
دخلت عربية الحاج سالم على أول الحارة والزغاريط شقت السما، شباب الحارة كانوا مستنيينهم على نار، وأول ما مصطفى وحمزة نزلوا ورجليهم لمست الأرض، الطبل البلدي اشتغل والمزمار ولع الدنيا، والكل عمال يهتف باسم ولاد الشناوي اللي رفعوا رأس المنطقة وكسروا غطرسة عمران بيدور ورجعوا الممر والمخازن بحكم المحكمة.
وسط الهيصة والزفة والطشاش بتاع شربات الفرحة اللي ميادة وكراميلا كانوا بيوزعوه من الشباك، كان مصطفى واقف في وسط اللمة وجواه جبل من الهم، يبتسم للناس مجاملة ويرد السلام، بس عينه كانت دبلانة والتعب واكل عروقه، تمن الانتصار ده كان غالي أوي، غالي لدرجة إنه دبح حلمه بإيده وباع أرض المزرعة اللي كان راسم عليها مستقبله كله عشان يشيل الليلة ويحمي أخوه وحارته من الكسرة.
انسحب مصطفى من وسط المولد ده كله وطلع شقته بخطوات تقيلة، قعد على الكنبة وفي ضهر الدخان الخافت بتاع الصالة رمى مفاتيحه وتنهد تنهيدة شقت صدره من الوجع. كراميلا دخلت وراه، قفلت الباب براحة، ولأول مرة من يوم ما اتجوزوا شافت في عينه النظرة دي؛ نظرة أسد جريح شال فوق طاقته ومقاش فيه حيل ينطق بكلمة.
قربت منه بخطوات خفيفة، قعدت جنبه على الكنبة، ولأول مرة تمد إيدها تواعية وتحطها على كتفه العريض وتضغط عليها بحنان حقيقي وقالت بصوت هادي ودافي عكس عواصف الخناقات اللي كانت بينهم:
-سلامتك من الآه يا مصطفى.. ألف مبروك يا سيد الرجالة، المحكمة حكمت بالحق والحارة كلها بتدعي لك بالستر.
بص لها مصطفى بنظرة ساهمة، وعينه جت في عينها وسألها بنبرة مكسورة ومكتومة:
-فرحانة يا كراميلا؟ الممر رجع.. بس الأرض راحت، حلم العمر اللي شقيت فيه سنين انباع في قعدة نص ساعة عشان نلم تمن الشفعة.. أنا اتكسرت يا كراميلا، اتكسرت من جوايا ومحدش حاسس بالنار اللي في قلبي.
دمعة نزلت من عين كراميلا ومسحتها بسرعة، وقربت منه أكتر وضمت كف إيده الضخم بين إيديها وقالت بصدق طلع من قلبها:
-الأرض تيج غيرها طول ما أنت طولك في الدنيا يا مصطفى، الفلوس بتروح وتيجي، بس هيبتك واسم أبوك اللي حمتهم النهاردة بالدنيا وما فيها، جبل الثلج اللي بيني وبينك أنا مستعدة أدوبه بإيدي، بس متورنيش كسرتك دي تاني.. أنا جنبك ومش هسيبك تشيل الهم لوحدك بعد النهاردة.
أخد نفس طويل وغمض عينه، ولأول مرة يحس بإن حضن بيته ممكن يكون أمان بجد وسط الحرب دي كلها.
---
على الجانب التاني في شقة حمزة، كانت ميادة واقفة في المطبخ، الحلة على النار والشربات بيغلي، بس قلبها كان بيغلي أكتر منه، كلام عمران الأخير في المحكمة وظعانه وهو بيقول "الي جاي بيننا دم" كان بيرن في ودنها زي جرس الموت، مكنتش قادرة تفرح ولا تنطق بكلمة، الخوف النفسي كان شاللها تماماً.
خرجت تجري على أوضة الأطفال عشان تطمن على ابنها يوسف، فتحت الباب.. السرير فاضي! واللعب مرمية على الأرض والشباك موارب!
ميادة صرخت صرخة هزت الشقة كلها، لسانها اتمسمر ورجليها مالت بيها وبقت تلطم على وشها بهستيرية وتنده بعلو صوتها:
-يوووووسف! الحقني يا حمزة.. الواد مش هنا.. عمران خد ابني يا حمزة، عمران نفذ كلامه وهيحرق قلوبنا!
حمزة دخل الأوضة زي المجنون، وشه اتقلب د م وعينه طلعت شرار لما شاف الشباك المفتوح والسرير الفاضي، ومصطفى نزل من شقته على الصراخ هو وكراميلا والحاج سالم، والحارة كلها اتقلبت في ثواني من زغاريط الفرح لصرخات رعب، في نفس اللحظة اللي كان عمران بيدور قاعد في عربيتة على أول الحارة، بيبص على بيت الشناوي وشرارة الحقد والنار ملمعة في عينه وهو بيشير لرجالة البلطجية بتوعه بالتحرك.
---
الانتصار اتقلب لكابوس في ثانية، واللعب بقا على حرق القلوب وخطف الضنا! تفتكروا يوسف جراله إيه وعمران هيعمل إيه في ولاد الشناوي؟ مستنية رأيكم الحماسي وتوقعاتكم الروعه في الكومنتات
الفصل الثاني والعشرون من هنا