
رواية ظننتك قلبي لكن بعض الظن إثم ج2 الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم رشا روميه
الخاتمة الثانية «أنت قلبي ليس ظنًا أو إثم»
تبعثرتُ وتشتتُ، ظننت أني أُرغِمتُ على حبٍ، وأن القلوب مجبرةٌ، رفضتُ أن أَميل، رفضتُ أن تمتلك قلبي، أردت لعقلي أن ينتصر، رفضت الخضوع والضعف، فوجدتك أنت القوة، حاولت التعود على غيابك، فوجدت أن في وجودك يصبح كل شئ بخير، حتى أنا، بحزن ظننتك قلبي، لكني اليوم أعلنها، أنت قلبي، بإختياري وحبي، ليس ظنًا ولا يحمل إثمًا ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
الجزاء ليس فقط من جنس العمل، بل أيضًا من الغدر والخيانة وإستغلال قلوب آمنة، خطئها الوحيد أنها وثقت بمن لا يستحق الثقة، هل نُعاتَب على حُسن نوايانا، هل نعاقب على نقاء قلوبنا، أم أن زماننا أصبح معكوسًا، يدفعنا للؤم والخبث بدلًا من النقاء وطيبة القلب ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
صدام قوي بين تلك السيارة المسرعة وبين جسد "مأمون" الذي تطاير بالهواء ليسقط أرضًا يصارع البقاء بأنفاس متقطعة، إلتف المارة حول "مأمون" بإشفاق، لو يعلموا أنه لا يستحقه ...
- لا حول ولا قوة إلا بالله، حد يتصل على الإسعاف يا أخونا ...
أوقف قائد السيارة سيارته جانبًا ليترجل منها بوجه شاحب وأعين قلقة يدافع عن نفسه ...
- والله هو طلع لي مرة واحدة، مش عارف جه منين ؟!!
أكد أحدهم على ذلك ...
- أيوه، أنا شوفته كان بيجري زي المجنون وعمال يبص وراه، هو إللي غلطان ...
أشار أحدهم لهم بالصمت فلا داعي لذلك الآن ...
- مش نشوف الراجل إللي بين الحيا والموت ده الأول، شوفوا الإسعاف إتأخرت ليه ؟!!
توقف الطريق وتجمهر العابرون من هنا وهناك، يشفقون على حال هذا الغارق بدمائه ساكن الجسد، وبعضهم لا يبالي، وآخرون يصورون الحادث بلا إحساس وتأثر كما لو كان أمر عادي لا يكترثون له ...
بعد مرور بعض الوقت وصلت سيارة الإسعاف لتحمل "مأمون" بداخلها منطلقة نحو المستشفى لعلاجه، وحيدًا لا يعلم أحد عنه شيئًا، لا أهل ولا أحباب، حاول الغدر بـ"نغم" وحيدة، لكن الله ردها له كما أراد تمامًا، فكما تدين تدان ...
إنفض التجمع كل في طريقه كما لو أن شيئًا لم يكن، بينما كان "مأمون" بالمستشفى في حالة خطرة يصارع البقاء ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
عطارة النجار ...
النسخة الأخيرة التي تراها من الأشخاص هي حقيقتهم من البداية، فلا يغرنك هدوء الثعابين فلدغاتهم مميتة ...
هكذا ظهرت "ريهام"، مسالمة هادئة تركت بيت زوجها بحثًا عن السلام بعيدًا عن بيت النجار وسوء أهله، وفي الأساس كانت حية لها من السُم ما يتوغل بالجسد لتصيبه بمقتل، لم تفكر سوى بنفسها ومصلحتها، لم تكترث بتدمير فتاة رقيقة بريئة الطباع، نقية القلب، كان إهتمامها هو النقود الذي ستتحصل عليها هي و زوجها من إجبار تلك الضعيفة وأمها وأختها من ترك حقهم لينعموا هم بالرغد والثراء ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
تعالت صيحات الألم جراء سكب ماء النار التي أحضرتها تلك البغيضة "صباح"، تخبط الحاضرون فمن الذي أصيب بها، لحظات من الهرج بين المتواجدين بالمتجر ليعلو صراخ أنثوي متألم ...
- ااااااه، ااااااه، إلحقونــــــــي، ااااااه ...
حاول البعض المساعدة لكنهم فور رؤيتهم لوجهها وقد ترهل الجلد منه لتتساقط تلك القشرة محترقة، تقاعس البعض لعدم قدرتهم على التحمل ...
أصابت "صباح" زوجة إبنها "ريهام" بحروق خطيرة بوجهها ورقبتها وأيديها أيضًا، إحساس مؤلم للغاية وبشاعة بشكل كبير لمن ظنت أن بحُسنها تملك كل شيء، كما تستطيع به الحصول على كل ما تريد ...
وقفت "صباح" بصدمة فلم تقصُد "ريهام" مطلقًا لكنها عبرت من أمامها بنفس الوقت الذي ألقت به ماء النار، كانت متجهة نحو "زكيه" لإجبارها على تحقيق مقصدها والحصول على العقد، لتنال عقاب تجهز لها دون أن تدري، حتى فاعلته لم تقصده، عقاب أُنزل بها بهذا الوقت والمكان بأمر من المنتقم الحق، ربما نظن أننا من نُسير أقدارنا، لكننا مُسيرين تجاهها دون أن ندري ..
ظلت "ريهام" تصارخ ألمًا، لم تعد تحتمل هذا الألم وتلك النيران التي تستعر بجسدها ....
- اااه، منك لله، ربنا ينتقم منك، اااه، ربنا ينتقم منك يا "صباح" ....
بينما حضر رجال الشرطة وطلب الضابط سيارة الإسعاف لنقل "ريهام" لأقرب مستشفى، إلتف الضابط متسائلًا ...
- مين فيكم إللي متقدم فيها البلاغ، مين فيكم "صباح الجزار" ... ؟!!
وقفت "صباح" بذهول، تناظر الضابط الذي جاء خصيصًا للقبض عليها، لكن صدمتها لم تكن من مجئ الشرطة فقط، بل من تلك الواقفة تشاهد بإستمتاع هذا المشهد، هتفت "صباح" بحنق أثناء تكبيلها بالأصفاد للقبض عليها ...
- بقى كدة ...!!! إنتِ تعملي فيا أنا كدة ...؟!!
سحب الشرطي "صباح" لسيارة الشرطة خارج المتجر، بينما رمقت "صباح" تلك الواقفة بتقزز أثناء عبورها ...
إنطلقت سيارات الشرطة مصطحبة "صباح"، ليبقى "فخري" و "زكيه" و "فريد" في حالة دهشة واضحة، إنتهت بسؤال "فخري" بنبرة يملؤها الحيرة ...
- عملتي كدة ليه يا "راويه" ...؟!!
بقلم رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
مع إقتراب "رحيم" و "شجن" من بيت النجار، قابلت "شجن" مكالمة "رحيم" التي أجراها منذ قليل بإمتعاض شديد ...
- وماله يا سيدي، ربنا يكتر من حبايبك !!!!
إبتسامة لينة وإجابة طريفة كانت طريقته في الرد عليها ...
- آمين يا رب، هو حد يطول إن حبايبه يكتروا ...
إستدارت "شجن" وهي تعقص وجهها بقوة مستنكرة رده ...
- نعم، نعم، هو إيه إللي حد يطول حبايبه يكتروا ده، إنت حتفرسني من أولها ...!!!
ضحك "رحيم" على إنفعالها اللذيذ معقبًا ...
- تعرفي إنك بتبقي لذيذة أوي وإنتِ متعصبة ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
تجلت شخصيتها المتمردة والتي تشبه بها "عهد" إبنة خالتها، رافضة بشكل قاطع ...
- لأ بقولك إيه، إنت لسه متعرفنيش كويس، أنا مش من النوع إللي بيتضحك عليه بكلمتين، أنا إنسانة واضحة، وأحب الإنسان الواضح قدامي، فهمت ...؟؟!
بتقبل لطيف أجابها "رحيم" بدون إعتراض ...
- معاكِ حق، ده أحسن طريق ممكن نمشي فيه سوا، أنا يا ستي كنت بكلم والدتي، بس كدة ...
لملمت شفتيها بخجل من إنفعالها بدون داعي ...
- والدتك !! طب مقولتش من الأول ليه، بدل ما شكلي بقى وحش أوي كدة ...
نظر تجاهها سريعًا قبل أن يعيد بصره للطريق ...
- ما أنا بقولك، شكلك حلو أوي وإنتِ متعصبة، بس أنا قولت لك أهو، أنا ماليش غير أمي، ودايمًا كنت بكلمها أطمن عليها وأطمنها عليا ...
بتقبل هادئ عقبت "شجن" ...
- ربنا يخليكم لبعض ...
دق هاتف "أيوب" الذي بحوزة "شجن" لتنظر لشاشته بإقتضاب قائله ..
- ده باشمهندس "عادل" ...
زفر "رحيم" بضيق فلم يعد يحتمل سماع إسم هذا الرجل، فمن داخله متيقن بأنه يكنُ الإعجاب لـ"شجن"، فهذا ظاهر من حديثه ونظراته نحوها ..
- بقولك إيه، أنا إللي حرد عليه ...
عظيم هذا الإحساس بأنك غاية في حد ذاتك، أن تكون ذات قيمة لدى أحدهم، أن يبادلك أدوار قمت بها لنفسك لم تكن تناسبك، والآن يتوجب عليه حمايتك ورعايتك، أن تلقي بمسؤوليتك على كتفيه، أن يحقق لك السند والقوة التي كنت تتوق لها، أن تعيش الأنثي دورها كأنثى لا أن تقوم بدور الحماية مرغمة لغياب من يتولى ذلك ...
بأريحية شديدة أومأت "شجن" بالموافقة وهي تمد كفها بالهاتف تجاه "رحيم" ...
- رد عليه ...
سحب "رحيم" الهاتف مجيبًا بجدية ...
- السلام عليكم ...
أجابه "عادل" ببعض التذمر ..
- مين معايا، فين "شجن" ...؟؟!
زم "رحيم" شفتيه بغيظ ليهتف به بغيرة واضحة ...
- مالك إنت ومال "شجن" !!! وبعدين مترفعش الألقاب، إسمها الآنسة "شجن"، ولو عندك حاجة قولها على طول، أنا إللي حتكلم معاك من هنا ورايح، مالكش دعوة بيها خالص ...
لوي "عادل" فمه بإمتعاض قائلًا ...
- طيب، أنا طردت "أم محمد" وإبنها، والناس إللي كانوا في البيت دول طلبت لهم الشرطة وقبضوا عليهم، وجبت الدكتور للحاج "أيوب"، طمنها بقى إنه كويس، والدكتور عمل اللازم وفيه ممرضة حتقعد معاه اليومين دول عشان العلاج ...
ربما نهشت الغيرة قلبه العاشق، لكن ذلك لم يمنع أن يثني بالحق على صنيعه، وإنقاذ "أيوب" من هؤلاء الجشعين ...
- متشكرين يا باشمهندس، طلعت راجل جدع ...
ربما تلك أول مرة يتهاون كلاهما بالحديث مع بعضهما البعض، فكلمة "رحيم" الطيبة، ونقاء نيته وصفاء قلبه، شعر بهما "عادل"، فيبدو أنه قد ساء به الظن، ليردف بتقبل وهدوء ...
- على إيه بس، الحاج "أيوب" زي والدي، ربنا يشفيه ويقومه بالسلامة ..
- كتر خيرك، ولو تكون جنبه بس اليومين دول يبقى جميل في رقبتنا لحد ما نرجع له ...
- بإذن الله، مع السلامة ...
إنتهت تلك المكالمة ببعض الهدوء المغاير لبدايتها، فربما حين نتمالك الغضب والشعور بالإنفعال، نتجنب رؤية الأمور الضبابية والحكم المغلوط على البعض ونواياهم، فبعض التروي والتفكير بحكمة يجنبنا سوء الظن ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
أخيرًا وبعد ساعات طويلة من السفر وصل "رحيم" لبيت النجار الذي عمه هدوء غريب لم يمر به من قبل، ترجلت "شجن" من السيارة لتدلف لداخل البيت لكن إستوقفتها جارة لهم تسألها بفضول ...
- "شجن"، إنتِ جيتي !!! أمك لقت أختك إللي خطفها "مأمون" ولا لسه ؟؟!!!
فغرت "شجن" فاها بصدمة ...
- إيه ؟!!!! "نغم" إتخطفت ؟!!!!!
مصمصت تلك الفضولية شفتيها لتلقي بثاني صدماتها دون أن تبالي ...
- يوه، هو إنتِ متعرفيش، مش "مأمون" خطف "نغم" بعد ما إتجوزها لما أمك دخلت الحبس ...
ضربت "شجن" صدرها بكفها بصدمة لتشاهق بقوة ..
- ماما دخلت الحبس !!!!! هي فين، ماما فين ؟!!
بذات الهدوء الغير مبالي أجابت الجارة ...
- في محل العطارة بتاع عمك ...
ثم أكملت ثرثرتها لكن "شجن" لم تنتظر سماعها لها لتنطلق بخطوات متعجلة نحو "رحيم" ...
- إطلع بسرعة ...
لكن يبدو أن طلب "شجن" بالتحرك بأقصى سرعة سيتكرر كثيرًا بالأونة الأخيرة ...
- على فين المرة دي ؟!!
- على محل العطارة بتاع عمي، بسرعــــــة ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
عائلة محفوظ الأسمر ...
بعض الأغبياء يفسرون اللطف بأنه ضعف، يستحلون كسرهم و إرهابهم، يسحقون أحلامهم وأمالهم، يستغلون نقائهم دون أدنى إحساس بالذنب، بل يظنون أن لا رادع لهم ولا قوة للضعفاء لمواجهتهم، يظنون أن قدراتهم محدودة وليست لديهم القدرة على الصمود وإنتزاع حقوقهم فتمادوا بالطغيان، ظنوا أنهم كسبوا المعارك لكنهم لم يعلموا أن بعض الظن إثم ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
وقفت سيارات الشرطة أمام بيت عائلة الأسمر، إستقلت "عتاب" و"باسم" إحدى السيارات برفقة ضباط الشرطة، وسط قلق "عتاب" بشكل ملحوظ فالأمر مبهم تمامًا بالنسبة لها، من أبلغ الشرطة عنهم، ولماذا ..؟؟ لقد كانت ستبلغ الشرطة بالفعل عن "محب"، لكنها لم تفعل ذلك، فمن فعلها .؟!!
نظرت بحيرة نحو "باسم" تسأله بهمس ...
- "باسم"، إنت إللي بلغت الشرطة ؟؟!!
تطلع نحوها بغرابة وقبل أن يجيبها كان الشرطي المجاور لهما ينهرهما بحِدة عن الحديث ...
- بس إنت وهي، إنتوا فاكرين نفسكوا فين ..
تلجمت "عتاب" عن الحديث لتبتلع كلماتها بغيظ، نظرت تجاه بوابة بيتهم العريق تطالع "محب" الذي رافقه أحد الشرطيين أيضًا بريبة محدثة نفسها ...
- هو أكيد مفيش غيره إللي عملها، هو الغدار، غدر بيا وبلغ عني قبل ما أوقعه، ده إنت طلعت مياه من تحت تبن ...
ناظرت أخيها بسخط لتفاجئ بوالدتها تسير من خلفه برفقة أحد الشرطيين أيضًا، إتسعت حدقتيها بذهول تشهق بصدمة ...
- ماما ...!!!، إيه ده ؟؟! إزاي ماما بتمشي على رجليها، إزاي إتحركت من مكانها ؟!!!
لتبدأ سلسلة أخرى من الظنون تدور برأسها ...
- يبقى أكيد هي إللي وقعتنا كلنا، هي إللي بلغت عننا، طب إزاي والدواء إللي كنت بديهولها، إزاي قادرة تتحرك بالنشاط ده، دي بقالها شهور نايمة في سريرها لا حركة ولا كلام !!!!!!!!
تخبُط بالظنون وموجات من الغضب زادت حدتها حين رأت ما لم تكن تتوقع رؤيته، صدمة أخرى جعلت شهقاتها تظهر بشكل صادم مما جعل رجال الشرطة ينتبهون لها هذه المرة، ضربت صدرها من هول المفاجأة ...
- "وعد" ....!!!!!!! "وعد" لسه عايشه ...؟!!!!!! هو إيه إللي بيجرى ده، أنا مش فاهمة حاجة ...!!!!!!
خرجت "وعد" التي ظنت "عتاب" أنها تناولت السُم وتخلصت منها، خرجت بصحة جيدة ورأس مرفوع وقوة ظهرت بخضراوتيها، لم تكن تلك الخانعة الضعيفة، بل تحلت بقوة كما تتحلى أختها بها، مرفوعة الرأس ممشوقة القامة، قوية النفس، من يراها يظن أنها تبدلت بالفعل بين دقيقة وأخرى ...
من ظن أنها الضعيفة التى لا يمكنها حماية نفسها وولدها كان مخطئ تمامًا، فبداخل كل إنسان قوة لا يشعر بها، قوة لا يدرك أنه يمتلكها، لكنها تظهر عندما يتسلل اليأس للنفوس، تظهر حينما تعلن رايات الإستسلام والوصول لنهاية الطريق ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
بخطوات ثابتة لحقت "وعد" وإبنها الصغير بسيارة الشرطة لتجلس إلى جوار "محب" و "قسمت" بصمت، لتنطلق السيارات بطريقها لقسم الشرطة ...
فور أن جلست، طالت نظرة غريبة بينها وبين "محب"، نظرة لم يفهمها "محب" في حينها، كانت عيناه تعلقتا بمقلتيها بقلق، نظرة تحمل ترجي وتوسل لأمر ما دون أن يتفوه به، بينما كانت "وعد" تناظره بإستكشاف، نظرة نافذة تتحلى بالقوة بخلاف تلك الضعيفة المستكينة ...
أثناء تحرك السيارات شردت "وعد" تتذكر لمحات ماضية تستعيد بها بعض المواقف ...
﴿ تذكرت ذلك اليوم الذي إشتمت به عطر "عاطف" حولها، دارت حول نفسها بتخبط إنها متيقنة بأن "عاطف" يحوم حولها، يحاول أن يُفلت أعصابها، أسرعت لملجأها الوحيد، أختها "عهد"، سحبت هاتفها محدثة إياها تخبرها بكل ما مرت به ...
إبتلعت "وعد" ريقها وهي تتطلع حولها بأعين مشتتة ..
- مش عارفه يا "عهد"، فيه حاجة مخوفاني، أنا حاسة إن "عاطف" هنا، أنا حاسة إن "عاطف" لسه عايش يا "عهد"، أنا شامه ريحة البرفيوم بتاعه، ومن كام يوم لقيت الخاتم بتاعة كمان ..
مسحت "عهد" وجهها بكفها من غيظها المكتوم من سطحية أختها وسذاجتها لتردف بسخرية ...
- "وعد" أنا دماغي فيها خمس آلاف حاجة، عايش إيه وكلام فارغ إيه، بلاش هبل، تلاقيكِ بيتهيألك ولا حاجة ...
أجابتها "وعد" بتأكيد ...
- أبدًا والله، زي ما بقولك كدة ...
زمت "عهد" فمها بإستياء متسائله بشك ...
- وسي الإستاذ "محب" فين من ده كله بقى ؟!!!
- مش بيبقى هنا، ولما بقوله يقولي يمكن "زين" لقى الخاتم أو الحاجات دي بتحصل بالغلط، بيحاول يطمني وخلاص، بس أنا قلبي مش مرتاح، أنا خايفة ....
تفكرت "عهد" بحنكة مستخدمة ذكائها وفراستها ...
- لأ بالراحة كدة وواحدة واحدة عليا، إحكي لي كل حاجة بالتفصيل الملل ...
أخبرتها "وعد" بقصة الخاتم، وتبديل عصير الفراولة بالكيوي، وأخيرًا ذلك العطر النفاذ الذي كان يخص "عاطف"، أخبرتها "عهد" بذكاء ...
- شوفي بقى، يا إما الناس إللي حواليكِ دي عايزة تجننك، أو إنهم عايزين حاجة تانية خــــــالـــــص، فلازم تعملي إللي حقولك عليه، عشان تكشفيهم وتعرفي بيعملوا كدة ليه، بس لازم توعديني إنك متغلطيش وتعملي كل إللي حقولهولك ...
بُهتت "وعد" بصدمة متسائلة بتمني من أن تكون مخطئة ...
- قصدك إيه، إن "محب" كذاب، بيخدعني هو كمان، طب و "عاطف" ...؟؟!!!
نهرتها "عهد" بحدة ...
- "عاطف" إيه يا خايبة إنتِ، هو الميتين بيرجعوا تاني، ده أكيد العقربة وشريكها هم إللي بيعملوا فيكِ كدة، ها، حتعملي إللي قولت لك عليه، ولا حتعيشي زي أمك وخالتك ...!!!
رغم ملامحها المتأثرة بظنها بـ"محب" وخيبتها به، وأنه متواطئ مع أخته لإخافتها وإصابتها بالجنون، إلا أنها أجابت "عهد" بقوة ورفض لتلك المذلة مرة أخرى ...
- حعمل كل إللي حتقولي عليه، فهميني يا "عهد" ...
- طيب، طالما هم ناويين يجننوكِ، يعني أكيد حيكرروا الحكاية دي تاني، عايزاكِ تتأثري وتصرخي بأعلى صوتك، وتعملي نفسك مغمى عليكِ عشان يصدقوا إنك إتصدمتي، ولما تفوقي إعملي نفسك مش شايفة، ولا أقولك إعملي مش سامعة، عشان يطمنوا ويتكلموا قدامك وتفهمي كل حاجة، وأول بأول تبلغيني ...
بتلك اللحظة عاد "محب" من الخارج لتحاول "وعد" إنهاء مكالمتها مع "عهد" بنوع من الغموض حتى لا يشك بها "محب"....
إستكملت "وعد" مكالمتها مع "عهد" وهي تبتسم تجاه "محب" بسعادة لعودته ...
- أه ، اه ، فهمت ، حاضر ، ماشي يا "عهد" ، سلام حبيبتى عشان "محب" جه بقى ...﴾
كان هذا الإتفاق هو بداية وضوح الرؤية لـ"وعد"، فبعدها حدثت الواقعة التي بالفعل أزعجتها لكنها تذكرت حديث "عهد" لها، وأن تبديل كنزة "زين" الوردية وتمزيقها ما هي إلا خُدعة جديدة منهما، تصنعت الإغماء حتى مجئ "محب" و "عتاب"، طال تمثيلها حتى أنها لم تدرك متى تصطنع الإفاقة، وحين فتحت عينيها تصنعت فُقدانها السمع والبصر، رأت من خلف هذا الحجاب غدر "عتاب" وظهور نيتها السيئة تجاهها وعدم إكتراثها لما أصابها، لكن قلق "محب" أثار تساؤلاتها، فإن كان يعلم أنها لا تراه ولا تسمعه، لِمَ يستمر بنظراته القلقة والمحبة بذات الوقت ؟!!
بقلم رشا روميه قوت القلوب
رافقتهم للدور السفلي وقضت الأيام الماضية بغرفة "محب" القديمة، لكن حين وجدت "عتاب" بغرفتها تتحدث مع أحدهم، تسللت لتستمع لحديثهما، إندهشت لسماعها حين قالت "عتاب" ...
-( إنت بتتكلم بجد ، خلاص نقدر نخلي "وعد" تتنازل عن الورث كله ؟؟! بس مش ده بس إللي أنا عايزاه ، أنا عايزة "محب" وماما كمان ، أنا عايزة كل الورث يبقى ليا لوحدي من غير شريك ...)
ربما ما زاد صدمتها ما تقوم به مع أمها من إعطائها دواء يزيد من سوء حالتها حتى تودعها إحدى المصحات وتستولى على النقود بمفردها ...
وحين خرجت "عتاب" من الغرفة ووجدت "وعد" أمامها، حاولت ضربها لعلمها بأنها لا تراها ولا تسمعها، وإضطرت "وعد" لتحمل هذا الأذى حتى لا تظهر أنها لا تعاني منهما، حدثت أختها "عهد" للمرة الثانية تخبرها بما حدث ...
- إلحقيني يا "عهد"، "عتاب" ضربتني جامد، وكنت خايفة أرد عليها أنكشف ...
زمت "عهد" شفتيها بتهكم من محدودية تفكير أختها ...
- أذكى إخواتك، هو أنا مش قلت لك يا تعملي عامية يا طرشة، لازم تجودي من عندك وتعملي الإتنين، أهى إدتك علقة يا فالحة ...
أخفضت "وعد" من صوتها وهي تناظر باب الغرفة حتى تنتبه إن دخل أحدهم الغرفة ...
- طب أعمل إيه دلوقتِ ..؟!!
- ولا حاجة، إعملي إن الضربة دي رجعت لك بصرك، وخليكِ عامله نفسك مش بتسمعي لما تعرفي هم بيخططوا لإيه بالضبط وقوليلي أول بأول ...﴾
تذكرت حديث "محب" و "عتاب" حين عادت "عتاب" من الخارج لا تبالي بتأخيرها أو خروجها بدون علم أخيها، لكن ما أثار فضولها وهي تدنو من الغرفة تستمع لحديثهم ...
- (عايزين نمضي "وعد" على ورق التنازل ده، ضروري، وعليك إنت تعمل كدة، ومتقوليش إزاي، إتصرف ...)
تفاجئا بها لتصطنع أنها مازالت لا تسمع، لكنها تري جيدًا حتى لا تُعيد "عتاب" ضربها مستغلة أنها لا يمكنها الإبصار ...
قضت تلك الليلة تحاول إستيعاب الأمر، فيبدو أن لسبب ما تم تسجيل كل الأملاك بإسم "زين"، وهذا ما جعل "محب" يتزوجها، حتى تتاح لهم الفرصة لإستعادة أموالهم منها بأساليبهم الرخيصة، طعنة خنجر غُرس بقلبها لتيقنها من غدر "محب" بها، فلو كانا طلبا المال لكانت أعادته لهما عن طيب خاطر ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
تعاسة قلبها هذه المرة كانت أشد، فقد وقعت ببحور الهوى، وسقطت عشقًا بهذا المحب، ظنته عوضًا لها لكنه كان يخدعها، لم يحبها بل إستغلها للوصول المال ...
لكن ذلك لم يمنع تشوش أفكارها، وحديث قلبها الملكوم، فقد شعرت بعمق محبته، لقد كان صادقًا بشكل لا يمكنها تخيل أنه خداع وتمثيل، فقد كان بارعًا للغاية، فهو إما ممثل عبقري، أو أنه محب عظيم ...
لكن بعض تصرفات "محب" جعلتها تشك بأمره، وأن له نوايا أخرى، صِدق كلماته، حتى عندما يعلم أنها نائمة أو بالفترة التي إصطنعت بها عدم القدرة على سماعه، وأيضًا تلك الأوراق التي كانت تتحدث عنها "عتاب"، والتي أعطاهم لـ"عتاب" دون توقيعها، بل زور إسمها دون حتى أن يخبرها عن الأمر، تواجده بشكل كبير تاركًا عمله بالمعرض، كما لو أن وجوده برفقتها أصبح شغله الشاغل، قلقه الدائم عليها ومكوثه بغرفتهما، نظراته المتعلقة بها طيلة الوقت، وأخيرًا هذا السُم الذي أصرت "عتاب" على أن يضعه لها بالعصير، وجدته يسكبه بالمغسلة ولم يضعه بالمرة، لقد رفض أن يؤذيها، أسئلة محيرة تراودت بذهنها أثناء مسيرتهم لقسم الشرطة جعلتها تتشكك بنوايا "محب" بأذيتها، فقد أنقذها أكثر من مرة وليس العكس ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
موقع نفايات السيارات ...
لا أحد يتخلى عن الأشياء التى يحبها إلا بعدما يجرحه تمسكه بها، ليس التخلي أمر يسير على نفوسنا، لم أطرد بحياتي أحد، هم من تخلوا ووضعوا أنفسهم بتلك الخانة كالأغراب ...
كل ما يمكنها فعله لتتحرر من هذا الوثاق فعلته، حديث لازع، تطاول، إهانة، إستفزاز لهم، لكن بدون نتيجة، تعاملها مع الحبال وفك عقدها لم يساعدها بالمرة فقد تمكن هؤلاء الرجال من وضع عقد صعبة الحل، حتى حركتها المستمرة لم تساعدها بذلك أيضًا بل جعلها تتأرجح بالهواء بقوة كادت أن تزيد من إصابتها بشكل بالغ ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
لم يكتفي أتباع "أحمد علام" بذلك بل ظلوا يتلاعبوا بها وبأعصابها إنتقامًا من "معتصم" وتليقنه درسًا لن ينساه، تارة يسقطونها بسرعة للأسفل، تارة يصدمونها بالرافعة، وتارة أخرى يرفعونها للأعلى متدلية من الرافعة بشكل محطم للأعصاب ...
لو كان على ذلك الأذى الجسدي فقط لكانت تتحمل وتتحمل بعد، لكن تحطيم نفسها و خذلانها كان أقوى عذاب لها، خاصة بعد إدراكها تخلي "معتصم" عنها ...
إبتلعت "عهد" ريقها محاولة سحب بعض الهواء برئتيها المتعبة، فمهما بلغت قوتها وجسارتها إلا أنها متعبة، منهكة القوى ...
سالت قطرة عرق مالحة مختلطة بتلك الدماء التى تتساقط من جروحها المتفرقة جعلت خصلات شعرها الأسود يلتصق بجبهتها ووجهها ...
أغمضت عيناها لبرهة تستمد بعض الطاقة التى كادت أن تنهك، ثم غمغمت بسخط ..
- ربنا يولع فيكم كلكم، حد بس يطولني رقبتك يا أخي، وربنا ما أنا ححلك، وتكون أخر أنفاسك على إيدي، قادر يا كريم ...
كما لو كان "أحمد علام" ينصت لحديثها، فأرسل ضحكة بالهواء مردفًا لمُساعدة ...
- كفاية عليها كدة، أظن الساعة خلصت خلاص، الباشا شكله راح لأبوه فعلًا، شغلوا المفرمة وإرفعوها لفوق، ونزلها يا إبني على أقل سرعة، أهى لو مماتتش من الخوف، يبقى تتقطع في المنشار لما تنزل ...
أمر مجحف خالي من الإنسانية والشعور بالمرة، يأمر بقتلها كما لو أنها مجرد شيء لا قيمة له، لم يتواني رجاله عن تنفيذ أمره بينما إستعدوا جميعًا للمغادرة، فيبدو أن "معتصم" حسم الإختيار كما أخبره بالهاتف ...
كل شيء سينتهي، فقط إنها مسألة وقت، تابعت "عهد" من الأعلى تحرك "أحمد علام" ورجاله، حتى سائق الرافعة ترك آلته تعمل وترجل منها، يبدو أنه قد أُسطرت النهاية، فلا رجعة ولا أمل، بعض الوقت وستصبح تصارع آخر أنفاسها داخل تلك الأسنان الحديدية ويسدل الستار على حياتها الخشنة بنهاية قاسية ...
خرج "أحمد علام" ومن معه من الموقع وهو يرفع هاتفه مُحدثًا "فوزي" يتأكد منه لوصول "معتصم" للشركة وتسليمه الفلاشة لرجاله المحيطين بالشركة ...
- طمني يا "فوزي"، إيه الأخبار، "معتصم" وصل عندك ؟؟!!
أجابه "فوزي" بعجالة ...
- وصل يا "أحمد" بيه، كله تمام ...
- والفلاشة ..؟؟ وصلها للرجالة ولا لأ ؟!!
بكلمات متعجلة اجابه "فوزي" ...
- وصلها زي ما إتفق معاك يا "أحمد" بيه، و أخد المستشار وروحوا على البيت ...
ببسمة ساخرة عقب "أحمد علام" بنبرة متفاخرة ...
- طبعًا، ده أنا مهما كنت إسمي" أحمد علام"، بلغ الرجاله يجيبوا الفلاشة ويحصلوني على المكتب على طول ...
- حاضر يا "أحمد" بيه ....
أنهى "أحمد علام" مكالمته مستقلًا مع رجاله السيارات التي تنتظرهم خارج الموقع تاركين "عهد" تصارع الموت وتصبح درسًا قاسيًا لـ"معتصم" حتى يحرص على ألا يتدخل بأمر يخصه مرة أخرى ...
تهدل الحبل ببطء شديد وما عاد يفصل "عهد" عن تلك الأسنان العملاقة سوي مسافة قليلة للغاية، لحظات وتلاقي أسوء نهاية كانت تتوقعها لنفسها، رهبة الموت جعلتها ترتجف من داخلها، شعورها بالضعف وعدم القدرة على التصرف وإنقاذ نفسها أمر مؤلم، قاسي، لم يمر بها من قبل ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
أغمضت عينيها حتى لا تتابع هذا المشهد المفزع لروحها التى أصابها الهشاشة، لم تعد تشعر بتلك القوة، وصلت لذروة إحساسها بالضعف وقلة الحيلة، لكنها إنتبهت على حركة فجائية إهتز لها الحبل الغليظ الذى أوثقت به، رفعت عيناها للأعلى لتجد صقرها المحارب يتدلي من حبل آخر كمثال للمتمرد فتى الغابات "طرزان"، وبرشاقة شديدة دار "معتصم" متأرجحًا بحبله ليدور تجاهها حتى وصل إليها ...
بسرعة خاطفة كان "معتصم" يضرب الحبل بسلاح أبيض ذو نصل حاد للغاية بقوة ليقطعه بضربة واحدة لتهوى محررة من التدلي، هوت لكن بين ذراعيه القويتين يحملها ويمنع جسدها من السقوط داخل أسنان المفرمة الحادة ...
كانت تتوقع الموت بتلك اللحظة لتجد نفسها محلقة بين ذراعيه بصمت دام للحظات، إستطاع بهم "معتصم" التأرجح مرة أخرى بهذا الحبل المعلق بجسدة ليعود بها سالمة تقف فوق ساقيها أرضًا ...
درب من الخيال بالتأكيد، حُلم جميل جعلها تتطاير بجسدها وجسده في الهواء كثنائي راقص بأحد الحفلات الراقية، فاهت به بقربها، وتعمق هو بسوداوتيه بعينيها التي كانت كشهد العسل ...
ربما لحظات صامتة لكنها أخبرت كلًا منهما بكلمات لم يتفوهوا بها، حملت عينيه راحة قلقة وهو يرى إنهاكها وجروحها يود لو يقبض عليها داخل أحضانه يعصمها من كل ذلك الألم، يخبرها بنظرة عن مدى إشتياقه ولهفته وخوفه عليها، لتلتقي هي بنظرة واحدة لا مبدل لها، الأمان والسند، ذلك الإحساس الذي تمنت يومًا الشعور به ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
ربما هي تشعر بصدق إحساسها وحبها له، لكن كان ينقصها هذا الشعور، أنها لن تهون، أن يكون جدارها من الفولاذ تستطيع الإتكاء عليه حينما يضعفها العالم ...
لم تريد إظهار قوتها أو خشونتها، لم تعد تود التعبير بشراستها، بل ظهرت بطبيعتها الهشة التى طالما أخفتها، ضعفها الذي أخفته عن الجميع ظهر أمامه هو فقط، لقد بكت، إنهالت دموعها وإرتجاف جسدها بقوة، فلم تعد تستطيع التماسك لأكثر من ذلك، إنه هي بنفسها، أخرجت مشاعرها أمامه دون خجل كما لو كانت تخرجها أمام نفسها فقط ...
تفوهت بكلماتها الأولى وسط دموعها التى يراها لأول مرة ...
- إنت هنا بجد ...؟!!!!
زاغت عيناه بين عينيها المحتقنة بأنفاس متعالية وقلق بالغ ...
- إنتِ بتبكي حبيبتي !!!! حقك عليا، أنا آسف إتأخرت عليكِ ...
رفعت عينيها وهي تبتلع تلك الغصة العالقة بحنجرتها، ومازالت غير مصدقة لرؤيته أمامها، لتظن أنها ربما بغيبوبة ما، أو ربما ماتت وتعيش لا وعيها بحيلة إتخذها عقلها حتى لا تشعر بألم فراق الحياة ...
- إنت هنا بجد يا "معتصم" ...؟!!
حاوط وجهها المتعرق المختلط بالدماء الجافة ودموعها التي بللت وجنتيها بكفيه بحنان، لمسة جعلتها تشعر بأنها بالفعل على قيد الحياة، ليهمس لها بعشق ...
- أنا هنا يا روح "معتصم"، مش عايز أشوف دموعك، دموعك دي غالية أوي، وإنتِ غالية أوي، مش عايز أشوفك مكسورة أبدًا، إنتِ قوية، وحتفضلي "عهد" القوية ...
تقطعت أنفاسها مخرجة ما تشعر به دون تفكير ...
- أنا مش عايزة أبقى قوية، أنا ضعيفة، ضعيفة أوي ...
إنهارت ببكاء شعر "معتصم" بكل شهقة من شهقاتها بخنجر يطعن بقلبه، تمنى لو يستطيع إزاحة حزنها وضمها ليشعرها بالأمان لكنه تمالك نفسه قائلًا بهدوء ...
- لا يمكن تكوني ضعيفة، إنتِ أقوى بنت شوفتها في حياتي، إنتِ حاربتي لآخر وقت، إنتِ معركة لوحدك، حرب قايمة بكل أسلحتها، وناعمة زي سلام بيدخل القلب، إنتِ بجد ظاهرة لا يمكن تتكرر تاني ...
كلماته الإيجابية جعلتها تتمالك نفسها لتسأله بإندهاش متأخر ...
- إنت إزاي جيت هنا ...؟؟! إنت مش إخترت والدك، مش قولت لـ"علام" الزفت ده إنك إخترته، إزاي سبته وإخترتني أنا !!!!!!
تحولت نظراته لأخرى تذوب عشقًا بتلك الشرسة التى لن تتخلى عن تمردها وقوتها ...
- عايزة تعرفي إخترتك ليه، عشان إنتِ يا "عهد" أهم حد في حياتي، إنتِ أول وآخر إختيارتي، إنتِ كل أولوياتي، إنتِ رقم واحد وقبلي أنا نفسي ( تنهد بإنهاك وعدم تحمل لرفضها الذي أعياه)، إفهميني بقى ...
تعدلت ملامحها لإبتسامة جذابة أظهرت ملامحها الجميلة، بريق خاص بعينيها لتهمس بخجل ناسبها رغم قوتها ...
- ما أنا فهمتك خلاص ...
تهدلت ملامحه بصدمة مصطنعة ليهتف بها ...
- إيه ..؟! سمعيني تاني كدة... بتقولي إيه ؟؟
إتسعت إبتسامتها لتقتنص هي أيضًا فرصتها، فلن تتركه يضيع من يدها هذه المرة أيضًا فقد تعلمت الدرس أخيرًا، لتهمس بأريحية كما لو كانت معتادة على التلفظ بها ...
- بحبك يا "معتصم" ...
حملها بخفة ليدور بها عدة مرات بالهواء صارخًا ...
- بحبـــــــــــــــــــــــك ...
تعالت ضحكاتها بألم ...
- نزلني يا مجنون، أنا جسمي متغدغ، مش قادرة ...
أوقفها مرة أخرى على الأرض بلطف قائلًا بأمر مباشر لا يحمل الرفض أو المراوغة ...
- من غير كلام ولا رفض نهائي، حنتجوز ....
نكست رأسها بخجل وهي تومئ بالإيجاب ....
- موافقة ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
قسم الشرطة ...
كشجرة غافلة ظنت أن الحطاب أتى ليستظل بظلها، لا تصدق دومًا الوجه الذي أُظهره لك، فمن الممكن أن أخدعك وأنت تتقن خداعي، لكن الحق باق ولا بقاء للباطل ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
حين خُير "معتصم" بين الأمرين وكلاهما مُر، تفكر لوهلة بحنكة، فوالده رجل الشرف والمبادئ، من زرع فيهم القوة والجسارة وقول الحق، وتكراره دومًا مقولة -لا تصدق كل ما تراه-، فبواطن الأمور تخفي ما لا يمكن للنفس تخيله، كانت الكفة تميل بل ترجح تمامًا بأن والده لا يمكن أن يقع ببئر الدنائة والوضاعة، هو رجل الإستقامة فكيف له أن يسمح لنفسه بالحصول على رشوة، بل إن بالأمر خدعة، وبالتالي سيترك الأمر لوالده لينهيه كما يجب أن يكون، فـ ثقته بوالده جعلته يبحث بإنقاذ حبيبته أولًا ...
وقف "خالد" بقسم الشرطة مرفوع الرأس بقوته وهيبته المعتادة، حين أفسح له ضابط الشرطة طالبًا منه الجلوس بأريحية ...
- إتفضل يا سيادة المستشار ...
جلس "خالد" يناظر "فوزي"، هذا الخسيس الذي كان يحيك له مكيدة للإيقاع به، لكنه كان أكثر ذكاءً وحنكة، عقل راجح أورثه لأبنائه جميعًا، أبلغ "خالد" الشرطة منذ فترة طويلة عن طلب "فوزي" له بتسهيل وتزوير الأوراق الخاصة بالشركة، وتم تنفيذ الأمر بدقة بمراقبة "فوزي" للإيقاع به متلبسًا بإعطاء الرشوة ...
دلف بعض الضباط لمشاركة ضابط الشرطة إستكمال التحقيقات ليقابلهم الضابط بترحاب شديد ...
- أهلًا بيكم،إتفضلوا (ثم بدأ الضابط بتعريف الضباط لـ"خالد")، أحب أعرفك لفريق الضباط إللي وصلوا لينا بدعم كامل من الضابط "معتصم" بعد بلاغه إن فيه بعض الناس بتسعى لتوريطك في قضية تمس شغله بالخصوص ...
رغم عدم إدراك "خالد" للتفاصيل بعد، إلا أنه رحب برفاق ولده "معتصم"، والذي بالتأكيد طلب ذلك بناء على معلومات مؤكدة بضرورة ذلك ...
- تشرفنا يا فندم ...
بدأت التحقيقات مع "فوزي" الذي عندما علم بما قام به "خالد" إعترف إعترافًا مفصلًا لينجو بنفسه من ورطة كبرى لم يكن طرفًا بالنزاع بها ...
- أنا إنطلب مني يا باشا إني أورط حضرة المستشار في قضية رشوة، أنا نفذت إللي إنطلب مني، أنا عبد المأمور ...
سأله الضابط بحدة ...
- مين بالضبط إللي طلب منك يا "فوزي" ...؟!!
أجابه على الفور ...
- ده واحد بيكره المستشار عمى، إسمه "جابر السويسي"، وبعدها واحد تاني دفع أكتر عشان "خالد" بيه يتورط في القضية ويتقبض عليه رسمي وإني أمنعه يتكلم في التليفون بتاعه و أخبيه منه عشان محدش يتواصل معاه إسمه "أحمد علام" يا باشا ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
إتسعت عينا "خالد" بصدمة من سماعه لتلك الأسماء التى كانت خلف تلك الورطة التي نجى منها، ليهتف بإندهاش ...
-" جابر السويسي"، معقول ده ؟؟!
سأله الضباط عن معرفته المسبقة بهذا الرجل ...
- إنتِ تعرفه يا حضرة المستشار ؟!!
أجابه "خالد" ومازالت علامات الإندهاش على وجهه ...
- أيوه أعرفه، بس ده في السجن، إزاي يعمل كدة وهو في السجن !!!!!!
بقلم رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
بيت المستشار خالد دويدار ....
هناك دومًا وقت لمحاولة أخيرة قبل أن تتخلى تمامًا، ربما كانت فرصة لنفسك لفهم الأمور وإعادة النظر بها، أو ربما فرصة عادلة للقُرب لم تُهدر بعد ....
هل قلبها المتسامح، أم مودتها التي تضاهي إسمها، هما ما دفعانها للإشفاق على حال "رؤوف" وإعطائه فرصة أخيرة قبل أن ترحل وتعود لشقتها تجبر نفسها على نسيانه المستحيل ...
هبطت درجات السلم ببطء شديد للغاية، كانت تظن أنها تفكر بالأمر، لكنها لم تكن سوى حُجة لنفسها بأنها تنأى بكرامتها قبل أن ترى الرفض بعينيه ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
طرقت باب الشقة بهدوء لتفتح لها "أم مجدي" هذه المرة، أحست براحة فورية عند رؤيتها لها فقد كانت تخجل من "منار" بعد أن رفضت طلبها منذ قليل، إبتسمت "مودة" مجاملة لتلك السيدة ...
- إزيك يا "أم مجدي" ...؟!
أجابتها السيدة بتمعن بملامحها تلتها إبتسامة أيضًا، رغم أن عينيها كانت تتفوه بما لم ينطق به لسانها، نظرات لوم ولمحة من الضيق ...
- أهلًا يا "موده"، إتفضلي ...
ولجت للداخل وقد بدأ شعورها بالحرج يغلب عليها تتمنى لو تعود أدراجها هاربة من عيونهم التي تلقي بالإتهام عليها ...
- أنا داخلة لـ"رؤوف" ...
زمت "أم مجدي" شفتيها بضيق رغم تعلق تلك الإبتسامة المزيفة شفتيها ...
- وماله، إتفضلي ...
لملمت "موده" شفتيها بحرج لتدب خطواتها المتعجلة نحو غرفة "رؤوف" بينما عادت "أم مجدي" لتخبر "منار" بحضورها ...
وقفت "موده" بباب غرفة "رؤوف" المفتوح متصنعة الضيق والغضب بصمت تام، لكنها لم تدري أن بحضورها سيكون رد فعل "رؤوف" بهذا التلهف، فقد سارع بنطق إسمها بتلهف كما لو أنه كان ينتظر بشوق عودتها ...
- "موده" ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
إستند بعجالة بطرف التخت مُجبرًا نفسه على النهوض لملاقاتها فيكفيه أنها عادت إليه، زُلت يده فكاد يسقط بتعثر، لتسرع "موده" باللحاق به تلومه بشدة ...
- بالراحة بس يا "رؤوف"، الجرح حيتفتح تاني كدة !!!!!
إنحنائتها لمساعدته حتى لا يسقط جعلتها قريبة منه للغاية، لم يكترث لتعثره، ليلتف بوجهه تجاهها يناظر عينيها السوداوتين المغلفتين بحزن وتلهف بذات الوقت، بينما كان يعاتبها بخاصتيه الممتلئتين بعشق لا يحيد ...
- كدة برضه تسيبيني وتمشي ...!!!!
سحبت نفس قصير لتكتمه على الفور لتساعده أولًا بالجلوس فوق طرف الفراش، ثم إستجمعت صوتها الذي تلاشي من شدة إضطرابها، لقد بعثرها بعتابه اللطيف، كما كان حلو الحديث فله عتاب ذو مذاق خاص ...
نكست عينيها هاربة من تلك المحدقتان بها، فلو ظلت تناظره لإكتشف أنها لم تعد غاضبة بعد، نسيت الأمر تمامًا بوجوده وحديثه، نسيت فور أن نطق بأول كلمة، فكيف يمكنها الغضب منه ...
كاذبة إن شعرت بها حتى وإن تفوهت بها أو تفكرت بها، إنها لا يمكنها الغضب من "رؤوف"، لا يمكنها الإبتعاد عنه مهما حاولت ...
لم ينتظر ردها ليسارع بتوضيح الأمر لينهي خلاف لن يتركه لسوء الظن ...
- الحكاية كلها لقيت "نيره" بتتصل، كنت فاكر نفسي ححس بأي حاجة ناحيتها، لكن لقيت جوايا ولا حاجة، عارفة يعني إيه ولا حاجة، يعني حسيت إنها غريبة عني، حتى الزعل مش زعلان عليها، لما كلمتني قلت لها مش زعلان، لأنها فعلًا معادتش تهمني، جيتي إنتِ في نفس الوقت، حكمتي عليا من غير حتى ما تسمعيني ولا تخليني أوضح لك إللي حصل، حكمتي عليا بمجرد ظن ....
سوء الظن، أليس هذا ما أوقع الخلاف بين "عيسى" و "غدير"، أليست هي من نصحت أختها بأن عليها المواجهة، لماذا عندما وضعت بنفس الإختبار تركت ظنونها تعبث بها.. ؟!!، بل كان أولى أن تستمع إليه أولًا، ما كانت لتغضب منه، أو تترك بابًا لسوء الظن يفسد علاقتهم التي بأول طريقها ...
خجلت من نفسها ومن غضبها الغير مبرر، لتهتف بضيق معاتب ...
- بس مكانش ينفع تكلمها أصلًا ....
إبتسم "رؤوف" لشعوره بغيرتها الواضحة، لتظهر إبتسامته المميزة ....
- ده لو كان جوايا حاجة ناحيتها، لكن بقولك أنا حسيت إنها غريبة، واحدة معرفهاش، ده أنا ممكن أتصل بيها تاني دلوقتِ عشان أشكرها ...
رفعت عينيها المنكستين توسع من حدقتيها بدهشة وغيظ من هذا الذي يسعى لإستفزازها ...
- نعم ...!!!!
تعالت ضحكته الطريفة معقبًا ...
- طبعًا أشكرها، مش كفاية خلتني أشوف غيرة حبيبي الحلوة دي، قمر يا ناس، هو فيه قمر متعصب كدة ...
تقدمت خطوة تحذر "رؤوف" من التهاون بمشاعرها ...
- "رؤوف"، أنا مش بهزر، أنا مجنونة مقولكش ...
قهقه مرة أخرى وهو يناوشها بشقاوة ...
- مش بقولك قمر، مجنونة وقمر، قلبي ميقدرش يستحمل كل ده ...
جلست بطرف الفراش تلقى بنفسها بعصبية مصطنعة ...
- متستفزنيش ...
- أموت أنا في الإستفزاز طالما بيخليكِ حلوة كدة، إلا قوليلي، هو إنتِ كل ما بتستفزي بتحلوي كدة ...؟!!
وجدت نفسها تلقائيًا تبتسم من طريقة معاتبته اللطيفة، إنها لم تنتظر سماعه لمسامحته، فقد نسيت الأمر بمجرد رؤيته، لكنه دلال المحبين ...
- ماشي يا "رؤوف"، خلاص ...
- لا مش خلاص، من النهاردة أي حاجة تزعلك أو تزعلني نسمع بعض الأول ومتدخلش بينا الظنون والشيطان ...
أجابته بإيمائة خفيفة فهو محق بذلك بالطبع، شعرت بصدق كلماته، وحب حقيقي دون تزييف، فلم تبقى متشبثة بالظنون، فإن بعض الظن إثم ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
دلفت "منار" لتجدهما يضحكان لتشاركهما بإبتسامتها الراقية ...
- أيوة كدة، ربنا يروق حالكم كدة على طول ...
تطلع "رؤوف" بوالدته مطالبًا ببعض الجدية رغم ملامحه المازحة ...
- ماليش فيه، جوزونا عشان ميبقاش فيه زعل تاني، أنا مقدرش أشوفها زعلانة مني تاني ...
- بس كدة، شد حيلك بس وإنت تشوف ...
دق هاتف "منار" برقم غريب لترفع هاتفها بالإجابة ...
- السلام عليكم ...
- الدكتورة "منار الهواري" ...؟!!!
- أيوة يا فندم، مين حضرتك ...؟
إتسعت عينا "منار" بذهول جعلت "رؤوف" و "موده" يناظرانها بقلق وتوجس خاصة حينما قالت ...
- أنا ...؟!!! أنا مطلوبة في القسم ... ليه ؟!!!
بقلم رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
عطارة النجار ...
أن تأتي متأخرًا أفضل من ألا تأتي مطلقًا، فالساعة المكسورة المعلقة على الحائط لا يعني أن الوقت لا يمر، إستيقظ من غفلتك قبل فوات الأوان ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
إنطلقت سيارة الإسعاف يليها سيارة الشرطة لتبقى "راويه" تتوسطهم جميعًا حين لاحت بهم التساؤلات والظنون ...
نطقها "فخري" وإنتظر الجميع إجابتها ...
- عملتي ليه كدة يا "راويه" ...؟!! دي أمك، بلغتي عن أمك ...؟!!
نظرت من خلفها ليأتي أحدهم يشاركها ويساندها بتلك المواجهة، إبتلعت "راويه" لعابها ثم أشارت تجاه هذا الشخص قائله ...
- "عشري" يا بابا، "عشري" جاي يطلب إيدي منك، حتوافق ولا حتطرده زي ما ماما عملت .. ؟!!
نظر "فخري" بدون فهم تجاه "عشري" السمكري جارهم، ثم أجابها ومازال الغموض يحف كل شيء ...
- "عشري" راجل جدع، وميتعيبش، نرفض ليه، بس مش تفهمينا الأول إيه الحكاية ؟؟!
زفرت "راويه" براحة، فقد ومض بريق السعادة والنور حياتها أخيرًا، من قال إن بقائها بالشرفة كانت لمراقبة بنات "زكيه" والتربص بهن، من قال أن "راويه" تشبه أمها، غليظة القلب سيئة المعشر، لم تكن تبقى طيلة الوقت إلا لتناظر "عشري"، الذي بدوره لم يحب سواها، لكنه كان متوجسًا من رفض والدتها، لمساعدته المتكررة لبنات "زكيه"، كما لو أن أفعاله الطيبة معهن هي وصمة عار، رفض "صباح" لـ"عشري" وطرده من بيتها كان القشة التي قسمت ظهر البعير لـ"راويه"، لم تعد تحتمل قساوة أمها وظلمها، لتظهر كل شيء للعلن ...
تنهدت "راويه" بإضطراب، لتخبرهم بكل شيء بالتفصيل من البداية ...
- أيوة يا بابا، حقولك، حقولكم كلكم أنا عملت كدة ليه، أنا إللي بلغت عنها البوليس، مكانش ينفع تعمل كل إللي عملته ده وغيرها إللي يتعاقب، أمي مجرمة وتستاهل ...
نظر الجميع بعضهم إلى بعض بعدم فهم، لتستطرد "راويه" موضحة ...
- فاكرة يا مرات عمي لما طلعت لك وقعدت معاكِ قريب، وكنتِ على كل عمايل أمي معاكِ قابلتيني بطيبة وحنية مشوفتهاش فيها ولا مرة ...؟؟!
تذكرت "زكيه" هذا اليوم لتردف بالإيجاب ...
- أيوة يا بنتي فاكرة، ده إنتِ حتى مرضتيش تقعدي تشربي حاجة ومشيتي على طول ...
عقبت "راويه" موضحة للأمر ....
- بالظبط يا مرات عمي، أنا جيت لك عشان هي طلبت مني أجيب حاجة من قطركم، إنتِ وبنات عمي، علشان تعمل لكم عمل، لكن لما لقيت فيكِ الطيبة والحنية دي إللي عمري ما شفتها من أمي ما قدرتش، نزلت جري أدور على أي حاجة أديها لها عشان كنت خايفة منها، لقيت شقة "حنين" و"فريد" بابها مفتوح، وأنا عارفة إن "حنين" كانت هي دايمًا إللي بتساعد أمي في الأعمال دي، دخلت وسحبت من الدرج إللي في الصالة هدوم وطرح وطلعت إديتهم لأمي تعمل بيهم العمل ....
بقلم رشا روميه قوت القلوب
إتسعت عيونهم بذهول لتفكير "صباح" المؤذي بينما أكملت "راويه"....
- أمي أخدتهم وراحت بيهم للشيخ "كرامة"، و عمل لها أعمال بالفراق والفضيحة والمرض، بس الظاهر إن الهدوم ما كانتش بتاعة "حنين" لوحدها، كانت فيهم العباية بتاعة أمي وهي ما تعرفش، يعني بدل ما تعمل العمل ليكِ إنتِ و بناتك، عملت العمل ليها ولـ"حنين"، ومن ساعتها كل عمايلها إتفضحت وإنت طلقتها يا بابا و"حنين" هي إللي جالها المرض ...
بالفعل علم "فخري" بالأمر من قبل، لكن رؤيته لنتيجه بهذا السوء جعلتهم جميعًا يشعرون بالإشمئزاز من أفعال "صباح" و"حنين" لتستطرد "راويه" مستكملة تخرج ما في جعبتها وما أثقل قلبها لسنوات ...
- ويا ريتها جت على كده وبس دي راحت للست "خيرية" بعد ما سمعت من مرات عمي وهي بتتصنت عليها إنها حتدفع لها الفلوس إللي إستلفتها منها، كان الغل راكبها وحالفة تنتقم منها علشان إنت واقف معاها، وفعلًا راحت الصبح وقتلت الست "خيرية"، أنا كنت مسجلة كلامها، وكمان مشيت وراها وصورتها، هي إفتكرت إن ما حدش شافها، وإن مرات عمي حتتحبس بقتل الست "خيرية"، (تنهدت "راويه" لا تشعر بالندم مما فعلته، فهذا ما كان يجب أن يفعل من الأساس، يكفي طغيان وجبروت)، أنا إللي بلغت الشرطة وإديتهم التسجيلات إللي معايا، قلت لهم على كل حاجة هي عملتها عشان هي إللي تتعاقب على إللي هي عملته، أنا كنت خايفة منها، بس دلوقتِ خلاص، أنا مش خايفة أنا عملت الصح ...
ظهرت الحقيقه وعادت الحقوق لأصحابها، فيمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين، أعمالهم ترد بأعناقهم دون أن يدروا، فكل عامل سيلاقي عمله ولو بعد حين، عوقبت "حنين" بمثل ما إقترفت، وعوقبت "صباح" بخراب بيتها وفضيحتها كما كانت تود أن تفعل ذلك بـ"زكيه" ...
صدمات متوالية كان يصعب عليهم تصديقها، لكن "صباح" تستحق ذلك بالفعل، فها هي ستعاقب على مجمل جرائمها دفعة واحدة، و أن إبنتها الوحيدة هي التي زجت بها لتلاقى عقابها بالنهاية ...
تلجمت "زكيه" لوهلة عن الحديث، فقد ظنت كالجميع بأن "راويه" هي صورة طبق الأصل من "صباح"، لكن نقاء قلبها وطيب نيتها سببا لها الدهشة والمفاجأة، فإن بعد الظن إثم ...
بقلم رشا روميه قوت القلوب
حتى "فخري" تفاجأ بإبنته طيبة القلب كما تفاجأ بـ"فريد" تمامًا، فكيف لم يستطع فهمهم ومعرفتهم، كما لو كان يراهم لأول مرة، كم كان مغيبًا بعيدًا عنهم، لم يكن الأب الذي يُعلم و يربي، لقد كان مهمشًا لا دور له، وها هو يتعرف عليهم من البداية ...
مد "فخري" يده مصافحًا "عشري" قائلًا بحفاوة ...
- ألف مبروك عليك "راويه" يا إبني ...
قابله "عشري" بسعادة حقيقية ...
- الله يبارك فيك يا حاج، نقرا الفاتحة ...
أومأ "فخري" بإبتسامة رضا ....
- توكلنا على الله ...
أحداث مفاجئة تلت بعضها البعض، بداية من إختفاء "مأمون" و"نغم" ثم مجيء "صباح" بماء النار، و إلقائه على وجه "ريهام"، وها هي "راويه" تختمها بإعتراف صادم للجميع، وإنتهى الأمر بخطبتها من هذا الرجل الشهم ...
لم تنسى "زكيه" إبن?.
الفصل الثالث والعشرون من هنا