رواية ظننتك قلبي لكن بعض الظن إثم ج2 الفصل السادس والعشرون 26 بقلم رشا روميه

رواية ظننتك قلبي لكن بعض الظن إثم ج2 الفصل السادس والعشرون 26 بقلم رشا روميه


حلقة_خاصة

#اللهم_أدخلني_مُدخل_صدق_وأخرجني_مُخرج_صدق_وإجعل_لي_من_لدُنكَ_سلطانًا_نصيرا

« عهد الهوى »

”أجمل ما يُمكن أن يقع به المرء دومًا هو الصُدفة، التي تجمع بين قلوب، وتتلاقىَ وُجوه لم يكن مُخطط لها اللقاء، ما أجمل أن تَحيا لحظة سعادة غير محسوبة لم يتوقعها أحد، فما يأتي بغتة نعيشه بإنطلاق، فبعض الصُدف تُحيّي قلوب قد هرمت وفقدت إحساسها، لكن الأجمل أن تُطلق العنان لقلبك، أن تُبالغ بالحب، فهنا لا تخلق القوانين بل تجمح القلوب ...“


رشا روميه قوت القلوب 


❈-❈-❈ــ


من قال أنها تُسمى ليلة العمر، من أسماها بهذا الإسم فقد جانَبهُ الصواب، فكل ليلة جمعت المحبين هي ليلة العمر، فما أكثر الليالي، وما أبهج العمر ...


بعد زفاف تتوق إليه أصحابه بعد عناء ومشقة التلاقي، ها هما العروسين بشقتهم الجديدة، بيت تأسس بالمحبة والمشاكسة أيضًا، فهما لم يكونا سوى متضادتان متنافران، لكن بالنهاية جمعتهم أُلفة واحدة وعشق لا حدود له ...

رشا روميه قوت القلوب 


وقف "معتصم" بشرفة شقته التي أثثها حديثًا لزواجه ممن إمتلكت قلبه وعقله "عهد" ببيت المستشار "خالد دويدار"، رفع رأسه بشموخ وقوة كمن إمتلك العالم بأسره بقبضة يده اليوم، رفع عُنقه وأغمض جفنيه للحظات يتنفس ببطء محاولًا إدراك أن السعادة التي يشعر بها حقيقية بالفعل، وأن اليوم كان زفافه ممن تربعت عرش قلبه، متوحشته التي روضها بصعوبة ...


فتح عيناه ليستدير نحو الخلف حين سمع خطواتها الخفيفة تقترب منه من خلفه، فحتى بحركته قوة زادتها إبتسامته الجذابة وسامة، جاذبية غُلفت بنظرة تحدي سرعان ما تحولت إلى إنبهار بمتمردته التي طال شوقه إليها ...


مهما حاولت التخفي خلف قناع الخشونة إلا أنها اليوم كانت كملكة تربعت فوق عرشها وخاصة الآن، وقفت "عهد" ترتدي فستانًا حريريًا ناعم للغاية باللون الأبيض، لون لم تعتاده بحياتها القاتمة، لكنه بداية لحياة جديدة مُنَعمَّة منذ اليوم وصاعدًا، تركت شعرها الأسود ينساب بحرية فوق كتفيها لتتجلي ملامحها الناعمة وأعينها الناعسة بشكل أوضح سَلَبَ عقل هذا الواقف أمامها ...


دقات قلبه كادت تشق صدره إنفعالًا وهو يرى حبيبته بين يديه بعد عناء طويل، تحرك "معتصم" لبضع خطوات ليدلف لداخل الغرفة ثم أغلق الشرفة تمامًا ليبقى مع عهد قلبه بمفردهما ...


بنبرة يملؤها العشق والإشتياق همس "معتصم" ...

- ياااه، أخيرًا، تعبتي قلبي يا مُتعبة ...


ضمت "عهد" شفتيها بخجل، فقد تناست خشونتها برفقته، لتبقى الأنثى الخجولة فقط هي التي سيطرت عليها الآن، نكست عينيها قليلًا حين همست أيضًا ..

- وبعدين بقى يا "معتصم" ...


تقدم نحوها حتى كاد يلتصق بها وهو يسحب ساعديها بين كفيه القويتين لتزيغ سوداوتيه بتقاسيم وجهها بتفرس كمن يحفظ تفاصيلها بدقة متوقفًا بوله تجاه وجنتيها وشفتيها ليردف بلوم مازح ..

- برضه "معتصم" بس كدة .. !!! مفيش كلمة حنينة كدة تبل الريق ....


تحولت بلحظة من النعومة والرقة للحدة والزمجرة التي تميزها، رفعت حاجبها الأيمن وهي تكز فوق أسنانها بغيظ لتعقب بتهكم وإنفعال ...

- ااااه، ده بُعدك، إنت فاكرني زي البت الصفراء بتاعتك دي وحقعد بقى أقولك (ثم قلبت شفتيها تقلد "كاتينا" بإستهزاء) ، يا "ماوصي"، يا "ماوصي"، لااااا خد بالك أنا مش زي علبة المستطردة دي، أنا مهما كنت إسمي "عهد مسعود" ...


ضحك "معتصم" من تقليد "عهد" لـ"كاتينا" ثم أردف متعجبًا ...

- مهما حصل حيفضل برضه كلامك دبش ...


عقدت "عهد" ذراعيها أمام صدرها وهي تطالعه بتحدي ..

- إذا كان عاجبك ...


بقدرة تفوق خشونتها تعمق "معتصم" بمعشوقته غير عابئ بطريقتها الخشنة، ليهيم بها مقتربًا منها حتى كادت تشعر بلهيب أنفاسه، ثم همس بعشق ..

- عاجبني وعاجبني وعاجبني كمان، ومين قالك إني عايزك تتغيري، أنا عاوزك زي ما إنتِ كدة، بكلامك ونظراتك وإسلوبك ده، أنا حبيتك كلك على بعضك كدة، ومش عاوز من الدنيا غير إني أبقى بس جنبك ...


قُربه المهلك وصوته الشجي أطاح بثوابت نفسها محطمًا أعصابها وقوتها، رضخت للعشق لتهدأ نفسها وتعود للسكينة كقطة وديعة تتجاوب مع عشقه بعشق أعمق وأكبر وإن لم تستطع التعبير عن مكنون قلبها بشكل كامل بعد ...

رشا روميه قوت القلوب 

لحظة صدق جعلتها تتسائل وهي تتعمق بعينيه اللاتي لم تتواني عن تصيدها، فهو القناص البارع الذي إستطاع ترويضها ...

- إوعدني، إوعى تبعد عني أبدًا يا "معتصم" ...


تنهد برفق ليقبض راحتيها بين كفيه وهو يقبلهما قبلة طويلة، ثم همس بوعد ...

- وعد عليا ما أسيبك أبدًا ويبقى قربنا ده طول العمر، ده أنا ما صدقت لقيتك يا إللي أخدتي قلبي مني ...


إرتجف قلبها من قُربه وقُبلته فوق كفيها لتسحبهم من بين مثيليهما بخجل مبتعدة عنه لخطوات بإتجاه الخلف محاولة التحدث بجدية ..

- كنت عايزة أسألك عن الـــــ.......


قطع حديثها وهو يناظرها كاشفًا مراوغتها التي لا تنفك منها مباغتًا إياها ...

- إنتِ مش حتبطلِ تهربِ مني، مش عايز أسمع ولا كلمة، الليلة دي بالذات مش عاوز أسمع ولا كلمة ...


- بس يا "معتصم" إحنا لازم .....


قاطعها مرة أخرى محذرًا إياها بقوة وأعين يملؤها الشقاوة والتمرد ..

- قولت مفيش أسئلة ولا كلام، نهااائي ...


وجدت نفسها تميل برأسها بتغنج طبيعي ولين لم تدري من أين زار نفسها لتعبث بالقول بشقاوة غريبة عليها، فيبدو أن "معتصم" يخرج أنثى إستثنائية من داخلها لا تظهر إلا برفقته فقط ..

- بحبك يا "ماوصي" .....


إتسعت عيناه بتلهف، لتزداد إبتسامته الجانبية الماكرة ...

- قولتي إيه ..؟؟؟


تصنعت عدم الفهم لتعيد إسمه فقط ..

- "ماوصي"، مش حلو إسمك كدة ؟؟


تقدم كنمر إستوائي شرس يتجهز للإنقضاض ...

- لا مش إسمي، إللي قبل "ماوصي"، قولتي إيه ؟!!


أعادت "عهد" كلمتها بصوت خافت وميوعة غير معتادة لكنها أثارت لهيب هذا المشتاق بلوعة ...

- بحبك يا "ماوصي" ...


- أه يا قلب "ماوصي" وعيون "ماوصي"، وروح "ماوصي" إللي حتطلع دلوقتِ ...


ركضت "عهد" بخفة لداخل غرفتهم ليلحقها نمرها المنقض ليقتنصا السعادة من براثن الدنيا ويعلنا عشقهما الأبدي الحلال الذي طالما تتوقا إليه كلاهما .....

رشا روميه قوت القلوب 


❈-❈-❈ــ


مجرد درج سُلم هو الفارق فقط ما بين شقة العروسين "معتصم" و "عهد"، وشقة المحبين الأروع ذوي البهجة الدائمة وحسن الظن، "عيسى" و"غدير" ...


أرواح متفاهمة وقلوب مترابطة، كداء ليس له دواء سوى هذا الجمع، إبتسامة تكفي لإيقاظ الشمس، وقلب مرهف كتفاصيل القمر، فسيكفون بعضهم البعض، ولن يكتفوا من بعضهم البعض ...


بتمعن شديد أخذ "عيسى" ينظر لتلك الورقة يعيد قرائتها مرة أخرى أثناء تواجده بغرفة مكتبه بعد عودتهم من زفاف أخيه "معتصم" ...


تقدمت "غدير" بعد تبديل فستان السهرة خاصتها بجلباب فضفاض لشعورها بالحر الشديد والإرهاق بعد إنتهاء حفل الزفاف وعودتهم للمنزل، أخذت تتمايل بخطوات مترنحة ثقيلة نظرًا لوزنها الزائد نتيجة لحملها بجنينين توأم وشعورها بالثقل وعدم قدرتها على الحركة بشكل سلس ...


وقفت "غدير" بباب غرفة المكتب قائلة بأنفاس ثقيلة ...

- "إيسووووو"، هو إنت كل شوية حتفضل تقرا الورقة دي، مينفعش كدة يا أبو العيال ...


إلتف "عيسى" تجاه نبع حياته الدافئ بإبتسامة قبل أن يعتدل بوقفته ينظر تجاهها بمحبة، أشار نحو المقعد المجاور للمكتب يطلب منها أن تستريح قليلًا ....

- تعالي يا "دورا" أقعدي شوية عقبال ما أحضر الورق لبكرة ...


سحبت "غدير" نفس متهدج أثناء إشارتها تجاه غرفة المعيشة وهي تقلب شفتيها بإمتعاض ...

- لا يا "إيسوووو" الأوضة بتاعتك دي حر أوي، تعالى نقعد هنا أحسن ..(ثم أكملت بصوت خفيض مازحة رغم تعبها ..)، الأوضة إللي هناك دي فيها تكييف، وأنا حرانة أوي، تعالى نقعد هناك من غير صاحب البيت ما يعرف ويدفعنا فاتورة الكهرباء ....


ومن سواها يقدر على رسم الضحكة فوق شفاهه، لتتسع بسمته راضخًا لطلبها مهما يكن، فيكفيه مصاحبتها وإغداقها بروحها اللطيفة بحياته الجادة، إنها قطعة الشيكولاتة خاصته ...

رشا روميه قوت القلوب 

أومئ بالإيجاب وهو يخطو تجاه "غدير" التي لحقها دون مجهود، فخطواتها أصبحت بطيئة للغاية، إختلفت تمامًا عن تلك الفراشة التي تضرب بأجنحتها هنا وهناك، وأصبحت منهكة متعبة طيلة الوقت بسبب هذا الحمل ...


إلتف بذراعه حول كتفها يسيران جنبًا إلى جنب حتى وصلا لغرفة المعيشة لتتنفس "غدير" بإنهاك، كغريق وصل لشط النجاة ...


بطريقته الهادئة سألها "عيسى" ...

- ها، الشيكولاتة بتاعتِ كانت عايزة إيه ..؟! 


رفعت عيناها بطريقة ناعسة لتهتف به بمعاناة لكن ظهرت كلماتها متقطعة الأنفس ...

- عاوزاك، في موضوع، ضروري، أوي، أوي ...


- حاجة متتأجلش يعني ...؟؟


حركت رأسها بالنفي لتتخذ ملامحها شكل جدي، لتكمل بنفس الطريقة المتقطعة ...

- أبدًا، أبدًا، حاجة مهمة جدًا، ومش عارفة آخد قرار فيها خالـــــــص، الموضوع صعب أوي ...


جلس "عيسى" بوجه مقتضب فوق الأريكة متسائلًا بفضول ...

- ده إيه الموضوع المهم أوي ده ؟!!


سحبت نفسًا متقطعًا لتجيبه بجهاد لنفسها بشكل ملفت ...

- دلوقتِ بعد ، جواز، "معتصم" و، "عهد"، المفروض، نجيب لهم، هدية إيه، دماغ، "عهد" غريبة، وهي مختلفة، كدة، تفتكر، أجيب لها، إيه ؟!!!


ضرب "عيسى" كفيه ببعضهما البعض مندهشًا من جنون زوجته وحيرتها بهذا الأمر البسيط، وإصرارها على أن تعطله لتخبره بهذا الأمر، عقب "عيسى" بلا تصديق ...

- هو ده الموضوع إللي ميتأجلش !!! ده إللي خلتيني أسيب الطلب بتاعي عشانه ؟؟!


قوست شفتيها بقوة لتجيبه بجدية لا تناسب حديثها ذو الروح المرحة ...

- طبعًا، أمال، أنا، أسأل مين ؟!!!


بنهاية كلماتها إمتعض وجهها بشكل بالغ ليدب القلق بنفس "عيسى" وهو يدنو من "غدير" بتوجس ...

- مالك يا "دورا"، إنتِ جت لك الأزمة تاني ولا إيه ...؟؟


صمتت لوهلة وهي تنظر تجاه "عيسى" بصدمة، ثم تطلعت نحو بطنها المنتفخة لتهتف بإنزعاج وقد إحتل ملامح وجهها إنقباض ألم ...

- اااه، إلحقني يا "عيسى"، شكلي بولد ....


إتسعت مقلتاه بصدمة، يطالعها بدون فهم بنظرات متأرجحة بين وجهها المتألم وبطنها المتحجرة ...

- بتولدي ...؟؟!!!!!! إزاي ده، ده إنتِ لسه في السابع ....!!!!


تضاربت أنفاسها لشعورها بألم شديد تزداد حدته مع الوقت، أمسكت بكتفه بترجي حتى أنها أوشكت على البكاء ...

- اااه، بتوجع أوي، مش قادرة يا "عيسى"، مش قادرة ....


بتلهف شديد وخوف ظهر على ملامحه، وضع كفيه فوق كتفيها محاولًا مساعدتها على الجلوس قليلًا ...

- طب تعالي، تعالي أقعدي هنا ...


لم يكن هذا وقت معارضة لتنصاع "غدير" بدون مناقشة لطلب "عيسى" بالجلوس فربما ترتاح لبعض الوقت، لكنها بالكاد جلست وشعرت بذات الألم يتكرر مرة أخرى لتستند بصعوبة لتنهض مرة أخرى ...

- مش قادرة، مش قادرة ...


ربت "عيسى" بخفة وهو ينطلق مسرعًا قائلًا أثناء تحركه ...

- أنا نازل أنادي ماما بسرعة ....


لأجلها يعلن الحروب، ولأجلها وُجِدت السكينة، لا يحتاج للكثير ليدرك أن لحياته معنى، فقط تكفيه هي ووجودها وصوتها، وسلامتها ...


توقف تفكيره المرتب وتذكر أمرًا واحدًا فقط، أنها تتألم وعليه البحث عن وسيلة لمنع ذلك بأسرع وقت، رؤية ألمها هو الموت بحد ذاته، لم يدري "عيسى" كيف قفز درجات السلم من الطابق الذي يسكن به حتى هبط للدور السابق الذي يقطن به والديه ...


توقف أمام باب الشقة وبدون تفكير طرق الباب عدة مرات بشكل مقلق، لم ينتبه لتأخر الوقت وما سوف يبثه بنفس والديه بإنفعاله وخوفه على "غدير" ...


أسرع "خالد" لتلبية الطارق بعجالة وقد إرتسم التخوف فوق ملامحه الرزينة، فمن هذا الذي يطرق بابهم بهذا الوقت المتأخر من الليل، فتح الباب ليفاجئ بوجود "عيسى" شاحب الوجه، مضطرب النفس، مرتديًا ملابسه الخاصة بالبيت ...


إقتضب وجه "خالد" متسائلًا بقلق ...

- خير يا "عيسى" فيه إيه ..؟!!


قبل إجابة "عيسى" كانت "منار" تقف من خلفه بملامح مذعورة متخوفة على ولدها ...

- مالك يا حبيبي، فيه حاجة حصلت ..؟!! إنت كويس، "غدير" كويسة ...؟!!


نبرته القلقة ظهرت جلية حين أجابهما معًا بصدر ناهج ...

- "غدير" شكلها بتولد ....


إندهاش علا ملامح وجهيهما لكن كان لكل منهما رد فعل مختلف تمامًا، فـ"منار" تعاملت بعاطفية شديدة كأم قلقة على إبنتها بهذا الوقت، لتتخبط بشهقة متناسية كونها طبيبة بالأساس ...

- بنتي حبيبتي، إستنى يا "عيسى" أنا جاية معاك، دي لسه في السابع ...

رشا روميه قوت القلوب 

أسرع "خالد" بإيقافها بهدوء، وصدح صوت العقل بهذا الوقت الأهوج ...

- إستني يا "منار"، حتروحي كدة بلبس البيت، غيري هدومك عشان نروح معاها المستشفى ..(ثم نظر تجاه ولده المضطرب)، وإنت يا "عيسى" غير هدومك وهات العربية تحت البيت عشان نوديها المستشفى ....


توتر وتخبط وعدم إدراك لما عليه فعله، حرك "عيسى" رأسه رافضًا ...

- لأ لأ ، مش حقدر أسوق، أنا أعصابي كلها هربانة مني ...


عقد "خالد" جبهته بإمتعاض بينما عقب بهدوء وعقلانية ...

- طيب خلاص، أنا حصحي "رؤوف" يسوق العربية، وإنت و ماما تساعدوا "غدير" تنزل تحت ...


نفذ "عيسى" ما طلبه منه والده، ليعود إلى شقته متلهفًا بقلق تجاه حبيبته المتألمة ...

- ثواني حبيبتي، أغير هدومي بسرعة ونروح على المستشفى ...


تعرق وجه "غدير" وشحوبه أظهر ألمها بصورة أكبر، لكنها كانت تحاول تحمل الألم دون صراخ لا داعي له ...


لحظات قليلة وكان "عيسى" يقف بجوار "غدير" حاملًا بيده مأزرها الطويل ليساعدها على إرتداؤه قبل أن يتحركا للمغادرة ...


لحقتهم "منار" لتحمل حقيبة مرتب بها جميع الملابس الخاصة بالأطفال و"غدير" بعد الولادة والتي قد جهزتها لها قبل أيام قليلة تحسبًا لأي طارئ ...


أمسكت "منار" بيد "غدير" لتحيطها بكفيها بحنو قائلة ...

- بالراحة حبيبتي، بإذن الله سهلة، ربنا يهونها عليكِ، أنا معاكِ حبيبتي ...


مالت "غدير" برأسها تجاه كتف "منار" تحاول أن تستمد بعض القوة لتحمل هذا الألم ...

- أنا خايفة يا طنط ...


أحاطت "منار" رأس "غدير" بكفها بحنان أم ...

- ماما، إنتِ بنتي يا "دورا"، وأنا مش حسيبك أبدًا ...


- اااه، يا رب، يا رب، بيوجع أوي ...


تحرك ثلاثتهم لمغادرة الشقة لتتوجه للمستشفى فيبدو أن اليوم لا يكفيه حدث سعيد واحد، بل سينتهي بحدث سعيد آخر بمجئ أبناء "عيسى" و "غدير" للحياة ...


إستقل الجميع سيارة "عيسى" والتي قام "رؤوف" بقيادتها تجاه المستشفى على الفور دون تباطئ ....

رشا روميه قوت القلوب 

❈-❈-❈ــ


بيت عائلة الأسمر ...

بكل مرحلة من الحياة تتطلب نسخة مختلفة منك، فبعض المواقف تمنحنا نضجًا يفوق تخيلنا، يزعزعنا ويفرض علينا شخصية جديدة، وعلينا أن نخطو خطوات جديدة للبقاء صامدون ....


ملست "وعد" بهدوء فوق رأس صغيرها "زين" النائم بغرفة "محب" القديمة بشقة والديه، فبعد عودتهم من زفاف "عهد" و "معتصم" بقيا "وعد" و"محب" بشقة "قسمت" لبعض الوقت ليغفى "زين" فجأة وإضطرت "وعد" لوضعه بالفراش لتعود مرة أخرى لزوجها ووالدته ...


تحركت ببطء لخارج الغرفة ثم أغلقت الباب من خلفها بعدما إطمأنت على صغيرها، تحركت بخطوات هادئة تجاه غرفة المعيشة حيث جلس "محب" و"قسمت" بمفردهما بعد أن خلدن بنات "عتاب" للنوم منذ وقت طويل ...


زادها حملها بجاذبية من نوع خاص، فها هي تخوض تجربة الأمومة للمرة الثانية، لكن هذه المرة معها المحب، هذا الذي إنطبقت صفته على إسمه، فيا ليتها قابلته بالبداية، لكن الأيام تجارب وخبرات، ولولا ما حدث لما تغيرت وأصبحت بمثل هذه القوة، وهذا الإقبال على الحياة، فنحن نتاج تلك المِحن ...


طرقت بخفة فوق باب غرفة المعيشة قبل أن تدلف بهدوء، لتخطف أنظار هذا المشتاق إليها، نظرات صارخة دون التفوه بكلمة، نظرات مُحب ...


نعم هو المحب العاشق الذي رغم إتزانه إلا أنه يميل، رغم مرور شهور طويلة على زواجهم إلا أنه لا يصدق بعد أنه قد حظي بها وتخلص من كل قيود "عتاب" وأفعالها، واليوم يظهر محبته بحرية دون تفكير أو تخوف ...


إبتسمت "وعد" برقة حين رأت حركة شفاهه دون إصدار صوت حتى لا يُلفت إنتباه والدته قائلًا ( وحشتيني)، كم لتلك الكلمات المسروقة وتعبيره عن مشاعره بالخفاء حلاوة من نوع فريد، سعادة جديدة أحبتها وإعتادت عليها ...


جلست بالمقعد المنفصل لتردف بصوت هادئ ناعم كملامحها تمامًا ...

- الحمد لله "زين" نام، بس بصراحة اليوم كان متعب أوي ..


أجابها "محب" مؤازرًا إياها ...

- سلامتك يا حبي، هو بس عشان الحمل، بالراحة بس على نفسك، ومتتعبيش نفسك خالص ...


طأطأت "وعد" عيناها خجلًا من طريقته أمام والدته، حين تغاضت "قسمت" عن ذلك متسائلة ...

- إنتِ في الثالث يا "وعد"، مش كدة ؟؟


أومأت "وعد" بالإيجاب ..

- أه يا طنط، في الثالث ...


همست "قسمت" ببعض الضيق ..

- ربنا يكمل لك على خير ...


بحالها القديم كانت لتصمت وتتقبل ضيقها، كانت لتستسلم وترضخ لما يرفضونه بضعف، لكنها تبدلت تمامًا، إكتسبت مما مرت به ومن أختها قوة كانت تحتاج إليها، أمر جعلها تتسائل بقوة ...

- إنتِ متضايقة عشان حامل ؟!!!


ليست وحدها من لاحظ تغير شخصيتها وعدم تقبلها لأي وضع يقلل منها ولو بكلمة، لكن "قسمت" أجابتها رغم إندهاشها ...

- وحتضايق ليه ؟؟؟! هو أنا بقى ليا حد غير "محب" أفرح بيه وبولاده !!!! ما خلاص، "عاطف" راح، و"عتاب" هي كمان الله أعلم بيها ...


شعرت "وعد" بضيق "قسمت"، وللوهلة الأولى كانت سوف تنفعل على تحسرها على ما حدث لـ"عتاب" رغم ما كانت تدبره لهم من أذى، لكنها شعرت بمزيج من التعاطف بشكل مختلف كأم، فقد فقدت ولديها بشكل مفجع للقلب، لهذا تحلت ببعض الهدوء مردفة بتعاطف ...

- ربنا يصبر قلبك يا طنط، أكيد ربنا له حكمة في كدة، وإحنا علينا نصبر ونحتسب ...


ما كانت الكلمات أبدًا تمحي الألم من القلوب، لكنها ربما تخفف وطئتها، تنهدت "قسمت" بحزن ...

- ونعم بالله، أنا بس البيت هنا بيفكرني بيهم وبكل لحظة عشتها معاهم، مش عارفة أخلي قلبي يهدى، غصب عني والله، غصب عني ...


ترقرقت بعض الدموع بعيني "قسمت"، وقد علقت غصة بنفسها، ليتحشرج صوتها مستكملة ...

- ربنا يرحمك يا "عاطف"، إنت وأبوك، ويصبرني على إللي "عتاب" فيه، متزعلوش مني، هي مهما كانت بنتي مهما كان، وإللي هي فيه ده صعب على أي أم ...


نظرت "وعد" لـ"محب" بتأثر فكيف يلين قلبها لـ"عتاب" بعد ما فعلته بهم، نهضت من مقعدها متجهة نحو "قسمت" لتجلس إلى جوارها وهي تحيطها بذراعيها بحنو، فحتى وإن تغيرت لم يُذهب ذلك لين قلبها ومشاعرها الرقيقة مطلقًا، فـ لين القلب رزق لمن أحبه الله ...


زفر "محب" بقوة، فقلبه أقوى من تلك المرهفة، لكنها والدته، وهم إخوته، وهو ليس بالمتحجر، ليقترب من والدته يضمها من الجانب الآخر قائلًا ...

- هونيها على قلبك يا حبيبتي، ولو عايزة من بكرة ننقل لبيت تاني ونبيع ده أنا معنديش مشكلة ...


حركت "قسمت" رأسها ببطء فربما هذا حلًا سيخفف ألم قلبها ومعاناتها التي لا يشعر بها أحد ...


حاولت "وعد" التخفيف عن والدة زوجها قليلًا بتذكيرها بأن ما حدث لـ"عتاب" هو من أفعالها السيئة ليس إلا ...

- وبعدين يا طنط، مش "عتاب" هي إللي عملت فينا وفيها كدة !! مش هي السبب في إللي هي فيه دلوقتِ، حنعمل لها إيه، كله كان بسببها مش مننا خالص ....


صمت متفهم قطعه صوت ضجيج من خارج الغرفة، أسرع "محب" فهو أخفهم حركة ليرى ما سبب هذا الضجيج ثم لحقته "قسمت" و "وعد" بخطواتها البطيئة لتتسع عيونهم برؤية "تقى" إبنة "عتاب" الكبرى تقف خارج غرفة المعيشة ...


توجس وتخبط من أن تكون الفتاة قد إستمعت لحديثهم عن "عتاب"، فـ"تقى" تبلغ من العمر الحادية عشر، ومن الوعي لتدرك ما هو أكبر من عمرها، فهي ليست طفلة ساذجة سطحية التفكير كأختيها ...


إبتلعت "قسمت" ريقها بإضطراب وهي تحاول رسم بسمة مزيفة فوق شفتيها قبل أن تسأل "تقى" بتخوف ...

- خير يا "توته" واقفة كدة ليه يا حبيبتي، إيه إللي صحاكِ من النوم ..؟؟!!


تهدج صدر الفتاة وقد زاغت عيونها بوجوههم جميعًا قبل أن تطلق سؤالها كقذيفة مدوية ...

- هي ماما عايشة ؟؟!!


تطلع ثلاثتهم بعضهم ببعض، فتلك أزمة جديدة قد وقعوا بها، فـ"قسمت" رأت أن تخبر الفتيات أن أمهم رحلت عن الدنيا عوضًا عن إخبارهن أنها بالسجن المؤبد، لم تشأ أن تكسر نفوسهن وتحط منهن بسبب أفعال أمهم الشنيعة ...


هتفت بهم "تقى" مرة أخرى بنبرتها الباكية المختنقة ...

- ماما عايشة مماتتش وإنتوا مخبين علينا ليه ؟!! ماما سابتنا وراحت فين؟! هي خلاص مش عاوزانا ..؟!!!!


كل سؤال تنطق به موجع أكثر مما قبله، مواجهة لم يتمناها أي منهم، فبماذا سيجيبونها، كيف سيوضحون لها الحقيقة التي سيكون ألمها أعظم مما تتخيله بعقلها الصغير ...


إبتلعت "قسمت" ريقها الجاف محاولة إنقاذ ما يمكنها إنقاذه ...

- إنتِ مش فاهمة حبيبتي، هي بس اااا .....


حتى الأعذار لم تعد كافية، فكل ما ستتفوه به لن يكفي لترميم قلب فتاة صغيرة تظن أن أمها تركتهم بإختيارها، وحتى لو أوضحوا لها ما يخلف الظن، فسيظل ما فعلته "عتاب" قاسيًا عليها وعلى بناتها من بعدها مهما حاول الجميع تجميل الصورة بأى شكل ممكن ...


حاول "محب" وضع أقل التصورات ضررًا بهؤلاء الفتيات بكذبة ربما ستوجعهم لبعض الوقت لكنها لن تحطمهم بشكل نهائي ...

- ماما جالها شغل بعيد، وإضطرت تسافر، وعشان حتقعد كتير أوي، قولنا إنها ماتت، عشان متفكروش فيها ...


عذر أقبح من ذنب، لكنه لم يجد فكرة أخرى يخبرها بها، فما فعلته "عتاب" لا يقص، ولن يُعذر، بل هو نقطة سوداء بحياتهم جميعًا ...


أجهشت "تقى" بالبكاء فما ظنته من أن والدتها وجدت حياتها وعملها أفضل من بقائها معهم، وإختيارها لحياة ليسوا بها كان موجع للغاية ...


ضمتها "قسمت" لأحضانها تستقبل الجرح الأول لأفعال "عتاب"، الذي لن ينتهى جراحه لهم، رفعت "قسمت" عينيها تجاه "محب" المتأثر بما حدث قائلة ...

- مشينا من البيت ده يا "محب"، كلنا عايزين نعيش، وهنا مش حنعيش أبدًا ...


أومأ "محب" ببطء وهو يسحب "وعد" من ساعدها بلين قائلًا بنبرة هامسة ...

- يلا بينا نطلع شقتنا، وخلي "زين" هنا للصبح، كفاية كدة النهاردة ...


تحركا نحو الدور العلوي نحو شقتهم بينما حاولت "قسمت" إلهاء "تقى" عما عرفته لتخفف حدة بكائها وتقبلها للأمر ...


ربما لا نتعاف أبدًا لكن علينا التخطي لنعيش حتى ولو بالإجبار، فهناك أوجاع لا توصف ولا تكتب ولا يمكننا البوح بها، إنها فقط تؤلم بصمت ...

رشا روميه قوت القلوب 


❈-❈-❈ــ


مستشفى السلامة ....

لأنه رحيم، سيعوضك، سيراضيك، سيُجبِر بخاطرك، ليس بحُسن ما صنعت، لكن برحمة منه، فربما دعوة خالصة بيوم ما، تقبلها الله دون أن تدري ..


مع تأخر الوقت وخلو الطرقات من المارة بتلك الساعة المتأخرة من الليل، إلا أن تلك القلوب تحفزت بقلقها على "غدير"، قاد "رؤوف" سيارة "عيسى" متجهًا نحو المستشفى بينما جلس والده "خالد دويدار" بالمقعد المجاور له، ليبقى "عيسى" و "منار" بمحاوطة "غدير" من الجانبين ....


عيون "عيسى" القلقة وهو متشبث بكف "غدير" يتمنى لو يقدر على تخفيف آلامها، فرؤيتها تتوجع بهذه الصورة يقع كالخنجر بقلبه أولًا، بينما كانت "منار" تربت عليها بحنو طيلة الطريق لإدراكها هذا الألم وما تشعر به إبنتها التي لم تلدها، نعم هي أمها أو هكذا وضعت نفسها بمقامها ولن تتزحزح عن تلك المكانة وما يتطلب منها ...


وبرغم الألم الذي تفاجئت به "غدير" إلا أن رؤيتها لكلاهما قلق وحاني بتلك الصورة جعلها تشعر بالأمان والراحة، قلبت نظراتها بين جانبيها تجاه "عيسى" و "منار" بإمتنان، فقد عوضها الله بأسرة كاملة وليس زوج فقط، أم ثانية لم تقل محبتها عن أمها رحمة الله عليها، كم هي محظوظة وممتنة لهم ولوجودهم ...

رشا روميه قوت القلوب 


حتى "رؤوف" الصامت، و"خالد" الذي يخفي قلقه عنهم جميعًا، كان يبدو عليهم الإضطراب والحرص على مرور الوقت بسلام حتى ولادة "غدير" لأطفالها بسلامتهم جميعًا ...


توقف "رؤوف" أمام المستشفى قبل أن يترجل منها بعجالة دالفًا نحو الداخل هاتفًا بتوتر ...

- فيه حالة ولادة هنا، ساعدوها بسرعة بالله عليكم ...


أسرع طاقم التمريض المنتظر بالإستقبال بجلب مقعد متحرك لمساعدة "غدير" للدخول للمستشفى، برفق شديد ساعد "عيسى" و"منار" قطعة الشيكولاتة خاصتهم بالجلوس فوق المقعد ومرافقتها لداخل المستشفى ..


وقف أحد مسؤولي الإستقبال يتطلب معلومات عن "غدير" ...

- ممكن حضرتك تديني بيانات المدام ؟


قالها لـ"عيسى" لإدراكه أنه الزوج، لينحيه "خالد" جانبًا بيده قائلًا برزانة ...

- روح إنت يا "عيسى" مع "غدير" وأنا حشوف موضوع البيانات ده ...


تحرك "عيسى" بتخبط ليلحق بـ"غدير" ووالدته تاركًا والده يتولى تلك الأمور الروتينية فهو قلق بما يكفي وليس بذهن صافٍ لتلك الأمور التافهة بنَظرِه، فهي أهم وعليه التواجد إلى جوارها ...


ركض الممر كاملًا ليلحق بـ"غدير" التي وصلت لنهاية الممر بعدما دفعتها الممرضة تجاه الداخل ...


هتفت "غدير" بتخوف متشبثة بـ"منار" ...

- خليكوا معايا، أنا خايفة، و .. "مودة" حد يكلم "مودة" تيجي ...


وضعت "منار" كفها بحنو فوق كتفها مطمئنة إياها ...

- متخافيش يا "دورا" كلنا معاكِ، وحنكلم "مودة" على طول أهو، متقلقيش نفسك وخليكِ هادية، حتعدي أوام ...


إبتسمت "غدير" بسمة باهتة وسط تألمها المتكرر لتجد طبيبتها تقف قبالها بوجهها البشوش ممازحة إياها ...

- "دورا"، إنتِ قلقانة وأنا معاكِ ؟!!!! ده كلام برضه، يلا بينا أنا جيت لك أهو ...


إطمأنت "غدير" قليلًا حين رأت الطبيبة أمامها لكنها إلتفت نحو "عيسى" بنظرات مترجية ..

- حتيجي معايا ؟!!


- أكيد ...


تطلعت به الطبيبة بإمتعاض قائلة برفض تام ...

- ممنوع يا أستاذ "عيسى"، دي غرفة عمليات مش أستوديو، ما تفهميه يا دكتورة "منار" !!


سحبت "منار" ذراع "عيسى" قائلة ..

- دكتورة "ناديا" معاها حق، إحنا حنستناها هنا، بس عشان التعقيم وكدة مينفعش ندخل جوه ...


إقتضب "عيسى" بقوة قائلًا بحدة ...

- لو على التعقيم، أتعقم، بس مش حسيبها أبدًا، أنا قولت أهو ...


رأس يابس متحجر تدرك "منار" ذلك بالتأكيد، فهو لن يتهاون ويتنازل عن وجوده معها، زادتها "غدير" بأيدي مرتجفة ...

- اه، لازم "عيسى" يبقى معايا ...


تقبلت "ناديا" الأمر على مضض لتطلب من أحد أفراد التمريض مصاحبة "عيسى" لغرفة التعقيم حتى يتسنى له مرافقتهم بداخل غرفة العمليات ...


إلى جوارك أبقى، فأنت ذاتي ونفسي، وجودك إلى جانبي يجعلني بخير، ما أجمل أن تهديك الحياة كل جمالها في شخص ...

رشا روميه قوت القلوب 


❈-❈-❈ــ


بيت خالد دويدار (شقة معتصم) ...

إحترقنا بما يكفي وقد حان الوقت لنضيء، لقد علقت بهواك ولا أريد النجاة، فأنت متفرد ولا لك أشباه أربعين ...


هي أخرى، وهو آخر، كم إختلاف طرأ عليهما، حتى بنفسهما ما كانا يتخيلا أن يرضخ كل منهما للآخر، قمتين متمردتين من التنافر والعناد، ها هما يجمعهما إنسجام واحد، وسعادة تغلف نفوسهم ...


تطلع "معتصم" بمعشوقته بوله، يحاول إدراك أنه متيقظ لا يحلم، مرر إصبعه الطويل بخصلات شعرها الناعم يعبث بها برفق، لتستجيب "عهد" بتقبل لحركته بمحبة، تلك التي كانت لتكسر ذراع أحدهم إن تجرأ وأشار نحوها فقط ...


قُربه الطاغي جعلها تهيم ببحور من التيهة كما لو أنها لا تعيش بهذا الواقع، خاصة مع همسه نحوها بصوته الذي تخلل أعماقها ليتملك منها دون أدنى مقاومة ..

- أخيرًا يا متوحشة، أخيرًا بقيتي معايا وفي حضني، وجعتي قلبي ...


لين غريب وتقبل أغرب جعلها تجيبه بنعومة دون تفكير ...

- ما إنت عارف يا "معتصم" إنه كان غصب، عني، وقولت لك ليه عملت كدة ...


رفع رأسه يناظرها بإستياء لطيف ...

- تاني !!! "معتصم" تاني ؟!!!!


ضحكت "عهد" بسعادة لتصحح كلمتها ...

- خلاص، بلاش "معتصم"، يا "ماوصي" ...


أجفل عيناه بخفة مستكملًا ..

- أيوة كدة، خلى السكة الناشفة دي برة، لكن معايا أنا، إنتِ حاجة تانية خالص ...


إعتدلت "عهد" ببعض التحدي، ومن ينسى طبعه الأصيل مخادعًا ...

- مستني بس مني أقولك إسم دلع، وإنت مش بتقول لي إلا يا "عهد"، إيه هو أنا مستاهلش، ولا إنت مش لاقي لي إسم ينفع ..؟!!!!!!


رفع أصابعه يضرب جبهتها بخفة وهو يضحك بإستمتاع بمشاكستها التي لا تنتهي ولا يريدها أن تنتهي ...

- إنتِ رهيبة، بس أعمل إيه، بحبك، أقولك يا ستي، إنتِ أصلًا مميزة، مفيش حد زيك نهائي، وإسمك لوحده أكتر حاجة لايقة عليكِ، "عهد"، يعني وصل وربط ميتحلش منه، بس لو على إسم يكون ما بينا وبس، هو فيه إسم لائق عليكِ أوي ...


مالت "عهد" برأسها قليلًا تناظره بإنتظار أن يكمل بإيضاح أكثر، ليستكمل "معتصم" بوصفها كما لو أنها فريدة دون منازع، لا يشبهها أحد سواها، حديثه عنها كان كأنها لم يضاهيها أحد مهما حاول، إحساس مبهج لنفسها أن تشعر بأنها بهذه القيمة، يكفيها فقط أنه يراها كما لم يرها سواه ..


أكمل "معتصم" بزهو بمحبوبته ...

- إنتِ من جواكِ حاجة، ومن برة حاجة تانية خالص، إللي يشوفك يلاقيكِ جامدة، ليكِ قسوة متغلفة بيها كدة، لكن من جواكِ قمر بهدلني وجابني في الأرض، عارفة بتفكريني بإيه ..؟!!


أرادت لو يكمل بحالميته التي دقت لها قلبها بعنف، لكنها أكملت بمزاحها المشاكس ...

- إيه، البطيخة .. ؟!!!!


علت ضحكته الرنانة لتتسع شفتيه الممتلئتين بقوة وتظهر أسنانه بشكل جذاب أطاحت بقلبها حديث العهد بالعشق، ليردف قائلًا ...

- وربنا إنتِ ملكيش حل، بطيخة إيه ؟!! إنتِ شبه اللوزة، متغلفة من برة بقشرة جامدة، ومن جواكِ لــــــــوزة، وأنا بحب اللوز أوي بصراحة ...


أنهى كلماته وقد هام بها لتدفعه برقة محاولة التحلي ببعض الجدية لكن الأمر كان مرهقًا للغاية، فـ"معتصم" اليوم فرض سيطرته وقوته، وأعلنت هي إستسلامها وترك تلك الحرب ومكسبها له ...

رشا روميه قوت القلوب 


❈-❈-❈ــ


مستشفى السلامة ...

قلق وتوجس وخيفة إعترى كل من ينتظر خارج غرفة العمليات، تعلقت الأعين بباب الغرفة بإنتظار سماع خبر يطمأنهم، وصلت "مودة" بعد دخول "غدير" و "عيسى" لغرفة العمليات، وقفت بوجه متجهم وقلق شديد على أختها الوحيدة، لكن فارسها المغوار لم يتركها بمفردها ليقف "رؤوف" إلى جانبها يحدثها بطريقته اللطيفة حتى يمر الوقت وتضع "غدير" طفليها بسلام ...


همس "رؤوف" برفق لـ"مودة" ...

- عقبالنا يا "دودا"، ده إنتِ ساعتها حتبقى مامي قمر أوي ...


نظرت له بجانب عينيها متصنعة بعض الضيق، لكن بداخلها إحساس مغاير تمامًا، أجابته بملامة ...

- أيوة، أيوة، إضحك عليا عشان أنسى الموضوع إللي كلمتني فيه النهاردة ...


ببسمته المميزة وأسنانه الظاهرة حاول إلهائها بلطافة حين عقب "رؤوف" ...

- وأهون عليكِ تزعلي مني، وبعدين هو أنا قولت كدة ليه، مش عشانا ..؟؟؟!!!


إلتفت "مودة" تجاه "رؤوف" بإستياء وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها تنهره عن تلك الفكرة التي أخذت تسيطر عليه مؤخرًا ...

- وبعدين يا "رؤوف"، هو كل حاجة حتاخدها بالسهولة دي، إنت عارف إن أنا ماليش غير "غدير"، عاوزني إزاي أبعد عنها بالشكل ده ..!!!


لأول مرة يتحدث معها "رؤوف" بتلك العقلانية، كما لو أن أحداث حياته الأخيرة قد علمته درسًا لا ينسى ...

- شوفي حبيبي، إنتِ فاهمة إحنا إتخطبنا إزاي، وبابا إضطر يبيع الأرض بتاعته عشان أجهز شقتي، يرضيكِ أفضل حاسس إني عالة عليه، ولا منتظر إنه يتعب ويصرف عليا وأنا أقف أتفرج، مش لازم أبني نفسي وأكون قرش ينفعنا قدام، ولا نفضل زي ما إحنا منتحركش ...


هو بالفعل محق بذلك، فعليه التفكير بطموح وإتخاذ خطوات جدية جديدة للمضي قدمًا بحياتهم، لتتنهد برضوخ رغم إستيائها من مجرد فكرة البعد ..

- أنا معاك يا "رؤوف" إن السفر حل سهل، وبيوفر علينا شغل سنين قدام، بس أنا و"غدير" بقالنا سنين طويلة لوحدنا، بصراحة ما صدقت يبقى ليا عيلة كبيرة زيكم ...


بنظرات شقية محبة أجابها بنبرة خفيضة لا يسمعها سواها ...

- وهو أنا مش كفاية ولا إيه ؟!!! ما أنا وإنتِ نسافر سوا ونبقى عيلة بعض، ولا للدرجة دي شايفاني صغير ..؟!!


هتفت بالنفي وسط نبرة عشقها الظاهرة ...

- لا خالص، ده إنت تكفيني عن الدنيا وإللي فيها، ( سحبت نفسًا طويلًا قبل أن تجيبه بالموافقة، فيبدو أن طريقته بالإقناع تطورت أيضًا)، خلاص يا "رؤوف"، إللي تشوفه ...


إتسعت بسمته الأرنبية اللطيفة قائلًا ...

- ده عرض سفر لا يمكن يترفض، و أهو نبدأ بقى أول خطوة في حياتنا، مش كفاية كل ما نيجي ناخد خطوة حاجة تعطلنا ..


- معاك حق، طيب حتقول لطنط "منار" وعمو "خالد" ..؟!!


نظر تجاه والديه القلقان ثم أكمل بنبرته المنخفضة ...

- بعد ما "غدير" تقوم بالسلامة، كفاية عليهم قلق وتوتر كدة ...


نظرت هي أيضًا تجاههم ورفعت بصرها تجاه غرفة العمليات مردفة بذهن مشتت ...

- معاك حق ...


إقترب كلاهما من "خالد" و "منار" اللذان كانا يشعران بأن "غدير" إبنتهم حقًا، يدعون لها بقلب محب بأن تضع مولوديها بسلاسة وسلامة ....

رشا روميه قوت القلوب 

علت الوجوه إبتسامة فرحة حين سُمع صوت بكاء طفل صغير من داخل الغرفة، ليتبادلوا جميعًا هتاف الفرحة ...

- ولدت، ولدت، أنا سمعت صوت البيبي ....


السعادة هي النبات الذي تستغرق جهدًا كبيرًا لزراعته، حتى مجئ لحظة كتلك لتحصد زرعتك، ليست حُلمًا ولا وهمًا، بل حُسن ظن بالله ونقاء يغمر القلوب ....


❈-❈-❈ــ


بيت عائلة الأسمر (شقة وعد ومحب) ...

ولا خير في وعد كاذب، ولا تصدق حلو الكلام، فالصدق ذهب لا يصدأ ولا يختفي أيضًا، بل يلمع بريقه رغمًا عمن يحاول التدليس عنه، الوعد من الخيال والفعل من المحبة، ومن بني لنا في الروح مقامًا، بنينا له في القلب جنة ...


ليلة يقضونها بدون "زين" لمبيته بشقة جدته، أمر لم تكن "وعد" تستطع فعله من قبل، لكنها صدقت وعد "محب" لها بأن أيام الخوف والقلق إنتهت بلا رجعة، وستصدقه فيما سيعدها به بعد ...


لكن ما سمعته "وعد" من إبنة "عتاب" أرجف قلبها بإشفاق شديد، أمر لم تفكر به من قبل، لن تصدر حكمًا على فتيات صغار لما إقترفته أمهم من سوء، فهن يستحقون حياة أفضل، وتعامل يتسم بالحنان والإحتواء ...


كانت قد أخذت عهدًا على نفسها ألا تلين مرة أخرى، لكن قلبها الرقيق لم يتحمل لتجهش بالبكاء تأثرًا بحديث "تقى" ...


حاوطها "محب" بمحبته الصادقة متفهمًا ما تشعر به قائلًا ..

- إهدي يا حبيبي، أنا فاهم إللي إنتِ حاسة بيه، وإن "تقى" صعبانة عليكِ ...


إلتفت "وعد" نحوه وقد إكتست خضراوتيها بحمرة محتقنة لتهتف به بإنفعال لما تشعر به من إحساس بالذنب ...

- مش بس صعبانة عليا يا "محب"، متنساش إن أنا السبب في إن "عتاب" إتقبض عليها ودخلت السجن ...


لن يتهاون بأن يعيد الحق لمن يستحق، لن يتهاون فيمن يدفع بـ"وعد" لهذا الضغط النفسي مرة أخرى حتى لو كانت هي نفسها من تظلم نفسها، إعتدل "محب" بجلسته متحدثًا بجدية متخليًا عن حنانه وليونته معها ...

- لا يا "وعد"، "عتاب" هي إللي عملت كدة في نفسها، إنتِ ملكيش ذنب، وإوعي أسمعك بتقوليها تاني، خلاص الزمن إللي فات ده فات وخلاص، لازم تعرفي إن الظن والشك والتعب إللي فات ده لا يمكن يتكرر تاني، وأوعدك بكدة ...


هل لكلمة أثر الفعل، هل يمكن أن تربت الكلمات على قلوبنا، أن تصبح الكلمة عهد، أن يدب الأمل بمجرد وعد ....


توقفت دموعها وهي تناظر زوجها الذي تتيقن بالفعل أنها تكن له العظيم من المحبة، فهو يستحق ....


يستحق تلك المكانة التي تربع عليها عندها، تباطئ تنفسها المضطرب ليهدأ تمامًا وهي تؤكد ما تفوه به ...

- بجد يا "محب" ..؟؟!


- بجد يا قلب "محب"، ومن بكرة حدور لكم على بيت أحسن من هنا، ونبدأ كلنا حياة في مكان جديد، بعيد عن أي حاجة تفكرنا بإللي فات، وبنات "عتاب" صغيرين، إحنا نقدر نربيهم كويس ونبعدهم عن كل الظروف الصعبة، وسيرة "عتاب" وإللي عملته مش حتتجاب تاني أبدًا، ولو عايزة تعيشي في بيت لوحدك أنا حاضر ...


لوحت "وعد" بحركة نافية ...

- لأ خالص، بجد أنا بحب أعيش في عيلة، ما إنت عارف إن أنا و"عهد" بعد وفاة ماما عايشين لوحدنا وكان نفسنا في عيلة تخاف علينا ...


إبتسم "محب" بلطف ليهمس بمحبته المعتادة ....

- أنا عيلتك وإنتِ عيلتي إللي مقدرش أبعد عنها أبدًا ...


زاغت نظراتها بين تقاسيم وجهه قبل أن تنهي حديثهم بكلمات خرجت من قلبها قبل لسانها ...

- "محب"، أنا بحبك أوي ...


بلحظة شعر كمن طال القمر ولامس النجوم بكلمة منها، لقد توهجت كنجمة بسماء حياته حين أظلم الطريق، أصبحت كبوصلة توجهه بالطريق، كما أصبح سراجًا بروحها ....


❈-❈-❈ــ


مع بزوغ فجر يوم جديد، إشراقة شمس تتجدد بها الحياة وتكسبها بهجة وتفاؤل وحسن ظن بالله، قلوب تتراقص فرحًا على أنغام أوتار القلوب، تسعد بالصحبة و بالأمل الجديد ...


المستشفى ...

بغرفة خاصة تجمع عائلة دويدار مع حبيبتهم، المغدقة بالسعادة على حياتهم سواء بقصد أو بعفوية، هي من أدخلت الإبتسامة بأيامهم، واليوم تزيدها بإنجابها طفلين صغيرين بعثا السعادة والأمل بقلوبهم، إشراقة روح من نوع آخر ...


جلس الجميع بإنتظار إفاقة "غدير" بعد خروجها من غرفة العمليات، لينتبه لها الجميع حين بدأت بالهمهة وبداية عودة الوعي لها ...


كان "عيسى" يجلس إلى جوارها فلم يتركها للحظة فهي منبع السعادة خاصته وعليه أن يتواجد بقربها ويشعرها بأنه ركيزة لا تتهاون يمكنها الإتكاء عليه ...


فتحت "غدير" عينيها بتشتت ليَهُم "عيسى" بالقرب منها قائلًا بهدوء ...

- حمد الله على السلامة يا "دورا" ...


نظرت له "غدير" لبعض الوقت ظن "عيسى" أنها واعية تمامًا، بينما كان وعيها مازال متخبط بعد، وبعد قليل من الحملقة بوجه "عيسى" تحدثت "غدير" بنبرة متثاقلة ...

- يا "عيسى" ....


بسرعة إستجابة أجابها ...

- عيون "عيسى" ...


لكنها أكملت بلا وعي ...

- هات اللمبة وتعالى، الفرن سخن ...


إعتدل "عيسى" بوقفته بتعجب لوهلة قبل أن تنفجر ضحكة من الجميع فقد بدأت "غدير" بالهلوسة إثر المخدر ولم تفق تمامًا بعد ...


ربت "عيسى" بخفة بكف "غدير" ولم تتخلى شفاهه عن تلك الإبتسامة التي هي سببها دائمًا، حتى وإن كانت غير واعية ...


أجابها بلطاقة متجاوبًا معها ...

- حاضر يا "دورا" ...


أكملت "غدير" تهتف به التعجل ...

- يلا يا "إيسووو" بقى، "مودة" أكلت الحجازية بتاعتي كلها ...


ضحكات عالية تلت كلماتها بينما وقفت "مودة" لا تستطيع تمالك ضحكتها قائلة وهي تدنو من "غدير" ...

- ده إنتِ البنج مخليكِ تهلوسي خالص، أنا برضه أكلت الحجازية ...؟!!


قبلت "مودة" جبهة أختها بمحبة مستكملة ...

- قومي بس بالسلامة، وأنا أجيب لك أحلى حجازية ...


زاغت عينا "غدير" قليلًا بإدراك طفيف أنها بالمستشفى، ثم تساءلت ...

- ولادي فين ..؟!!


أجابها "عيسى" يطمأنها ...

- في الحضانة، متقلقيش، شدي حيلك بس ونجيبهم ...


عادت لهلوستها مرة أخرى معقبة ...

- هاتوا لهم الشنط عشان يلحقوا المدرسة، يلا قوام ...


بألفة وسعادة حاوطها الجميع فهي لها بقلوبهم جميعًا حب ومودة لا توصف ...


❈-❈-❈ــ


بيت المستشار خالد دويدار (شقة معتصم وعهد) ...


بين النوم واليقظة، لا يعد حلم ولا واقع، بل هو إنتشاء جميل يذهب بإنتباه العقول ليبقى فقط إحساس السعادة بين قلبين محبين، لكن ذلك لم يمنع هذا الصقر الذي لا يغفل من الإنتباه لصوت رسالة نصية قد وصلت للتو لهاتفه ...


إعتدل "معتصم" من نومته ساحبًا هاتفه برفق لينظر بنصف عين تجاه شاشته ليقرأ الرسالة ليهُم من نومته منتفضًا ...


تحرك ببطء وهو يلقي نظرة خاطفة على "عهد" النائمة قبل أن يتسلل برفق شديد نحو باب الغرفة، لكن كما كان هو صقر لا ينام، كانت هي كأنثي الفهد، سريعة قوية مفترسة أيضًا وإن لزم الأمر، لترفع "عهد" رأسها دون أن يشعر "معتصم" أنها قد أفاقت لتباغته بسؤالها ...

- خير يا "معتصم"، رايح فين ..؟


                الفصل السابع والعشرون من هنا 

               لقراءة جميع فصول الرواية من هنا


تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة