
رواية جحيم آل مارينتوس الفصل الخامس عشر 15 بقلم سارة بركات
"ذنبي الوحيد"
تململت روزالين في نومتها لتشعر بارتياحٍ شديد بسبب ذلك الفِراش الوثير الذي هي نائمة به ولكن سُرعان ما انعقد حاجبيها وفتحت عينيها بسرعة لتجد نفسها بغرفةٍ أول مرةٍ تراها ولكنها اطمأنت أنها مازالت بقصر العَم ديميتري، التفتت حولها تبحث عن هاتفها حتى وجدته موضوع على الكومود بجانبها التقطته وأخذت تُطالع المكالمات الفائتة ولكن لحسن حظها لم تجد أي مكالماتٍ فائتة ولكنها وجدت أنه قد تم الإتصال بوالدتها من خلال هاتفها بالأمس..
- يبدو أن العم ديميتري هاتف أُمي بالأمس.
زفرت ببطء وأخذت ترمق الغرفة حولها .. ألوانها رائعة وغُرفةٌ منظمة كثيرًا .. اعتدلت من فوق الفراش لترمق تفاصيل الغرفة بأكملها .. تشعر أن لها رائحة مُميزة .. رائحة يحتفظُ بها أهل القصر جيدًا، اقتربت من غرفة خزانة الملابس الضخمة الموجودة بها .. لتفتح فاهها من كم الثياب التي رأتها كانت ثياب ذات ماركات عالمية موضوعة بداخلها بانتظام .. وقعت عينيها على حذاءٍ أسود كعبه عالٍ ذو وجهٍ ماسِي .. أردفت بذهول:
- هذا الحذاء أنا أعرفه جيدًا.
ظلت تفكر أين رأته حتى استوعبت وصرخت بحماس ..
- يا إلهي إنه هو .. الإصدار الوحيد الذي تم انتاجه من هذا الحذاء.
ثم وقعت عينيها على باقي الأحذية الموجودة بالخزانة لتجد أنهم نفس الأمر.
استفاقت من شرودها بهم عندما آتاها إشعارٌ على هاتفها فتحت الهاتف وأخذت ترى الإشعار لتجد أن أليكساندر قد أنزل تحديثًا بالفصل الجديد .. زفرت بهيام والتمعت عينيها بحب ثم رفعت رأسها لترمق الغرفة مرةً أخيرة ..
- لما لا يوجد إطارٌ لصاحبة تلك الغرفة؟ ومن تكون؟
انتبهت على دخول إحدى خادمات القصر للغرفة لتجدها قد استيقظت بالفعل ..
- صباح الخير سيدتي .. إن السيد ديميتري ينتظركِ لتتناولا الفطور سويًا قبل أن ترحلا.
رمقتها روزالين بعدم فهم ولكنها أومأت بهدوء لتخرج من الغرفة وتتبعها .. كان ديميري جالسًا بهدوء على المائدة ينتظر الجميع .. وبالفعل أول من نزل كان لوكا الذي لم ينم من الأساس وخلفه ستيفانو الذي تجهز ليذهب لعمله والذي يكون في الشركة بالطبع كما أن دييجو كان ينزل خلفه بحُلته السوداء تمامًا حتى قميصه كان أسودًا .. ليجلس الرجال حول ديميتري الذي أردف بابتسامة هادئة:
- صباح الخير جميعًا، لم نجتمع هكذا منذ مدة.
أومأ لوكا بنعاس بينما قال ستيفانو بابتسامة:
- أجل ولكنني أتمنى أن لا يتكرر هذا الأمر مُجددًا لقد شعرتُ أننا ابتعدنا كثيرًا في الآونة الأخيرة أخي.
ابتسم ديميتري له بينما وقعت عينيه على دييجو الذي لم تزُر الإبتسامة وجهه في الآونة الأخيرة..
- ماذا هُناك دييجو؟
انتبه دييجو على خطاب ديميتري له ولكنه أردف بهدوء:
- لا شيء أخي .. هيا لنأكل.
- انتظروا ضيفتنا أولاً ثم سنبدأ بعد ذلك.
طالعه الثلاثه بتعجب ليسمعا صوت تلك الفتاة خلفهم..
- صباح الخير عم ديميتري.
التفت الثلاثة للخلف ليُصدَم لوكا من وجود تلك الفتاة في القصر!! هل وصلت جرأتها لدرجة أنها قد بقيت هُنا؟؟ بينما ستيفانو عقد حاجبيه بعدم فهم يسأل نفسه من تكون تلك؟ .. أما دييجو فقد ظل صامتًا ...
- تعالَيّ روزالين.
اقتربت لتجلس بجانبه بينما كان الباقون يرمقونها بحيرة .. عدا لوكا الغاضب بالطبع ..
- إن روزالين تكون ابنة ريبيكا ألبيرتي.
ليُعلَّقَ دييجو بدهشة:
- حقًا؟
أومأ ديميتري بهدوء؛ ليعتدل دييجو يُصافحها بابتسامةٍ هادئة:
- مرحبًا بكِ روزالين.
ابتسمت له في المقابل بخجل وأردفت:
- شكرًا لك سيدي.
اعتدل ستيفانو هو الآخر ليُصافحها بترحاب ولكن لوكا ظل جالسًا لم يهتم وظلت روزالين ترمقه بحزن ولكنها استفاقت من شرودها على حديث ديميتري.
- أتمنى أن تكوني نمتِ جيدًا روزالين.
أومأت بابتسامة:
- أجل عم ديميتري .. نمتُ جيدًا، ثم إن الغرفة التي نمتُ بها كانت رائعة للغاية .. لمن تكون؟
صمت ديميتري لثوانٍ ثم قال بهدوء:
- أختنا الصغيرة فيرونيكا.
عقدت روزالين حاجبيها ثم أردفت:
- حسنًا أين هي؟ أريدُ أن أقابلها.
لم يتحدث أحد ولكن لوكا من تفوه ببرود وهو يرمق ديميتري بغضب:
- ماتت.
تبدلت ملامح روزالين للحزن الشديد، ثم تحدثت باعتذار:
- أنا أعتذر كثيرًا لم أكُن أقصد.
ولكن ديميتري أردف بهدوء وهو يتجاهل نظرات لوكا نحوه:
- لا يوجد داعي للإعتذار .. هيا تفضلي لنأكل قبل أن تعودي لمنزلك.
أومأت روزالين بهدوء لتشرع في تناول طعامها .. بمرور الوقت .. تحركت روزالين بسيارتها لتذهب للمنزل بينما كان ديميتري يصعد سيارته ولكن دييجو أوقفه ..
- ديميتري.
التفت ديميتري نحوه بهدوء .. ليقول دييجو بمغزى:
- ألن تَكُفَّ عن اعتقادك بأنها ابنتك؟
صمت ديميتري قليلا ليقول:
- لا أعلم ولكن هُناك شيٌ ما يُخبرني أنها ابنتي.
هز دييجو رأسه بيأس ليقول:
- أخي، أنا أعلم أن ألمك من ريبيكا كان قاسيًا .. ولكن لا تجعل الماضي يظل بداخلك .. لقد خرجت ريبيكا من حياتك منذ ذلك اليوم.
زفر ديميتري بهدوء ثم أردف:
- دييجو عزيزي، أنت تعلم جيدًا أن ريبيكا لا تعني لي شيء .. ولكن هُناك شعورٌ لا أستطيع أن أتجاهله .. لذلك تلك ستكون المرة الأخيرة التي سأفكر فيها بهذا الأمر، نتيجةٌ واحدة ستكون الفيصل.
أومأ دييجو بهدوء وانتشر الصمت بينهم لثوان لينتبه على حديث ديميتري الهادئ:
- لن أذهب للشركة الآن يُمكنكَ تولي الأمور بدلاً عني قليلاً .. سأذهب إلى مبنى الإذاعة أولاً.
أومأ دييجو:
- حسنًا أخي.
أغلق ديميتري باب السيارة ليأمر سائقه بالتحرك .. كانت سيلفانا تنظر لتلك الثيابُ المكومة أمامها أجل .. لقد قامت بفتح الجميع الهدايا فضولاً منها لترى ماقام سايلِس بشراءه وذلك بعدما خرجت كارلا هي الأُخرى للعمل بعدما ذُهِلَت بالطبع بهذا الكَم العجيب من الهدايا .. ذُهِلَت سيلفانا من الخامات الرائعة وهي تلتمسهم بيدها زفرت باستسلام إنهم حقًا رائعين .. وقعت عينيها على الورود الجميلة التي أرسلها لها لتبتسم بهدوء وتمتمت:
- على الرغم من أنني أمقُتُك كثيرًا، ولكنني أُحبَك حقًا أيها الحقير.
قالت تلك الكلمات بهمسٍ حزين ووقعت عيينها على إحدى العبوات والتي لم تنتبه لها قبلاً لتحملها وقامت بفتحها لتتفاجأ بوجود ثوب أحمر اللون أنيق .. ارتسمت على شفتيها ابتسامة جميلة وهي تتفحص ذلك الثوب بهدوء ..
- رائع للغاية.
انتبهت على بطاقة وقعت من الثوب لتستقر أرضًا أمامها، رفعتها لتقرأ ما المكتوب بها..
- ستُزيدينه جمالاً فوق جماله عندما ترتدينه معي بروسيا.
ابتسمت بخجل ولكن سُرعان ما استفاقت لنفسها وأخذت تنظر حولها كيف ستقوم بترتيب تلك الأشياء؟؛ ليُنقذها دخول السيدة مارتينا للشقة والتي تفاجأت بمظهر الشقة أمامها قائلة بدهشة:
- يا إلهي.
أردفت سيلفانا برجاء:
- سيدة مارتينا، النجدة من فضلك.
ابتسمت مارتينا بطاعة وشمَّرت عن ساعديها بعد أن وضعت حقيبتها جانبًا وأخذت تحمل مع سيلفانا الملابس لتُساعدها بهم.
كانت جوداء شاردة وهي جالسة في مترو الأنفاق تتساءل .. لماذا هي غاضبةً من سيلفانا؟؟ تلك طبيعتهم لم يكن يجدُر بها أن تقوم بنُصحِها ولكنها طلبت منها النصيحة ولم تستطع أن ترفض بالطبع .. زفرت باستسلام بعدما قررت أنها لن تتدخل في شؤون الفتيات من جديد .. إنهن أحرار! ... انتبهت عندما وجدت البعض يرمقونها بحِرصٍ شديد .. لترمش بسرعة تحاول أن تفهم لماذا ينظرون إليها بكُرهٍ هكذا؟ .. ضغطت على حقيبتها بقوة تحاول تجاهُل نظراتهم الكارهة تلك .. وأخذت تردد بعضًا من الآيات القُرآنية ليحفظها الله من شرور أنفُسِهِم.
توقفت كارلا أمام شركة إيفانوف وزفرت بارتياح اليوم سيكون أول يوم عمل طبيعيٍ لها .. لا تُصدق أن ذلك اليوم قد أتى .. كانت تعتقد أنه لن يأتِ مُطلقًا .. دلفت داخل الشركة بخطواتٍ هادئة ترمق المكان حولها تائهةٌ بالطبع لم تعتد المكان .. لأنها قد أتت مرةً واحدةً فقط .. توقفت عند موظفة الإستقبال، وأردفت باشراقة وحيوية:
- صباح الخير، أنا موظفةٌ جديدة بقسم الموارد البشرية .. لا أعلم أين من المفترض أن أذهب.
كادت أن تُجيبها الموظفة ولكنها انتبهت على دخول السيد رومان للشركة، لتُنادية موظفة الإستقبال بوقار:
- سيد رومان، صباحُ الخَير.
التفت رومان برأسه نحو الموظفة وفي ذات الوقت التفتت كارلا نحوه ليرفع رومان حاجبيه بعدما ارتسمت ابتسامة جميلة على فمه، واقترب نحوهما:
- صباح الخير يا فتيات، كيف الحال؟
أجابته الموظفة بهدوء:
- بخيرٍ سيدي، شكرًا لك .. إن الآنسة من الموظفين الجُدد ولا تعلم ماذا تفعل.
أردف رومان بهدوء:
- حسنًا لا تقلقي مونيكا، سأهتم بالأمر من هُنا.
أومأت الموظفة بهدوء بينما كانت كارلا ترمقه بشرود وهو يتحدث بلباقةٍ هكذا .. ولكنها استفاقت عندما تقابلت عينيهما ليقول رومان بابتسامة لطيفة:
- مرحبًا كارلا كيف حالكِ؟
أومأت دون أن تنطق ليعقد رومان حاجبيه بحيرة ولكنه أشار نحو المصعد ليقول:
- حسنًا، اتبعيني.
أومأت من جديد ليتحرك وتبعته بهدوء حتى دخلا المصعد سويًا ليقول رومان بابتسامةٍ هادئة:
- سعيدٌ أنكِ أتيتِ باكرًا كارلا.
لتقول كارلا بعدم فهم:
- هل من المُفترض أن آتي مُتأخِرة؟
قهقه رومان بخفة ليقول:
- لا بالطبع، أقصد أنكِ ملتزمة منذ اليومِ الأول ولكن موعد تدريبكِ يكون بعد ساعتين من الآن .. أتمنى أن لا تشعري بطول الوقت.
ازدردت ريقها بتوتر، لتقع عينا رومان على ثيابها الرسمية الأنيقة:
- أنتِ جميلةٌ حينما تكونين رسمية، أجمل من ذي قبل.
احمرت وجنتيها خجلاً ولكنها لم تفهم هذا الإطراء حقًا، ثم عاد ينظر أمامه من جديد لتراقب ملامحه من جديد .. كان هادئًا ووقورًا جدا .. يرتدي حُلةً سوداء متناسقةً تمامًا على جسده مفتول العضلات ولكنها استفاقت من شرودها به عندما فتِحَ باب المصعد ليخرج رومان منه قائلاً ..
- اتبعيني.
أومأت بخجل لتتبعه وبدلاً من أن يتركها في غرفة الإنتظار أكمل سيره نحو غرفة مكتبه لتتعجب كارلا من ذلك، دخل رومان الغرفة وانتظرها لتدخل هي الأُخرى وبالفعل دلفت للداخل.
- أعتقد أنكِ ستسأمين الإنتظار لذلك حتى يحين وقتِ تدريبك هناك بعض الأعمال لدي ما رأيكِ أن تُساعدينني بها؟
لتقول كارلا بسرعة وانضباط:
- أجل بالطبع سيدي.
أردف رومان بابتسامة لطيفة:
- جيد.
توقف ديميتري بسيارته أمام مبنى الإذاعة وصعد ليذهب نحو مكتب السيد ماركوس ولكن أثناء سيره لوُجهته قابل مالك بطريقه والذي يقوم بتوزيع دعواتِ زواجه ..
- سأنتظركم جميعًا.
والتفت مالك للخلف ليجد أمامه المالك الجديد لمبنى الإذاعة السيد ديميتري مارينتوس، حمحم بإحراج ..
- صباح الخير سيدي.
أومأ ديميتري بهدوء وكاد أن يُكمل وجهته ولكن مالك أوقفه وهو يقدِمُ له دعوة ..
- إن حفل زفافي سيكون بالهند بعد أسبوعين .. أتمنى أن تقبل دعوتي سيدي.
طالعه ديميري بحيرة تارة وبالدعوة تارةً أخرى .. ولكنه التقطها منه ليستأنف مالك حديثه:
- ستكون عُطلة رائعة لك سيدي أنا أضمَنُ لكَ ذلك، سأنتظرُك.
أومأ ديميتري دون كلمة ثم أكمل وُجهته ليدخل مكتب السيد ماركوس والذي قام بتحيته باحترامٍ كبير.
- سيدي .. تفضل.
ذلك ماقاله السيد ماركوس وهو يُشير لديميتري أن يجلس على كُرسيِه الشخصي فهو ليس أي ضيف! بل هو المالك، ولكن ديميتري اكتفى بالجلوس في الجهة المُقابلة له ليعود ماركوس ويجلس على كرسية مرة أخرى، وبدأ ديميتري بالحديث.
- كيف أحوال الإذاعة؟
كأن ديميتري يسأل هذا السؤال وهو يعلم الإجابة جيدًا ولكنه أراد أن يسمعها منه .. ليحمحم ماركوس بهدوء:
- كل شيءٍ على ما يُرَام سيدي.
أومأ ديميتري بهدوء ثم استأنف:
- لقد آتيت هنا سيد ماركوس لا لأسأل فقط عن أحوال الإذاعة ولكنني أردتُ أن نقوم بالتركيز على الجانب الأساسي الذي قمت بشراء الإذاعة لأجله.
ليقول ماركوس بطاعة:
- حسنًا سيدي تفضل.
- أنت تعلم جيدًا أن ما يُهِمُنِي هو القيام بحملاتٍ إعلانية على طبيعة عمل شركتنا آل مارينتوس؛ لذلِك أريدُ منك أن تجعل جميع البرامج في الإذاعة تقوم بتلك الحملات الإعلانية.
ليقول ماركوس بسرعة:
- حسنًا سيدي سأفعل ذلك بالطبع .. حسنًا .. كما أنني سأخبر الآنسة جوداء بفعل الأمر ذاته في برنامجها بما أنه الأشهر على الإطلاق بإيطاليا و......
قاطعه ديميتري بهدوء:
- لا أريدُ أن أُجبِرَ الآنسة جوداء على شيء .. سوف تفعل ذلك في جميع برامجك وقنواتك الإذاعية عدا برنامج الآنسة جوداء .. هل هذا واضح؟
أومأ السيد ماركوس بسرعة قائلا:
- حسنًا سيدي كما تريد.
همهم ديميتري ثم اعتدل ليخرج ولكن ماركوس أوقفه:
- سيدي، إبقى قليلاً من فضلك، نرتشف القهوة سويًا.
ولكن ديميتري أردف قائلا بنبرة حازمة لا تحمل النقاش:
- لا، لدي الكثير من الأعمال.
ولم يترك ديميتري له أي فرصة للتحدث ليدلف خارج المكتب ويسير في ممر الخروج من المبنى ولكنه تسمَّر مكانه حينما رأى جوداء تدخل المبنى بجدية، وبمجرد أن تحركت خطواتٍ بسيطة توقفت هي الأُخرى عندما وجدته أمامها، ليقول ديميتري بابتسامة هادئة:
- صباح الخير آنسة جوداء.
أومأت بهدوء قائلة:
- صباح الخير سيد ديميتري.
ظلا واقفين قليلاً صامتين فقط! ليستفيق الإثناء على مالك الذي اقترب من جوداء يُعطيها دعوتها:
- تلك دعوتكِ جود، سأنتظركِ.
أومأت بهدوء وأردفت بابتسامة وهي تحيد بعينيها عن خاصتي ديميتري:
- حسنًا سأقوم بحجز التذكرة اليوم، مالك.
ليبتسم مالك ويُشير لها بأنه سعيدٌ جدًا وأخذ يُكمِلُ توزيع باقي الدعوات ... طالع ديميتري الدعوة التي بيدها ليقول ببحة رجولية هادئة:
- هل حقًا ستذهبين؟
أردفت بابتسامة:
- أجل بالطبع، ولما لا أذهب؟ إن مالك يكون زميلي بالعمل منذ مايقرب الخمس سنوات .. ذلك أقل شيءٍ أفعله لأجله.
أظلمت عيناه لتلاحظ جوداء ذلك أيضًا ولا تفهم ما السبب، أردف ديميتري بنبرة هادئة وجادة:
- ستذهبين وحدكِ؟
لتُجيب جوداء بتلقائية:
- بالطبع لا .. اغلب العاملين هُنا سيذهبون لذلك سأرحل معهم.
بالطبع لم يكُن يقصد السؤال بالطريقة التي فهمتها، ولكنه طالعها في عُمقِ عينيها ليقول:
- أين ستمكُثين؟
- إن مالك لديه منزلان منزلٌ ستبقى به النساء والآخر سيبقى به الرجال و..........
توقفت عن الحديث لتستوعب أمرًا واحدًا لماذا تتحدث معه بالأساس؟ ابتلعت باقي كلماتها داخلها وارتسمت الجدية من جديد على وجهها ليقول ديميتري بابتسامة هادئة:
- أتعلمين أنني أكرَهُ عندما يكون حاجبيكِ معقودان هكذا.
ابتلعت جوداء بارتباك بسبب كلماته تلك ليقول ديميتري باستفسار:
- هل تناولتِ قهوتكِ الصباحية؟
صمتت قليلاً تنظر إليه بعدم فهم ..
- ولماذا تسألني هذا السؤال، سيد ديميتري؟
ليقول ديميتري بابتسامة هادئة:
- أشعر أنكِ لستِ بخير، إما أن يكون من عدم شُرب قهوتكِ الصباحية .. أم أنكِ مازلتِ مريضة.
دق قلبها ولا تفهم ماسبب ذلك، إنهم يهتم بها في الوقت الذي نسيها فيه الجميع، استفاق عندما شعرت أن الشيطان يُزين لها ذلك الأمر واستعاذت بالله من الشيطان الرجيم، وأشاحت ببصرها عنه حينما شعرت أن نظراته لها تخترقها، لتقول برسمية:
- أنا بخيرٍ، وبالمناسبة أنا لا أشرب القهوة، سيد ديميتري.
كاد أن يتحدث ولكنها أردفت بإحراج دون أن تنظر إليه:
- عُذرًا، أنا مُتأخرة لدي عمل.
لتختفي من أمامه على الفور ودلفت داخل مكتبها وأغلقت الباب خلفها واستندت عليه بظهرها تتحكم في أنفاسها .. وتتساءل بداخلها..
"لماذا في كُل مرةٍ ينظر إلي بها أشعُرُ أنني أسيرة عينيه؟"
توقف ديميتري أمام الباب بالخارج مد يده نحو مقبض الباب ليُديرَه ولكنه توقف كأنه استفاق لنفسه، عقد حاجبيه ورمق الباب المُغلق مرة أخيرة قبل أن يرحل.
وفي الداخل استغفرت جوداء ربها بسبب تلك المشاعر الغريبة التي شعرت بها .. ماكان يجب أن تتوقف وتتحدث إليه هكذا، ماكان يجب أن يكون هُناك مجالٌ للحديث بينهما من الأساس! لأن ذلك هو سبب تزيين الشيطان لمواقف ديميتري معها، هي لا تُنكر أنها وحيدةٌ بتلك الغُربة وسيفعل الشيطان أي شيء لكي يُزيغ عينيها عن الحق! وأولهم ديميتري مارينتوس، زادت ضربات قلبها عندما أتى على بالها مُجددًا ووضعت يدها على موضع قائلة:
- بسم الله على قلبي حتى يهدأ .. اللهم ارزق قلبي السلام .. اللهم إني أَمَتُك أخطئ وأُذنِب ولكن أنت الغفور الرحيم؛ فاغفرلي ذنبي.
وعند آخر كلمة رفعت نظرها نحو السقف كأنها تنظر إلى السماء ورددت من جديدٍ ولكن بتأثُّر تلك المرة:
- اغفرلي ذنبي الوحيد.
استيقظت جلوريا من نومها عندما شعرت بأحدهم يُربت على شعرها لتقول بتوتر:
- من؟
- أنا خادمتكِ مارتينا سيدتي، هل أصبحتي بخير؟
أومأت جلوريا بعدما تنهدت بارتياح لتعتدل وتجلس على طرف فراشها بمساعدة مارتينا ..
- هل يُوجد أحدٌ غيرنا هنا؟
همهمت مارتينا قائلة بهدوء:
- إن السيدة سيلفانا هُنا، أعتقد أنكما قد تعارفتما صحيح؟
أردفت جلوريا بحيرة:
- أجل ولكن لم تُسنح لنا الفرصة في أن نتعارف جيدًا.
ابتسمت مارتينا بهدوء:
- حسنًا دعيني أساعدكِ لتتناولي فطورك معها ولتتعارفا سويًا أيضًا.
أومأت جلوريا بهدوء ووقفت لتُساعدها مارتينا على الخروج من الغرفة وفي تلك الأثناء خرجت سيلفانا من غرفتها هي الأُخرى لتجد جلوريا تائهة كالقطة الصغيرة لتلمع أعينها وهي تراها هكذا ..
- دعيني أُساعدكِ سيدة مارتينا.
قالت سيلفانا تلك الكلمات وهي تُمسك بذراع جلوريا بخفة .. ابتسمت جلوريا بخفة قائلة:
- شكرًا لكِ آنسة سيلفانا.
رفعت الثانية حاجبيها بدهشة لتقول:
- دعي الألقاب حانبًا يافتاة .. نحن هُنا إخوة وما لنا سُوى بعضنا.
ابتسمت جلوريا بامتنان وقامت الإثنتان بمساعدتها على الجلوس .. جلست سيلفانا بجانبها بينما السيدة مارتينا أخذت تضع الأطباق على الطاولة الصغيرة أمامهما ..
- أخبريني المزيد عنكِ جلوريا.
صمتت جلوريا بحيرة ثم أردفت بهدوء:
- أُدعى جلوريا، في الخامسة والعشرين من عمري.
عقدت سيلفانا حاجبيها بعدم فهم:
- ذلك فقط؟
لتقول جلوريا بحيرة وهي تنظر للفراغ:
- أجل، هل تريدين معرفة شيئًا آخر؟
- لقد أتيتِ يوم أمس مع رجل صحيح؟
ذلك ما قالته سيلفانا بحيرة، لتبتسم جلوريا بخجل وأردفت:
- أجل ستيفانو موريس يكون حبيبي.
اتسعت ابتسامة سيلفانا ولكنها طالعتها بحيرة وكادت أن تُخبرها أنها قد أخطأت بإسم العائلة لأنه من آل مارينتوس كما تعتقد ولكن أشارت لها السيدة مارتينا بهدوء أن تصمت .. أومأت سيلفانا بابتسامة سطحية وحمحمت لتشرع بتناول طعامها مثلما فعلت جلوريا .. كانت كارلا تقف بجانب كُرسي السيد رومان في مكتبه والذي كان يقرأ ملفًا قد قدمه موظف ينوي الإستقالة .. أخفضت كارلا رأسها لتقع عينيها على ما يقرأ بينما كان الموظف جالسًا أمامه يشعر بالضيق، رفع رومان رأسه قائلاً بحيرة:
- لكنني لا أظُنُّ أن السيد جابرييل مُخطِئًا!
أردف الموظف بضيق وغضب:
- لا لقد أخطأ في حقي أمام الجميع، وأنا لا أستطيع أن أستمر في العمل هنا .. كما أنَّه قد آتاني عرضٌ آخر في شركةٍ أُخرى وتلك فرصة جيدة للإبتعاد عن الطاقة السلبية هُنا.
هز رومان رأسه بيأس ليقول برسمية:
- سيد مايكل أنا أُقدِّرُ تمامًا مشاعرك، لكنك تعلم أن استقالتك في هذا الوقت هو لأمر يصعب علينا تحُمَّلَه فقد أفادت جهودك شركاتنا في الآونة والأخيرة وخاصة في تفانيك للعمل، وأريدُك أن تفكر مرة أُخرى بخصوص هذا الأمر؛ فنحن بحاجتك.
عقد مايكل حاجبيه وأردف بإصرار:
- لا .. لقد أخذتُ قراري.
كاد رومان أن يتحدث ولكن كارلا هي من تدخلت لتقول برسمية:
- سيد مايكل .. كما قال السيد رومان نحنُ بحاجتك لذلك يَصعُب أن تتركنا الآن .. لذلك أخبِرنَا من فضلك ما يُمكننا فعلُه؛ لأجل أن تِعدِل عن قرارك هذا وتبقى معنا؟
ولكن مايكل صمت ولَم يُجيبُها بينما كارلا استأنفت برسمية وجدية أكبر:
- إذا كان مُديرك السيد جابرييل قد أخطأ في حقك أمام الجميع سنجعله يعتذر إليك أمامهم أيضًا.
ظل صامتًا ولكن تلك المرة كان يرمقها بتعجب .. بينما رومان كان يرمقها بابتسامة هادئة، كاد مايكل أن يتحدث ولكنه قاطعته كارلا بابتسامةٍ هادئة:
- وسنتناقش مع الإدارة في زيادة راتبك بنسبة خمس وعشرون بالمئة، تقديرًا لتفانيك في العمل معنا.
تغيرت ملامح مايكل لتظهر الإبتسامة على شفتيه، لتستأنف كارلا:
- هل اتفقنا سيد مايكل؟
هو مايكل رأسه بابتسامة واسعة قائلا:
- أجل اتفقنا، وأنا في انتظار ردكم.
واعتدل السيد مايكل ليخرج من المكتب بينما كانت كارلا تبتسم لأنها شعرت أنها حققت شيئًا ما لتلتفت برأسها نحو رومان لتجده يرمقها بابتسامة لم تفهم معناها:
- رائعة.
احمرَّت وجنتيها خجلاً لتقول:
- شكرًا لك سيدي، وأنا اعتذر كثيرًا على مقاطعتك.
أردف رومان :
- لا بأس .. لقد كنتِ حقًا مُقنِعَة كارلا.
التمعت عيناها بفخرٍ فيكفي مدح أستاذها لها .. زفر رومان بهدوء:
- حسنًا سأقوم بتقديم طلب زيادة الراتب بالإضافة لطلب إعتذار السيد جابرييل للسيد مايكل.
أومات كارلا بهدوء لينتبه الإثنان على طرقات خافتة على الباب لتدخل الموظفة المسئولة عن مُتابعة تدريب كارلا:
- آنسة كارلا، هيا بنا.
أومأت كارلا بهدوء وهي تبتعد عن رومان لتحمل حقيبتها وقبل أن تخرج من الغرفة أوقفها رومان:
- كارلا.
التفتت برأسها نحوه ليبتسم لها بهدوء:
- بالتوفيق لكِ.
أومأت بابتسامة مُشرقة:
- شكرًا لك سيدي.
مر اليوم بسلامٍ بالنسبة للجميع؛ وقبل حلول الظلام دخلت جوداء للشقة وهي تحمل بيدها حقيبة بلاستيكية وفي ذات الوقت كانت سيلفانا تمر من أمامها لتلمحها ..
- ماهذا؟ ماذا اشتريتِ؟ أريني.
ذلك ما قالته سيلفانا بحماسٍ بينما رمقتها جوداء وأردفت بهدوء:
- إنه ساري هندي قُمتُ بشراءه للتو، سأرتديه في حفل زفاف زميلي بالعمل.
التمعت عينا سيلفانا وأردفت وهي تقدم يدها نحو الحقيبة:
- هل تسمحين لي؟
أومأت جوداء بهدوء لتُعطيها الحقيبة لترى ما بها .. وانبهرت سيلفانا بذلك الساري كان ذو لونٍ أحمر منقوشٌ بدوائر ذهبية ومعه وشاحٌ طويلٌ .
- إنه رائع جوداء.
أومأت جوداء في هدوء، وأردفت باعتذار:
- أعذريني سيلفانا، سأذهب لغرفتي.
لتتركها تحمل الساري وتدخل غرفتها وبمجرد أن خطت بداخلها زفرت بخفوت هي حزينة أجل بالطبع لكنها لا تريد أن تفتعل المشاكل بينها وبين سيلفانا، التفتت برأسها نحو موضع الباب وذلك حينما دخلت سيلفانا الغرفة خلفها ..
- هل مازلنا مُتخاصمتين؟
أردت جوداء بهدوء:
- لا أدري .. أعتقد أن الأمر الذي شعرت به صباحًا لا علاقة له بالخِصَامِ بيننا .. بل إن الموضوع أعمق من هذا بكثير.
رمقتها سيلفانا بحيرة لتقول:
- إذًا أخبريني ماهي المشكلة؟
زفرت جوداء باستسلام وأردفت:
- الأمر أنني لا أُريدُ أن أعتاد تلك الأمور .. لذلك لا أريدُ أن أعلم عنكن شيئًا.
ارتعشت ابتسامة الأُخرى وأردفت:
- أوتدرين أن هذا الأمر أصعبُ من وجود مشكلةٍ بيننا.
لترُدَّ جوداء بصوتٍ متحشرج محاولة كتم عبراتها:
- أنا أعتذر، ولكن نفسي أضعفُ بكثيرٍ مما تتخيلين سيلفانا، لا أُريدُ أن أفعل بنفسي شيئًا يضُرُّنِي .. وإذا ضعُفَت نفسي يومًا سأنتقل لسكنٍ آخر حينها ولكن وحدي.
اقتربت سيلفانا منها بتردد وأردفت:
- يافتاة، هل كُل هذا لأجل أنني أخبرتك أنني تبادلت القُبَلَ معه؟ إذا كان الأمر كذلك سأقطع علاقتي به فورًا لكن لا تُدَمِري صداقتنا جوداء.
تلك المرة انهمرت عبراتها لتقول:
- الأمر ليس كذلك .. أنا أُحاربُ نفسي في معركةٍ لا يعلم عنها أحد، سيلفانا.
لتنهمر عبرات الأُخرى أيضًا لتضمها:
- إذًا أخبريني ماذا أفعل لأساعدكِ ولكن من فضلِك لا تبتعدي، إن وجودكِ أمامي دون أن تتحدثي معي هو أهونُ بكثيرٍ مقارنةً ببُعدكِ عن عيناي.
صمتت جوداء لتضمها بقوة وأردفت:
- أنا فقط أحتاجُ أن أهدأ فقد بدأ قلبي يميلُ للهوى وهذا ليس بجيدٍ أبدًا.
ابتعدت عنها سيلفانا لترمقها بعدم فهم ولكن جوداء ابتسمت بهدوء:
- إطمئني .. سأستطيع فعلها .. ولكن فقط ساعديني، لا تُخبريني أي شيء عن علاقتكِ مع سايلِس احتفظي بالأمر لنفسك، لأن نفسي تُريدُ أن تعيش مثل ماتعيشين وذلك ما استوعبته حقًا اليوم، وذلك في ثقافتي ليس بأمرٍ جيد.
فتحت سيلفانا فاهها بصدمة وأردفت:
- أنا أعتذر .. أعتذر حقًا لم أقصد .. أنا أعلم أن النفس تمِيلُ للإهتمام والحُب ولكنني لم أكن أعلم أن جوداء نفسها ستقع في هذا الأمر.
ابتسمت جوداء ابتسامة مرتعشة وأردفت:
- هذه طبيعتنا نحن البشر، سيلفانا.
أومأت سيلفانا بهدوء وأردفت بتلقائية:
- حسنًأ أعدكِ أنني لن أخبركِ أي شيء عن علاقتي بسايلِس، حتى وإن تبادلنا الُقبَل في المصعد أو المكتب أو أي مكانٍ آخر لن أخبركِ.
هزت جوداء رأسها بيأس .. لتقول سيلفانا بتعجب:
- ماذا!!
جوداء بخجلٍ شديد:
- لا شيء سيلفانا، لا شيء.
مرت الأيام وكانت الفتيات مُعاوناتٍ لبعضهن وقد أصبحت علاقتهن قوية كُنَّ كالإخوة حقًا، وعندما عادت سيلفانا للشركة في اليوم العمل التالي لها كانت علاقتها بسايلِس هادئة بالعمل يكون رئيسها وهي موظفته وعند انتهاء مواعيد العمل يكون هُناك رأيٌ آخر لسايلِس بالطبع!
بعد مرور أسبوعين على تلك الأحدث:
كانت جوداء نائمة بارتياح داخل غرفتها وهاتفها الصامت يرُّنُ بكثرة بجانب رأسها ولكنها لم تسمعه بالطبع؛ بينما سيلفانا كانت تقوم بتجهيز حقيبتها لتذهب لروسيا مع سايلِس والذي قد أصبح قريبًا من المنزل ليصطحبها إلى طائرته الخاصة .. وبعد أن انتهت زفرت بارتياح وهي تُغلق الحقيبة والتي تحتوي على الكثير من الثياب لأنهما سيمكثان أسبوعًا هُناك.
اقتربت نحو باب الشقة فقد كانت جميع الفتيات نائمات ولكنها ودعتهُن جميعًا بالأمس وأيضًا فعلت جوداء ذلك بالطبع لأنها من المفترض أن تكون قد سافرت قبلها بساعتين، خرجت من المنزل وبعد ثوانٍ تفاجأت بسيارة سايلِس تتوقف أمامها لينزل أحد رجال سايلِس من السيارات الموجودة خلفه يحملون عنها الحقيبة وصعدت هي لتجلس جواره.
- صباحُ الخير سيلفانا.
قال سايلِس تلك الكلمات وهو يُقبل كف يدها برقة جعلتها ترمش بسرعة، تلك المرة ذلك ليس مُديرُها بالعمل إنه ذلك الشقي الذي تراه دائمًا بعد انتهاء مواعيد العمل!
شعرت جوداء بالالم من جديد أثناء نومها لتفتح عينيها بصعوبة ووضعت يدها على موضع الألم .. تعرَّق جبينها واعتدلت بصعوبة من فوق فراشها لتقترب نحو المُسكِّن ليهدأ ألمها قليلاً وبعد أن تناولت المُسكن اقتربت من هاتفها لترى الوقت، واتسعت حدقتيها عندما رأت أن الطائرة قد فاتتها، كما أنها رأت العشرات من المكالمات الفائتة من زملائها في العمل! صرخَت بيأس ولكنها حاولت الإسراع لعلها تجد طيارة أُخرى ستُقلِعُ بعدها .. لحُسنِ حظها أنها قد قامت بتجهيز حقيبتها قبل أن تنام .. وتبقى فقط أن تقوم بتغيير ملابسها .. بمرور الوقت كانت تقف بالمطار تتسائل عن مواعيد إقلاع الطائرات للهند .. لستأل إحدى الموظفات بالمطار..
- مرحبًا يا آنسة، لقد أقلعت طائرتي للهند هل توجد أُخرى وماهو مَوعد إقلاعها.
رمقت الموظفة سِجِّلَ مواعيد الطائرات أمامها ولكنها أردفت باعتذار:
- عذرًا سيدتي ولكن لا توجد طائرةً أُخرى للهند.
حزنت جوداء بسبب ذلك الخبر وشعرت أنها ستبكي .. ولكنها رفعت رأسها نحو الموظفة من جديد..
- من فضلِك راجعي جيدًا .. أكيدٌ هُناكَ طائرةً أُخرى ولم تنتبهي، أرجوكِ.
طالعتها الموظفة بأسف لتقول:
- أنا حقًا أعتذر إليكِ يا آنسة.
أخضت جوداء رأسها بحزن وتنهدت في استسلام والتفتت للخلف ستعود للسكن، ولكن حالتها تلك جعلت الموظفة ترأف لحالها لتوقفها..
- يا آنسة.
التفتت جوداء لترمقها باستفهام .. لتقول الموظفة..
- أنظري .. أنا أعلم أن هذا خرقٌ للقوانين .. ولكن هُناكَ طائرةً خاصة ستُقلِعُ للهند بعد نصف ساعةٍ من الآن.
ابتهجت جوداء عندما استمعت لهذا الخبر لتقترب منها جديد:
- حقًا؟
أومأت الموظفة بابتسامةٍ هادئة:
- أجل، ولكن هذا لا يخصًّ القسم هُنا .. لذلك لا أستطيع إقناع صاحب الرحلة، هل مُمكن أن تقومي باقناعه؟
أردفت جوداء بأمل:
- أجل سأحاول .. أعطيني فقط السبيل للوصول إليه.
أشارت الموظفة نحو بعض السيدات ورجلاً يرأُسُهُم وجميعهم يرتدون زيًا رسميًا ..
- انظري هؤلاء هُم طاقَمُ الطائرة .. اتبعيهم وأنا أعتقد أنهم سيساعدونكِ.
ابتسمت جوداء بامتنان:
- شكرًا لكِ حقًا.
تبعتهم جوداء بهدوء حتى وجدتهم يقتربون نحو وُجهَةٍ مُختلفة داخل المطار .. هي بالطبع لا تعلم نظام الطيران بالطائرات الخاصة وأين يكون لذلك تبعتهم كالمُغَيَّبة حتى رأتهم يقتربون نحو طائرةٍ أصغر قليلاً عن باقي الطائرات .. لتلتفت إحدى فتيات الطاقم للخلف لتجد جوداء تسير خلفهم، توقفت الفتاة ترمُقها بتعجب:
- مرحبًا هل أساعدكِ في شيء؟
ازدردت جوداء ريقها بتوتر وأردفت:
- فاتتني طائرتي للهند، وعلمتُ أن هُناك طائرةً خاصة ستُقلِعُ الآن .. لذلك لحقتُ بكُم لأتحدث مع صاحب الرحله.
طالعتها الفتاة بحيرة لتقول:
- لا أعلم، هل سيوافق أم لا ولك........
قاطعتها جوداء برجاء:
- من فضلك دعيني فقط أتحدث إليه.
زفرت الفتاة بحيرة ثم أومأت لتُكمل سيرها وتبعتها جوداء، حتى توقفت بالقُرب مِن باب الطائرة راقبت الطاقم وهم يصعدون داخلها، وتمسكت بحقيبتها بقوة إنها في موقفٍ حَرجٌ حقًا كان يجب أن تبقى بإيطاليا لمُجرد علمها أن طائرتها أقلعت ولكن ماذا تفعل؟؟ لقد وعدته أنها ستحضُر! لذلك هي تفعل أقصى ما يُمكنها فعله .. لمُجرد المحاولة .. استفاقت من شرودها على وصول سياراتٍ سوداءٍ ضخمة، لتتوقف السيارات بشكل مُصطفٍ أمام الطائرة ونزل منها العديد من الرجال وخرج سائق سيارة بالمنتصف والذي عرفته جوداء بمُجرد أن رأته، إنه سائق السيد ديميتري مارينتوس:
- يا الله!
خرج ديميتري من سيارته بهدوء واقترب نحو طائرته الخاصة ولكنه عقِدَ حاجبيه عندما رأى جوداء تقف بجوار الطائرة .. التفتت للخلف بسُرعة تريده أن يتجاهلها أن يَمُر بجانبها كأنه لا يَرَاها .. ولكنها اشتمت رائحته خلفها لتعلم أنه قد توقف ..
- آنسة جوداء، ماذا تفعلين هُنا؟
ذلك ماقاله ديميتري بحيرة، ولكنه تعجب أكثر لأنها تُعطيه ظهرها .. ولكنه انتبه على إحدى المُضيفاتِ تخرج من الطائرة لتقترب نحوه وأردفت برسمية:
- صباح الخير سيدي، إن الآنسة قد أقلعت طائرتها ولم تستطع اللحاق بها؛ لذلك هي هُنا لتستأذِنُكَ في السفر معك.
التفتت جوداء بسرعة تنفي ماتقول:
- لقد غيَّرتُ رأيي لن أذهب.
كادت أن تتحرك خطوة ولكن أوقفها ديميتري:
- بالطبع يا آنسة جوداء يمكنكِ السفر معي، اعتبري أن الطائرة تخصكِ وحدكِ وأنا مجرد ضيف بها.
ولكن جوداء أردفت باعتراض:
- شكرًا لك سيد ديميتري، لقد قررتُ ألا أذهب.
أشار ديميتيري للمُضيفة بأن تعود لعملها وامتثلت لأمره، وصمت قليلاً ثم أردف:
- هل غيرتِ رأيكِ لأنني سأكون معكِ؟
قال تلك الكلمات وهو يرمُقها في عمق عينيها، رمشت بسرع وأبعدت بصرها عنه لتقول:
- بالطبع لا، ولكن الخلوة .. سنكون وحدنا.
أردف ديميتري ببساطة:
- لا تقلقي، إن الطاقم سيكون معنا ... ثم إنني ذاهبٌ للزفاف لأجلك!
التفتت برأسها نحوه بعدم فهم، ليؤكِدَ حديثه بصِدق:
- لم أُرِد أن أترككِ وحدكِ؛ لذلك قررتُ أن ألتقيكِ هُناك.
- لماذا؟
قالت تلك الكلمة بهمس ليرُد بنفس النبرة في المُقابل:
- لا أدري.
ظلا هكذا لمدةٍ لا يعلمانها يُطالعان بعضهما فقط! .. وحينما طال ذلك الأمر اقترب أحد رجاله ليحمحم ليستفيق الاتنين من شرودهما ببعضهما ..
- هيا بنا.
ذلك ماقاله ديميتري بهدوء وهو يُشير بيده لها نحو الطائرة، أومأت بهدوء ليقترب أحد رجاله يحمل حقيبتها عنها واقتربت نحو دَرَج الطائرة وكان يتبعها ولكنها توقفت وابتعدت تُفسِحُ له المجال ..
- من فضلك أنتَ أولاً، لا يجوز أن أصعد أمامك.
صمت ديميتري وأومأ ليصعد أولا وهي تبعته وتعلم جيدًا أن هُناك شيءٌ خاطئ! ليس شيءٌ فقط! ولكن كل هذا خطأٌ حقًا.
استقرت بمقعدها داخل الطائرة والذي كان خلف مقعده بصفين .. كانت تحتضن حقيبة يدها بقوة .. أما ديميتري فقد كان ينظُر بشرود للسماء من خلال نافذة الطائرة أثناء طيرانها .. لقد كان الأسبوعين الماضيين حافلين! نتيجة الأبوة السلبية كالعادة، بما في ذلك الأعمال التي حاول أن يقوم بإنجازها ليذهب للهند لأجل جوداء، ماذا تفعل يا ديميتري؟ أحقًا؟؟ زفر بخفوت وهو مستقرٌ بمقعده يمنع الرغبة المُلِحَّة داخله أن يلتفت إليها .. هز رأسه بيأس وانتبه على مضيفتين تُحركان عربة بها طعام الفطور .. مع كوبين من القهوة، ليُعلِّق ديميتري بهدوء:
- إنها لا تشرب القهوة، بدلوه بالعصير الطازج.
أومأت إحدى المَضيات لتعود للدخل بينما الثانية وضعت الطعام أمام ديميتري وأيضًا قهوته، ثم اقتربت من جوداء تُعطيها طعام الفطور وأردفت بهدوء:
- سنأتي بالعصير الطازج حالا سيدتي.
عقدت جوداء حاجبيها بحيرة، ولكنها تجاهلت ذلك إذ أنها كانت جائعةً للغاية وبدأت تتناول طعامها بنهم ثم بعد ذلك تناولت حبة المُسَّكِن .. بمرور الوقت كان ديميتري ينظر أمامه بشرود حتى التفت برأسه للخلف يراقبها ليجدها نائمة بهدوء وهي تضم حقيبة يدها .. استقام من مقعده ليقترب نحوها ومد يده نحو أحد الأغطية ليقوم بوضعه عليها .. كانت نائمة بعُمق وظل يُطالعها لوقتٍ لا يعلم ما مقداره، وحينما شعرأنه قد وقف كثيرًا على قدميه جلس بمقعدٍ بجانبها .. وظل يراقب ملامحها الشرقية التي غَزَت عقله قبل روحه، تقلبت جوداء بمكانها لتستقر برأسها فوق صدره .. توقفت أنفاس ديميتري للحظة وشعر بدقات قلبه ترتطم بعنف داخل قفصه الصدري، لدرجة أنه خُيَّلَ له أنها ستسمعها رغم غرقها في النوم.
حرك رأسه نحوها ليجدها قريبةً منه إلى حد أربك كل مابناه من جدران حول نفسه، امتزج دفء أنفاسها بأنفاسه، وتسربت رائحتها الهادئة إليه لتوقظ رغبة دفنها طويلاً خلف بروده وقسوته، هبطت عيناه دون إرادة منه نحو شفتيها؛ ظل ينظر إليهما لثوانٍ كأن حياته تعتمد عليهما قبل أن يطبق فكه بقوة ويشيح ببصره عنها، كأنه يخوض حربًا شرسةً بداخله، أنزل بصره إلى يدها الصغيرة المستقرة فوق معدته، فتردد للحظة قبل أن يُحيطها بأصابعه بحذرٍ بالغ وبسبب نعومتها سرت رجفةً خفيفة في جسده، وأبعد يدها عنه ببطء، انسحب من جوارها بخفة ثم اعتدل واقفًا وهو يزفر بصعوبة، ومررر يده في شعره بعصبية وعاد إلى مقعده لا يعلم إذا بقي على هذا الوضع ماذا كان سيحدث حقًا، حاول أن يُشغِلَ عقله قليلاً عن تلك اللحظات المُحرمة التي سرقها على غفلة.
في روسيا:
هبطت طائرة سايلِس وبمجرد أن توقفت اعتدل سايلِس بهدوء من مقعده لتقع عينيه على سيلفانا التي كانت تستمع للموسيقى طوال الطريق تحاول الهرب منه ومن نظراته لها .. ولكن سايلِس لم يهتم للأمر كثيرًا:
- هيا بنا.
التفتت نحوه وأومأت وخرجت خلفه من الطائرة وبمجرد أن أصبح هُناك تغطية في هاتفه وصلته رسالة هامة، قام بفتحها وهو ينزل فوق أدراج الطائرة وكان مُحتواها:
- إن السيد ديميتري مارينتوس في طريقه للهند دون حراسة، ماذا نفعل سيدي؟
ابتسم سايلِس ابتسامة مُظلمة ليكتب كلمة واحدة فقط! ثم أغلق هاتفه بعدها وكانت تلك الكلمة هي:
- اقتلوه.
الفصل السادس عشر من هنا