
رواية غيوم تحجب القمر الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم منى السيد
مر أسبوع وأدهم يكاد يجن لقد بحث عنها في كل مكان. وكلّف ماجد بالتنقيب عنها ولكن لا جدوى. أعصابه تنهار يوما بعد يوم وهو لا يستطيع رؤيتها أو حتى معرفة اذا كانت بخير. ظل يضرب جبهته ويسب نفسه " غبي غبي انت غبي.. مكانش لازم تلمسها، ماكنش لازم تقربلها يا غبي أهي ضاعت منك اهو حتى اعتذارك مقبلتهوش"
طرقات علي الباب جعلت أدهم يلتفت بسرعة ويسمح للطارق بالدخول وما أن رأى ماجد حتى سأله بلهفة
"هااا يا ماجد فيه جديد"
- ماجد " لا للأسف يا أدهم انا قلبت القاهرة كلها عليها ومش لاقيها وكلمت ظباط معارفي عنها لكن مفيش فايدة خصوصا انها مبتستعملش كرديت كارد او اي حاجة تخلينا نعرف نوصلها حتى تيلفونها قفلاه وحتى كليتها مش بتروحها"
- أدهم بصراخ " امال انت جايلي دلوقتي ليه يا ماجد"
- ماجد " انا كنت بقول ايه رأيك لو اروح اسكندرية ادور هناك ؟"
- ادهم " لا لا لا يمكن تروح هناك خصوصا بعد اللي حصل"
- ماجد " طب هو ايه اللي حصل بالظبط يا ادهم ما تفهمني"
تحدث ادهم محذرا " يوووووه ياماجد... قولتلك ميت مرة متسألش تاني ايه اللي حصل"
- ماجد " طيب طيب خلاص انا كمان حبيت اطمنك اني وديت لأكرم بيه الحاجات اللي طلبها في المزرعة"
- أدهم وقد عاد إلى هدوؤه شيئا ما
" طيب تمام كويس يا ماجد"
تردد ماجد قليلا قبل أن يسأل
" طب.... وال.... "
- ادهم فيه ايه يا ماجد اخلص"
ماجد وقد استجمع شجاعته أخيرا
" طب وبالنسبة لمعاد الفرح هاتأجله ولا زي ما هو"
زفر أدهم وكأنه تذكر شيئا لا يريد تذكره وهو يفرك جبينه بعصبية
" كل حاجة زي ما هي يا ماجد خلينا نخلص م الموضوع دا "
-ماجد مرددا " نخلص م الموضوع دا؟؟؟ لو بس افهم فيه ايه في دماغك بس "
- ادهم " بكرة هاتعرف كل حاجة ، المهم ان انت تسيب شغلك وتسيب كل اللي وراك وتقب وتغطس وتجيبلي عنوان قمر"
-ماجد " حاضر يا أدهم حاضر"
طرقات أخرى على الباب و أدهم يجيب بنفاذ صبر
"ادخل"
انفتح الباب وظهرت ميرا بملابسها الملونة وكذلك وجهها فاستأذن ماجد وتركهما وحدهما وأدهم يزفر ويقول في عقله (مش وقتك خالص)
- ميرا " ايه يا حبيبي انت لغاية دلوقتي مشترتش البدلة بتاعتك مش هاننزل نختارها مع بعض ولا ايه وكمان ورانا شوية رفايع كده لازم نشتريها مش كفاية مجتش معايا وانا بختار الفستان"
- أدهم بنفاذ صبر " ميرا البدلة بتاعتي وانا اللي هلبسها .. تنقيها معايا ليه؟"
ثم استطرد هازئا
" وبعدين هو مش فال وحش بردو اني اشوفك بالفستان ولا ايه؟"
- ميرا وهي تجلس على المكتب بدلال
"ايه دا هو انت بتصدق في الحاجات دي يا أدهم"
- أدهم وهو يزفر " بقولك ايه يا ميرا انا ورايا شغل متلتل ومش فاضي روحي انتي اعملي اللي انتي عاوزاه وخدي دي اصرفي منها براحتك"
أخرج بطاقة بنكية وناولها إياها ففرحت ميرا وهي تلتقطها بسعادة
" اوكيه يا ادهم اوكيه المهم حجزت شهر العسل فين ؟؟"
ابتسم ادهم ابتسامة جانبية ساخرة وبلهجة هازئة قال
" في أكتر حتة تستاهلي تقضي شهر العسل فيها يا ميرا"
صفقت ميرا بفرح
" طيب اسيبك انا بقا لشغلك واروح اعمل شوبنج" خرجت بسرعة وزفر ادهم بحدة.
*************
خرجت ميرا من بوابة الشركة وهي تشير إلى ميمي التي تنتظرها خلف المقود بالبطاقة البنكية وهي تكاد تقفز فرحاً.
" ايه دا أخيرا اتفك النحس وفك كيسه انا مش مصدقه والله"
- ميرا " وانا بردو اول ما ادهالي استغربت بس فرحت اوي معنى كده اننا لما نتجوز هيهصني بقا فلوس وهدايا وفسح"
-ميمي " حيلك حيلك أدهم مش بتاع الحاجات دي انتي المفروض تحمدي ربنا ان خطتنا نجحت ولقيتي حد تلبسيه العِمة بسهولة دا كفاية اوي حتى لو اتطلقتي يبقا كسبتي بردو"
- ميرا " ايه يا ميمي اللي انتي بتقوليه دا، طلاق ايه وبتاع ايه انا ناوية اتنغنغ في فلوسه وعزه مش هاسيبه الا لما آخد كل اللي انا عاوزاه مش زيك بعد ما أخدتي كل اللي عند أكرم لسه لازقاله وقاعدة معاه "
تنهدت ميمي
" عارفة يا ميرا انا كل يوم الصبح باصحى اقرر ان انا امشي واسيبه بس فيه حاجة جوايا من ناحيته مش قادرة اسيبه وبردو في نفس الوقت حاسة اني عاوزة اهرب م الحياة اللي دخلت نفسي فيها دي"
ضحكت ميرا بسخرية
" دا حب بقا ولا ايه يا ميمي"
لوت ميرا شفتيها
" والله مش عارفة يمكن بيصعب عليا انه بسببي بنته وطليقته ماتوا وانه دايما حاسس بالذنب ومش طايقني بسبب كده وساعات بحس انه ميقدرش يستغني عني زي العيل الصغير اللي ماسك في ديل جلابية امه"
- ميرا " والله يا ميمي انتي بقيتي بيئة اوي ايه ديل جلابية امه دي"
- ميمي " والله يا ميرا انتي اللي ناسية أصلك يابتاعة الحواري انتي"
وانطلقتا الاثنتان في الضحك كما انطلقتا تقضيان على كل ما في البطاقة البنكية الخاصة بأدهم.
**************
أسبوع آخر وهي تجلس كعادتها كل يوم على شاطئ البحر والهواء البارد يلفح وجهها ويجعل شعرها وكأنه يتراقص على لحن حزين ! ورائحة اليود تدب في أوصالها روحاً كانت قد تركتها منذ زمن. ووجنتيها وأنفها تحولا للون الأحمر من البرد ولكنها لم تهتم وكأن برودة قلبها كانت أكبر والصقيع بداخلها يجعل العالم حولها كلهيب النار.
سمعت أحدهم يغازلها بكلمات وقحة. كانت قبل ذلك تفرح وتعتز بتلك الكلمات، أما الآن فهي تشعر بأنها تُنتهك.تشعر بتلك الكلمات تكشف وتهتك ستارها بل تجلدها بسوط رفيع يترك آثاره في روحها قبل جسدها. هي الآن ليست ملكا لنفسها .... هي الآن ملكا له بكل جوارحها ولكنها ستعتاد على فراقه. ستعتاد على خروج روحها من جسدها بالبطيء. فتحت هاتفها لتشاهد الفيديو الذي سجلته له وهو يقلدها وظلت تعيده مرارا وتكرارا، فذاك الفيديو هو كل ما تملكه من أدهم،ظلت سارحة وهي تنظر لحركاته وكلماته وصوته وذكراه. وأخيرا أغلقت الهاتف ثم لملمت أشلاء روحها وذهبت إلى المنزل الذي استأجرته لتكمل واجباتها الخاصة بالجامعة فقد كانت تتواصل مع زملائها في الجامعة عن طريق البريد الالكتروني وترسل لهم ولأساتذتها مشاريعها عن طريق الانترنت الخاص بحاسوبها المحمول. وجدت رسالة من مروان 《افتحيها ضروري خاصة بزوجك》 اضطربت أصابعها على لوحة المفاتيح مترددة. تعلم ماذا سترى إذا فتحت الرسالة فميعاد الزفاف اليوم وهي لم تحاول تتبع أخباره لأنها تعلم انه سيتزوجها على كل حال ولكن فضولها وشوقها لمعرفة أخباره المؤكدة جعلها تفتح الرسالة وهي تأمل ان يكون تراجع في اللحظة الأخيرة!! كانت الرسالة عبارة عن خبر في إحدى المجلات:
《يحتفل اليوم المهندس 'أكرم الصاوي' بزفاف ابنه المهندس 'أدهم الصاوي' على الآنسة 'ميرا السيسي' 》 وضحكت هازئة حين وصلت لميرا المدعوة بالآنسة! ثم أكملت 《وسيقام الحفل بقاعة فندق ... مع أطيب التمنيات للعروسين》لم تقرأ تعليق زميلها مروان على الرسالة فقد ظلت الكلمات تتردد في عقلها 《الآنسة ميرا؛ مع أطيب التمنيات للعروسين》 وكأن حياتها تتوقف على هاتين الجملتين. ماذا تفرق عنها ميرا إذن!! إن لم تكن قمر تتميز عنها بأنها على الأقل لم تكن تدرك أو توافق على ما حدث لها! لماذا كل هذا الإصرار على الزواج منها بالرغم من انها تعلم انه لا يحبها.... وفكرت بحسرة ... إنه لا يحبها هي الأخرى. إذن لماذا؟؟ لماذا؟؟ وتذكرت فجأة انها سمعت في التسجيل الخاص بالمناقصةوبصوت ميرا بذاتها أن والده اعطى ميراثه لميمي خالة ميرا. وكأنها حصلت على تبرير مناسب لتساؤلاتها يبدو ان كل ما يسعى إليه أدهم هو المال!!!! تنهدت بأسى وهي التي لم تكن تتوقع هذا الجانب السيء من أدهم لم تكن تتخيل ان يكون بهذه الدناءة! حسناً فلتكف عن التفكير به وتتبع أخباره وتمضي في حياتها قوية غليظة. لا شيء بعد الآن سيجرحها لأنه لم يعد بالإمكان أن يؤلمها شيئا آخر في هذه الحياة.
***************
فتحت ملك هاتفها مترقبة وهي ترى رقم نور لقد عادت إذن لحضور الزفاف العالمي وابتسمت مستهزئة قبل أن ترد
" نووووووور وحشتيني يابنتي فينك انتي وصلتي امتى ولا هو من لقى احبابه نسي أصحابه بقا ولا اييييه "
ضحكت نور بعفوية
" لا والله ابدا يا مريم انا وصلت من اسبوعين كده وكانوا كلهم لعبكة معرفتش اتصل بيكي"
انتبهت مريم
" ليه بس كده لعبكة ايه يابنتي انتي لحقتي"
- نور " لا مش حاجات خاصة بيا حاجات خاصة بعيلة آدم وكده"
وكأن نور ضغطت على زر نبّه حواس ملك جميعا فحاولت الأخيرة الاستفسار دون ان يظهر عليها الفضول
" ليه بس ايه اللي حصل؟"
- نور " ابدا يابنتي احنا أصلا قطعنا شهر العسل وجينا عشان بابا آدم كان تعبان" انقبض قلب ملك رغماً عنها وقالت بصدق وانفاسها تشق صدرها
" لا الف سلامة عليه" فاستطردت نور
" وبعدها بقا دخلنا في فرح استاذ أدهم على ربة الصون والعفاف ميرا مش فاهمة ازاي أصلا يعمل فرحه في ظروف زي دي وباباه لسه في مرحلة النقاهة، كان المفروض يديله فرصة يستريح فيها شوية"
ازداد غيظ ملك اكثر وهي تفكر( للدرجة دي الانانية وصلت بيك يا أدهم مش همك حتى تعب أبوك طبعا وانت من امتى بيهمك تعب حد)
قاطعت نور افكارها حين اردفت
" المهم انا عارفة انه عيب جدا اني معزمتكيش م الاول بس صدقيني كنت مشغولة لشوشتي بس ارجوكي تعالي انا لسه معرفش ناس كتير في عيلة آدم وعاوزة حد جنبي واتصلت بقمر طول الوقت تيلفونها مقفول"
سحبت ملك نفسا طويلا ثم اعتذرت
" انتي عارفة يا نور الحاجات دي لازملها تحضيرات وغير كده كمان ماما تعبانة ومقدرش اسيبها لوحدها وبعدين انتي عارفة انا مليش في شغل الأفراح والهيصة دي" أجابت نور بحزن
"طيب.. خلاص بس انا لازم اقابلك ونقعد مع بعض ونفضل نرغي للصبح اه وكلمي قمر كمان عشان نتجمع كلنا "
- ملك " اه طبعا اكيد هنتقابل قريب انتي وحشاني أوي"
كانت ملك تحب نور بحق فهي فتاة نقية صافية لا تستحق وجودها في تلك العائلة البغيضة. حيّتها وأغلقت الهاتف. نظرت إليها ليلى التي كانت تستمع للمكالمة وسألت مستفسرة علّها تحصل على جواب عن صحة أكرم
" هو مين اللي ألف سلامة عليه؟"
ارتبكت ملك قليلا ثم قالت كاذبة خوفا من أن تضعف والدتها وتحن إلى أبيها أو ألا يتحمل قلبها وتتأثر صحتها
" هه لا أبدا دا آدم جاله شوية برد لما سافر ايطاليا انتي عارفة تغيير الجو بقا وكده "
تنهدت ليلى يبدو ان حالة أكرم تحسنت وإلا لم يكن لأدهم ان يقيم زفافه بكل هذه السهولة فهي متأكده أنه يعشق والده فسألت في حذر
" يعني بردو مش هتيجي معايا نبص على أدهم من بعيد زي ما عملنا في فرح آدم" هبت ملك واقفة
" ولا انا ولا انتي هنتحرك من هنا، انتي نسيتي عمل فينا ايه هو وابوه "
- نهرتها ليلى
" ملك قولتلك ميت مرة متتكلميش عن ابوكي كده"
ضحكت ملك هازئة
" ابويا ههههههه والله ضحكتيني بزمتك انتي مصدقة انه ابويا ولا عشان هو الحب القديم هاتغفري له وتسامحيه لا يا ماما انا مش زيك انا مش هاسكت الا لما اجيب حقي من كل واحد أذاني واتخلى عني فاهمة يا ماما فاهمة"
واستدارت بحدة متوجهة إلى غرفتها تحاول كتم دموعها فعلى الرغم من حقدها الدفين على أدهم إلا انه كان نعم الأخ قبل ان يتبدل حال أبيهم على عكس آدم الذي كان يتشاجر معها باستمرار. كان أدهم دائما ما يمازحها ويستمع إليها في أوقات حزنها، حتى انها في بعض الأحيان كانت تشعر انه يعلم بحبها لماجد بل ويبارك هذا الحب دون ان يُظهر ذلك رأي العين. تتذكر له مواقف عديدة تجلعها تحن إليه ولكن وقوفه إلى جانب والدهم وتهديده لهما ومساعدته على تضييق الخناق عليهما آلمها وجعلها تنسى تلك اللحظات الأخوية الحميمة.
*************
في القاعة المبهرجة اللامعة بكل ما هو مضيء وذهبي، مع الأصوات الصاخبة تدلف ميرا مزهوة متعالية بما حصلت عليه أخيرا. متخيلة حياتها الرغدة من بعد اليوم. وأدهم متجهم بكل وضوح يبحث في وجوه الحاضرين عن وجهها الناعم البريء ولكن هيهات. اقترب أدهم من أذن ماجد
" مشوفتهاش يا ماجد تفتكر ممكن تيجي؟!" مال ماجد على أذنه هو الآخر وهو يرفع من صوته
" يا جبروتك يا أخي كمان عاوز مراتك تيجي تحضر فرحك على ضرتها"
عض أدهم شفتيه مقتنعا بما يقوله ماجد وظل جالسا طوال الحفلة وأحيانا يذهب للجلوس مع المدعوين على طاولاتهم مرحبا بهم، منتظرا أن ينتهي ذلك اليوم الثقيل وميرا تتمايل وتتراقص على أنغام الموسيقى الصاخبة فرحة بما حلمت به كثيرا وقد تحقق حلمها أخيرا!!
**************
فتح أدهم باب شقته وهو يتنفس الصعداء على انتهاء تلك الليلة السخيفة وميرا تدلف بفرحة عارمة ثم تلتفت إليه وتلف ذراعيها حول عنقه
" مبروك يا حبيبي أخيرا اتجمعنا واتقفل علينا باب واحد "
ثم غمزت له بوقاحة
" يالا بقا عشان يجمعنا سرير واحد يا قلبي" فك ادهم ذراعيها من حول رقبته
" ميرا انا تعبان اوي النهاردة وبكرة هنصحى بدري عشان هنسافر يعني هما ساعتين تلاتة اللي هنامهم تصبحي على خير"
وقفت ميرا متسعة العينين لا تصدق ذلك البرود الذي يعاملها به. ثم هزت كتفيها وهمست لنفسها
" احسن بردو انا كمان تعبت من كتر الرقص هههه"
ثم حدثته قائلة
"بقولك ايه يا أدهومي انت ليه مش عاوز تقولي لغاية دلوقتي احنا مسافرين فين" أجابها ادهم بذات البرود:
" بكرة هاتعرفي كل حاجة يا ميرا متستعجليش على رزقك"
مطت شفتيها وحاولت مرة أخرى فاقتربت منه وهو يخلع ملابسه استعدادا للنوم وأخذت ترسم بأصابعها فوق منحنيات عضلاته البارزة
" انت متأكد انك عاوز تنام ؟ طاوعني دنا هابسطك اوي ياروحي"
أبعد يدها عن جسده
" شكلك مش عاوزة تروحي شهر العسل فهتفت وهي تتراجع
" لا لا خلاص اهو"
ثم أردفت بميوعة وهي تستعمل آخر ورقة لديها
"طب ممكن تفتحلي سوستة الفستان" التفت إليها بلا مبالاه وامسك بالسحاب وبحركة عنيفة لم تأخذ من الوقت ثانية واحدة كان السحاب مفتوحا لآخره. توجه أدهم للفراش واضعا الوسادة فوق رأسه آملا ان تفصله تلك الوسادة عما يعيشه الآن وتذهب به إلى جميلته ...إلى قمره!! متنهدا قلقا يرجو الاطمئنان عليها بأي طريقة كانت. مع نظرات ميرا الحائرة ولكنها هزت كتفيها غير عابئة فقد تزوجته أخيرا وانتهت من مأساة عذريتها واطمئنت لسير خطتها طوال سنوات على ما يرام وحصولها على مرادها وعلى شخص مثل أدهم تخدعه وتلصق به تهمة فسوقها !!
**********
في الصباح الباكر كان ماجد متوقفا أمام المطعم الذي قابل فيه شبيهة حبه الأوحد 'ملك' لم يستطع النوم لأيام عديدة وكان كثيرا ما يأتي إلى ذات المطعم في عدة اوقات مختلفة علّه يرى تلك الفتاة مرة أخرى ويتأكد فقط اذا كانت هي بذاتها أم انها فقط تشبهها!! وفجأة خطرت في باله فكرة فأسرع لتنفيذها بسرعة. توجه ماجد إلى النادل وسأله:
" انتو عندكم كاميرات مراقبة جوا المطعم مش كده؟"
- أجابه النادل " ايوة طبعا يافندم"
- طيب انا عاوز اشوف التسجيلات من حوالي اسبوعين كده"
- النادل " ايوة يا فندم بس دا ممنوع"
دس أدهم بضعة مئات في جيب النادل
" بص دي مسألة حياة أو موت وانا هاشوف التسجيلات لمدة دقيقة بس مش أكتر
- النادل" ايوة يا فندم بس دا مش اختصاصي"
- ماجد "طب وديني انت عند اللي اختصاصه وانا هاقنعه"
وفعل مع موظف الأمن مثلما فعل مع النادل فوافق على الفور وأخبره ماجد بالتاريخ بالتحديد والتوقيت بالتقريب"
وبدأ موظف الأمن في استرجاع الصور بسرعة إلى أن وصل إلى اللقطة التي تقابلا فيها عند دورات المياه وقلب ماجد تارة يهوى إلى قدميه وتارة أخرى يندفع الدم كالبركان إلى قمة رأسه
" استنى استنى كده قرب شوية على وشها وهي خارجة "
وحين قرّب الموظف الصورة على وجهها ساءت جودة الصورة إلى حد كبير ولم يستطع الموظف توضيحها. فلم يستطيع ماجد ان يتبين او يتأكد من شيء. زفر ماجد ثم تحدث
" طب ممكن ترجع ورا شوية وتشوف يمكن نلاقي لقطة اوضح لوشها"
واسترجع الموظف اللقطات مرة أخرى إلى ان أوقفها على جلوسها مع قمر وهي تحتضنها وتربت عليها"
ضرب ماجد المكتب بقوة وهو غير مصدق
" قمر.. كانت قاعدة مع قمر "
شعر بفرحة غامرة وكاد أن يرقص من فرط فرحته وشكر موظف الأمن ثم دس في يده مبلغ أكبر من السابق وهو يخرج من المطعم يكاد يقفز فرحا ويحدث نفسه وهو يضرب ساقيه بحماس وبصوت مرتفع كالمجنون
" قمر تعرفها... قمر تعرفها أخيرا هاعرف إذا كانت هي ولا لا"
ثم تجهم وجهه فجأة حين تذكر انه لا يستطيع العثور على قمر. تهدلت أكتافه وشعر ماجد كطفل صغير حصل على لعبته التي كان يحلم بها لسنين وقبل أن يخرج بها من المحل وقعت وتكسرت إلى مائة قطعة. أي خيبة أمل هذه!!
ولكنه عزم على أن يجد قمر بأي طريقة وسيذهب ليبحث عنها في الإسكندرية ولن يأبه لكلام أدهم فالمسألة الآن شخصية.
**************
أدار أدهم موتور سيارته وهو يضغط على 'الديبرياج' مراراً ليطلق صوتا مثل استعداد الأسد للإنقضاض على فريسته. وميرا تبحث في حقيبتها عن نظاراتها الشمسية وهي تتجه للسيارة وتركبها بلهفة
" ايه يا حبيبي امال حطيت شنطنا فين "
- أدهم " متقلقيش على أي حاجة كل حاجة تمام لحد دلوقتي"
ابتسمت ميرا وسع فكيها ميرا:
" طبعا يا قلبي ما دام كل شيء تحت سيطرتك"
وأطلقت ضحكة رقيعة مثلها. هز أدهم رأسه بابتسامة خبيثة موافقا على كلامها لأول مرة وانطلق من فوره. ظلت تتحدث عن أفكارها حول البلد الأوروبي الذي سيزورنه وهي تعقد الأحلام والخيالات وتوقف أدهم أخيرا وأبطل سيارته وهو يتنفس الصعداء. نظرت ميرا حولها
" احنا وقفنا هنا ليه يا أدهم وبعدين صحيح دا مش طريق المطار"
- أدهم " انزلي يا ميرا فيه تصريح امني بس لازم نعمله بسرعة كده م القسم متقلقي" عقدت ميرا حاجبيها
" تصريح امني ايه اللي من القسم دا وقبل السفر بساعات"
- أدهم " انزلي بس يا ميرا مش انتي قولتي كل شيء تحت سيطرتي انزلي يا ماما"
نزلت ميرا مذعنة وهي لا تفهم شيئا، مد لها أدهم يده وهو يقول لها
" باسبورك"
فتحت ميرا حقيبتها تبحث عن جواز سفرها ومن ثم أعطته لأدهم الذي لاحظت في نظراته الفرحة والرضا لأول مرة منذ عرفته.
-أدهم بعد ان دلفا إلى داخل القسم
" استنيني هنا يا ميرا شوية هاخلص واجيلك "
- ميرا " طب وكان لازمتها ايه ما كنت استنيت ف العربية بدل المكان المؤرف دا" نهرها ادهم
"اتكلمي عدل انتي فاكرة نفسك فين دا اقل أمين شرطة هنا يخليكي تعيطي للصبح وبعدين يا فالحة ما هما لازم يشوفوكي شخصيا"
زفرت ميرا وهي تحدث نفسها
" والله انا مش فاهمة منك حاجة تصريح ايه وقسم ايه اللي جايبنا فيه هو انا اول مرة اسافر ولا انت مودينا اسرائيل ولا ايه" سمعها أدهم وحذرها بابتسامة صفراء
" بطلي برطمة يا ميرا اهدي يا ماما"
ثم تركها وتوجه إلى 'علي' المحامي الذي وصل لتوه ودلفا معا إلى مكتب الضابط الذي حياهما باحترام . جلس أدهم في هدوء والضابط يسأله:
" أهلا أهلا أدهم بيه، خير ان شاء الله ميكونش فيه مشكله مع حد ولا حاجة لدرجة انك تيجي بنفسك، 'علي' بيه هو اللي بيخلصلك كل شغلك هنا "
- أدهم " ابدا بس أصل الموضوع حساس شوية " همّ 'علي' أن يتحدث ولكن أدهم استوقفه بإشارة من يده. ثم توجه بنظراته الثاقبة إلى الضابط وهو يخرج قسيمة زواجه بميرا وجواز سفره وسفرها ويتحدث بثبات
" انا عاوز أقدم بلاغ عن تزوير في اوراق رسمية ضد زوجتي ميرا السيسي بأنها أقرت هي ووكيلها في القسيمة أنها بكر رشيد واللي اكتشفت ان دا مش حقيقي بعد الزواج وبطالب بتوقيع الكشف الطبي عليها للتأكد من كده، وان دا حصل من فترة طويلة ومش حاجة جديدة يعني، واني للأسف اتخدعت فيها وكمان بطالب بتعويض عن اللي هيحصل لسمعتي في السوق لو دا اتعرف تعويض مادي يعني كرد شرف!!!!...