
ولنَا في كل جمعة ثلاث رحمات :
- الصلاة على النبي
- وسورة الكهف
- وكنز ينتظرُنا قبل المغيب" دعوة مستجابة "
قال النبي ﷺ :
( أكثروا من الصلاة عليّ ليلة الجمعة و يوم الجمعة فإن صلاتكم معروضة عليّ ).
........................................
ساد الصمت داخل الغرفة...
وكأن الزمن وقف.
كل واحد فيهم كان مصدوم...
لكن سجدة...
كانت أكترهم وجعًا.
فضلت تبص لزين بعيون مليانة دموع...
مش قادرة تستوعب إنه بيبصلها كأنها غريبة.
أما زين...
فكان بيحاول يحرك رجله بكل قوته.
لكن بدون أي نتيجة.
بدأت أنفاسه تعلى.
وزادت ضربات قلبه.
زين بصدمة:
"رجلي...
حد يفهمني!
إيه اللي حصل لرجلي؟!"
جري مراد بسرعة ناحية زرار استدعاء الدكتور.
خالد قرب من زين يحاول يهديه.
خالد:
"اهدى يا زين...
لو سمحت متتحركش."
لكن زين زقه بعصبية.
زين:
"إنت مين أصلاً؟!
أنا معرفكش!"
الكلمة نزلت على خالد كأنها سكينة.
لكن حاول يبتسم رغم وجعه.
"أنا خالد
صاحب عمرك."
زين هز رأسه بالنفي.
زين:
"لأ...
أنا معرفكش."
في اللحظة دي...
دخل الدكتور بسرعة ومعاه ممرضتين.
الدكتور بجدية:
"في إيه؟"
خالد بسرعة:
"يا دكتور...
هو مش فاكرنا.
وكمان رجله مش بتتحرك."
قرب الدكتور من زين.
وبدأ يكشف عليه بهدوء.
سلط كشاف صغير على عينيه.
وسأله:
"اسمك إيه؟"
رد زين بسرعة:
"زين."
الدكتور:
"عندك كام سنة؟"
زين سكت ثواني...
ثم قال بتردد:
"مش... مش فاكر."
الدكتور بص لخالد...
ثم كمل أسئلته.
"إحنا فين دلوقتي؟"
زين لف حواليه.
وبص للأجهزة.
ثم قال:
"مستشفى."
الدكتور هز رأسه.
وبعدها مسك رجله، وجرب ردود الأفعال العصبية.
لكن...
ملامحه اتغيرت.
طلب من الممرضة بهدوء:
"حضريه لأشعة رنين على العمود الفقري...
وحجز مع دكتور مخ وأعصاب حالًا."
اتقبض قلب سجدة.
وقالت بصوت مرتعش:
"يا دكتور...
هو هيخف... صح؟"
بصلها الدكتور نظرة مطمنة.
"لسه بدري نحكم.
إصابة الحوادث ساعات بتسبب ضغط على الأعصاب أو تورم.
ولازم نستنى نتيجة الأشعة."
ثم بص لزين.
الدكتور:
"وبالنسبة للذاكرة...
واضح إن عنده فقدان ذاكرة مؤقت نتيجة ارتجاج شديد في المخ.
وده بيحصل في بعض الحوادث.
لكن محتاج متابعة."
أول ما سمع خالد الكلام...
غمض عينيه...
وحمد ربنا إن فيه أمل.
لكن سجدة...
فضلت واقفة مكانها.
دموعها بتنزل في صمت.
كانت نفسها تجري عليه...
تحضنه...
وتقوله إنها موجودة.
لكن...
هو حتى مش فاكر اسمها
الدكتور: لو سمحتوا... المريض محتاج يرتاح دلوقتي، وممنوع أي ضغط نفسي عليه. اتفضلوا كلكم بره، ولما تظهر نتيجة الأشعات هبلغكم بكل حاجة.
هز خالد رأسه بتفهم.
خالد: حاضر يا دكتور.
بصت سجدة آخر نظرة لزين...
كان بيبصلهم بحيرة، وكأنهم ناس أول مرة يشوفهم.
وجع قلبها بطريقة عمرها ما حست بيها.
نزلت دمعة من تحت نقابها...
ولفت وشها بسرعة وخرجت من الأوضة.
خرج الجميع...
واتقفل باب الأوضة بهدوء.
أول ما الباب اتقفل...
انهارت أسيل تمامًا.
جريت على خالد، وارتمت في حضنه وهي بتبكي بحرقة.
أسيل بانهيار: يعني إيه يا خالد؟!
يعني إيه زين مش فاكرنا؟!
وكمان... رجله مش بتتحرك؟!
لا... لا يا خالد... قول إن ده مش حقيقي... قول إنه كابوس وهيخلص.
ضمها خالد لحضنه أكتر، وربت على ضهرها بحنان، رغم إن عينيه هو كمان كانوا مليانين دموع.
خالد بصوت مبحوح: اهدي يا أسيل...
اهدي يا حبيبتي.
إن شاء الله زين هيكون كويس.
ربنا كبير... وربنا قادر يرده أحسن من الأول.
بكت أسيل أكتر وهي هزت رأسها بالنفي.
أسيل وسط شهقاتها: كان... كان قلبه حاسس يا خالد...
والله كان قلبه حاسس.
قبل الحادث بكام ساعة بس...
اتصل بيا، وقالي: "خلي بالك من نفسك."
ولما استغربت كلامه...
ضحك وقال: "معرفش... بس حبيت أطمن عليكي."
شهقت بقوة وهي بتكمل:
أسيل: وكأنه... وكأنه كان بيودعنا يا خالد...
أنا خوفت وقتها...
بس مقولتش لحد.
دفن خالد وشه في شعرها، وهو بيحاول يخفي دموعه.
خالد: متقوليش كده...
إن شاء الله مفيش وداع ولا حاجة.
زين قوي...
وهيرجع يقف على رجليه، وهيفتكرنا كلنا بإذن الله.
كان بيحاول يطمنها...
لكن قلبه هو نفسه كان بيرتعش من الخوف.
أما مراد...
فوقف ساكت، مش عارف يقول إيه.
وفي آخر الممر...
كانت سجدة واقفة لوحدها.
ساندة ضهرها على الحيطة...
وإيديها متشابكة بقوة.
من ساعة ما خرجت من الأوضة...
ولا نطقت ولا بكلمة.
ولا حتى بكت.
كانت عينيها ثابتة على باب غرفة زين...
وكأن روحها لسه جواه.
كل كلمة سمعتها من الدكتور...
كانت بتتردد جواها.
"مش فاكرنا..."
"رجله مش بتتحرك..."
حست إن الدنيا كلها اسودت في وشها.
لكنها كانت مخبية وجعها...
لأنها عارفة إن لو انهارت دلوقتي...
مش هتعرف تقوم تاني.
في الوقت اللي كان الصمت مسيطر على الممر...
رن موبايل أسيل.
بصت للشاشة...
ولقت المكتوب:
"ماما 🤍"
مسحت دموعها بسرعة...
وحاولت تسيطر على صوتها.
أسيل: ألو... يا ماما.
جالها صوت حنان، وهي بتتكلم بهدوء.
حنان: عاملة إيه يا أسيل يا حبيبتي؟
أخدت أسيل نفسًا عميقًا، وحاولت تخبي بكاها.
أسيل: الحمد لله يا ماما... إنتِ عاملة إيه؟
حنان: الحمد لله يا بنتي.
ثم سكتت لحظة وقالت باستغراب:
حنان: هو إنتِ متعرفيش زين أخوكي فين؟
أنا برن عليه من بدري، تليفونه مقفول.
وبرنت على سجدة كمان، نفس الحكاية... تليفونها مقفول.
أول ما سمعت أسيل اسم زين...
اختنق صوتها.
وحاولت تمسك نفسها...
لكن دموعها نزلت غصب عنها.
أسيل بعياط: ز... زين...
زين عمل حادثة يا ماما...
اتنفضت حنان مكانها.
حنان بصدمة: إيه؟!
بتقولي إيه؟!
زين عمل حادثة؟!
يا نهار أبيض...
يا ساتر يا رب!
ثم صرخت بخوف:
حنان: مستشفى؟!
مستشفى إيه؟!
ردي عليا يا أسيل!
ردي!
كانت أسيل بتعيط ومش قادرة تطلع الكلام.
وبعد ثواني قالت بصعوبة:
أسيل: مستشفى ***
من غير ما تستنى حنان تكمل...
سمعت صوتها وهي بتنادي بأعلى صوتها:
حنان: محمود الحقني بسرعة!
زين عمل حادثة!
ثم انقطع الكلام...
وأسيل فضلت واقفة، والموبايل في إيدها، بتعيط في صمت، بينما خالد قرب منها بسرعة وسحبها لحضنه وهو يحاول يهديها.
عدّى شوية وقت...
وخرج اتنين ممرضين من الأوضة، وهم بيزقوا سرير زين.
كان مغمض عينيه...
وشه شاحب جدًا...
والمحلول متعلق في إيده.
وقفت الممرضة قدامهم وقالت بهدوء:
الممرضة: لو سمحتوا... هننزل المريض يعمل أشعة رنين على المخ والعمود الفقري، ومحدش ينفع يدخل معاه.
هز خالد راسه وقال:
خالد: حاضر.
أما سجدة...
فكانت واقفة مكانها.
عينيها متعلقة بزين وهو بيعدي من قدامها.
كان نفسها تنادي عليه...
بس افتكرت إنه حتى مبقاش فاكرها.
نزلت دمعة من تحت نقابها، وهمست بصوت واطي:
سجدة: ربنا يقومك بالسلامة يا زين...
دخل السرير الأسانسير...
واتقفل الباب.
وساد الصمت في المكان.
كل واحد فيهم كان مستني أي خبر يطمن قلبه.
بعد حوالي نص ساعة...
باب الأسانسير اتفتح.
خرجت منه حنان وهي بتجري، وخلفها محمود.
كان باين عليهم إنهم خرجوا من البيت من غير حتى يفكروا.
وش حنان كان أصفر من الخوف.
وأول ما شافت أسيل...
جريت عليها.
مسكتها من دراعها، وقالت وهي بتنهج:
حنان: أسيل...
فين زين؟
إيه اللي حصل لأخوكي؟
ردي عليا يا بنتي... متسكتيش.
أول ما سمعت أسيل صوت أمها...
انهارت.
حضنتها جامد وهي بتعيط.
أسيل بعياط: يا ماما...
يا ماما...
ضمتها حنان وهي قلبها هيقف من الخوف.
حنان: قوليلي يا بنتي...
أخوكي ماله؟
حصله إيه؟
خرج صوت أسيل بالعافية:
أسيل: زين... عمل حادثة يا ماما.
شهقت حنان، وحطت إيدها على قلبها.
حنان: يا نهار أبيض...
يا ساتر يا رب...
ثم مسكت وش أسيل بإيديها وهي بتقول بخوف:
حنان: هو فين؟
قوليلي ابني فين دلوقتي؟
ردت أسيل وهي بتمسح دموعها:
أسيل: نزل يعمل أشعة رنين.
الدكتور قال لازم يعمل أشعة على المخ والعمود الفقري.
سكتت حنان ثواني...
وبعدين رفعت إيديها للسما وهي بتقول:
حنان: يا رب... متكسرش قلبي في ابني.
يا رب قومهولي بالسلامة.
أما محمود...
فكان واقف ساكت.
ملامحه كلها وجع.
قرب من خالد وقال بصوت واطي:
محمود: طمني يا خالد...
الدكتور قال إيه؟
بلع خالد ريقه وقال:
خالد: قال نستنى نتيجة الأشعة يا بابا...
وإن شاء الله خير.
بس...
محدش فيهم كان عارف إن نتيجة الأشعة...
هتغير حياة زين كلها.
مر حوالي ساعة...
كانت من أطول الساعات اللي عدت عليهم.
ولا واحد فيهم نطق بكلمة.
كلهم كانوا قاعدين قدام باب قسم الأشعة...
وكل دقيقة كانت بتعدي كأنها سنة.
وفجأة...
باب الأشعة اتفتح.
وخرج الدكتور وهو ماسك
ملف الأشعة في إيده.
أول ما شافوه...
قاموا كلهم مرة واحدة.
وجروا ناحيته.
خالد بلهفة: طمنّا يا دكتور...
نتيجة الأشعة ظهرت؟
بص لهم الدكتور، وأخد نفسًا عميقًا قبل ما يتكلم.
الدكتور: اتفضلوا... هقولكم كل حاجة.
وقفوا كلهم قدامه...
وقلوبهم بتدق بعنف.
الدكتور: بالنسبة للذاكرة...
فهو فعلًا عنده فقدان ذاكرة مؤقت نتيجة الارتجاج الشديد اللي حصل في المخ.
وده وارد يحصل بعد الحوادث.
رفع خالد عينيه بسرعة وقال:
خالد: يعني... هيفتكر إمتى يا دكتور؟
هز الدكتور رأسه بأسف.
الدكتور: للأسف مفيش وقت معين أقدر أحدده.
ممكن يفتكر بعد أسبوع...
ممكن بعد شهر...
وممكن بعد سنة.
والله أعلم.
كل حالة بتختلف عن التانية.
ساد الصمت...
والكل كان بيحاول يستوعب الكلام.
اتقدم مراد خطوة، وقال بصوت متوتر:
مراد: طيب... ورجله يا دكتور؟
تنهد الدكتور...
وبص في تقرير الأشعة.
ثم رفع عينيه ليهم.
الدكتور: للأسف...
الحادث سبب إصابة قوية في العمود الفقري، وده أثر على الحركة في رجليه.
دلوقتي هو عنده شلل في الجزء السفلي من الجسم.
لكن لسه بدري نحكم إذا كانت الإصابة دائمة ولا لأ.
هيحتاج علاج وتأهيل ومتابعة، وبعدها نقدر نحدد نسبة التحسن.
وقعت الكلمات عليهم كالصاعقة.
حنان شهقت، وحطت إيدها على قلبها.
حنان: يا ضنايا...
يا ابني...
أما محمود...
فغمض عينيه وهو بيتمتم:
محمود: لا حول ولا قوة إلا بالله...
خالد نزل دموعه لأول مرة...
ولف وشه الناحية التانية.
أما أسيل...
فكانت بتعيط وهي سندة راسها على كتف خالد.
لكن...
أكتر واحدة اتوجعت...
كانت سجدة.
من ساعة ما الدكتور بدأ يتكلم...
وهي واقفة مكانها.
وشها شاحب...
وعينيها ثابتة عليه.
ولما سمعت كلمة...
"شلل..."
حست إن الدنيا كلها بتلف بيها.
بدأ نفسها يضيق...
والأصوات حواليها بقت بعيدة.
همست بصوت ضعيف:
سجدة: زين...
وفجأة...
وقعت على الأرض فاقدة للوعي.
أسيل: سجدة!
مراد: سجدة!!
جري عليها مراد بسرعة قبل ما راسها تخبط في الأرض.
بينما نادت إحدى الممرضات بسرعة:
الممرضة: دكتور... بسرعة! المدام أغمى عليها!
مراد بخضة: سجدة!
سجدة... افتحي عينيكي!
رفع راسه ناحية الممرضات وهو بيصرخ:
مراد: حد ينادي لدكتورة بسرعة!
أختي حامل... وعندها سكر!
الحقوها
بسرعة!
جريت ممرضة بسرعة...
وبعد ثواني خرجت دكتورة من القسم.
قعدت على ركبتيها جنب سجدة، وبدأت تكشف عليها بسرعة.
الدكتورة: وسعوا لو سمحت...
سيبوا لها مساحة تتنفس.
قاست نبضها...
وبصت للممرضة.
الدكتورة: هاتي جهاز قياس السكر بسرعة.
بعد لحظات...
قاست الممرضة السكر.
بصت للدكتورة بقلق.
الممرضة: السكر نازل يا دكتورة.
هزت الدكتورة رأسها بسرعة.
الدكتورة: علّقوا لها محلول جلوكوز فورًا...
وخلوها نايمة ومتتحركش.
بدأت الممرضة تركبلها المحلول...
وبعد دقائق...
بدأت صوابع سجدة تتحرك.
ثم فتحت عينيها ببطء.
أول ما افتكرت كلام الدكتور عن زين...
دموعها نزلت من غير ما تنطق.
قرب منها مراد، ومسك إيدها.
مراد: إهدي يا سجدة...
عشان خاطري.
إنتِ حامل...
وأي انفعال هيأثر عليكي وعلى البيبي.
بصتلها الدكتورة بحنان، وقالت:
الدكتورة: بصي يا مدام سجدة...
أنا مقدرة اللي إنتِ فيه.
بس انفعالك بالطريقة دي خطر جدًا، خصوصًا مع الحمل والسكر.
الضغط النفسي ممكن ينزل السكر أو يرفعه بشكل مفاجئ، وده هيبقى خطر عليكي وعلى الجنين.
لازم تهتمي بنفسك...
عشان تقدري تبقي جنب جوزك.
هزت سجدة رأسها بصعوبة، وهي بتحاول تمسك دموعها.
سجدة: أنا... أنا مش زعلانة على نفسي يا دكتورة...
أنا قلبي واجعني عليه.
هو لسه رجعلي...
وربنا ابتلاه بالشكل ده.
يا رب اشفيه...
يا رب قومهولي بالسلامة.
تأثرت الدكتورة بكلامها، وربتت على إيدها برفق.
الدكتورة: ادعيله...
وربنا قادر يردله صحته أحسن من الأول.
ومتنسيش...
اللي في بطنك أمانة، ومحتاج أم قوية.
ربنا يطمن قلبك عليه قريب إن شاء الله.
بعد ما خلص المحلول...
حاولت سجدة تقوم بهدوء.
لكن الدكتورة حطت إيدها على كتفها.
الدكتورة: على مهلك... لسه تعبانة.
بصتلها سجدة بعين مليانة دموع، وقالت بصوت مكسور:
سجدة: ممكن... أروح أوضة جوزي؟
عايزة أبقى جنبه... بالله عليكي يا دكتورة.
أنا مش هتعبه... والله هقعد ساكتة.
اتأثرت الدكتورة بكلامها.
وبصت في عينيها لثواني...
وشافت قد إيه هي مكسورة وخايفة عليه.
تنهدت بهدوء، وقالت:
الدكتورة: حاضر...
بس بشرط.
متجهديش نفسك، ولو حسيتي بأي تعب تقوليلي على طول.
هزت سجدة رأسها بسرعة.
سجدة: حاضر... والله حاضر.
لفت الدكتورة ناحية الممرضة.
الدكتورة: يا ممرضة...
ودي مدام سجدة لأوضة أستاذ زين.
وخلي حد من التمريض ييجي يركبلها المحاليل ويكمل علاجها هناك.
الممرضة: حاضر يا دكتورة.
ساعدت الممرضة سجدة تقوم.
كانت رجليها لسه مش شايلة جسمها من التعب.
فمسكت فيها الممرضة بهدوء.
أما مراد...
فبص للدكتورة وقال بامتنان:
مراد: متشكرين جدًا يا دكتورة.
ابتسمت ابتسامة بسيطة وقالت:
الدكتورة: ادعوله... وربنا كريم.
وبدأت الممرضة تمشي بسجدة ناحية أوضة زين...
وكان قلبها بيدق بعنف.
كل خطوة كانت بتقربها منه...
وفي نفس الوقت...
كانت خايفة من اللحظة اللي هيشوفها فيها...
ويبصلها بنفس نظرة الغريب اللي بصلها بيها من شوية.
بعد دقائق...
وصلت الممرضة بسجدة قدام أوضة زين.
فتحت الباب بهدوء.
كان زين مغمض عينيه...
وأنفاسه منتظمة...
ووشه شاحب من أثر الحادث.
ساعدت الممرضة سجدة تقعد على الكرسي اللي جنب السرير.
وبدأت تركبلها المحلول.
الممرضة: لو احتجتي أي حاجة، دوسي على الجرس ده.
هزت سجدة رأسها بهدوء.
سجدة: حاضر.
خرجت الممرضة...
وأغلقت الباب وراها.
ساد الصمت في الأوضة...
مبقاش فيه غير صوت جهاز النبض.
رفعت سجدة إيديها ببطء...
وفكت النقاب.
ظهر وشها الشاحب...
وعينيها اللي اتورمت من كتر البكاء.
فضلت تبص لزين ثواني طويلة...
وكأنها بتحاول تحفظ كل تفاصيل وشه.
قربت من السرير...
وقعدت على الكرسي اللي جنبه.
مدت إيدها المرتعشة...
ومسكت إيده بين إيديها.
وحطتها على خدها...
وانهمرت دموعها.
سجدة بصوت مكسور:
فوق يا زين...
علشان خاطري.
أنا خلاص...
سامحتك.
وقررت نبدأ من أول وجديد.
وننسى كل اللي فات.
أنا كنت مستنية اللحظة دي...
مستنية أرجعلك.
بس مش بالشكل ده.
شهقت وهي بتمسح دموعها.
سجدة:
طيب...
لو مش علشاني...
قوم علشان اللي جاي.
رفعت إيده بهدوء...
وحطتها على بطنها.
وهي بتبكي قالت:
سجدة:
علشان ابننا...
هو محتاج أبوه.
وأنا...
والله محتجاك.
متسبنيش لوحدي يا زين.
أنا تعبت...
أوي.
فضلت تبكي وهي ماسكة إيده.
وفجأة...
حست بصوابعه بتتحرك حركة خفيفة.
رفعت رأسها بسرعة...
وبصتله.
بدأت رموشه تتحرك...
وببطء شديد...
فتح عينيه.
كانت أول حاجة شافها...
وش سجدة.
فضل يبصلها ثواني...
وكأنه بيحاول يفتكرها.
ثم نزل بعينه على إيده...
اللي كانت فوق بطنها.
وعقد حواجبه باستغراب.
زين بصوت ضعيف:
...ابننا؟!
رفعت سجدة عيونها ليه بسرعة...
وقلبها كان هيخرج من مكانه.
ابتلع زين ريقه بصعوبة...
وقال وهو لسه تايه:
زين:
يعني...
إنتِ...
مراتي؟!
نزلت دموع سجدة أكتر...
وابتسمت وسط بكاها.
هزت رأسها بالإيجاب وهي بتقول بصوت مرتعش:
أيوه يا زين...
أنا مراتك.
وساعتها...
فضل زين يبصلها في صمت...
كأنه أول مرة يشوفها في حياته.
لكن...
رغم إنه نسي كل حاجة...
كان فيه إحساس غريب جواه...
بيقوله إن البنت اللي قدامه...
مش غريبة عنه
فضل زين يبصلها ثواني...
وبعدين فجأة عقد حواجبه وهو بيبصلها بغضب.
زين بانفعال: انتي بتقولي إيه؟!
ابننا إيه؟!
ومرات مين؟!
انتي مجنونة؟!
اتجمدت سجدة مكانها...
والابتسامة اللي كانت ظهرت على وشها اختفت في لحظة.
بصتله بعيون مليانة دموع.
سجدة بصوت مهزوز: أنا... أنا مراتك يا زين.
إحنا متجوزين...
قاطعها زين بعصبية أشد.
زين: بس!
متقوليش الكلام ده!
أنا معرفكيش أصلًا!
انتي داخلة تقوليلي إنك مراتي مرة واحدة؟!
هو إيه اللي بيحصل هنا؟!
وفجأة...
مد إيده بسرعة...
وقبض على إيد سجدة بعنف، من غير ما ينتبه إنها هي اللي راكب في ايديها الكانولا.
ضغط عليها بقوة وهو بيصرخ:
زين: ردي عليا!
انتي مين؟!
شهقت سجدة من شدة الوجع...
لكنها ما سحبتش إيدها.
كانت دموعها بتنزل في صمت، وهي بتحاول تهديه.
سجدة بصوت متقطع: هدي نفسك يا زين...
والله هتفتكر.
أنا جنبك...
ومش هسيبك.
لكن زين كان في حالة ذعر.
وزود ضغطه على إيدها أكتر من غير ما يحس.
اتحركت الكانيولا من مكانها...
وبدأت نقطة دم تنزل على إيد سجدة.
اتأوهت من الألم، لكنها فضلت ماسكة إيده.
وفجأة...
بدأت أجهزة متابعة نبض زين تصدر صوتًا أسرع.
زين وهو بيصرخ: حد يفهمني!
أنا مين؟!
وانتو مين؟!
سيبوني!
أنا تعبت!
وصل صوته لبرا الأوضة.
وفي ثواني...
اتفتح الباب بسرعة.
دخل خالد ومراد وأسيل وحنان على صوت صراخه.
أول ما شافتهم سجدة...
افتكرت إنها كانت رافعة النقاب.
بسرعة سحبت إيدها من بين إيديه، ولبست النقاب وهي بتمسح دموعها بإيدها التانية.
أما زين...
فبصلهم بنفس نظرة الغريب.
زين بعصبية: إنتوا كمان مين؟!
هو إيه اللي بيحصل هنا؟!
سيبوني!
اطلعوا بره كلكم!
جريت الممرضة على صوت الصريخ...
ولحقتها الدكتورة بسرعة.
أول ما دخلت...
لمحت الدم النازل من إيد سجدة، والكانيولا اللي اتحركت من مكانها.
جريت عليها بسرعة.
الدكتورة: يا مدام سجدة... إيدك بتنـزف.
سيبيني أشوفها.
لكن سجدة كانت باصة لزين...
ولا كأنها حاسة بالوجع.
أما الدكتورة...
فلفت ناحية زين، وقالت بحزم:
الدكتورة: أستاذ زين... اهدى لو سمحت.
إحنا مش هنأذيك.
أنت في المستشفى، وكل الناس دي موجودة علشان تطمن عليك.كل دول اهلك و صحابك
لكن زين كان لسه بيتنفس بعنف، وعينيه مليانة خوف وعدم استيعاب، وكأنه صحي في عالم ما يعرفش فيه أي حد.
الدكتور قربت منه بهدوء، وقالت بنبرة حازمة:
الدكتور: أستاذ زين... بصلي.
خد نفس عميق.
محدش هنا هيأذيك.
إنت في أمان.
كل الناس دي أهلك... وبيحبوك.
لكن دلوقتي لازم ترتاح.
فضل زين ساكت شوية...
وبعدين بص لسجدة.
رغم إنها كانت لابسة النقاب...
إلا إنه حس إنها أكتر واحدة مكسورة في الأوضة.
عقد حواجبه وقال بصوت واطي:
زين: ...هي... بتعيط ليه؟
اتجمدت سجدة مكانها...
وقلبها دق بعنف.
لكن قبل ما ترد...
الدكتور سبقها
الدكتور: لأنها كانت خايفة عليك.
زيهم كلهم.
خفض زين عينيه...
وحاول يفتكر أي حاجة...
لكن فجأة حط إيده على راسه وهو بيتألم.
زين: آآه...
دماغي...
مش قادر...
كل ما أحاول أفتكر...
بحس إنها هتنفجر.
الدكتور بصت الممرضة بسرعة.
الدكتور: جهزي الحقنة المهدئة.
الممرضة: حاضر يا دكتور.
في ثواني...
جهزت الحقنة.
الدكتور بص العيلة وقا بحزم:
الدكتور لو سمحتوا...
كلكم تطلعوا بره.
أي ضغط عليه دلوقتي ممكن يضر حالته.
خالد حاول يعترض.
خالد: بس يا دكتور...
الدكتور قاطع بحزم أكبر.
الدكتور: من فضلكم...
بره.
دلوقتي.
بدأوا يخرجوا واحد ورا التاني...
حنان وهي بتبكي...
أسيل وهي سنداها...
ومحمود ومراد وراهم.و معاهم خالد
أما سجدة...
فضلت واقفة مكانها.
كانت عينيها متعلقة بزين.
مش قادرة تتحرك.
الدكتور: يا مدام سجدة...
اتفضلي.
هزت سجدة رأسها...
ومشت ناحية الباب بخطوات تقيلة.
وقبل ما تخرج...
لفت تبص عليه آخر مرة.
في نفس اللحظة...
رفع زين عينه ناحيتها.
فضل يبصلها ثانيتين...
وحس بوجع غريب في قلبه.
من غير ما يفهم السبب...
خرجت منه كلمة تلقائية...
بصوت ضعيف جدًا:
زين: ...استني.
وقفت سجدة مكانها...
وقلبها اتعلق بالكلمة.
لفتله بسرعة...
لكن زين كان ماسك راسه بألم شديد.
وعينيه بدأت تقفل واحدة واحدة من تأثير المهدئ.
وقبل ما يفقد وعيه تمامًا...
همس بكلمة خلت الكل يتصدم...
زين: ...متعيطيش...
أنا... معرفش ليه...
بس... دموعك... بتوجعني...
وأغمض عينيه...
لتسقط دمعة من عين سجدة...
همست سجده وسط دموعها
حتي لو نستني قلبك لسه فاكرني
.......
"العقل قد ينسى... لكن القلب لا يكذب." 🤍
غريبة هي الذاكرة...
قد يمحو العقل الأسماء والوجوه والسنين...
لكن يبقى في القلب شعور لا يعرف له تفسير.
قد تنسى من أحببت...
لكن تتألم لرؤيته يبكي.
وقد تنسى الحكاية كلها...
لكن قلبك يخفق للشخص نفسه، وكأنه يقول لك:
"أنا لا أتذكر... لكنني أعرف هذا الإحساس."
فليس كل ما ينساه العقل ينساه القلب...
فالقلب يحتفظ بما عجزت الذاكرة عن الاحتفاظ به.
وربما...
أقوى أنواع الحب...
هو ذلك الذي يبقى حيًا، حتى عندما تضيع الذكريات. 🤍
الفصل العاشر من هنا