاب" على مقدمة شعرها بحماس ...
- طب يلا، هات أمضي أنا كمان عشان تبقى كل حاجة خلصت ...
بإيمائة خفيفة وبسمة خادعة ردد "باسم" ...
- شكلك مستعجلة أوي، طب مش نشرب حاجة الأول بالمناسبة الجميلة دي ولا إيه ؟!!
- أكيد طبعًا، نشرب ...
طلب "باسم" من النادل إحضار كوبان من عصير البرتقال في حين إنتبهت له "عتاب" بحماس لما قد توصلت إليه بالنهاية، فقد فازت بكل شيء وستحقق حلمها بالتأكيد ...
حماسها المفرط لم يجعلها تنتبه لحركة "باسم" السريعة بدفع بعض الأوراق بداخل ورق التنازل في غفلة منها، حركة لم تحسب لها حساب فالكل يسعى خلف مصلحته فقط ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
أتي النادل بعض قليل حاملًا كوبي العصير ليضعهما فوق الطاولة، لمست حافة الكوب وقد رسمت إبتسامة أخرى فوق ثغرها، إنها تلك البسمة الماكرة فقد تذكرت العصير الذي سوف تشربه "وعد"، شراب السُم للخلاص منها إلى الأبد ...
شرود أفاقت منه بنداء "باسم" لها ...
- مالك يا "توبة"، سرحانه في إيه ...؟!
لن تخفي عنه الأمر فقد شاركها بكل شيء فما الذي ستخاف منه الآن إن أخبرته ...
- عارف، إحنا بنشرب عصير، وفيه ناس تانية زمانهم بيشربوا عصير برضه ...
ضحك "باسم" لتلك المفارقة التي لا أهمية لها ...
- أكيد يا حبيبة قلبي، وإيه الجديد ...
مطت شفتيها بغرور، تشعر بأن عقلها المدبر لهو المنقذ لها حتى الآن ...
- إنت بتضحك، ماشي يا سيدي، أنا حفهمك، عارف دلوقتِ "وعد" زمانها حتشرب عصير برضه، بس عصير جواه سم ...
رفع "باسم" حاجبيه بإندهاش ...
- سم ...!!!!
- أيوة، أنا إللي إديته لـ"محب" عشان يحطهولها في العصير، وكدة نضمن إن مفيش حد حيقف قصادنا، ولا حتقول حقي ولا حق إبني، ولا حتوجع دماغنا خالص، وأهو نبقى خلصنا منها نهائي ...
صمت "باسم" قليلًا وهو يأشر لـ"عتاب" بموضع التوقيع ...
- إمضي هنا في كل الورق ( حاول إستكمال حديثه معها حتى لا تنتبه لما توقع عليه فقد ثارت حماستها لتخطيطها الفاشل كما يرى)، كملي حبيبة قلبي، طب ما هو كدة لو إتعرف إن "وعد" ماتت من السم، حتروحوا في داهية برضه ...
أنهت "عتاب" توقيعها سريعًا لتستكمل إيضاحها ...
- ومين قال لك إني مش عايزة الموضوع ده يتعرف ؟؟؟
أهدل "باسم" ملامحه دون فهم مقصدها متسائلًا بإستفهام ...
- قصدك إيه ؟؟
عادت بجذعها نحو الخلف وهي تشرئب بعنقها بخيلاء ...
- هي تشرب السم، و"محب" يتهموه بقتلها، وأمي خلاص ندخلها المصحة، والفلوس كلها تبقى بتاعتي ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
من يأمن مكر المخادع إلا مخادع يفوقه مكرًا، لمعت عينا "باسم" بوميض يصرخ من داخله [ أيتها الخبيثة]، لكنه إكتفى بتلك النظرات التي ظنت "عتاب" أنها فخر بما خططت إليه ...
وبعد صمت دام للحظات قليلة مال "باسم" مستندًا بكامل ذراعيه فوق الطاولة يحث "عتاب" على الحديث ...
- أنا معجب بدماغك دي جدًا، إنتِ مش متخيله إزاي، أنا حتى بقول لنفسي لازم أفهم وأتعلم منك، إلا قوليلي، إنتِ محكيتيليش والدتك تعبت أصلًا إزاي ؟!!
شعورها كبطلة لتلك القصص أخذت "عتاب" تقص بإستفاضة عن حادث "عاطف"، وإصابة والدتها، تطرقت لوفاة والدها وسبب تسجيل كل الممتلكات بإسم "زين"، لم تكتفي بذلك بل وجدتها فرصة لإستعراض كل ما فات من حياتها وما فعلته مع "محب" بالتفصيل حتى هذه اللحظة،لقد ظنت أنها وجدت من يهتم لسماعها محبًا يملؤه الشوق لها لكن بعض الظن إثم ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
مكتب عيسى للمحاماة ....
أحببتك بقلبي اليتيم، وأما اليتيم فلا تقهر، لا أقدر على غيابك، فدونك الضياع وأنت الطريق، إستمع لقلبك فالظلال تفوق الأشياء حجمًا ...
وصلت "غدير" لمكتب "عيسى"، فهى لن تترك اليوم أيضًا يمر وهم بهذا البعد والجفاء، عليها مواجهته وإنهاء الأمر والعودة لنعيم حياتهما من جديد ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
دلفت لداخل المكتب لتجد "سندس" جالسة خلف مكتبها تدون بعض الملاحظات، تطلعت أولًا تجاه غرفة المكتب لتتسائل بصدر مثقل ...
- مساء الخير يا "سندس"، هو "عيسى" مش هنا ولا إيه ؟؟!
نظرت لها "سندس" بنصف عين تكتم غيظها ممن سرقت قلب حبيبها منها لتخفي مشاعرها وتجيبها بإبتسامة ترحاب مناقضة تمامًا لما تشعر به ...
- مدام "غدير"، أهلًا و سهلًا، لا والله، أستاذ "عيسى" لسه موصلش، بس هو على وصول أكيد ...
حركت "غدير" رأسها بآلية لعدة مرات قبل أن تشير نحو غرفة المكتب ...
- طيب تمام، أنا حستناه جوه ...
دلفت لداخل غرفة المكتب تحاول تحضير كلماتها التي تحفزت لقولها له حين يأتي، لتعيد حديثها مرارًا بداخل نفسها لتستشعر بأن الأمر سيكون سهلًا بشكل كبير ...
طرق "شاكر" ساعي المكتب الباب بخفة وقد توسطت إبتسامة لطيفة ملامح وجهه التي يظهر عليها الشقاء ..
- نورتي المكتب يا ست "غدير"، أجيب لك حاجة تشربيها ...
إضطراب نفسها جعلها مختلفة بغير عادتها المرحة المعتادة، لتجيبه بضيق ظاهر على وجهها ...
- شكرًا يا عم "شاكر"، مش عاوزة حاجة ...
عاد "شاكر" لغرفته الصغيرة، بينما كان التساؤل يعبث برأس "سندس" عن سبب مجئ "غدير" بهذا التوقيت، كما أن يبدو عليها القلق والضيق ...
ذكاء "سندس" المتقد هو السبب الأوحد لبقائها بهذا المكتب مع "عيسى"، فهو مدرك تمامًا لمهارتها وسرعة بديهتها لهذا هو يعلم أنها ستكون محامية بارعة، لهذا تغاضى عن أخطائها المتكررة وتحمل وجودها رغم عيوبها ...
إدراكها بتلك الفجوة بين "عيسى" و "غدير"، أمر جعلها تبتسم لنفسها بمكر، فعلى ما يبدو أن الساحة تتهيئ لها لإقتحام حصون قلبه ...
يبدو أن الحظ حالفها لفهم ما يحدث بينهما بالتفصيل وإدراك ما يخفيه "عيسى" بينه وبين زوجته، فقد حضر "عيسى" للتو ...
ما أثقل أن يحمل المرء بصدره سؤالًا يظل يتراود كلما حاول عقله التناسي .. "لماذا ؟؟؟!!!" ..
حتى ملامحه أصبحت مختلفة، إنه ليس بنفسه، إنه بالتأكيد آخر، يعيش بعالم آخر، أو ربما يحتضر بعالمه ...
دلف "عيسى" لداخل المكتب وقد عُميت عيناه تمامًا عن الرؤية، فضيق نفسه أسقط غشاوة فوق بصيرته، لقد جاء ليحتمي بأى مكان يعصمه عن هول مصيبته، ظن أن بالمكتب ملاذ لنفسه لينأي عن البشر، دون حتى إلقاء التحية على "سندس" أو الساعي تحرك مباشرة نحو غرفة مكتبه بإندفاع ملتفًا كيف يغلق بابه ليتقوقع بداخله ...
لكن مجرد ما أن لمست أصابعه الباب وشعر بتثلج أطرافه وتيبس جسده حين وقعت عيناه عليها بالداخل ...
خائنته سارقة قلبه، مهلكته التي يعشقها، يكره رؤيتها ويشتاق إليها، فلتصمت أيها العقل ولتكف أيها القلب عن هذا الصراع المؤلم ...
لحظات من التيبس الغاضب لرؤيتها أمامه وبهذا التوقيت خاصة، تهدجت أنفاسه بقوة وغضب، حين لمعت عيناه ببريق غريب لم تفهمه "غدير" التى وقفت تناظره بحنين وتلهف وخزي أيضًا، تتمنى لو تنطق بتلك الكلمات التي تهيأت للتفوه بها، لكن جميعها تلاشت من شفتيها المرتجفتان ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
إبتلعت ريقها فنظراته حملت شراسة غريبة تراها لأول مرة بعينيه الحنونتين، ترك مقبض الباب ليقف بمقابلتها يطالعها بغضب مكتوم يكز فوق أسنانه التى إستطاعت سماع طحن ضروسه بعضها ببعض وهو يكور قبضته متمالكًا إنفعاله حتى لا يصيح بوجهها ...
تقدمت "غدير" بجسد مرتجف، وقد حل شعورًا غريبًا تشعر به لأول مرة بصحبته، لقد شعرت بالخوف من غضبه ...
تسارعت أنفاسها وحالت أزمة جديدة بالأفق، لكنها حاولت التحدث، إنها فرصتها الوحيدة لتستعيده مرة أخرى ...
همست بصوتها الشجي كلحن حزين على بالأفق ليخترق أذناه التي تلقت نبرتها المرتجفة كطعنات خنجر دبت بقلبه مباشرة، فهل يمكن لمجرد صوت أن يؤلم لتلك الدرجة ...
- وحشتني يا "إيسووو" ....
لو كان يملك أن يرفع كفيه يطيح بها بضربات تشفي غليله وتبرد من ثورة قلبه ودمائه؛ لكان أطلق لذراعيه العنان ليصفعها ويصفع نفسه من بعدها، لكن قلبه الخائن لم يستطع، لم يقدر على الإنتقام منها، لقد ملكت قلبه وأصبح مسير بأمرها، فلا يقوى على مجرد التفكير بأن يؤذيها ...
لم يجد سوى الهرب من عينيها المتوسلتين وصوتها المرتجف، يجب أن يبتعد تمامًا وألا يرضخ لصوت قلبه الخائن مثلها تمامًا ...
إستدار للخروج من المكتب مبتعدًا عنها ليخرج نحو مكتب "سندس"، لكنها أسرعت بخطواتها تلحقه قبل أن يتهرب منها مرة أخرى ...
بالكاد لحقته لتتمسك "غدير" بذراعه بتشبث متوسلة بنبرة أعلى وصوت متحشرج مهتز بإختناق ...
- إستنى يا "عيسى" بالله عليك، إفهمني، أنا معملتش حاجة ...
إستدار "عيسى" بأعين تتقد شررًا لكذبها، فـ إلى متى ستستمر بكذبها، إلى متى عليها خداعه، ألا يكفيها ما حدث، لم مازالت تتمسك بوجودها معه، لقد تيقن من خيانتها، فلم مازالت مستمرة بوجودها بحياته ...
ألجمتها نظراته بتخوف للحظات لتعيد كلماتها على مسامعه ...
- إسمعني يا "عيسى"، إنت ظالمني ...
لم يجد سوى أن يصرخ بها بكل ما أوتي من غضب وإنفعال نابع من دمائه الثائرة وبركان غضبه المنفجر ...
- كفــــــــــــــــاية، إنتِ إيه ..؟!!! كفاية كذب بقى، أنا خلاص إتأكدت إنك خاينة، إرحميني وأسكتي، إطلعي من حياتي يا خاينة يا كذابة، أنا إتأكدت إن أنا عقيـــــــــم، يعني الطفل إللي في بطنك ده مش إبني ...
إبتلعت ريقها المرتجف لتهتف بأنفاس متقطعة، فلن تترك الظنون تعبث به مرة أخرى، عليها قطع الشك باليقين، عليها قول الحقيقة ...
- أنا، أنا فعلًا كذبت، كذبت إني قلت لك إن أنا حامل، أنا مش حامل يا "عيسى" ...
تهدلت ملامحه ومازال يناظرها بغضبه المكتوم ليحل الصمت للحظات قبل أن يتفوه قائلًا ..
- ....ـ
ويبقى للأحداث بقية....