رواية الاستهتار الفصل التاسع 9 والاخير بقلم وفاء الدرع


رواية الاستهتار الفصل التاسع 9 والاخير بقلم وفاء الدرع


✨🩸
اول هزيمة
لم ينم مهران الألفي تلك الليلة.
جلس في سيارته أمام قسم الشرطة، ينظر إلى المبنى في صمت.
كم مرة دخل هذا المكان ليُنهي مشكلة لأحد معارفه؟
وكم مرة خرج وهو يردد بثقة:
"الفلوس تفتح أي باب."
لكن هذه الليلة...
كان الباب مغلقًا.
ولأول مرة...
لم يكن يملك مفتاحه.
داخل القسم...
كان عمر يجلس في غرفة الانتظار بعد انتهاء الإجراءات الأولية.
دخل ممدوح إليه، وجلس أمامه.
قال بهدوء:
ـ عامل إيه؟
ابتسم عمر ابتسامة حزينة.
ـ أول مرة أحس إني شايف نفسي على حقيقتها.
سأله ممدوح:
ـ ندمان؟
رد دون تردد:
ـ على كل خطوة مشيت فيها بعيد عن وصية أمي.
خفض ممدوح رأسه وقال:
ـ الندم بداية كويسة...
بس لازم ييجي بعدها قرار.
ـ قرار إيه؟
ـ إنك لو خرجت من هنا...
متبقاش نفس عمر اللي دخل.
هز عمر رأسه في صمت.
في الخارج...
كان مهران يتحرك بعصبية.
اتصل بمحاميه.
وصل المحامي بعد دقائق.
جلس إلى جواره وقال:
ـ الوضع محتاج هدوء.
رد مهران بانفعال:
ـ هدوء إيه؟
ابني جوه!
أنا مستعد أدفع أي مبلغ.
أي مبلغ.
نظر إليه المحامي طويلًا.
ثم قال:
ـ يا مهران بيه...
في مشاكل الفلوس بتحلها.
لكن في مشاكل سببها أسلوب حياة كامل.
ودي محتاجة تتصلح من جذورها.
نظر إليه مهران بغضب.
ـ يعني إيه؟
المحامي كان صديق مهران ومن اقرب الناس الي.
قال المحامي:
ـ اسأل نفسك...
آخر مرة قعدت فيها مع ابنك تتكلموا من القلب كانت إمتى؟
آخر مرة عرفته فيها إنك بتحبه...
مش إنك بتصرف عليه؟
سكت مهران.
لأنه لم يجد إجابة.
خرج مهران من القسم مع بزوغ الفجر.
ركب سيارته.
ولم يطلب من السائق أن يتحرك.
ظل ينظر إلى السماء.
ثم تذكر كاملية...
وتذكر كلماتها التي طالما تجاهلها:
"أوعى ييجي يوم تندم...
لأن الندم بعد فوات الأوان بيوجع."
انهمرت دموعه.
وقال بصوت مكسور:
ـ كان عندك حق يا كاملية...
أنا كنت فاكر إني ببني مستقبل ابني...
وأنا كنت بهدّه بإيديا.
وفي صباح اليوم التالي...
خرج عمر بعد استكمال الإجراءات القانونية اللازمة.
لم يكن نفس الشاب الذي دخل القسم.
خرج منكسرًا...
صامتًا...
لا ينظر في عيون أحد.
اقترب منه مهران.
ولأول مرة منذ سنوات...
احتضنه.
احتضنه بقوة.
وبكى.
قال بصوت متقطع:
ـ سامحني يا ابني...
أنا قصرت في حقك.
تجمد عمر للحظة.
ثم بكى هو الآخر.
لكن داخل قلبه...
كان يعلم أن مجرد الاعتذار...
لن يمحو آثار سنوات طويلة من الألم.
وكانت رحلة العلاج...
لم تبدأ بعد.

 (مُعدّل): حين يعود الضوء
مرت أيام ثقيلة بعد خروج عمر من القسم...
لكن هذه المرة، لم يعد إلى نفس الطريق.
لم يعد إلى السهر...
ولا إلى الرفاق...
ولا إلى الفراغ الذي كان يبتلعه ببطء.
كان الصمت يسكنه، لكن داخله لم يكن فارغًا كما قبل.
كان ممتلئًا بالألم... وبالندم... وبمحاولة فهم نفسه لأول مرة.
في صباح اليوم التالي...
دخل مهران غرفة ابنه.
جلس أمامه دون أن يتحدث كثيرًا.
هذه المرة لم يكن رجل أعمال...
بل أبًا خائفًا يتعلم كيف يقترب.
قال بصوت منخفض:
ـ أنا مش جاي أضغط عليك...
أنا جاي أقولك إنك مش لوحدك.
رفع عمر عينيه بصعوبة.
ـ أنا تعبت يا بابا...
تعبت من نفسي.
اقترب مهران أكثر.
ـ وأنا كمان تعبت...
بس المرة دي مش هنسيبك تقع .
وفي اليوم التالي تعب عمر تعب شديد.
لكن مهران.اخذ عمر في حضنه.وكان معه منديل في مخدر 
عمر شم المنديل ونام.واخذه وركب سيارته 
ودخل عمر المستشفى في رحلة علاج وتأهيل حقيقية.
كانت أصعب أيام حياته.
مواجهة نفسه...
أفكاره...
فراغه...
وصوته الداخلي الذي كان يلومه بلا توقف.
لكن وسط هذا كله...
كان هناك وجه آخر لم يتركه.
ليلى... بنت خاله.
منذ اللحظة الأولى لدخوله المستشفى، كانت هي هناك.
لم تتركه وحده.
كانت تأتي كل يوم.
تحمل له الطعام أحيانًا.
وتجلس بصمت أحيانًا أخرى.
وأحيانًا كثيرة... فقط تمسك يده دون كلام.
كانت تعرف أن الكلام لا يصل دائمًا...
لكن الحضور يفعل.
وفي كل مرة كان ينهار فيها عمر...
كانت تقول له بهدوء:
ـ مش لازم تكون قوي دلوقتي...
بس لازم تكمل.
وفي إحدى الليالي...
كان عمر جالسًا في حديقة المستشفى، شاردًا.
جلست ليلى بجواره.
قال بصوت مكسور:
ـ أنا ضيعت نفسي يا ليلى...
ومش عارف أرجع.
صمتت لحظة...
ثم قالت:
ـ كلنا بنضيع في لحظة...
بس مش كلنا بنلاقي حد يمسك إيدنا ونرجع.
نظر إليها.
كانت عينيها مليئة بالصدق لا الشفقة.
أكملت:
ـ وأنا مش هسيبك.
مش لأنك مثالي...
بس لأنك بتحاول.
مرت الشهور...
وتحسن عمر خطوة خطوة.
ليس بسرعة...
لكن بثبات.
وكانت ليلى دائمًا بجانبه.
في الزيارات...
في العلاج...
في الصمت...
وفي لحظات الانهيار.
حتى مهران لاحظ ذلك.
وفي يومٍ ما...
قال لابنه:
ـ البنت دي وقفت معاك وقت ما الكل كان خايف يقرب.
سكت عمر.
لم يرد.
لكن قلبه كان يفهم.
وفي يوم خروجه النهائي من المستشفى...
كان الجميع هناك.
مهران...
ممدوح...
وبعض الأقارب.
وليلى كانت تقف في الخلف بهدوء.
اقترب منها عمر.
وقال بصوت منخفض:
ـ أنا من غيرك كنت ضعت أكتر.
ابتسمت بخجل.
ـ المهم إنك رجعت.
بعد أشهر قليلة...
وفي بيت العائلة الكبير...
أُقيمت جلسة بسيطة.
لا صخب...
ولا مظاهر مبالغة.
فقط عائلتان اجتمعتا على بداية جديدة.
قال مهران وهو ينظر للجميع:
ـ أنا عايز ابني يعيش حياة مستقرة...
ومش عايزه يكرر أي وجع فات.
ثم نظر إلى ليلى...
وقال:
ـ ولو ربنا كاتب... أنا موافق.
ساد الصمت للحظات...
ثم ابتسم عمر.
وقال:
ـ أنا مش بدور على حياة كاملة...
أنا بدور على حياة صادقة.
ونظر إلى ليلى.
فقالت بهدوء:
ـ وأنا معاك.
ومرت الأيام...
وتحولت العلاقة إلى خطوبة رسمية.
لكن هذه المرة...
لم تكن مبنية على مال...
ولا على هروب...
ولا على فراغ.
بل على إنسانين نجوا من الضياع...
ومسكوا في بعض علشان ما يقعوش تاني.
وفي زيارة أخيرة لقبر كاملية...
وقف عمر بجوار القبر.
وقال:
ـ وعدتك يا أمي...
ما أضيعش نفسي تاني.
وجبت حد يساعدني أكمل.
ثم ابتسم وهو ينظر للسماء:
ـ يمكن اتأخرت...
بس أخيرًا فهمت.
اللي ينقذك مش الفلوس...
اللي ينقذك... حد يحبك صح.
✨ النهاية ✨
الاستهتار لم يكن مجرد خطأ...
بل سلسلة من الغفلة...
تنتهي دائمًا عند لحظة وعي.
والحب الحقيقي...
قد لا يمنع الألم...
لكنه يمنع السقوط الأخير.
             

                    🌸 تمت الرواية 🌸
✍️ بقلم وفاء الدرع
لو عجبتكم صل على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم 🌹 💗
تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة