
رواية ظننتك قلبي لكن بعض الظن إثم ج2 الفصل السابع والعشرون 27 والأخير بقلم رشا روميه
اللهم_أدخلني_مُدخل_صدق_وأخرجني_مُخرج_صدق_وإجعل_لي_من_لدُنكَ_سلطانًا_نصيرا
مستشفى السلامة ...
كعادته دائمًا يفكر بجمع شمل العائلة، وأن على الجميع مؤازرة بعضهم البعض، هو كذلك ولن يتغير، "خالد دويدار" مثال لأب تتجمع خيوط أبنائه كلها بكف يده، يحثهم دومًا على الترابط والمحبة ...
مال "خالد" على أذن "رؤوف" ينبهه ...
- بعت لأخوك "معتصم" تقوله إن "غدير" ولدت، ولا نسيت ...؟!!
برد فعل خجول أجابه "رؤوف" ...
- إتكسفت أبعت له، دي دخلته كانت إمبارح، قولت لما تولد بالسلامة، أبعت له رسالة وخلاص ...
بنظرة جامدة قوية تطلع "خالد" بـ"رؤوف" ثم عقب ...
- بس ده أخوه، كنت بلغه وهو حر، مينفعش ميعرفش ...
أومئ "رؤوف" بالإيجاب وهو يخرج هاتفه من جيب بنطاله ..
- حاضر يا سيادة المستشار، أؤمرني إنت بس ...
وكأن حلاوة حديثه لن تتغير مهما حاول إلتزام الجدية، كتب "رؤوف" بضع كلمات يخبر أخيه "معتصم" بهذا الخبر السعيد حتى لا يزعجه أيضًا فبالتأكيد هو نائم الآن ...
❈-❈-❈ــ
بيت المستشار خالد دويدار (شقة معتصم وعهد) ...
كل العقارب تلدغ بسُمومها، حتى عقارب الساعة تلدغ فقط حينما تعشق، وقت تتمنى ألا يمر الوقت وتبقى بقرب الحبيب، تعلن الساعة مرورها، ليتنا يمكننا شراء الوقت كما نشتري الساعة، لكن الوقت يمر شئنا أم أبينا ...
بين النوم واليقظة، لا يعد حلم ولا واقع، بل هو إنتشاء جميل يذهب بإنتباه العقول ليبقى فقط إحساس السعادة بين قلبين محبين، لكن ذلك لم يمنع هذا الصقر الذي لا يغفل من الإنتباه لصوت رسالة نصية قد وصلت للتو لهاتفه ...
إعتدل "معتصم" من نومته ساحبًا هاتفه برفق لينظر بنصف عين تجاه شاشته ليقرأ الرسالة ...
-[ "غدير" ولدت يا معتصم، إحنا كلنا في المستشفى، مرضناش نقولك ونزعجك من بدري، بس قولت أطمنك لما كلهم طلعوا من أوضة العمليات ..]
تحرك ببطء حتى لا يزعج "عهد" النائمة، لكن كما كان هو صقر لا ينام، كانت هي كأنثي الفهد، سريعة قوية مفترسة أيضًا إن لزم الأمر، لترفع "عهد" رأسها دون أن يشعر "معتصم" أنها قد أفاقت لتباغته بسؤالها ...
- خير يا "معتصم"، فيه حاجة حصلت ...؟!!
زوجان قويان قناصان، يعيشان الخطر كحياة معتادة، لا يهتمان بالهدوء والراحة، بل تدفعهم للشك والإرتباك ...
رشا روميه قوت القلوب
إلتف "معتصم" بإبتسامته العذبة ليطمئنها بهيئته قبل صوته الشجي الذي تفوه به ...
- كله تمام يا "لوزة"، واخده بالك، يا "لــــوزة" ...
إنتبهت "عهد" لطريقتها الجافة، كما لو أنه لن يمرر لها خطأ مطلقًا لتعيد تساؤلها بصيغة أخرى ...
- فيه حاجة يا "ماوصي" ..؟؟؟
رفع عنقه بغرور مصطنع من ترويض شرسته ليجيبها ...
- متقلقيش يا روح "ماوصي"، دي "غدير" ولدت وكنت حتصل بـ"رؤوف" أطمن عليهم، ومكنتش عاوز أقلقك ...
ضحكت "عهد" لحسن حظها تلك المرة معقبة ...
- طب كويس إنها مولدتش في الفرح إمبارح ...
تجاوب معها "معتصم" ضاحكًا ...
- اه والله عندك حق ...
لم يعد هناك داعي للتحدث خارج الغرفة، خاصة وأن "معتصم" ينتوي ألا يخفي على "عهد" شيئًا وأن يكون طريق حياتهم هو الصدق والوضوح، رفع هاتفه نحو أذنه ليُحدِّث "رؤوف" و "عيسى" ليطمئن على حال "غدير" أولًا فهي كأخت له تمامًا ...
- حبيبي، مبروك يا أخويا وحمد الله على سلامتهم ...
ثم نظر تجاه "عهد" التي تنظر له بتحديق لمعرفة عما يتحدث دون أن تتهرب منها التفاصيل، ثم إستكمل ...
- أه طبعًا، جايين على المستشفى عشان نطمن عليكم قبل ما نسافر ...
إنتبهت "عهد" وربما تذكرت ما نسيته في خضم أمواج سعادتها منذ الأمس، فقد حان التفكر بالعمل والمهمة التي وكلت إليهم بالأمس ...
طأطأت رأسها ببعض الضيق لكنها مجبرة على العمل والسفر لبدء تلك المهمة التي تحدث عنها السيد "نظمي" ووكلها إليهم ...
تابع "معتصم" حركة "عهد" المتجهمة أثناء حديثه مع "عيسى" حتى إقتربت منه لتمر من جواره متجهة لخارج الغرفة حين أمسك بعضدها ناظرًا بشكل مباشر بسوداوتيه ليتعمق بداخل مقلتيها الناعستين المتضايقتين ...
كـ سهم نافذ إخترق روحها ليدرك سبب ضيقها لكنه مستمر بمكالمته دون الحياد عن عينيها بخاصتيه ...
دفعت بعينيها متهربة منه فلا داعي لأن يكشف سبب ضيقها فهو أيضًا مجبر على العمل مثلها تمامًا، فواجبهم يحتم عليهم ألا يتقاعسوا ...
لكن لا مناص من ثاقبتيه اللاتي تحاوطها وتكشف عن أغوار نفسها، أنهي مكالمته ليلهب وجهها بقرب أنفاسه متسائلًا بإستنكار ..
- رايحه فين ...؟!!
تنفست ببطء قبل أن تجيبه بجدية، فقد إنتهى وقت الدلال وحان وقت الخشونة والعمل ...
- رايحة أحضر نفسي عشان نسافر للمهمة إللي قالنا عليها "نظمي" بيه ...
ضم شفتيه الممتلئتان ثم أردف بهدوء سلس لكن له من القوة بزعزعة النفس ...
- وهو أنا مش قولت لك إن المسافة بينا متعديش إللي بيننا دلوقتِ ..!!! بتبعدي عني ليه !!!
تنهدت بضيق ثم أجابته بإبتسامة مختنقة ...
- كان نفسي الشغل يتأجل شوية، بس الأمر لله بقى، حروح أحضر لبسي ونخرج على طول، كمان عشان نلحق نزور "غدير" في المستشفى قبل السفر ...
تابع بعينيه خروج "عهد" من الغرفة لتلوح إبتسامة جانبية ذات مغزى على ثغره دون إيضاح ....
رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
بيت فخري النجار ...
العابرون بحياتنا كُثر، لكن العبرة بمن يتركون بصماتهم فهم عملة نادرة يجب الحفاظ عليها ...
بيت جديد بدأ به "فخري" و "زكيه" حياتهم الجديدة بعيدًا عن تلك الذكريات المؤلمة التي صاحبتهم لسنوات ببيت النجار، حياة هادئة سعيدة، وبها عوض "فخري" إحتياج "زكيه" للسند والحماية، وعوضته هي بحنان أسرة محبة ...
بعد زواج "راوية" ومكوثها ببيت زوجها، وإستقرار "فريد" بأبنائه بشقة منفصلة، أصبحت حياتهم لا يملؤها إلا وجود "نغم"، بعد زواج "شجن" من "رحيم" والبقاء معه بالنوبارية ...
لكن اليوم لا يعد يومًا إعتياديًا، فاليوم يجب على الجميع الإستعداد بشكل خاص، خاصة بعد موافقة "نغم" على أن تتم خطبتها لـ"بحر" منقذها ومالك قلبها المذعور ...
نعم (مذعور)، فهي فتاة تلقائية بريئة تعرضت لأزمة بشعة، كسرت نفسها وزعزعت ثقتها بنفسها، أكسبها تخوف شديد من تكرار ما حدث مرة أخرى ...
مازال الوقت مبكرًا لكن الأعمال تتراكم بهذا اليوم الهام، سحبت "زكيه" هاتفها وهي تسارع بإرتداء حذائها قائلة ...
- إستنى يا "فخري"، أنا نازلة معاك، عشان ألحق أرجع أوام أجهز البيت عشان خطوبة "نغم" ...
تنهد "فخري" بضيق من تشبث "زكيه" للخروج معه ..
- يا بنت الحلال خليكِ هنا، وإللي إنتِ عاوزاه من كافة شئ حيكون عندك ...
ضحكت "زكيه" بخفة لتستكمل خطواتها لخارج الشقة وهي تسحب الباب من خلفها ...
- أنا عايزة أجيب فستان جديد لـ"نغم" ومحدش حيعرف يجيبه غيري، ما إنت شايف هي لا حتروح ولا حتيجي، ولا عايزة هيصة ولا حفلة خالص ...
بإبتسامة راضية عقب "فخري" وهو يصطحب "زكيه" معه ...
- ربنا يخليكِ لها، خلاص أنا حروح معاكِ نجيب لها أحلى فستان، وبعدين أوصلك البيت وأروح العطارة، ما هو "فريد" واخد باله من كل حاجة ...
- منتحرمش منك يا سي "فخري" أبدًا ...
الوصول متأخرًا أفضل من ألا تصل مطلقًا، ووصول كلًا منهم لرفقة الآخر وإن جائت متأخرة، إلا أنها أكثر القرارت صحة وعقلانية ...
تحركا لخارج البيت لقضاء مشترواتهم بإبتهاج، لكنهم لم يدركوا هذه الرجفة التي تركوها من خلفهم ...
بعد سهر لوقت متأخر تهرب به النوم من عينيها السوداوتين لتفكيرها المذعور بتكرار تجربة الإرتباط والزواج مرة أخرى، فتلك النفوس الهشة لا تتعافى بسهولة ...
رشا روميه قوت القلوب
إستيقظت "نغم" بتثاقل نتيجة لسهرها بليلة الأمس، جلست بهدوء فوق فراشها، لكن هذا الهدوء الظاهر على ملامحها كان على النقيض تمامًا من تلك النيران التي تشتعل بداخلها ...
نيران لا تحرق إلا روحها، لم تدرك أنها خائفة وضعيفة بهذا الشكل من قبل، لقد ظنت أنها قوية تستطيع إدراك مشاعرها وحسب خطواتها بدقة، لكنها يبدو أنها كانت سطحية ساذجة بشكل مبالغ فيه ...
زفرت "نغم" بقوة إستعدادًا للنهوض، فاليوم لابد وأن يتغير كل شيء، اليوم تقف على باب عتبة جديدة إختارتها بنفسها بعد تفكير عميق، ليس قرارًا سطحيًا كما كان ما قبله ...
خرجت من باب الغرفة لتجد الأجواء هادئة بشكل مريب لنفسها، دارت بعينيها بإرتجاف بين الأرجاء وهي تهتف بنبرة منخفضة ...
- ماما، يا ماما ....
نداء لم يستجب له، لتعلي من صوتها وهي تتنتحنح بتخوف ...
- يا ماما، يا مـــــامـــــــا ....
كان الصمت والهدوء إجابة لها، ليدب بقلبها ذعر لتصورها بأن ما حدث بزيجتها من "مأمون" يعود مرة أخرى، لقد إستيقظت لتجد نفسها بمفردها وحيدة مرة أخرى، لا أختها ولا أمها معها ...
دارت حول نفسها بنفس مرتجفة وهي تدفع بتلك الأفكار التي إستقرت برأسها، وظنونها التي سيطرت على تفكيرها، بأن كل شيء سيتكرر مرة أخرى ...
أمر جعلها تشاهق بالبكاء وهي تنادي والدتها لنجدتها من ظنونها وخوفها من وحدتها وتكرار مأساتها السابقة ...
- مــامــا، مـــــامــــا، مـــــــــامــــــــا .....!!!!!
من قال أن صاحب الذاكرة السيئة هو القادر على النسيان، بل هو من لا يستطيع ذلك، ليتها تنسى وتعيش حياة هادئة دون تذكر "مأمون" وأفعاله، من أين تأتي الطمأنينة وقد إعتادت النفوس الخوف ...
رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
النوبارية (بيت الأيوبي) ...
يخبئك الله لمن يشبهك، هؤلاء الطيبين اللذين يشبهونك، وإن لم تجد أحدهم كن أنت أولهم ...
ما أجمل التسامح، وإن كان كبيرًا على بعض النفوس، فالهزائم تأتي من الداخل و النصر كذلك، أن تتغاضى عن الإساءة لهو أسمى تهذيب للنفس ....
تطلعت "نعمة" من شرفة غرفتها لهذا المنظر البديع لأشجار الفاكهة والأرض الخضراء الممتلئة بالمزروعات التي تستكين لها النفس، ثم أرخت نظراتها تجاه الحديقة الداخلية للبيت تنظر لـ" أيوب" الذي إسترد عافيته لكنه مازال لا يستطيع السير بعد، جلس بالحديقة فوق مقعده المتحرك وسط عائلته التي عاش حياته بأكملها نادمًا على فقدانها ...
حمل "رحيم" فنجان القهوة يمده نحو والده بمحبة ...
- إتفضل يا حاج، قهوتك حتبرد ...
بإمتنان شديد للظروف التي جمعته بـ"شجن" وعودة زوجته وولده إليه، إلتقط فنجانه وقد إرتسمت بوجهه بسمة رضا قائلًا ...
- تسلم إيدك يا "رحيم" ...
ثم هتف "أيوب" بطيبة تجاه "شجن"، التي إعتبرها إبنته حقًا من قبل لقائها بـ"رحيم" ...
- إيه يا بنتي، مش حتسافروا ولا إيه ..؟؟!
بإبتسامتها العريضة التي تملأ حياتهم بهجة أجابت "شجن" ...
- أيوة يا عم "أيوب"، عشر دقايق بس ونجهز أنا و"رحيم" عشان السفر، بس هو منتظر مكالمة تليفون ونجهز على طول ...
قوية مغامرة أخذت بيدهم جميعًا وإعتادوا وجودها وجرئتها، هكذا كانت "شجن" بينهم ...
عقب "رحيم" مؤكدًا حديث "شجن" ...
- أيوة يا بابا، التاجر إللي كلمني إمبارح، حيكلمني يأكد عليا المعاد إللي حييجي فيه يشتري محصول الفاكهة وبعدها نجهز على طول ...
شاركتهم "نعمة" حديثهم بعد أن تقدمت نحوهم لتجلس إلى جوار "أيوب" بالحديقة بنبرة مبتهجة ...
- بلغي "نغم" ومامتك سلامنا وقولي لهم ألف مبروك، والله إنبسطت أوي إن أختك وافقت على الجواز ...
مالت "شجن" بشفتيها بغير تصديق ...
- أه والله يا خالتي "نعمة"، تعبتنا أوي عقبال ما وافقت، بجد كنا خلاص قولنا إتعقدت من جوازها من إللي ما يتسمى "مأمون"، الحمد لله، أنا مصدقتش لما ماما قالت لي إمبارح، عشان كدة لازم تلاقينا كلنا جنبها النهاردة ...
أومئ "أيوب" بإيضاح ..
- صح كدة، لازم تكونوا كلكم جنبها وتنسوها إللي حصل المرة إللي فاتت، متنسيش إنك مكنتيش معاها أيام جوازها من "مأمون" ده ...
كزت "شجن" شفتيها بغيظ حين تذكرت ...
- يا ريتني كنت موجودة، والله ما كنت حخلي الموضوع ده يحصل أبدًا، بس الأمر لله ...
عادت ببصرها تجاه هذا الهادئ اللطيف قائلة ...
- حروح أنا أغير هدومي عقبال ما التاجر يكلمك يا حبيبي ...
إكتسي وجهه بحمرة خجل لنطقها كلمة (حبيبي) أمام والديه، فهو خجول بشكل كبير مما يجعل تلك المشاكسة تستفزه من وقت لآخر بطريقتها الجريئة، ليهتف بها محذرًا ...
- "شجن" ...!! وبعدين ..!!!
ضحكت "شجن" لخجله معقبة بإعتذار لطيف ...
- خلاص خلاص، أسفه، أنا حسبقك على الأوضة عشان أجيب الشنطة وأغير هدومي عشان منتأخرش ...
أومأ لها "رحيم" بتفهم، لتتحرك "شجن" لداخل البيت بخطوات متعجلة فعليها التواجد اليوم بخطبة "نغم"، ومساندتها لمساعدتها على نسيان تجربتها الأليمة الماضية ...
بقي "رحيم" برفقة والديه حتى دق هاتفه برقم هذا التاجر لينهي إتفاقه معه تحت ملاحظة والده، ليتجه بعد ذلك لداخل البيت ليستعد لسفره للقاهرة لحضور خطبة "نغم" ...
❈-❈-❈ــ
مستشفى السلامة ....
مرور تلك الساعات كان لها أثرًا واضحًا بوعي "غدير"، فقد إستفاقت بشكل كبير وبدأت تعي ما حدث وما تقول، ممددة بفراشها على سرير المستشفى تنظر تجاه تلك العائلة الكبيرة التي حظيت بها بسعادة بالغة، وبرغم هذا الألم الذي بالكاد تستطيع تحمله إلا أنها سعيدة بوجودهم حولها ...
دارت بعينيها بين تلك الوجوه فقد رُزقت بأم وأب بعد أن فقدت أهلها، إحساسها باليُتم كانت لتشعر به يهزمها بهذه اللحظة لكن وجود "منار" و "خالد" عوضها بشكل أنساها هذا الشعور القاسي ...
أخذت "منار" و "مودة" بمساعدة "غدير" بتناول طعامها بلطف ومحبة، وهذا القوي الذي كانت نظراته تحمل من الحنان ما يكفي بأن تشعر بأن والدها حي يرزق، سعيد بسلامتها، مهتمًا بصحتها وراحتها ...
رشا روميه قوت القلوب
نظرت تجاه "رؤوف"، أخيها الأصغر الذي طالعها بمحبة وتجلت فرحته بها وبصغارها، لكن النصيب الأكبر كان من نصيب هذا المتشبث بكفها يؤازرها بكل حركة وبسمة وألم، إنه شريكها الذي تستطيع أن تلقي بحمولها فوق كتفيه وهو راضي وسعيد بذلك ...
محبته وخوفه عليها جعلها تشعر بأن الله حباها برزق كبير حين رزقها به وبعائلته، ورغم محبتها للمزاح والمشاكسة إلا أنها شعرت بالإمتنان لوجودهم جميعًا، فلم يتهربوا من وجودهم بأعذار واهية كسهرهم بزفاف ولدهم لوقت متأخر بل ضحوا براحتهم لأجل البقاء إلى جوارها ...
إبتسمت بوهن بوجوههم لكنها إلتزمت الصمت قليلًا حين سمعوا طرقات خفيفة تعلن عن زائر جديد ...
تعلقت العيون بباب الغرفة حين ظهر "معتصم" و "عهد" يقفان بإنتظار الولوج للداخل ...
ألم يكفيهم وجودهم جميعًا، ليأتي العروسان أيضًا لزيارتها والإطمئنان عليها، هل يمكن أن يستجيب الله لدعواتها بهذا الشكل، إنها لم تكن وحدها، بل تقاسمت الآمها وفرحها معهم جميعًا ...
قوة ومهابة تجلت بقدوم هذا المغوار حين بدأ حديثه برزانته ...
- صباح الخير، مبروك يا "عيسى"، حمد الله على السلامة يا "غدير" ...
- الله يبارك فيك يا "معتصم" عقبالكم يا رب ...
قالها "عيسى" لتصاب "عهد" بتوتر إثر دعوته، ليتشتت ذهنها لوهلة فعل يمكن أن تحظى يومًا بطفل وتصبح أم ؟!! ياله من خيال بعيد لم تفكر به يومًا، لكنها عادت لتركيزها لتنطق أخيرًا بمباركة "غدير" ...
- حمد الله على سلامتك يا "غدير" وسلامة البيبهات ...
أجابتها "غدير" بوهن مازح ...
- الله يسلمك، معلش بقى عكننا عليكم في ليلة فرحكم، ناس غلسة مش كدة ..؟!!
مزاح لطيف غير معتادة عليه جعلها تبتسم بإستغراب لتحاول إجابتها بدبلوماسية ....
- لا خالص، المهم سلامتكم ...
شعرت "غدير" أن "عهد" مازالت تشعر بالرسمية بينهم ولم تعتاد أجواء العائلة بعد، فهي تدرك تمامًا كونها يتيمة مثلها، لتجاهد "غدير" آلامها لتقتحم حصون "عهد" القاسية بمزاحها الذي يبهج القلوب ...
- قوليها قوليها، باينة في عنيكم، بدل ما تخرجوا وتتفسحوا نازلين المستشفى في صباحيتكم، إلا لو كنتم ضربتوا بعض ليلة إمبارح وجايين تتعالجوا هنا ....
ضحكوا جميعًا على طرافتها بينما أكملت "غدير" بطريقتها الطريفة، متصنعة النسيان ...
- إيه ده ؟!! صحيح فكرتوني، ولادي فين عايزة أشوفهم هاتولي "تيمون" و "بومبا" ..؟!!
تعالت ضحكاتهم جميعًا لإطلاقها تلك الأسماء لتجيبها "مودة" أولًا ...
- أنا و"رؤوف" حنجيبهم حالًا من الحضانة ...
عقد "معتصم" حاجبيه بخفة مستغربًا ..
- "تيمون" و "بومبه" ..!!!
أجابه "عيسى" بإستسلام لرغبة "غدير" ..
- "غدير" عايزة تسمي "تامر" وتناديه "تيمون"، وعايزة تسمي البنت "بسمة" وتناديها "بومبه" ..
رفعت "عهد" حاجبيها بإندهاش وإستنكار لتلك الأسماء، طالعت "معتصم" الذي يخفي ضحكته فوجه "عهد" كان يصرخ دون حديث بأن بالتأكيد "غدير" ليست راجحة العقل وأن لها مس من الجنون، رؤيته لها وهي تدور بعينيها بغرابة تكتم كلماتها اللاذعة من الخروج، لكنه مال يهمس لها بخفة ...
- بكرة تعرفي خفة دم "غدير"، هي مش مجنونة لأ، متخافيش ...
قوست "عهد" شفتيها بخفة وإستغراب بنفس الوقت لتهمس له بصوت خافت للغاية حتى لا ينتبه لها أحد ...
- تصدق أنا قولت مخها ضارب خالص، بس مسكت لساني ...
لكزها "معتصم" بخفة فهو لا يريد أن يظهر عليهم التلامز فيما بينهم قائلًا ..
- بس خلاص، مش وقته الدبش بتاعك ده، دي لسه والدة النهاردة ..
عاد "معتصم" بإلتفاته نحو "غدير" و"عيسى" ...
- والله بجد مش مصدق إني بقيت عم رسمي، مبروك عليكم وحمد الله على السلامة يا "غدير" ...
للحظة فاهت"عهد" برفيق روحها، فحتى المزاح معه له طابع مختلف، كما كانت جديته أيضًا، فإن كان له بالعمل شخصية قيادية حازمة، فهو له بالعائلة شخصية محبة مترابطة بشكل مبهر أيضًا ...
كما دارت "غدير" بعينيها بين الجميع بإمتنان، دارت "عهد" بذات النظرة وهي تطالع أسرتها الجديدة الكبيرة التي إنضمت إليها بسعادة لتغير حياتها لتلك الخطوة الجديدة ...
دار حديث لم تكن فيه "عهد" طرف بأي شكل بين الأخوة ووالديهم، حديث ينم عن ود ومحبة ما كان من الفتيات إلا المتابعة والإنصات حتى أنهاه "معتصم" بإستئذان من والديه ...
- بعد إذنكم بقى، إحنا إطمننا على "غدير" والولاد، إحنا لازم نمشي عشان ورانا سفر ...
- ربنا معاكم مع السلامة يا حبايبي ...
قالتها "منار" مودعة إياهم، تلاها الجميع تباعًا بمحبة قبل مغادرتهم الغرفة ...
وها قد عادت لحياة الجدية مرة أخرى، لتنهض "عهد" من جلستها لتستعد لبدأ سفرها في مهمتها الجديدة التي كلفوا بها ...
رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
بيت فخري النجار ...
ربما تكون قد نجوت من الغرق، لكن البحر مازال بعينيك، هزيمة واحدة أنستك كيف تستمتع بنصرك، لكن مع كل تلك النيران ورمادها فإن الياسمين يظل أبيض اللون ...
وقفت "نغم" تهتف بإسم والدتها، وقد إنخرطت ببكاء موجع تتذكر تلك الليلة التي قضتها بمفردها، ليلة عقد قرآنها التي لم تسعد بها ولم يشاركها فرحتها أحد ...
رفعت عينيها المحتقنتان اللاتي ظهرتا من أسفل غرتها السوداء تناظر باب الشقة الذي فتح للتو ...
دلفت "زكيه" تلقي بالأكياس عن يدها وهي تري صغيرتها متكورة أرضًا تشاهق بقوة، لتحتويها بين ذراعيها بحنان ...
- "نغم"، مالك يا حبيبتي، فيكِ إيه ..؟!! إيه إللي حصل ..؟!!
كما لو كان الهواء سحب من رئتيها تمامًا، ليعود دفعة واحدة برؤيتها لأمها، أجابتها "نغم" بصوت متقطع متحشرج بداخلها ...
- ماما، أنا خوفت تكوني سبتيني لوحدي تاني، خوفت ألاقي نفسي لوحدي في يوم زي ده ..!!!
ضمتها "زكيه" بقوة لتنغمس بأحضانها قائلة بوعد لن تخلفه مهما حدث ...
- ولا يمكن أسيبك تاني، أو أضيع حقك تاني، حقك عليا في كل إللي حصل، إنسي كل حاجة، وإفرحي وإنبسطي حبيبتي ...
حاوطتها "نغم" بذراعيها بقوة تستمد منها بعض القدرة على التخطي، تلك التي كانت مثالًا بالسلبية، ها هي أصبحت سندًا وقوة ...
- ربنا يخليكِ ليا يا ماما، خليكِ جنبي النهاردة وإوعي تسيبيني ...
- متخافيش، مش حسيبك أبدًا، أبدًا ...
بمحاولة لطيفة من "زكيه" لدفع البهجة بنفس إبنتها سحبت أحد الأكياس القريبة منها ...
- قومي بقى شوفي الفستان الجميل ده وفرجيني حلو عليكِ إزاي ...
تنهدت "نغم" كمحاولة منها لضبط تنفسها وهي ترى أول تغير لليوم عن يوم عقد قرآنها من "مأمون" بوجود والدتها وشرائها لها فستان جديد ...
وقفت بهدوء تسحب الأكياس تنظر بداخلهم ببعض الفرحة لكن مازال الخوف يقتحم نفسها من وقت لآخر، نظرت لوالدتها مطولًا بصمت وإمتنان لوجودها لتدلف لغرفتها لتجربة هذا الفستان الجديد وإرغام نفسها على الشعور بالسعادة وترك الأحزان خلف ظهرها ...
❈-❈-❈ــ
مستشفى السلامة ...
بعد مغادرة "معتصم" و "عهد" بقى الجميع يحملون الصغار بالتتابع، فكم تركوا بنفوسهم من فرحة بمجيئهم للدنيا ...
حملت "مودة" الصغيرة "بسمة" تداعبها بلمسة خفيفة من إصبعها الرقيق حين همس "رؤوف" لها ...
- عقبالنا، بقولك إيه، خليكِ معايا عشان عاوز أقول لبابا على موضوع السفر ...
رفعت "مودة" رأسها تجاه "رؤوف" قائلة ...
- دلوقتِ ؟!!!!! مش تخليها لما تروحوا البيت ..؟؟!
نظر "رؤوف" تجاه والده ووالدته المشغولان بالصغير "تامر" ...
- ده أحسن وقت، عشان "عيسى" كمان يكلمهم معايا، أنا فهمته وهو معايا ...
أومأت "مودة" برأسها لعدة مرات بالإيجاب، ليتقدم "رؤوف" تجاه والده كطفل صغير ينتظر الوقت المناسب ليطلب الحلوى منه، لكنه بالنهاية تشجع بطلبه ...
- بابا، كنت عايز أقولك حاجة مهمة ...
ترك "خالد" الصغير لـ"منار" لينتبه لـ"رؤوف" متسائلًا ..
- خير يا "رؤوف" ...؟!
قبض "رؤوف" كفيه بحركة لا إرادية يستمد منها القوة قبل أن يستكمل موضحًا دفعة واحدة حتى لا يتراجع ...
- أنا جاي لي عقد عمل في الإمارات أشتغل هناك، وبصراحة يا بابا ده عقد ميترفضش ...
تجهم وجه "خالد" بضيق وأسرعت "منار" بالتحدث بإستنكار ...
- ليه يا "رؤوف"، ما كل حاجة هنا تمام، بلاش موضوع السفر ده ؟
وجدها "رؤوف" فرصة لأن يظهر إمتنانه لهم لما فعلوه لأجله ...
- يعني هو أنا معنديش دم خالص، ما أنا عارف إنكم كتر خيركم بعتوا حتة الأرض عشان تجهيز الشقة، بس لحد إمتى حفضل معتمد عليكم، كفاية بقى وأشق طريقي في الشغل وأكون مستقبلنا أنا و"مودة"، أنا مش صغير، ولازم أكون مسؤول عن بيتي وجوازي أكتر من كدة، مش كله عليكم ...
كادت أن تهم "منار" برفض ما يفكر به "رؤوف" حين أمسك "خالد" بكفها يمنعها عن الإستطراد بالحديث بحزمة المعتاد كمسؤول ورب لتلك الأسرة ...
- كلام "رؤوف" صح يا "منار"، لازم ياخد خطوة في مستقبله، هو راجل مسئول دلوقتِ ولازم ياخد قراره بنفسه، من غير ضغط مننا ...
وقف "عيسى" من خلف أخيه يومئ رأسه بخفة مساندًا ...
- بالضبط يا بابا، ده إللي كنت حقوله لحضرتك، "رؤوف" خلاص يا ماما مبقاش صغير ومش لازم نخاف عليه أوي كدة، لازم ياخد خطوة جديدة، والسفر فرصة كويسة ومناسبة له، يا ريت منوقفش في طريقة ...
تحفز الجميع بحديث "رؤوف" وطلبه، حتى وافق والديه على سفره للعمل وتحقيق ما يتمنى بعيدًا عنهم ...
لم يكاد نقاشهم بأمر سفر "رؤوف" ينتهي وقد دق هاتف "عيسى" بنغمة رسالة واردة ليسارع برؤية محتواها ...
بالبداية لم يهتم أحد للأمر لكن تطلعه الزائد بالهاتف لفترة من الوقت جعل "خالد" يتسائل عما إذا كان هناك أمر غريب ..
- إيه يا "عيسى"، فيها إيه الرسالة دي ..؟!!
تطلع بوجه والده قليلًا ثم نظر لمعشوقته وحظه الحلو بالدنيا، فيبدو أن ليس "غدير" وحدها وجه السعد عليه، بل لطفليه الحديثان رزق من نوع آخر ...
نظرته نحو "غدير" جعلتها تتحفز بقلق لتعيد "غدير" تساؤل والده ...
- فيه إيه يا "عيسى" بلاش قلق عشان خاطر الست الوالدة ؟!! ( ثم نظرت تجاه "منار" بمزاح)، سوري يا ماما ...
إبتسم "عيسى" وهو يتابع نظراته بين والديه وأخيه و"غدير" قائلًا بسعادة ...
- جاتني رسالة قبول للنيابة العامة، أنا نجحت في إختبار القبول، خلاص حتعين وكيل نيابة ...
هلل الجميع فرحًا بهذا المنصب الذي يستحقه "عيسى"، حُلمًا كان يسعى لتحقيقه، وها هو أصبح حقيقة مع مجئ أطفاله للدنيا ...
فما أجمل أن تكلل معاناتك بالدنيا بما يستحق أن تعاني لأجله، فالنجاح ينسى التعب ويبهج القلب ...
فإن كان للحديث إجابة، فملامحنا أصدق إجابة تختصر الحديث، تلك الفرحة التي عمت الأعين لم تكن كاذبة، فالجميع يشعر بالفخر والسعادة لحصول "عيسى" على هذا المنصب المرموق ...
وقف "خالد" يحيط ولده بعناق مبتهج يباركه حصوله على مبتغاه، كما بارك له "رؤوف" أيضًا، قبل "عيسى" كف والدته، ليعود لموطنه ومنبع حياته التي تسقيه شهدها بوجودها العذب، دنا من فراشها ليسكب بهجته بقربها يستنشق عبير اللافندر خاصتها وتشاركه هي سعادته ...
فما أسعدهم اليوم لحصول "عيسى" على منصب وكيل النياية، وولادة طفليهما بسلامة وصحة، فالرزق يأتي دون طلب منا لكن جهده يجزينا به رب العالمين ...
رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
إنطلق "معتصم" بسيارته وقد جلست "عهد" بالمقعد المجاور له لا تستطيع إخفاء ضيقها من أن سعادتها سُلبت منها مجبرة بدافع العمل والواجب، نظرت من النافذة تمنع خروج كلماتها الساخطة على السيد "نظمي" بصعوبة، فإلى متى ستصبح فرحتها مؤجلة ...
كظهر اليد حفظها "معتصم" لينظر نحوها بجانب عينيه ثم سألها بنوع من المشاكسة اللطيفة التي تميزه ..
- مالك يا حاج "فتحي"، قالب وشك ليه ..؟!!
وكأنها تذكرت طريقته بالماضي لتعتدل بحركة فجائية وهي تناظره بحده وقد علت عسليتيها الناعستين نظرة ساخطة مشاكسة أيضًا ...
- تاني حاج "فتحي"، شكلك مش حتنسى يا "معتصم"، وعايزني أرجع زي زمان، هاه، فاكر زمان ...
قالتها وهي تشير بإبهامها للخلف، لينظر نحوها بإبتسامة جانبية بشفتيه الممتلئتان ...
- ده أحلى حاجة زمان ده، هو أنا لولا زمان كنت حبيتك، قول كمان يا حاج "فتحي"، قول ...
رمقته بحدة لتهتف به بإنفعال ...
- "معتصم" ..!!!!
أوقف السيارة جانبيًا بهذا الطريق الصحراوي، لينظر بعمق داخل عينيها يسبل بهم بهيام ...
- عيون "معتصم" إللي مدوخاه وراكِ ...
مال بوجهه تجاهها لتنتفض بإرتباك ناظرة نحو الطريق ...
- إنت حتعمل إيه يا مجنون، يلا خلينا نوصل، بلاش جنان ...
كانت تشير تجاه الطريق حين إنتبهت لأمر ما جعلها تستدير مرة أخرى تجاه "معتصم"، الذي بدوره ظنها تراجعت عن إرتباكها وقررت التودد إليه، ليهمس مازحًا ...
- ما قولنا كدة، لازمته إيه الزعيق بس ...
كظمت ضحكتها لتسأله بجدية ...
- لأ، بجد، إحنا فين ...؟!! إيه الطريق ده، ده مش طريق المطار ...؟!!!!!
أعاد "معتصم" جذعه للخلف معقبًا بسخرية ...
- يا خبر أبيض، إنتِ لسه واخدة بالك .. ؟!! عيب عليكِ ده إنت ظابط ....!!!!!
إنتبهت "عهد" بصورة كاملة مستفسرة ...
- أنا بتكلم بجد يا "معتصم"، إحنا رايحين فين ..؟!! مش المفروض نسافر عشان المهمة ...؟؟
أجابها بذات الجدية ...
- أنا إتفاهمت مع "نظمي" بيه، وقولت له أنا يا قاتل يا مقتول في الجوازة دي، وعمري ما حسيبك عشان أي مهمات، (ثم نظر تجاهها بعشق مستكملًا )، وبعدين إنتِ أهم مهمة في حياتي يا "لوزة" ....
يتغزل بها وتعشق ذلك، لقد أصبحت إنسانة أخرى، أصبح لها قلب، يدق بإسم "معتصم"، ما أجمل عشقه وعباراته، ما أجمل الحياة معه ...
نكست رأسها قليلًا ببعض الخجل ثم سألته بنعومة ودلال ...
- أمال حتوديني فين يا "ماوصي" ..؟!!
رفع حاجبه بخيلاء معجبًا بترويض شرسته، ثم أجابها دون مراوغة ...
- ليا واحد صاحبي عنده مزرعة خيل في الفيوم، حنقضي هناك يومين وبعدها نسافر، إيه رأيك ...؟!!
فغرت فاها بإبتهاج غير مصدقة لما رتبه دون علمها ...
- خيل ..!!!! إنت بتتكلم جد ...؟!! يا ريت، يا ريت بجد، أنا بحب الخيل أوي يا "معتصم" ...
أمسك بكفها يسحبه نحو شفتيه ليقبلهما بعمق قائلًا ...
- وأنا بحبك أوي يا قلب "معتصم" ...
بسعادة كادت السيارة تحلق مع قلوبهم بطريقهم للفيوم لقضاء شهر عسل مختزل بيومين فقط قبل بدء مهمتهم القادمة ...
أراك كونًا يكفيني عن العالم أجمع، حتى وإن كان لقائي بك مجرد لحظات، فهي كدهر كامل بقلبي المتيم، لكنني أطمع بأن أبقى وأن تبقى معي للأبد، ومن يلام على طمعه بقرب الحبيب ...
❈-❈-❈ــ
بيت عائلة الأسمر (شقة وعد ومحب) ...
وإن كان للقلوب حديث، فالكلمات تبحر بنا لعالم آخر، لقد علقت القلوب وتمنت الراحة، وإن الراحة مجملها في عينيك ...
أنهى "محب" مكالمته باحثًا عن جانب روحه اللطيف، فكل المصاعب تهون بنظرة واحدة من خضراوتيها، ينسى بوجودها المشقة، وكأنها خلقت من النسيم، تعبر بلطف بحياته، وتملس بنعومتها فوق قلبه، إنها بالفعل (وعد)، وعد لحياة يرتاح بها قلبه مع دنيا طالما قضبت وجهها له ...
وقفت "وعد" تحضر طعام الفطور بإنشغال كعادتها، فـ"زين" قد إقترب موعد إستيقاظه، كغزال شارد وقف بالبرية يسهل إصطياده، هكذا رآها "محب" ليأتي من خلفها يحاوطها بمحبة قائلًا بهمس ...
- هو إنتِ كل يوم حتحلوي بزيادة، بصراحة أنا مقدرش على كدة ..
إلتفت برأسها تجاهه دون أن تتخلى عن إبتسامتها الرقيقة ...
- غريبة صحيت بدري ..؟!!
نظر نحوها لبعض الوقت يدقق بملامحها التي غرست بداخل قلبه ثم أجابه بعد تنهيدة طويلة ...
- جالي تليفون من السمسار، بيقولي فيه بيت حلو، وعايزيني أروح أشوفه ...
رفعت حاجبيها بإندهاش ...
- معقول بالسرعة دي، ده إحنا كنا لسه بنتكلم إمبارح ..!!!
بريئة حتى بأفكارها، كما لو كانت الدنيا لم تضع بصمتها فوق روحها، إبتسم "محب" بخفة موضحًا ...
- هم السماسرة كدة، بيبقى عندهم حاجات معروضة، أول ما أطلب يقولي على إللي عنده، ولو عجبك البيت، فورا نشتريه ...
تركت "وعد" ما بيدها لتستدير بشكل كامل بمواجهة "محب" ...
- أنا أي مكان أكون معاك فيه حيعجبني ...
تهللت أساريره فقد طالت يداه السماء للتو، لكنه أكمل ...
- وبرضه لو عايزة بيت لوحدك أنا جاهز، المهم تكوني مبسوطة ...
بدون تردد أجابته "وعد" ...
- لا يا "محب"، خلينا كلنا مع بعض، وحتى بنات "عتاب"، من النهاردة حعتبرهم زي "زين"، وكأني عندي أربع ولاد، كلهم يقولولي يا ماما، وكلهم مش حفرق بينهم، حتى "حور" ...
أنهت عبارتها وهي تأشر نحو بطنها المنتفخة، فبعد أن كان لديها إبن وحيد، سيكون عندها خمسة تهتم بهم وبرعايتهم، ولا تشعر بأي ضغينة لذلك ...
قبل "محب" جبهتها بمحبة لقلبها الطيب، كم هو محظوظ بها وبقلبها النقي كقطعة الألماس ...
- ربنا يبارك لك يا "وعد"، حتى بعد إللي أمهم عملته فيكِ، بس برضه قلبك طيب على البنات ...
- هم ملهمش ذنب يا "محب"، يلا بس هات لنا إنت البيت ونبعد عن هنا وكله حيبقى تمام ...
غمز بعينيه بشقاوته التي تعرفها جيدًا ...
- كله كله ....
ضحكت "وعد" بحالمية مردفة بوداعة ...
- كله كله ...
وإن قسم العشق لنصفين فلك نصفه جهرًا والبقية سرًا بيني وبين عينيك، تلك المحبة ككلمات وأفعال، جميعهم يدورون بفلك واحد، إنها الحقيقة وصدق المشاعر ...
❈-❈-❈ــ
بيت فخري النجار ...
هدأت النفوس لبعض الوقت، وإستعدت "زكيه" بهدوء لتحضير ما يلزم لخُطبة "نغم" اليوم، حتى "فخري" عاد مبكرًا لإنتظار "بحر" ووالدته اليوم لإعلان خطبته على "نغم" ...
أمل يتتوق الجميع لحضوره، وإنتشال تلك الهشة من أزمتها، حتى بموت "مأمون" لم تحظى "نغم" بإحساس الأمان، فالخيانة مؤلمة حين تأتي ممن لا تتوقعها، من أمنته على قلبك وروحك وقابلها بالغدر والخيانة ...
رشا روميه قوت القلوب
دقات مبتهجة علت بابهم لينهض "فخري" لمقابلة الطارق ظنًا منه أنه "بحر" وقد جاء مبكرًا عن موعده ...
ليس هناك أجمل من نقاء القلوب، وتشاطر الفرحة والحزن معًا، وما الأخوة إلا قلب على قلب، وروح منقسمة بجسدين ...
وقفت "شجن" بباب شقة عمها الجديدة وقد إتسعت إبتسامتها العريضة، لقد جاءت خصيصًا لتتواجد إلى جوار أختها، أن تعوضها حرمانها من تلك اللحظة التي غابت بها عنها من قبل ...
رؤية "شجن" تقف قبالتهم جعلت "نغم" تركض تجاه أختها ترتمي بأحضانها بتأثر، فاليوم كما تمنت تواجد الجميع معها، وهج بروحها لمساندتهم لها ومشاركتها فرحتها، وبث روح القوة لها، إنه بالفعل ليوم مختلف تجمع به كل الأحبة ...
هتفت "نغم" بسعادة لرؤيتها لأختها ...
- "شجن"، إنتِ جيتِ ....!!!
تلك النظرة التي غمرت "شجن" لم تكن نظرة أخت لأختها، بل نظرة أم محبة لإبنتها الصغرى، قالتها بنبرة تميل للوم ..
- وهو أنا برضه ينفع مجيش في يوم زي ده ..!!!!!
زادت "نغم" بإحتضان أختها، لقد كانت دومًا على صواب، لقد كانت محقة بكل شيء، ليتها كانت إستمعت لها ما كان هذا حالها، لكن الملامة لا تصح، فقد كان قدر ونصيب من الله لكي تتعلم هذا الدرس القاسي، الذي علمها كثيرًا ...
بطريقتها المازحة عقبت "شجن" ...
- هو إنتوا مش حتدخلونا ولا إيه ...؟
ضحكت "نغم" وسط عبراتها المتأثرة لتبتعد عن طريق "شجن" و "رحيم" لتستقبلهم "زكيه" بترحاب شديد، وكذلك "فخري" ...
ألفة ومحبة ودفء، حياة جميلة ربطتهم جميعًا بعائلة النجار، بعد أن كانت الشرور والأنانية سيط لهم ..
❈-❈-❈ــ
الفيوم (مزرعة الخيول ..) ...
كان العهد عهد إلزام بالمحبة، عهد سحابة طالما تمنت يومًا بأن تسقط المطر، مشاعر مخزنة بداخل القلب تمنت يومًا أن تظهر للنور، أليس بعد كل هذا الجفاء لنا الحق بقلب سعيد ...
تراقص قلبها على دقات فؤادها السعيد وهي ترى تلك المحبة بأعينها، تعيش تجربة لم يصل لخيالها يومًا حلم بها، لقد تخطى الواقع كل ما كانت تتمناه، إنها برفقته هو، هو من إمتلك قلبها رغمًا عنها وإحتله بإرادتها، بل وأسقاها السعادة ...
وقفت "عهد" بتلك المزرعة التي ظنت أنها ممتلئة بالعاملين وأصحابها، لكنها فوجئت بأنها خالية تمامًا إلا منهما فقط، غامض حتى بمحبته وترتيباته ليوم مميز يجمعهما بدون دخيل ...
تابعت "معتصم" بعينيها وهو يسحب سراج أحد الخيول متقدمًا نحوها بعشق لم تظن أنها يومًا ستقع به، وإن وقعت به لم تتخيل أنها ستُعبِر عنه وتصرح به علانية، لقد إستطاع بما لم يستطع به غيره، لقد إستطاع تغييرها ...
وقف "معتصم" أمامها يتابع نظراتها إليه ليندمج بمثيلتها معها قائلًا بشوق ...
- تصدقي، من أول يوم شوفتك فيه في الكوخ، وأنا نفسي في لمعة عينك دي، مكنتش أظن أبدًا إنك حتبصيها لي، يمكن تحبيني في سرك أه، لكن إني أشوف لمعة الحب في عينك، ده كان مستحيل ...
إنطلق لسانها المعقود بما لم تكبح جماحه بوجوده ...
- عارف ليه، لأنك مش أي حد يا "معتصم"، مش عارفة إمتى وإزاي حبيتك كدة، بس إللي أنا عارفاه دلوقتِ ومتأكدة منه، إني بحبك أوي، ومش قادرة ومش عايزة أبعد عنك ولا عن حبك ...
سحب كفيها بخاصتيه ليضمهما بقوة وحنان معًا ليطبع قبلة طويلة بهما ثم رفع رأسه محدقًا بسوداوتيه بداخل عينيها الناعستين قائلًا بصوته الشجي، ينهمر عشقًا بشرسته ...
- أنا أسعد إنسان في الكون كله، ده كفاية إني سمعت كلمة بحبك منك، إنتِ بجد مش متخيلة حبي ليكِ قد إيه، أنا إللي جوايا إحساس لا يمكن وصفة بكلمة، بس عايز أقولك، إنك أمل كنت أتمنى أوصل له، كل كلمة حب مش حتوفيكِ حقك، حتى كلمة بحبك ...
تطلعت به قليلًا ثم أجابته ...
- مش كفاية عليا كدة ولا إيه، بجد مش متعودة على الكلام الحلو ده ...
مط شفتيه الممتلئتان معقبًا ...
- معايا أنا، لازم تتعودي على الكلام الحلو ( ثم رفع حاجبه ونظر نحو بحدة وغِيرة واضحة)، معايا أنا، وبس، ماشي يا "لوزة" ...
إبتسمت "عهد" بخفة لتجيبة بلطافة تشبة أختها "وعد" ...
- ماشي يا "ماوصي". ...
لكن سرعان ما عادت لشخصيتها الحادة تحاول سحب كفيها من بين كفيه ..
- مش كفاية كدة ولا طمعت فيهم ..!!!
تعالت ضحكته الرنانة فلن تتغير تلك المتمردة بشكل كامل مهما حاول، وهذا أمر لا يوده، بل يريدها كما هي، متمردة شرسة قوية، لن يكسر شوكتها أو يطالب بخنوعها ...
عقب ممازحًا ...
- إصبر شوية يا حاج "فتحي" نكمل اللحظة، عيشِ معايا اللحظة أبوس إيدك ...
تشبث كفه بكفيها يمنعها من سحبهما من بين خاصته، وهو يدفع بكفِه الحُر لداخل جيبه مخرجًا علبة من القطيفة السوداء لفتت نظر "عهد" لتسأله بفضول ..
- إيه ده ..؟!!
بهذا الوقت فقط حرر كفها من بين قبضته القوية ليمسك بالآخر ليفتح العلبة مخرجًا منها ساعة قيمة للغاية صنعت خصيصًا لها، نُقش بداخلها حرفي إسميهما معًا ..
وضعها حول معصمها ثم رفع كفها تجاه شفتيه يقبله مرة أخرى ...
- دي هدية أول يوم في حياتنا سوا، مش عايزك تقلعيها من إيدك أبدًا، خليني دايمًا كدة قريب منك ولو بحرف من إسمي ...
دمعت عينيها تاثرًا تلك التي لا تعرف معنى التأثر، ليتهدج صدرها بقوة، يا ليتها عرفته منذ زمن لكانت أصبحت "عهد" مختلفة تمامًا ...
مسح "معتصم" دمعتها الخائنة بطرف إصبعه محذرها بمحبة ...
- إوعي أشوف دموع عينك أبدًا، حتى لو بسببي أنا، إنتِ قوية وحتفضلي قوية، يا أجمل "لوزة" ...
أشار تجاه الخيول قائلًا ...
- يلا بينا بقى ...
أومأت "عهد" عدة مرات لتقفز بمهارة فوق أحدهم ليعتلي هو الآخر منطلقان بقوة كفارسين مغوارين فوق خيولهم ...
شعرت كما لو أنها محلقة فوق السحاب بسعادتها، حتى بسرعة المُهرة أشعرتها بقوتها فهي مثلها تمامًا، قوية شامخة لا تنحني حتى بحبها ....
مع إنطلاقهما جذب "معتصم" سرج فرسه ليقترب من "عهد" ثم مد ذراعه لها، دعوة خلجت قلبها لتمد ذراعها أيضًا نحوه ويتعانق كفوفهما معًا، لكنها فوجئت به يسحبها تجاهه لتشعر مرة أخرى بأنها محلقة بالهواء، كمثل يوم إنقاذه لها، لتحط بالنهاية فوق ظهر فرسه وينطلقا معًا بمشهد بديع فقد حاوطها بقوة لتشعر بأنها ألقت كل حمولتها عليه وأصبحت جزء لا يتجزأ منه، لتتعانق الشمس بإلقاء نظرة وداع بغروب جميل وبداية لسكينة روحهما معًا ...
رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
بيت فخري النجار ...
لم يكتفى بوجود "زكيه" وبناتها وعمهم "فخري"، بل تفاجئت "نغم" بحضور "فريد" إبن عمها "فخري" وأبنائه، كذلك حضرت "راوية" وزوجها ....
الكل آتى ما بين مساند لفرحة "نغم"، وبين شعورهم بالذنب لما إقترفه "مأمون" بحقها، لكن في النهاية لقد تجمعوا جميعًا لمشاركتها والإحتفاء بها ...
وجوه كثيرة وضحكة من القلب رأتها بأعينهم، فكل ما تراه اليوم لهو مختلف، كما لو أن الضوء تلألأ فوق العادة، وتلاشت الغشاوة من فوق عينيها، الجميع يطالعها بمحبة وإنبهار حين خرجت من غرفتها ترتدي فستانها الوردي الجديد الذي إشترته والدتها اليوم ...
فستان رقيق من الحرير الناعم وفوقه طبقة من الدانتيل الوردي بنفس اللون أكسبه رقي ونعومة بذات الوقت، لكن جمالها الطبيعي هو ما أضاف للفستان بهاء وبريق ...
لم تكن تخطف أنظارهم فحسب، بل خطفت قلب هذا الواقف بالباب والذي آتى للتو برفقة والدته ...
كمن سُحِب الهواء من رئتيه فرؤيته لها جعلته يشهق ويسعل بخفة، لؤلؤة ساحرة كما رآها أول مرة، أتت بالفعل من عالم الأحلام وليست واقع ملموس يراه أمام عينيه ...
تنفس "بحر" بإضطراب دون أن يسقط عينيه عن جميلته التي تألقت بفستانها الوردي، ورغم تحيته للجالسين جميعًا إلا أن عينيه إمتلكتهما هي فقط الآن، لكن قلبه إمتلكته منذ زمن مضى ..
حملقته بها جعلتها تشعر بالنشوة والسعادة، نظرات مُحبة لم تراها من سواه، إختلج قلبها بضربات متتالية لتنكس عينيها بخجل وهي تحيي والدته التي جائت برفقته ...
باقة من الزهور الحمراء قدمها "بحر" لها وهو يبتسم بجاذبية ..
- مبروك يا "نغم" ...
حملت الباقة برفق وهي تومئ بخجل ليتخذ الجميع مقاعدهم تاركين لهم تلك الأريكة لتجلس عليها برفقة "بحر"، الذي نحى خجله اليوم وتملكته الرغبة في إظهار مشاعره لها، فاليوم تخط الدنيا له أول سطر بسعادته ...
همس لها "بحر" برفق أثناء جلوسهم ...
- زي القمر النهاردة، ده حتى الورد مش باين من جمال عنيكِ ....
كلمات كادت تقفز فرحًا بسماعها لكنها تمالكت إبتسامتها لتتحلى بالرزانة والهدوء لتفسح المجال لعمها ووالدة "بحر" بطلب زواجها بشكل رسمي، لتدب الراحة بالقلوب حين أعلنت الموافقة وقراءة الفاتحة ...
تعالت المباركات للعروسين بعد إعلان خطبتهما، أحاديث جانبية ونظرات سعيدة علت العيون، لكن "بحر" وجدها فرصة بعد فوزه أخيرًا بمن هواها ليحدثها بما يفيض بقلبه من عشق ...
- مبسوطة يا "نغم" ...؟! أنا عارف إنك مكنتيش موافقة وإنك مش بتحبيني وكـــــ......
قاطعته "نغم" برفض تام ووجه متجهم ...
- مين قالك كدة ؟؟! لا يا "بحر"، أنا كنت بس خايفة من تكرار التجربة، كان فيه غشاوة على عيني إسمها "مأمون"، بس خلاص، فوقت وفتحت وفهمت ...
ثم أكملت بمشاعر صادقة ...
- إحنا شبه بعض أوي، وإكتشفت إني كنت بكذب على نفسي، وإني حبيتك وحبيت كلامك وطريقتك من أول يوم ليا معاك في المكتبة، بس غبائي صور لي حاجات تانية، لأني مكنتش فاهمة كويس ...
زاغت عيناها بألم حين تذكرت لتستكمل بتأثر ...
- بس فهمت وعرفت وإتعلمت الدرس كويس أوي ...
بجدية تامة تطلع بها "بحر" قائلًا ...
- "نغم"، عايزك توعديني من النهاردة ولا نجيب سيرته ولا نقول إسمه، وإللي حصل ده ننساه خالص، ووعد مني أنا حقدر أنسيكِ كل إللي فات ...
رفعت رأسها بإلتفاتة نحوه لتتعلق سوداوتيه بملامحه قبل أن تجيبه بتمني ...
- يا ريت يا "بحر"، يا ريت ...
- متقلقيش من الناحية دي، لأن الحب الحقيقي كفيل إنه يشيل أي هم فات ...
ترجي أم تمني لكنها أحلام يمكنها أن تتحقق بالصدق والوضوح بينهم، بعد قضاء ليلة عائلية بجو دافئ إنتهت ليلة خطبة "نغم" و "بحر" وسط مساندة ممن لم تكن تظن أن القدر قد يمكنه جمعهم برابط محب، فسبحان مغير القلوب، فهي تتغير ولا يتغير ...
❈-❈-❈ــ
وحان أوان النهاية، فلكل بداية نهاية، وما أسرع من مرور الوقت، بِحُلوَه ومُرَه يمر، لكن من الفِطنةِ أن تعيش الحياة حيث تشعر أنك على قيدها، أن يكون الوقت مجرد عابر يكسبك حلاوتها ولا يكون مجرد عدو يلتهم نفسك ...
إنتهت الليلة بفوز قلوب محبة برباط من جديد، لكن حان وقت الرحيل، لكنه ليس بوداع، عاد الزائرون لحياتهم، فأسرع "رحيم" و "شجن" بالعودة لحياتهم المزدهرة بالمزرعة برفقة والديه "أيوب" و "نعمة"، كذلك عادت "راوية" وزوجها وأخيها "فريد" لحياتهم المعتادة ...
وبنفوس مختلفة تركوا بهجة ولمسة أمل ببيت "فخري" النجار بعد خطبة "نغم" لـ"بحر"، الذي غادر بعد قليل برفقة والدته ومازال لا يصدق بعد أن حُلمه قد تحقق بعد كل تلك العقبات التي ظن أنها ستحول بينه وبين سعادته إلى الأبد ...
قلب تلك الصغيرة زاره الفرحة آخيرًا لتنشغل بحديث "بحر" ومحبته متناسية "مأمون" وأفعاله، هذا الذي لم يحزن أحد على فراقه بعد ما إقترفه معها وظهور مساوئه ...
لم تكن نهاية اليوم متوقفة عند حد عائلة النجار، بل إستعدت عائلة دويدار بالعودة لبيتهم وقد زادت أسرتهم بفردين صغيرين كانوا سببًا لبهجة غير معتادة بنفوسهم ...
رشا روميه قوت القلوب
وصلت عائلة دويدار للبيت ليتخذ "خالد" و"رؤوف" شقتهم بالطابق الأول مستقرًا لهم بعد إجهاد يوم طويل بالمستشفى، بينما أصرت "منار" على المبيت برفقة إبنتها "غدير" و"مودة" لمساعدة "غدير" بتخطي تلك الفترة المُجهدة المؤلمة لها وتخفيف حمل التوأم عنها، فـ"مودة" مازالت صغيرة ولا خبرة لها بالإهتمام بالأطفال وأمهم المُتعَبة ...
لم يفارق "عيسى" قطعة الشيكولاتة خاصته منذ بداية آلامها للوضع وحتى هذه اللحظة، لم يكن بدافع مسؤولية لكنه كان محبة وعطاء، بينما كانت "غدير" محظوظة بزوج محب كـ"عيسى"، وبأم حنونة كـ"منار" ...
وجود الطفلين كان له أثر كبير ببث بهجة وتفاؤل بقلوبهم جميعًا، كما رآه "عيسى" سببًا برزقه من الله بحصوله على عمله كـ وكيل نيابة وعليه إستلام منصبه الجديد الذي يستحقه عن جدارة وإستحقاق ...
عاد "محب" و"وعد" للتو من الخارج بعد رؤيتهم لهذا البيت الجديد الذي أعجبهم للغاية، وقد تم الإتفاق على شراء هذا البيت ليكون خطوة جديدة بحياتهم بعيدًا عن كل الذكريات المؤلمة الماضية بهذا البيت ...
في صباح اليوم التالي ...
ما كان بالصدور قلب نابض، بل كان يخبئ وجوده لينتظر قلب آخر ليدقا معًا ..
أنت بوصلتي ووجهتي وإن إختلفت المدن، فقط حين تتخبط بالطريق إقترب، مرور الوقت لا يعني النهاية، لكن على قلوبنا البقاء معًا، فأنت موطني فما عدت أخشى الزمان وشردته ...
الفيوم (مزرعة الخيول) ...
إنتهى وقت الراحة وعليهم أن يتجهزا للعمل، إستيقظ "معتصم" بوقت مبكر يطالع ملكته النائمة بهدوء، فحتى بنومتها مختلفة، منمقة منتظمة مهندمة بشكل غير عادي، نعم مرتبة للغاية، لكنه يشعر أنها إعتادت الجدية حتى كادت تنسى كيف تعيش ...
ليس إشفاق بل وعد بأن يجع?.
تمت بحمد الله
لقراءة جميع فصول الرواية من هنا
وأيضا زرونا على صفحة الفيس بوك
وايضا زورو صفحتنا سما للروايات
من هنا علي التلجرام لتشارك معنا لك
كل جديد من لينك التلجرام الظاهر امامك
وايضا زورو صفحتنا سما للروايات
من هنا علي التلجرام لتشارك معنا لك