
رواية فرحة على حافة الهاوية الفصل الحادي عشر 11 بقلم اية محمود
"مريم!"
أول ما ردت...
ما سمعتش غير صوت أنفاس متقطعة.
وبعدين...
صوت مريم خرج مكسور.
"ش... شغف..."
انتفضت شغف من مكانها.
"مالك؟!"
"بتعيطي ليه؟"
"ياسر عملك حاجة؟"
مريم حاولت تتكلم.
لكن شهقاتها كانت أعلى من كلامها.
"أنا..."
"مش... مش قادرة."
اتقبض قلب شغف.
"اتكلمي يا مريم."
"أنا سامعاكي."
بعد ثواني...
قالت مريم بصوت كله وجع:
"وحشتيني."
نزلت دموع شغف.
"إنتِ كمان وحشتيني يا روح قلبي."
"بس قوليلي حصل إيه."
سكتت مريم.
وبعدين قالت:
"أنا تعبت."
"أوي."
"حاسة إني خلاص."
"مش قادرة أحارب تاني."
دموع شغف نزلت بغزارة.
"لا."
"إوعي تقولي كده."
"إنتِ قوية."
ضحكت مريم...
ضحكة باهتة موجوعة.
"أنا كنت قوية..."
"لحد ما اتكسرت."
سكتت شغف.
لأنها لأول مرة...
تحس إن صاحبتها فقدت الأمل فعلًا.
قالت بسرعة:
"أنا جاية."
"حالًا."
مريم هزت رأسها.
"لا."
"إنتِ تعبانة."
"خليكي."
"وأنا هبقى كويسة."
عرفت شغف...
إن الجملة دي كدبة.
لأنها حافظاها.
مريم عمرها ما كانت بتقول "أنا كويسة"...
إلا وهي بتكون منهارة.
قالت بحزم:
"اسمعيني."
"أنا هخرج من المستشفى..."
"وهجيلك."
"ومش هسيبك."
ابتسمت مريم وسط دموعها.
"عارفة."
"علشان كده..."
"ربنا رزقني بيكي."
وقبل ما شغف ترد...
قفل الخط.
فضلت شغف باصة للموبايل.
وقلبها بيتقطع.
مصطفى قرب منها.
"مالها؟"
رفعت عيونها ليه.
وقالت بصوت مخنوق:
"مريم بتموت بالبطيء يا بابا."
"كل يوم..."
"بتخسر حتة من روحها."
أمينة كانت قاعدة تسمع.
وقلبها وجعها على البنت اللي عمرها ما شافتها.
وقالت بهدوء:
"دي صاحبتك؟"
هزت شغف رأسها.
"أختي."
"مش صاحبتي."
"ولو خيروني بينها وبين نفسي..."
"هختارها هي."
ابتسمت أمينة بحنان.
وقالت لنفسها:
"اللي رباها... ربى إنسانة عظيمة."
وفي نفس الوقت...
كان في فيلا ياسر...
تقف مريم قدام شباك أوضتها.
وبتبص للسماء.
وعينيها مليانة دموع.
وهمست لنفسها:
"يا رب..."
"قويني."
"لأن اللي جاي..."
"أنا هواجهه لوحدي."
********
مر وقت طويل...
والفيلا كانت هادئة بشكل غريب.
مريم كانت قاعدة قدام الشباك.
القرآن مفتوح قدامها.
لكن عينيها ما كانتش بتقرأ.
كانت سرحانة...
في كل اللي حصل.
سمعت خبط خفيف على الباب.
"ادخُل."
اتفتح الباب.
دخل ياسر بهدوء.
وقف عند الباب.
لأول مرة...
ما قربش منها.
ولا حاول يفرض وجوده.
قال بصوت هادي:
"ممكن أتكلم معاكي دقيقة؟"
مريم قفلت المصحف برفق.
وقالت من غير ما تبصله:
"اتفضل."
سكت شوية...
كأنه بيدور على الكلام.
"أنا... عندي سفر."
ما ردتش.
فكمل:
"شغل مهم."
"وهغيب كام يوم."
فضلت ساكتة.
قال وهو بيتجنب يبص في عينيها:
"وأنتِ..."
"مش هينفع تفضلي هنا لوحدك."
رفعت عينيها أخيرًا.
وبصتله ببرود.
"وأنا مالي؟"
اتنهد.
"هتروحي بيت العيلة."
اتغيرت ملامحها فورًا.
"لا."
قال بهدوء:
"دي فترة مؤقتة."
هزت رأسها بقوة.
"قولت لا."
"أنا مش هروح مكان فيه ناس بتكرهني."
سكت.
لأنها كانت عندها حق.
كملت وهي بتبصله بثبات:
"أمك بتكرهني."
"وأغلب عيلتك شايفني دخيلة."
"والباقي مستني أي فرصة تذلني."
"وأنت..."
ابتسمت بمرارة.
"مش هتبقى موجود."
خفض رأسه.
"أنا هكلمهم."
ضحكت بسخرية.
"بعد اللي حصل؟"
"تفتكر كلامك هيغير حاجة؟"
اتقدم خطوة.
"أنا مش هسمح لحد يضايقك."
ردت بسرعة:
"زي ما ما سمحتش لنفسك تضايقني؟"
الكلمة وقفته مكانه.
ما عرفش يرد.
قال بعد صمت:
"أنا بس خايف أسيبك هنا لوحدك."
ردت ببرود:
"متخافش."
"أنا بقيت أعرف أحمي نفسي."
كان نفسها تقول كلام أكتر...
لكنها سكتت.
ياسر أخد نفس عميق.
وقال بحسم:
"السفر ضروري."
"والقرار اتاخد."
"بكرة الصبح هنروح بيت العيلة."
بصتله للحظات...
ثم قالت بهدوء خالٍ من أي مشاعر:
"تمام."
استغرب موافقتها السريعة.
لكنها كملت:
"هروح..."
"مش علشان إنت طلبت."
"هروح علشان أثبت لنفسي..."
"إني مبقتش بخاف من حد."
خرج ياسر من الأوضة...
وقلبه تقيل.
أما مريم...
فبصت في المراية.
وقالت لنفسها بثبات:
"لو كانوا فاكرين إني البنت الضعيفة اللي دخلت البيت أول مرة..."
"يبقى هما لسه ما يعرفوش..."
"إن الوجع... بيخلق قوة."
٪٪٪؊؉؊؊؊؊؊؊؊٪٪
تاني يوم...
الساعة كانت لسه سبعة الصبح.
مريم كانت صاحيه من قبل الفجر.
صلت...
وقعدت تقرأ وردها من القرآن.
وبعدين قامت بهدوء.
لبست فستان واسع بسيط.
وحطت خمارها.
وبصت في المراية.
ملامحها كانت هادية...
لكن عينيها ما بقاش فيهم نفس اللمعة القديمة.
خبط خفيف على الباب.
"جاهزة؟"
كان صوت ياسر.
لبست نقابها و اتجهت ناحية الباب.
فتحت وقالت باختصار:
"أيوه."
فضل يبصلها كام ثانية.
كان نفسه يقولها إنها جميلة.
أو يعتذر.
أو حتى يسمع صوتها.
لكن هي عدت من جنبه...
وكأنه مجرد شخص غريب.
نزلوا ركبوا العربية.
طول الطريق...
ولا واحد فيهم اتكلم.
كل واحد كان غرقان في أفكاره.
بعد حوالي ساعة...
وقفت العربية قدام بوابة حديد ضخمة.
البواب فتحها بسرعة.
ودخلت العربية.
مريم بصت من الشباك.
الحدايق الواسعة...
والنافورة...
والفيلا الكبيرة.
كل حاجة كانت فخمة...
لكن قلبها كان منقبض.
وقفت العربية.
نزل ياسر الأول.
ولف ناحيتها.
فتح الباب.
مد إيده يساعدها.
لكنها نزلت لوحدها...
من غير ما تلمسه.
سحب إيده في هدوء.
ودخلوا سوا.
أول ما دخلوا الصالون...
كانت العيلة كلها موجودة.
والدته...
قاعدة في المنتصف.
وبجانبها إيمي ...
وعلى وشها ابتسامة انتصار.
أول ما شافت مريم...
همست بصوت واطي وهي بتبتسم بسخرية:
"أخيرًا وصلت."
مريم سمعتها.
لكن ما ردتش.
دخل ياسر وقف قدامهم.
وقال بنبرة حاسمة:
"أنا مسافر كام يوم."
"ومريم هتقعد هنا لحد ما أرجع."
والدته رفعت حاجبها.
"وهتقعد عندنا ليه؟"
رد بهدوء:
"لأنها مراتي."
إيمي ضحكت بخفة.
"مراتك؟"
"من إمتى مهتم بيها أوي كده؟"
رمقها ياسر بنظرة حادة.
"إيمي."
"مش عايز أي كلمة."
سكتت...
لكن ملامحها كانت مليانة غيظ.
بص ياسر لوالدته.
وقال بجدية:
"أنا مسؤول عنها."
"وأي حد يضايقها..."
"هيكون بيضايقني أنا."
ساد الصمت.
كانت أول مرة...
العيلة تسمع ياسر بيتكلم عن مريم بالطريقة دي.
حتى مريم نفسها...
استغربت.
لكنها ما صدقتوش.
لأن الكلمات...
ما بتمحيش الوجع.
لف ياسر ناحيتها.
وقال بهدوء:
"لو احتجتي أي حاجة..."
قاطعته.
"مش هحتاج."
كانت إجابتها قصيرة...
لكنها وجعته.
اكتفى إنه هز رأسه.
وأخد شنطته.
وقبل ما يخرج...
بصلها آخر مرة.
لكن هي...
كانت باصة في اتجاه تاني.
خرج ياسر.
وصوت باب الفيلا اتقفل.
في نفس اللحظة...
اتغيرت ملامح إيمي.
والابتسامة الباردة رجعت لوشها.
بصت لمريم من فوق لتحت.
وقالت وهي تقرب منها خطوة:
"يلا بقى..."
"التمثيلية خلصت."
"خلينا نشوف هتقدري تعيشي هنا كام يوم."
رفعت مريم عينيها بهدوء.
وكانت أول مرة...
تبصلها من غير خوف.
وقالت بثبات:
"جربي."
اتسعت عيون إيمي.
أما مريم...
فعدت من جنبها...
وطلعت السلم.
وتركت خلفها...
صمتًا سبق عاصفة جديدة.
طلعت مريم السلم و جنبها الخدامة اللي بتدلها علي
الغرفة ...
بخطوات هادية.
رغم إنها كانت حاسة...
إن كل العيون عليها.
دخلت الأوضة اللي جهزوها ليها.
قفلت الباب.
وأول حاجة عملتها...
إنها صلت ركعتين.
فضلت تدعي ربنا يثبتها.
وبعدها نزلت.
كانت رافضة تفضل مستخبية.
أول ما دخلت الصالون...
لقيت أم ياسر قاعدة.
وإيمي جنبها.
وأكتر من فرد من العيلة موجود.
أم ياسر بصتلها من فوق لتحت.
وقالت ببرود:
"تعالي."
مريم قربت.
"أيوة يا طنط."
قطبت أم ياسر حاجبها.
"أنا مش طنط."
"قوليلي يا هانم."
هزت مريم رأسها بهدوء.
"حاضر."
إيمي ضحكت باستهزاء.
"واضح إنها لسه محتاجة تتعلم الأصول."
مريم ما ردتش.
وده ضايق إيمي أكتر.
قالت وهي تسند ضهرها:
"هو صحيح..."
"إنتِ اتجوزتي ياسر إزاي؟"
رفعت مريم عينيها.
"دي حاجة تخصنا."
ابتسمت إيمي بسخرية.
"ولا يكون لزقتيله؟"
"أصل بصراحة..."
"فرق السما من الأرض بينكم."
سكتت مريم.
وأم ياسر كانت بتراقبها.
وكأنها مستنية تنهار.
لكن مريم اكتفت إنها قالت:
"لو خلصتوا كلام..."
"أستأذن."
إيمي قامت من مكانها.
وقفت قدامها.
"لا... لسه مخلصتش."
قربت منها.
وقالت بصوت واطي:
"ياسر عمره ما حبك."
"وصدقيني..."
"أول ما يرجع..."
"هيرميكي بره."
مريم بصتلها للحظات.
ثم ابتسمت ابتسامة هادئة.
الابتسامة دي استفزت إيمي.
قالت مريم بهدوء:
"لو ده هيحصل..."
"هيكون قرار ياسر."
"مش قرارك."
"فمتتعبيش نفسك."
إيمي احمر وشها من الغضب.
"إنتِ..."
وقبل ما تكمل...
دخلت سيدة كبيرة في السن إلى الصالون.
كان الكل وقف احترامًا ليها.
حتى أم ياسر.
مريم استغربت.
فهمست إحدى الخادمات:
"دي الحاجة زينب..."
"جدة ياسر."
دخلت الجدة بخطوات ثابتة.
وبصت لكل الموجودين.
ثم وقعت عينيها على مريم.
فضلت باصة لها كام ثانية.
وكأنها بتقرأ وشها.
وبعدين قالت بهدوء:
"دي مرات ياسر؟"
ردت أم ياسر ببرود:
"أيوه."
قربت الجدة من مريم.
وقالت بابتسامة خفيفة:
"اسمك إيه يا بنتي؟"
"مريم."
ابتسمت الجدة.
"أهلًا يا مريم."
ثم التفتت للعيلة كلها.
وقالت بنبرة حازمة:
"طالما دخلت البيت ده باسم مرات حفيدي..."
"يبقى ليها احترامها."
"واللي يزعلها..."
"يبقى زعلني أنا."
ساد الصمت.
إيمي عضت على شفايفها من الغيظ.
أما أم ياسر...
فاكتفت بابتسامة باهتة.
في حين رفعت مريم عينيها للجدة...
ولأول مرة منذ دخولها ذلك البيت...
شعرت أن هناك شخصًا...
نظر إليها كإنسانة...
وليس كعبء.
ساد الصمت في الصالون...
بعد كلام الجدة.
إيمي كانت بتكز على أسنانها من الغيظ.
أما أم ياسر...
فاكتفت إنها قالت بابتسامة مصطنعة:
"أكيد يا حاجة... دي مرات ياسر."
الجدة بصتلها نظرة طويلة.
وقالت بهدوء:
"الكلام سهل..."
"لكن الأفعال هي اللي بتبين."
وبعدين لفت ناحية مريم.
"تعالي يا بنتي."
مريم قربت منها.
الجدة مسكت إيدها.
وقالت بحنان:
"فطرتي؟"
هزت مريم رأسها بالنفي.
"لا."
بصت الجدة للخدامة.
"حضري الفطار."
قبل ما الخدامة تتحرك...
إيمي قالت وهي بتضحك بسخرية:
"يا حاجة... هي أكيد متعودة تعمل الفطار بنفسها."
"سيبيها تدخل المطبخ."
بصتلها الجدة بحدة.
"وإيه المشكلة؟"
إيمي اتلخبطت.
"أقصد يعني..."
قاطعتها الجدة:
"الشغل مش عيب."
"بس محدش هيستخدمه للإهانة."
إيمي سكتت وهي بتجز على سنانها.
أما مريم...
فاكتفت بابتسامة خفيفة.
دخلت السفرة مع الجدة.
الخدامة بدأت تحط الأكل.
الجدة لاحظت إن مريم مش بتمد إيدها.
"كلي يا بنتي."
ابتسمت مريم.
"مش جعانة."
الجدة بصتلها كويس.
وقالت بهدوء:
"الكدب باين في عينيكي."
نزلت مريم عينيها.
من إمبارح...
ما دخلش بوقها غير شوية مية.
لكن نفسها كانت مقفولة.
الجدة قطعتلها حتة صغيرة من العيش.
وحطتها في طبقها.
"كلي علشان تقوي."
"اللي الدنيا بتحاربه..."
"لازم يبقى قوي."
رفعت مريم عينيها.
الكلمة لمست قلبها.
لأول مرة...
حد يحس بيها من غير ما تحكي.
أكلت لقمتين بالعافية.
وفجأة...
دخلت الخدامة بسرعة.
"يا هانم..."
"المدام إيمي بتقول إن العقد الألماس اختفى."
رفعت أم ياسر رأسها.
"إزاي اختفى؟"
إيمي دخلت وهي متوترة.
لكن في عينيها لمعة خبث.
"كنت سايباه في أوضتي."
"ومش لاقياه."
سكتت ثواني...
وبعدين بصت مباشرة على مريم.
وقالت ببراءة مصطنعة:
"الغريبة..."
"إن محدش دخل أوضتي النهارده..."
"غير مرات ياسر."
اتجمدت مريم مكانها.
ورفعت عينيها بصدمة.
أما الجدة...
فملامحها اتبدلت تمامًا.
وقالت بصوت حازم:
"إيمي..."
"خلي بالك من كلامك."
لكن إيمي ردت بسرعة:
"أنا ما اتهمتش حد..."
"أنا بقول الحقيقة."
والصمت...
بدأ يتحول إلى عاصفة جديدة...
كانت مريم هي هدفها الأول.
اتجمد المكان.
كل الأنظار اتحولت لمريم.
هي فضلت واقفة مكانها...
وشها هادي.
لكن قلبها كان بيدق بعنف.
أم ياسر بصتلها نظرة طويلة.
وقالت ببرود:
"إيمي... متقوليش كلام من غير دليل."
ابتسمت إيمي ابتسامة خبيثة.
"وأنا مقولتش إنها سرقته."
"أنا بس بقول إنها آخر واحدة دخلت أوضتي."
الجدة خبطت بعصاها في الأرض.
"كفاية."
"محدش هيتهم حد في بيتي بالباطل."
لكن إيمي ما سكتتش.
"يبقى نفتش."
لفت ناحية مريم.
"لو هي بريئة..."
"أكيد مش هتضايق."
ساد الصمت.
كل الموجودين كانوا مستنيين رد مريم.
مريم رفعت رأسها...
وبصت لإيمي بثبات.
وقالت بهدوء:
"فتشوا."
إيمي ابتسمت بانتصار.
أما مريم فكملت بنفس الهدوء:
"فتشوا الأوضة..."
"وفتشوا شنطتي..."
"وحتى هدومي."
اتصدمت أم ياسر من ردها.
أما الجدة...
فابتسمت ابتسامة صغيرة.
واضح إنها بدأت تعجب بقوة البنت دي.
إيمي قالت بثقة:
"يلا."
طلعوا كلهم أوضة مريم.
الخدامة فتحت الدولاب.
وابتدت تفتش.
الشنطة...
الأدراج...
كل ركن.
ومفيش حاجة.
بدأت ثقة إيمي تهتز.
"دوروا كويس."
قالتها بعصبية.
واحدة من الخادمات فتحت درج الكومود.
وفجأة...
طلعت علبة مخمل صغيرة.
إيمي شهقت.
"أهو!"
خدت العلبة بسرعة.
فتحتها.
وكان العقد جواها.
كل العيون راحت على مريم.
حتى أم ياسر بصتلها بصدمة.
أما مريم...
فكانت مصدومة أكتر منهم.
بصت للعقد...
ثم قالت بهدوء:
"أنا أول مرة أشوفه."
إيمي ضحكت بانتصار.
"طبعًا."
"كل حرامي بيقول كده."
وقبل ما حد يتكلم...
خرج صوت الجدة قوي وحاسم.......
٪٪٪؉؊؊؊؊؊؊؊؊؊؊؊٪٪٪
في مدينة تانية...
كان الليل بدأ يرخي ستاره.
ياسر كان واقف في بلكونة أوضة الفندق.
لابس قميص أسود...
وأول زرين منه مفتوحين.
في إيده فنجان قهوة...
برد من زمان.
لكن هو ما شربش منه ولا رشفة.
كان باصص للمدينة من فوق...
وعقله بعيد.
طلع موبايله.
وقف شوية وهو باصص للاسم.
وبعدين ضغط اتصال.
بعد ثواني...
رد الطرف التاني.
"أخيرًا افتكرت إن ليك صاحب."
ابتسم ياسر ابتسامة باهتة.
"محتاج أتكلم."
سكت الشخص لحظة...
وبعدين قال:
"واضح من صوتك."
"احكي."
تنهد ياسر.
"أنا ضيعت كل حاجة."
"أول مرة أشوفك بتقولها كده."
غمض عينيه.
"فاكر البنت اللي كنت بحكيلك عنها؟"
"مريم؟"
"أيوه."
"لقيتها."
سكت الطرف التاني ثواني.
"إيه؟!"
"لقيتها؟!"
رد ياسر بصوت مكسور:
"كانت معايا طول الوقت."
"مراتي..."
"هي نفسها مريم."
ساد الصمت.
"إنت بتقول إيه؟"
ضحك ياسر ضحكة كلها وجع.
"الحقيقة اللي كنت مستنيها سنين..."
"كانت بتنام في الأوضة اللي جنبي."
"وأنا..."
"كنت بعذبها كل يوم."
الطرف التاني ما اتكلمش.
كان مستني يكمل.
قال ياسر:
"كنت فاكر إني بكرهها."
"لكن الحقيقة..."
"إني كنت بكره نفسي."
مرر إيده في شعره بعصبية.
"هي كانت بتحاول تقرب مني."
"وأنا كنت بزقها."
"كانت تعمل الأكل."
"وأرفض حتى أدوقه."
"كانت تحاول تكلمني."
"وأقولها اسكتي."
"كانت بتعيط."
"وأنا أمشي..."
"كأن دموعها مش فارقة معايا."
صوته بدأ يهتز.
"وأخر حاجة..."
"كسرت دراعها بإيدي."
الطرف التاني اتنفس بصدمة.
"إنت..."
"عملت كده؟"
ياسر غمض عينيه.
"أيوه."
"وأنا مش هعرف أسامح نفسي."
سكت شوية...
وبعدين قال:
"عارف أصعب حاجة إيه؟"
"إيه؟"
"إنها..."
"بطلت تبصلي."
"بطلت تستناني."
"بطلت حتى تعيط قدامي."
"بقت بتعاملني..."
"كإني واحد غريب."
خرجت ضحكة ساخرة من الطرف التاني.
لكنها كانت موجوعة.
"دي نتيجة طبيعية."
هز ياسر رأسه.
"عارف."
"بس قلبي مش مستحمل."
"كل ما أفتكر إنها كانت بتقولي..."
"أنا رايحة الجامعة."
"وأنا حتى..."
"ما سألتهاش هي في كلية إيه."
نزلت دمعة من عينه.
"أنا ما عرفتش عنها أي حاجة."
"ولا حتى لونها المفضل."
"ولا أكلتها المفضلة."
"ولا بتحب إيه."
"أنا كنت زوج بالاسم..."
"لكن عمري ما كنت سند."
سكت الطرف التاني شوية.
وبعدين قال بهدوء:
"ياسر..."
"الندم مهم."
"بس لو فاكر إن مجرد إنك ندمت..."
"يبقى كل حاجة هترجع زي الأول..."
"فإنت غلطان."
هز ياسر رأسه.
"عارف."
"بس هفضل أحاول."
"حتى لو فضلت العمر كله."
قفل المكالمة.
ورجع يبص للمدينة.
ولأول مرة...
اعترف لنفسه بالحقيقة كاملة.
"أنا ما خسرتش حب عمري..."
"أنا..."
"اللي قتلته بإيديا."
وأغمض عينيه...
غير مدرك...
أن القدر كان بيحضر له مفاجأة أكبر...
قد تغيّر حياته من جديد.
{ نَعِيبُ زَمَانَنَا وَالعَيْبُ فِينَا ** وَمَا لِزَمَانِنَا عَيْبٌ سِوَانَا }
الفصل الثاني عشر من هنا