
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الثاني والاربعون 42 ج3 بقلم ليله عادل
تبسمت نبيلة وربتت على خده موضحة: لما عشرتها واتعاملت معاها عرفت إنها طيبة وبنت حلال، ولما عائشة قالتلي إنك بتحبها حبتها أكتر، بس هي دماغها ناشفة وحساسة أوي، وحاطة في دماغها إنك اتجوزتها جدعنة علشان تحافظ عليها، فعشان كده بقولك كلمها مش هتخسر حاجة، قولها أنا بحبك يا بنت الناس وعايزك، علي الأقل تبقى عملت اللي عليك عشان وماتندمش..
نظر لها بصمت لوهلة، ثم ابتلع ريقه، وقال بخفوت: أنا مش هنكر إني حبتها، مع إني كنت فاكر إني مش هعرف أحب تاني بعد ندى، كنت فاكر إن قلبي خلاص قفل، لحد ما لقيت نفسي بفكر فيها، وبغير عليها، وبستنى أشوفها، أنا حبيتها يا ماما، حبيتها ومش عارف إزاي وامتى، حاولت أمنع نفسي أفكر فيها بس ماعرفتش، واللي قوى الإحساس جوايا معاملتها معايا، بس طلع إحساس مش حقيقي..
صمت لوهلة ثم تابع بضيق: طلعت موهوم وإنتم كمان موهومين، لو بتحبني مكانتش تبقى مستعجلة كده على طلاق، وعملت كل إللي بتعمله ده..
جز علي أسنانه بغيظ مكتوم: يا ماما ده إمبارح لما اتأخرت لقيتها النهاردة جاية تقولي نفس الكلام، إنت اتأخرت ليه؟ وماجبتش المأذون ليه؟ كانت مستفزة جدا، وبعدين بتقوليلي هي بس علشان حساسة؟ لأ، هي مابتحبنيش!
ثم توقف قال بحسم: ماما قولتلك هي مش عايزاني، وأنا مش هفرض نفسي عليها، خلاص بقى أقفلي على الموضوع ده بعد إذنك.
ارتدى سترة بدلته وهم بالتحرك، وكانت نبيلة تنظر له بحزن.
في الخارج.
كانت آلاء متوقفه عند الباب، قلبها يدق بعنف حتى كاد يسمع، كانت كل كلمة تسقط على قلبها كالأرض القاحلة حين يهبط عليها المطر بعد عطش طويل.
أخيرا سمعتها، وعرفت الحقيقة التي كانت تموت لتسمعها، هو يحبها، مثلما تحبه تماما، بل أكثر! لم يكن هروبه جفاء، بل كان خوفا، خوف رجل جرح من قبل، ويخشى أن تمد يده فترد.
انهمرت دموع الفرح من عينيها، وارتسمت ابتسامة مشرقة على وجهها، بينما كتمت شهقتها بيدها. سرعان ما مسحت دموعها وركضت إلى غرفتها، جلست على الفراش وتحت الغطاء، وأمسكت الكتاب متظاهرة بالمذاكرة، وفي رأسها فكرة لم تتضح لها بعد..
طرق الباب.
قالت بتصنع وعينيها بالكتاب: اتفضل.
دخل مصطفى، وما إن رآها جالسة وتغطي نفسها
وبشعرها حتى عقد حاجبيه باستغراب: انتِ لسة مالبستيش؟
رفعت عينيها بتمثيل: ألبس ليه؟
رفع شفتاه بسخرية: مش كنتي عايزة تطلقي ووجعتي دماغي من إمبارح؟ يلا.
ردت ببرود مصطنع وهي تقلب صفحات الكتاب: لا ما أنا غيرت رأيي، خليني بعد الامتحانات.
رفع حاجبه بدهشة: نعم يا ختي؟ وده إسمه إيه؟
رفعت حاجبيها وهي تحكم عليها الغطاء حتى لا ينكشف أمرها: فيها إيه يا دكتور؟ أنا فكرت وحسيت إن الأفضل بعد الإمتحانات!
قال من بين أسنانه بغضب: أنا مش فاضي للعب العيال ده.
ردت متصنعة التزمر: طب لو إنت مصمم أنا هلبس.
نظر إليها من أعلى إلى أسفل بضجر، ثم أغلق الباب خلفه بقوة حتى كاد أن ينخلع من مكانه. وما إن غادر، حتى انفجرت ضاحكة من شدة السعادة، لكنها في الوقت نفسه لم تكن تعرف ماذا تفعل
كانت تعرف أنه من المستحيل أن تقول له «أحبك»، لكنها أرادت أن تجعله يعترف لها بمشاعره، ولم تعرف كيف. راحت تقضم أظافرها وهي تفكر، حتى لمعت في رأسها فكرة. نهضت سريعًا، وبدلت ملابسها إلى ملابس منزلية، ثم ارتدت فوقها إسدالها ونزلت إلى الحديقة تبحث عن عائشة، فوجدتها جالسة تحت البرجولة تذاكر.
توقفت أمامها: عائشة، إنتِ فاضية؟
أغلقت الكتاب وقالت بضيق: أيوة فاضية، وزعلانة منك جدا.
حاولت التوضيح: طب ممكن تفهميني؟
ردت بإنزعاج: أفهم إيه؟ إنتِ غريبة أوي، ماتقوليش ماتتدخليش ومش عايزة أتكلم و..
قاطعتها آلاء وجلست بجانبها وقالت مرة واحدة: أنا بحب مصطفى، وعايزاكي تساعديني إن إحنا نبقى مع بعض.
تجمد وجه عائشة واتسعت عيناها، فلم تتوقع هذا الرد أبدا: إيه؟!
آلاء بتوضيح: والله العظيم أنا كنت فاكراه مش بيحبني وخايفة يفهمني غلط، فاكراه شايفني واحدة ساعدها وبس، لكن دلوقتي اتأكدت انه بيحبني، ومش عارفة أعمل إيه.؟
إجاباتها بحماس وهي تنهض: هروح أقوله.
أمسكتها من يدها بمنع وتوقفت أمامها موضحة بخجل: لا والنبي بلاش، أنا عايزاه يحسها، تيجي مننا إحنا الاتنين، بس إنتِ ممكن تساعديني.
ابتسمت عائشة بخبث: لا دي بقى محتاجة خطه، ونخلي إيهاب يشترك معانا.
تبسمت: ماشي.
ثم فتحت عائشة ذراعيها وضمتها: مرات أخويا العسل، أيوة كدة ربنا يهديكي.
عند مصطفى.
دخل الغرفة غاضبا ومستاء، فوجدته نبيلة، التي كانت لا تزال تجمع ملابسه المتسخة وترتبها.
سألته بتعجب: إيه اللي رجعك؟
أجابها بضجر: المجنونة بتقولي خليها بعد الامتحانات.
ضحكت عاليا: ولسة متفهمتش؟! دي بتحبك وعايزاك، ولما خلاص لقت الموضوع دخل في الجد! قالتلك لا نأجلها، هي عايزاك تقولها أنا بحبك، أفهم بقى.
رد بإنزعاج وهو يتحرك نحو النافذة: شغل الأفلام الرومانسية ده أنا مليش فيه؟
اقتربت منه ووضعت يدها على كتفه وقالت بحنان:
هي مش بتلاعبك، هي عايزاك تتنحرر وتتكلم، إنت الراجل.
نظر إليها طويلا، وكأنه يفكر في كلماتها، ثم أشاح بنظره نحو النافذة دون أن يجيب، مسحت على ظهره بحنان، وقالت: ربنا يصلح لكم الأحوال يا ابني.
♥️_________________بقلمي_ليلةعادل
فيلا سليم وماسة،5م
كانت ماسة تجلس في حديقة تتابع حور وهي تلعب، في تلك اللحظه دخل سليم.
سليم: عشقي.
التفتت براسها نهضت وسألته: ها عملت ايه؟
نظر لها وابتسم ببرود: خلصنا من الافعى السامة، عقبال الباقي.
عقدت حاجبيها وقالت بتوتر: بس لازم تاخد بالك منها.
تبسم بخبث: ماسك عليها فيديو لو فكرت تعمل حاجة هنشرة
عبثا وجهها مازال القلق يملؤها
أمسك يدها وقبلها منها: متقلقيش.
في تلك اللحظة جاءت حور تركض من الداخل، وامسكت بيد سليم: بابا، تعال العب معايا.
ابتسم لها: يلا.
اقترب من ماسة وطبع قبلة على رأسها، ثم سار مع حور نحو الارجوحة.
نظرت ماسة اليهما وابتسمت: انا هروح اعمل الغدا.
القلج، 5م
توقفت سيارة مي أمام منزل إسعاد، لكنها لم تكن السيارة التي أحضرها لها رشدي، بقيت جالسة للحظات، تتنفس بقلق، وعيناها معلقتان بالباب، وكأنها تخشى ما ستسمعه.
كانت تريد إجابة واحدة فقط، وتتمنى من كل قلبها أن تكون نفيا، لأنها تعرف أن الحقيقة قد تهدم كل ماتبقى منها.
أخذت نفسا عميقا، ثم ترجلت من السيارة وتقدمت نحو الباب طرقت الباب، وما إن فتح حتى ظهرت إسعاد، وما إن رأتها حتى نظرت إليها باستغراب.
مي بإبتسامة متوترة: مساء الخير، إزي حضرتك؟
عقدت إسعاد بين حاجبيها ثم قالت وهي تشير للداخل: الحمد لله يا بنتي، اتفضلي، نورتي
تحركت مي على مضض، وخلفها إسعاد التي تنظر لها باستغراب، جلست على الأريكة ثم جلست إسعاد بجوارها على المقعد.
إسعاد بإبتسامة مجبرة: حمد الله على سلامتك يا بنتي.
مي بإبتسامة صغيرة: الله يسلمك.
سألتها باهتمام: إنتِ عاملة إيه دلوقتي؟
أومأت: الحمد لله كويسة...
ثم نظرت حولها متسائلة: أمال فين جنة؟
صمتت إسعاد لوهلة ونظرت لها من أسفل عينيها متعجبة، لكن سرعان ما تماسكت وقالت بثبات وهي تلوح بيدها: عند واحدة جارتنا، بتلعب مع بنتها.
أومأت، صمتت لوهلة ثم قالت: بقول لحضرتك إيه، هي إيه قصة جنة؟
ضيقت عينيها: مش فاهمة السؤال؟
ابتلعت ريقها موضحة: يعني عرفت رشدي إزاي؟ وجت هنا إزاي؟ أحكيلي؛ وبعدين هي فين رحمة؟
أجابت: رحمة في شغلها يا بنتي.
قالت بترقب: طب ممكن تكلميها؟ عايزة أقابلها.
سألتها باستغراب: هو في حاجة؟
هزت راسها بسرعة: لا عادي، بسأل.
سألتها: أمال رشدي فين؟
مي وهي تحاول أن تبدو طبيعية: رشدي مسافر، قولت آجي أطمن على جنة وأشوف لو محتاجين حاجة، وعايزة أشوف رحمة.
إسعاد دون فهم: حاضر هكلمهالك تيجي، هي بتشتغل في عيادة قريبة من هنا.
وبالفعل أمسكت الهاتف وبدأت تتصل برحمة، وبعد أن أنهت المكالمة سألتها مي: ماقولتليش، عرفتي جنة إزاي؟
أخذت نفسا عميقا ثم عدلت من جلستها موضحة: والله يا بنتي عاطف جارنا، إللي شغال سواق عند جوز أخت رشدي، إللي اسمها صافيناز ولا فازيناز، حاجة كده، جابهالي وقالي لقيتها في الشارع، خدي ربيها، وبعد يومين جالي هو ورشدي بيه، وقالي إنه بيعمل حاجات لله، علشان أخوه إللي اسمه سليم عامل حادثة كبيرة، فكانوا بيطلعوا حاجات لله عشان ربنا يشفيه بس دي القصة.
ضحكت مي بمرارة: والله؟ هو قالك كده؟ هو فعلا بيحب الخير جدا.
سألتها باستفسار: هو في إيه يا مي؟ مالك؟
تنهدت وهي تنظر بعيد: مافيش.
ظلت مي جالسة في مكانها، وجسدها مشدود كوتر أوشك على الانقطاع، بينما راحت عيناها تتنقلان بين إسعاد والباب، وقلبها يخفق بعنف.
لم تكن تريد سوى كلمة واحدة تنفي كل شكوكها، لكن شيئًا بداخلها كان يخبرها أنها تعرف الحقيقة، وأنها فقط تخشى مواجهتها.
وفجأة، جاء طرق على الباب، فرفعت مي رأسها سريعًا، وشعرت بانقباض في قلبها.
كادت إسعاد أن تنهض، لكن مي قالت: خليكي، أنا هفتح.
توجهت إلى الباب وفتحته، وما إن رأت رحمة حتى نظرت إليها باستغراب. تبادلتا نظرة صامتة لثوانٍ، قبل أن تبتعد مي عن الباب وتفسح لها الطريق لتدخل.
رحمة وهي تتحرك بنبرة مستهجنة: مش كنتِ تقولي يا خالتي إن عندك ضيوف؟ كنت جبت حاجة ساقعة وأنا جاية.
إسعاد بطيبة: مي مش غريبة.
التفتت لها رحمة باستهجان وهي ترفع أحد حاجبيها: مش غريبة إزاي يعني؟
إسعاد بثقة: أيوة يا بنتي، مي مننا وعلينا.
زفرت رحمة بعدم رضا ولم ترد، ثم نظرت لخالتها وقالت: طيب يا خالتي، أديني جيت، إيه الموضوع المهم؟ ومين ده إللي عايزني؟ بسرعه بس عندي شغل.
مي بهدوء: أنا اللي عايزاكي.
لفت رحمة براسها ونظرت لها من أعلى لأسفل ثم قالت بجمود: أفندم؟
نظرت إليها مي باستغراب من أسلوب رحمة معها منذ المرة الأولى التي تعرّفت فيها إليها، ثم سألتها سؤالل لم تأتي من أجله، لكنها شعرت أنه لا بد أن تسأله: هو إنتِ بتكرهيني ليه يا رحمة؟ من أول مرة شفتك وأنا حاسة إنك بتكرهيني.
هزت رحمة كتفيها: أكرهك ليه؟
اقتربت منها خطوة بحيرة: معرفش، بس ده إحساسي.
زفرت رحمة وهي تشيح بوجهها بعيدا وعقدت ذراعيها أمام صدرها: أنا لا بكرهك ولا بحبك، ولا إنتِ فارقة معايا أصلا..
ثم رمقتها بنظرة من أعلى لأسفل وأضافت بحد: أنا أصلا مش عارفة إيه اللي جابك؟ مش خلاص فضيناها والمستور اتكشف؟ ولا جاية تكملي المسلسل؟!
إسعاد بحدة: يا رحمة، أسكتي يا رحمة!
تقدمت مي خطوة توقفت أمامها مباشرة: لا لا.. ثانية واحدة، مستور إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة، إنتو بتتكلموا عن إيه؟
مالت رحمه شفتيها بسخرية: إنتِ ماتعرفيش إن جنة ماطلعتش جنة؟
نهضت إسعاد بغضب صاحت: بس يا رحمة! أسكتي!
التفتت لها رحمة بتهكم حاد وعيناها تقدحان شرار: أسكت ليه يا خالتي؟ ما هي لازم تعرف! هتفضلي مخبية عليها لحد إمتى؟ ما هي هتيجي تاني علشان تشوف جنة، هتقوليلها إيه ساعتها؟
ثم التفتت بكل قسوتها نحو مي، واقتربت منها خطوة، وتابعت بحدة لاذعة كأنها تطعنها بالكلمات: جوزك يا حلوة طلع خاطف بنت أخوه بقاله سنين، وأخوه عرف وجه خدها، البنت إللي كنتِ بتحضنيها وبتطبطبي عليها ماطلعش اسمها جنة، اسمها حور، بنت سليم.
تجمدت الدماء في عروق مي، واتسعت عيناها حتى كادت تخرج من محجريها، وانحبس الهواء في صدرها كأن أحدا قبض على عنقها، لقد جاءت، تبحث عن ثغرة، عن كذبة صغيرة تنفي ظنونها وتعيد لها وهمها، لكن الحقيقة، هوت فوق رأسها كصاعقة، صاعقة أحرقت آخر ماتبقى لها من غباء.
وفجأة، انفجرت ضاحكة ضحكة عالية مضطربة، بينما انهمرت دموعها على وجنتيها؛ لم تكن ضحكة بقدر ما كانت صرخة تخفي خلفها كل الخذلان، وكل الليالي التي صدقت فيها كذبته رغم أنها كانت تعرف الحقيقة في قرارة نفسها
كانت إسعاد ورحمة تنظران إليها باستغراب، لم تفهما ما أصابها.
شهقت إسعاد ووضعت يدها فوق صدرها: يا لهوي! أهدي يا بنتي، أقعدي وصلي على النبي!
ضربت مي كفا بكف، وعيناها تلمعان بجنون الوجع قالت من بينا ضحكتها: فاكراني اتجننت؟ أنا كويسة أنا زي الفل!
فقد كانت تضحك على غبئها، على النصف بالمئة التي أبقتها في قلبها له، تلك النسبة الضئيلة الغبية التي تمنت ألا تتلوث بقذارته، تلك النسبة التي كانت تهمس لها "ربما يكون صادقا تلك المرة". وللأسف، تلوثت، بل غرقت في الوحل حتى آخرها
مسحت دموعها بظهر يدها بقهر: ما تخافوش عليا، أنا كويسة بجد.
ثم التفتت إلى رحمة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة، موجوعة، تابعت: أوعي تكوني فاكرة إن اللي إنتي قولتيه ده هيهزني أو هيزعلني؟ أنا عرفت الأسوأ منه بكتير.
ابتسمت رحمة ابتسامة صفراء، فقد فهمت الآن أنها لم تأتي لتعرف بل لتتأكد من معلوماتها: يعني إنتِ كنتِ عارفة؟ وجاية بس عشان تتأكدي؟
أومأت برأسها قالت بنبرة مبحوحة: آه.. كنت جاية أتأكد، كنت جاية أفهم، ومش هنكر، للحظة شيطاني وزني وأفتكرت إنها ممكن تكون جنة بنتك إنتِ وهو.
صاحت بها وقد احتقن وجهها: أخرسي! إنتِ اتجننتي ولا إيه؟!
نظرت لها مي بهدوء شديد قالت بعقلانية موجوعة: أنا ست يا رحمة، ست وبحس، حتى لو كنت ببان طيبة وساذجة، أنا بفهم النظرات كويس، وكان باين أوي من أول يوم شوفتك فيه إنك بتحبيه وبتغيري عليه مني...
ردت بصوت منخفض، حزين، وعيناها تلمعان بالدموع: كنت بغير منك عشان اتجوزك، أصل هو قالي من أول يوم أنا مش بتاع جواز، كنت فاكرة إني ممكن أغير قرارة، واخليه يحبني ويتجوزني، بس طلع خسيس أوي.
سألتها إسعاد: أمال إنتِ عرفتي منين يا بنتي؟ هو كان حاكيلك إيه؟ فهمينا.
أخرجت مي نفسا طويلا، مثقلا، كأنها تخرج معه كل الوجع الذي حبسته في صدرها ثم قالت بمرارة: هو ضحك عليا وقالي إنها بنت سواق عنده مات، ولما عرفت حاجات معينة، اتأكدت إن استحالة رشدي يعمل خير لوجه الله، أكيد وراه مصيبة، بس والله ماتوقعت أبدا إن المصيبة توصل إنه خاطف بنت سليم.
سكتت لوهلة، ثم تبدلت ملامحها فجأة، واعتدلت في جلستها وكأنها انتهت تساءلت: ثانية واحدة! إنتو بتقولوا سليم عرف؟ يعني هي دلوقتي عند سليم؟
أومأت إسعاد: آه يا بنتي، من كام يوم جه وخدها.
فجأة سكتت مي وشردت بعيدا، تذكرت كلمات ماسة حين قالت لها "رشدي كان عندنا واتكلموا مع بعض"
ثم هزت رأسها ونظرت إليهما مرة أخرى، وقالت بصوت متوتر: يعني رشدي عرف إن سليم وصل لجنة؟
هزت إسعاد رأسها بأسف: آه يا بنتي، عرف، وكل حاجة بقت على عينك يا تاجر، بس ماعرفش بقى فهموا البت الصغيرة إيه؟ رشدي جه هنا وفضل يزعق ويقولي إزاي ماتتصليش بيا! وأنا والله كلمته كتير يا بنتي، بس هو إللي ماكنش بيرد.
مالت شفتي مي وهي تنظر للأمام وهي تتمتم: يعني إنتي أصلا مش أم السواق، ولا ليكي علاقة بالبنت، وإنتي كنتي الإكس بتاعته؟ وهو خاطف بنت أخوه؟
ضحكت من الوجع والمرارة أضاف بعينين أغرورقت بدموع: يبقى المغفلة الوحيدة في الحكاية دي أنا وجنة، أكتر اتنين مغفلين.
ربتت إسعاد على كتفها بطيبة: ربنا يسامحه.
تنهدت مي تنهيدة عميقة ونهضت من مكانها: ربنا يسامحه فعلا.
أجبرت نفسها على الابتسامة وهي تقول: عموما.. شكرا، وآسفة لو جيت وعملتلكم إزعاج، أنا هقى آجي أزورك يا طنط عشان أنا بحبك، ولو احتاجتي أي حاجة رقمي معاكي..
أضافت بتوضيح: على فكرة أنا اتطلقت من رشدي خلاص، يعني ماليش أي علاقة برشدي ولا بأي حاجة تخصه، لو فعلا بتعتبريني زي بنتك، وقت ماتحتاجي حاجة كلميني.
إسعاد وهي تطبطب عليها بحنان: إن شاء الله يا بنتي، ربنا يكرمك ويعوضك
تحركت مي خطوات نحو الباب، ثم توقفت فجأة واستدارت نحو رحمة، وقالت بصوت هادئ، لكنه كان مليئا بالوجع: ماتكرهينيش يا رحمة، أنا مليش دعوة والله، أنا زيي زيك، إحنا الاتنين اتخدعنا في رشدي، بس يمكن إنتي حظك أحسن مني، إنتي خلعتي بدري، لكن أنا وقعت لوحدي في البير..
قالت كلماتها تلك وتحركت للخارج، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
نظرت رحمة وإسعاد لبعضهما البعض في صمت، ثم جلست رحمة على الأريكة وتنهدت بإرتياح: الحمد لله يا خالتي إننا خلصنا من الحوار ده كله.
أومأت إسعاد بمرارة: عندك حق، بس جنة قطعت بيا أوي ووحشتني. سليم قال لي هيخليها تكلمني
وأشوفها، والبت كانت عايزانا..
قاطعتها رحمة بمنطقه قاسية: يا خالتي إنتي بتصدقي الكلام ده؟ بكرة تنسانا، دول ما شاء الله، اللهم بارك، عندهم فلوس كتير، وبعدين أبوها وأمها هيبقوا حنينين عليها وهيعوضوها عن كل الحب إللي اتحرمت منه.
لكن كان يبدو على ملامح إسعاد الحزن، انتبهت لها رحمة، فأمسكت بيدها وقالت بحنان: بقولك إيه، يومين كده وأنا هجيبلك رقم أمها ولا أبوها من مي، تكلميها زي ما إنتي عايزة ماتزعليش.
ردت إسعاد بصوت مكسور: وكمان مي صعبت عليا أوي.. منك لله يا رشدي الكلب.
نظرت لها رحمة بلا مبالاة.
على إتجاه آخر.
صعدت مي إلى السيارة، وجلست خلف مقعد القيادة، وأمسكت هاتفها وقامت بعمل مكالمة،
جاءها الرد سريعا، فقالت بصوت مرهق لكنه مرتاح: أيوه يا دكتور زي ماقولتلك، شكي طلع صح، روحت وسألت واتأكدت، يمكن توقعتش أن هي تيجي كده بس المبدا وأحد، وحقيقي دلوقتي أنا حاسة إني مبسوطة بالمواجهة دي، إنت كان عندك حق، شكرا إنك وافقت إنك تقابلني من شوية، وإنك رديت عليا دلوقتي، تعباك معايا خالص.
جاءها صوت شريف هادئا: المهم يا مي تكوني ارتحتي.
ابتسمت رغم دموعها: أنا فعلا ارتحت.. إن شاء الله إحنا على معادنا يوم الأربعاء؟
أجابها: هستناكي سلام.
قصر الراوي،6م
كانت نالا تلعب ببراءة أمام هبة وياسين، بينما جلس الأثنان متقابلين على مقعدين متجاورين، وقد بدا على ملامح هبة شيء من الاستغراب والضيق، في حين ظل ياسين هادئا، يراقبها منتظرا ردها.
هبة باستغراب: يعني إنت عايزني أروح أعيش معاك إنت ومراتك في بيتكم الجديد.
أومأ بهدوء: أيوة، زيها زي القصر نفس الفكرة.
عقدت حاجبيها، ثم تنهدت بضيق: أولا، إنت عارف كويس إني قاعدة هنا غصب عني، وإني عايزة أعيش في بيتي.
رد بجدية: وأنا قلتلك يا هبة، مش هقدر أامن على بنتي معاكي بعد اللي إنتِ عملتيه! أنا إيه ضمني إنك ماتدخليش في دماغها إني هبطل أحبها وهحب البيبي الجديد أكتر منها، وأوعي تقوليلي أنا مستحيل أعمل كده! إنتي ناسية قولتلها عني إيه وعن لوجين؟
تنفست بعمق، وأشاحت بوجهها عنه للحظات قالت بتفسير: كنت عايزة أعمل كده عشان البنت تضغط عليك، فترجعني بيتي، أنا هنا مش مرتاحة يا ياسين.
ساد صمت قصير، ثم قال بصدق: إنتي عارفة يا هبة، لو كنتي حافظتي على البنت، لو كنت رجعت من السفر لقيتها زي ما كانت، صدقيني، كنت خليتك ترجعي بيت أهلك، لكن أنا دلوقتي مابقتش أامن عليها معاكي، أنا معرفش إنتِ ممكن تدخلي في دماغها إيه؟!
رفعت عينيها إليه،قالت بقطع: لو أنا عايزة أخلي البنت تكرهك، حتى لو عايشة معاك في بيت واحد، هخليها تكرهك، وأوعى تخوفني بشوية المايكات إللي إنت حاططهالي.
دققت النظر في ملامحه قالت بقوة كأنها تعرف ماذا تقول: الست لما بتبقى عايزة تعمل حاجة، بتعملها.
سكتت لحظة، وكأنها تعيد التفكير في الأمر من جديد ثم قالت: بس أنا فكرت، ولقيت عندك حق، وماما عندها حق، البنت هي إللي هتدفع الثمن، وأنا مستحيل أخلي بنتي تعيش أي مشكلة بسببي..
ظل صامتا، يراقب تغير نبرتها، بينما تابعت هبة: تعرف إني كنت مقررة أكلمك النهاردة علشان تبطل بقى موضوع إنها تفضل قاعدة معاك في القصر وتبات معايا بالاستراحة؟ ماكنتش متوقعة إنك هتقولي خبر زي ده.
تنهد، ثم قال بصوت أكثر هدوءا: أنا مش هقدر أعيش من غير بنتي يا هبة، ولا هينفع أحرمها منك، ومش هينفع نعيش هنا تاني...
صمت لوهلة وهو يركز النظر فيها ثم قال بصدق: أثبتيلي العكس، وخليني أرجع أامن لك، وساعتها هديكي حريتك وهخليكي تعيشي مع البنت في بيت أهلك.
رفعت عينيها إليه، وظلت تفكر في حديثه، تعرف إنه صادق لا يكذب، وتعرف أن ما فعلته كان خطأً في حقه، وأن استمرارها في العناد قد يجعلها تدفع الثمن غاليا.
وبعد لحظات من الصمت، قالت: تمام، أنا موافقة، بس بشرط.
رفع حاجبه متسائلا: إيه هو؟
أجابت: البنت تفضل معايا، تعيش معايا في الملحق، يعني عايزة تيجي تقعد معاك براحتها، لكن نومها وأغلب وقتها هيكون معايا.
فكر للحظات، ثم أومأ: مافيش مشكلة، بس لو حسيت إن البنت اتغيرت، هحاسبك حساب عسير.
تنفست براحة خفيفة، ثم قالت: أنا مش هعيد كلامي تاني يا ياسين..
ثم سألت: طيب، هتكلم البنت ولا أكلمها أنا؟
أومأ حاسما: هنكلمها سوا.
هزت رأسها بإيجاب
وبالفعل، أخبر ياسين وهبة نالا بانتقالهم إلى الفيلا الجديدة، وتقبلت الصغيرة الأمر بسعادة، وانشغلت تخبرهما بما تريد أن تأخذه معها من ألعابها.
فيلا سليم وماسة6م
كانت الحديقة تضج بالصياح والضحك، وضعت سلوى يديها حول جذع الشجرة وأغمضت عينيها وبدأت تعد بصوت عالٍ، بينما تفرق سليم وعمار ويوسف ومكي في كل إتجاه يبحثون عن مخبأ.
سلوى: يلا استخبوا كويس، إللي همسكة الأول هو اللي هيقف مكاني!
كان سليم يركض وهو يحاول أن يخفي جسده الطويل خلف شجرة صغيرة وحور ملتصقة به تختبئ معه، وعمار يختبئ تحت المنضدة، ويوسف خلف مقعد ومكي خلف النخلة.
وما إن انتهت سلوى من العد حتى انطلقت تبحث عنهم، وهي تتبع أصوات ضحكاتهم، تمسك هذا وتترك ذاك، والجميع يركض من أمامها ويصيح باسمها حتى أمسكت بعمار وسط صراخه من الضحك.
وعادت الكرة مرة على يوسف، ومرة مكي، ومرة سليم.
ثم جاء دور حور الصغيرة، أغمضت عينيها بيديها الصغيرتين وأخذت تعد بتلعثم، بينما تعمد الجميع أن يظهروا أنفسهم أمامها ويصيحون: أنا هنا يا حور، تعالي أمسكيني!
كانت تركض خلفهم بخطواتها الصغيرة المتعثرة، وهم يبطئون خطواتهم عن عمد حتى تمسك بهم، إلى أن ركض سليم أمامها مباشرة فأمسكت بقدمه، فاستدار وحملها على كتفه عاليا وهو يدغدغها، فتعالت ضحكتها البريئة تملأ الحديقة.
كان مجاهد يجلس على مقعد يشاهدهم والابتسامة المشرقة تملأ وجهه.
في الجهة الأخرى / المطبخ
كانت ماسة وسعدية تعدان الطعام، فماسة لا تستطيع الركض كثيرا بسبب حملها وبعد الانتهاء خرجت ماسة إلى الحديقة تصيح: يلا بقى بطلوا لعب عشان الأكل جهز!
حور بلهفة: استني خمس دقايق، نلعب مرة واحدة كمان!
فجأة اقترب منها سليم وحملها على كتفه: لا مافيش ولا مرة، يلا نغسل إيدينا وناكل، أنا جعان بدل ما آكلك إنتي، وظل يدغدغها وهي تضحك.
لاحظ سليم وجه ماسة العابس فعقد حاجبيه واقترب منها سألها: مالك مكشرة كده ليه يا ماستي الحلوة؟
مدت شفتيها بطفولة: كان نفسي ألعب معاكم.
وضع يده على بطنها بحنان وقال: معلش يا عشقي، أول ما النونو ييجي هتلعبي براحتك.
اقترب منها و وضع قبلة طويلة على جبينها، ثم قال وهو يمسك يد حور: يلا نغسل إيدينا يا وردتي.
أومأت بإيجاب، وبالفعل غسل الجميع أيديهم وجلسوا على السفرة، كانت عامرة بأنواع مختلفة من الأسماك والجمبري والأرز والسلطة والكابوريا.
بدأ الجميع يأكل، وكان سليم أكثرهم التزاما بالإتيكيت وهو يقطع السمكة بالسكينة والشوكة.
علقت سلوى بملل: أنا مش عارفة إيه الملل ده! الحمد لله مكي بياكل طبيعي زينا.
مكي وهو يتناول ما في الشوكة: أنا طول عمري بأكل زيكم، هو اللي محفلط في أكله.
عمار مازحا: أنا حاولت أتعلمه وفشلت، بزهق.
مجاهد متهكما بهدوء: ما تاكلوا وإنتم ساكتين وسيبوا الراجل ياكل براحته.
يوسف وهو يضحك: طلعتوا سليم المسرح، وأحلى حاجة إنه عمال يكمل تقطيع وياكل ولا كأنه سامعنا أصلا.
ضحك سليم وهو يتناول السمكة: والله هي سهلة، بس هي محتاجة صبر منكم، إنتم بس اللي بتستسهلوا.
رفعت سلوى حاجبيها بسخرية: إحنا اللي بنستسهل! مش أنت، يعني إللي محفلط على رأي مكي.
رفع عينه نحوها: لا يا ستي أنا مش محفلط، وبعدين إيه محفلط دي؟ بتجيبوا الكلام ده منين يا جماعة؟
ضحك الجميع، كانت ماسة تنظف السمك لحور وتضعه في فمها، لكن حور كانت طوال الوقت تضع يدها في طبق الجمبري وتأكل منه بنهم، حتى انتبهت لها ماسة.
نظرت لها ماسة بابتسامة: إيه يا قلبي، شكلك بتحبي الجمبري أوي! زي بابا.
تبسم سليم وقال: أخيرا أخذت حاجة مني.
حور بدهشة: هو إيه الجمبري ده؟
تبسم سليم موضحا: إللي إنتي بتاكليه ده إسمه جمبري يا وردتي.
ردت وفمها ممتلئ: إيه ده! يعني ده مش سمك صغنون؟
تبسمت ماسة وهي تطعمها: لا يا حبيبتي، ده مش سمك صغنون، ده إسمه جمبري ماكنتيش عارفة اسمه؟!
ردت ببراءة وهي تهز رأسها نافية: عمري ما أكلته، أول مرة أشوفه في حياتي، طعمه حلو أوي، أنا عايزة آكل منه على طول.
في لحظة، اختفت الابتسامات من على وجوه الجميع وحل صمت ثقيل، ونظرت ماسة إلى سليم وعيناها تدمعان، فاقتربت من حور واحتضنتها وقالت:
يا روح قلبي، حقك عليا.
أشار لها سليم بعينيه سريعا ألا تبكي أمامها حتى لا تنتبه.
نظرت لها حور ببراءة طفولية: إنتِ بتعيطي ليه يا ماما؟ أنا مش زعلانة علشان أول مرة آكل جمبري، عادي، في سمك كتير من اللي على الترابيزة وحاجات كتير عمري ما أكلتها، عادي.
أمسك سليم يدها وقبلها بابتسامة حاول أن يخفف الأمر برغم ثقله عليه: شوفتي بقى ياماما حور مش زعلانة..
نظر لحور بابتسامة: بعد كده هنأكلك كل حاجة نفسك فيها يا روح قلبي.
مال عليها وقبل خدها ووضع جمبرياية في فمها:
خدي أحلى جمبرياية لأحلى حور.
عاد الجميع إلى الطعام، لكن لم تعد المائدة كما كانت، فالأمر قد يبدو بسيطا للبعض، لكنهم شعروا كم كانت تلك الصغيرة محرومة.
وبعد الانتهاء، جلسوا في الحديقة يحتسون الشاي، كانت حور تتأرجح وتتزحلق بسعادة أمامهم وكأن شيء لم يكن.
زمت ماسة وجهها بحزن وهي تنظر إليها: أنا متضايقة أوي.
مسحت سعدية على كتفها بتهوين وحكمة: يا حبيبتي ماتكبريش الموضوع، الست اللي كانت مربياها غلبانة ومالهاش في الكلام ده، ما إحنا يا بنتي عمرنا ما دقنا الجمبري ده غير لما اتجوزتي سليم، ولما كنا بندوقه بيبقى بواقي أكل منصور.
أومأت باختناق وعيناها اغرورقت بالدموع: ماشي يا ماما عندك حق، بس إحنا دلوقتي نقدر نجيبلها أحسن حاجة، كل مافتكر إننا كنا بناكل أحسن أكل وبنسافر وهي محرومة وبتجوع بتوجع أوي.
هز سليم رأسه بإيجاب وقال بحرقة مستفز: عندك حق يا ماسة، أنا برضو متضايق جدا، أنا كنت عايش في كل ده، وبنتي كانت عايشة في بيت بسيط ومحرومة من أبسط الأشياء... الأكل، الموضوع معصبني...
شد على أسنانه مضيفا: ورشدي الحقير ده قالي إنه كان بيديها فلوس علشان مايحرمهاش من حاجة، وهي أهي كانت محرومة من كل حاجة.
تنهد مجاهد بحكمة: يا ولاد صلوا على النبي، يمكن الست دي ماتعرفش الجمبري أصلا، ما هي البت عارفة فراخ ولحمة وبط، الظلم حرام، مش معنى أن هي أول مرة تكله إنها كانت محرومة، اعتبروها داقت أكلة جديدة وعجبتها وخلاص.
نظر سليم إلى حور متأثرا وقال: أنا مش عايز أحرمها من أي حاجة، عايز أعوضها عن كل ثانية بعدت عني فيها، عن كل حاجة اتحرمت منها، عايز أجيبلها كل اللي نفسها فيه، أنا بس أخلص البلاوي إللي عندي وآخدها أسفرها في كل حتة..
صمت لوهلة وكأن فكرة جالت بخاطره، نظر نحو ماسة ثم قال: إيه رأيك يا عشقي نروح نقضي يوم في الجزيرة؟
أومأت بابتسامة هادئة:فكرة حلوة.
ثم رفع عينه نحو مكي الذي كان يحتسي الشاي وقال: بقولك يا مكي، الرجالة خلصوا البيت هناك ولا لسه؟ انا شايف يعني إن الجزء اللي واضح قدامي من هنا خلص
رد بهدوء وهو يضع كوب على الطاولة: للأسف يا سليم، إنت عارف الفترة اللي فاتت أحداثها كتير فامكنتش متابع، بس بنسبة كبيرة خلصوا جزء كبير منه، عموما هكلمهم وأشوف، لو كده قعدهم في خيمة.
سليم بتنبيه: تمام، بس شد عليهم خليهم يخلصوا خلال اليومين الجايين دول، أول الأسبوع الجاي تكون خلصانة بفرشها.
أومأ مكي بإيجاب.
تدخل يوسف بفكرة وحماس: طب ممكن نسافر الساحل ولا إنت خايف تظهر؟
هز سليم رأسه نافيا قائلا بثقة: لا مش خايف، ما أنا بظهر، خلاص إن شاء الله بكرة كلنا على الساحل ونقضي يومين حلوين هناك.
نظر سليم إلى مكي وقال: ظبط الموضوع التأمين.
نظر له من طرف عينه بإنزعاج مصطنع: حاضر هظبط التأمين وهقول لعرفان.. بس أعمل حسابك أنا معاكوا في الأجازة دي، أنا بكرة أجازة، خلي عشري وعرفان هم اللي يظبطوا الدنيا، محتاج أجازة يوم بلاش افتري.
ضحك سليم: ماشي يا عم حقك.
ضحك الجميع، وساد جو من الحماس والفرحة لفكرة السفر.
في إحدى المزارع المملوكة لعائلة منى6م
توقفت سيارة التاكسي أمام البوابة، وأطلق السائق كلاكس السيارة طالبا من الأمن فتحها.
نظر أحد الحراس من نافذ فنتبه لمنى الجالسة في المقعد الخلفي، فقالت له بحدة: أفتح البوابة بسرعة.
أشار الحارس إلى زملائه، ففتحت البوابة على الفور، ودخلت السيارة إلى المزرعة.
هبطت من التاكسي، وكان أحد الحراس يقف بالقرب منها، فقالت له دون أن تنظر إليه: أدفع له حسابه.
أومأ الحارس، بينما اتجهت منى إلى المبنى بخطوات سريعة.
بمجرد دخولها، أسرعت إحدى الخادمات نحوها قائلة بإبتسامة قلقة: حمد لله على سلامتك يا ست منى.
لكنها لم ترد عليها، وصعدت الدرج متجهة إلى غرفتها مباشرة.
نظرت الخادمة إلى باقي الخدم باستغراب، وقالت إحداهن بصوت خافت: هي مالها عاملة كدة ليه؟ وإيه اللي هي لابساه ده.
ردت الأخرى سريعا: إحنا مالنا؟
وفي الطابق العلوي...
دخلت منى غرفتها وأغلقت الباب خلفها بعنف.
وقفت للحظات مكانها، وكأنها تحاول استيعاب كل ما حدث، ثم اتجهت إلى السرير وجلست عليه ببطء،
ظلت تحدق أمامها، بينما أخذت الدموع تهبط بصمت.
همست لنفسها: أنا هعمل إيه دلوقتي؟... هعمل إيه مع تيم وأنس؟ وهقول إيه لأهلي؟
وضعت يديها على وجهها للحظات، ثم أخذت نفسا عميقا ومسحت دموعها لازم أفضل هنا شوية، لازم أفكر في حل.
نهضت من مكانها وبدأت تتحرك في الغرفة ذهابا وإيابا وهي تقول: مستحيل طه يعرف الأولاد أي حاجة عن اللي حصل، ودي نقطة في صالحي، ولازم أستغلها صح.
توقفت أمام المرآة ونظرت إلى انعكاسها، وقد بدأ الشر يعود إلى عينيها، وبعدها، هقرر أعمل إيه.
ساد الصمت للحظات.
ثم قبضت يديها وقالت بنبرة حاسمة: بس إنت يا سليم، أنا هوريك.
تحركت خطوة إلى الأمام، وعيناها تلمعان بشر: مش هسيبك، و هدفعك ثمن اللي عملته فيا.
ثم أضافت بصوت منخفض: استنى عليا يا سليم لسه الحساب مابدأش.
ثم ارتسمت على شفتي ابتسامة غامضة، وارتفعت عيناها بنظرة أفعى خسرت كل شيء، ولم يعد لديها ماتخسره، ولم يتبقى لها سوى أن تبث سمّها في كل من تسبب في سقوطها
في الفيلا التي يمكث فيها مصطفى،6م
كانت آلاء وعائشة وإيهاب يجلسون في الحديقة، يتبادلون الحديث حول الخطة.
عائشة وهي تنظر إلى إيهاب: إيه رأيك يا إيهاب؟ عندك فكرة؟
هز رأسه قائلا: مش عارف بصراحة، مافيش فكرة في دماغي ممكن نعملها.
عائشة بحماس: إحنا عايزينه ينطق، وهو اللي يروح يقولها: "أنا بحبك".
إيهاب باستغراب قال بمنطق: طب ليه كل التمثيل ده؟ عادي جدا ممكن عائشة تروح تقول لمصطفى إنها سمعتك بتتكلمي في التليفون مع واحدة صاحبتك، وإنك مستنية هو اللي يبدأ ويصرح بمشاعره..
ثم تابع بعقلانية: أصل موضوع إنه يغير مني ده فاشل! هو لازم يغير من شخص تاني، مش مني!
صمت لوهلة ثم سألها: هو إنتِ مش بتشتغلي معاه؟
هزت الاء رأسها بإيجاب: آه، بس الفترة دي عندي امتحانات ومش بروح كتير.
فكر قليلا، ثم قال: بصي إحنا نكلم ماسة، نخليها تكلم سليم يشغلك في المستشفى اللي مصطفى بيشتغل فيها، لإنها بتاعة سليم، وبكده هتشوفي مصطفى باستمرار، وساعتها ممكن تحصل المواقف اللي إنتِ عايزاها ويغير وتغييري يبقى الموضوع طبيعي مش فيك...
ثم أضاف بعقلانية: لكن صدقيني، حتى لو هزرتي معايا قدامه وتعاملتي معايا بطريقة ممكن تضايقه، مش هتجيب نتيجة لوحدها، الغيرة مش هي بس اللي بتخلي الراجل ينطق! هو لازم يحس منك إنك عايزاه، وإنك لسه بتبادليه نفس المشاعر..
أضاف بإبتسامة: أرجعي اتعاملي معاه زي ماكنتي بتتعاملي زمان، تسأليه عن أخباره، تهتمي بيه، ولما يكلمك ماتتهربيش منه، ولا تكشري في وشه، هو ده اللي هيخلي مصطفى يبقى عنده القوة إنه يقولك اللي جواه، وأنا راجل وعارف بقولك إيه.
هزت عائشة رأسها موافقة: إيهاب بيتكلم صح، ترجعي الشغل تاني، وتخليه يغير من طرف بعيد عننا وترجعي تتعاملي معاه بلطافة.
نظرت آلاء إليهما لحظات، ثم قالت بهدوء: ماشي، هعمل كده، حقيقي شكرا جدا.
إيهاب بإبتسامة: بتشكرينا على إيه؟ أهم حاجة ربنا يهديكي وتبطلي الحساسية الزايدة دي.
وفجأة، وبينما كانوا ما زالوا جالسين، ظهر عشري من بعيد، وبرفقته محمود.
تغيرت ملامح آلاء فور أن رأته، واتسعت عيناها من المفاجأة، حتى إيهاب وعائشة وقفا من مكانهما.
اقترب عشري منهم وقال: مساء الخير، هو دكتور مصطفى لسة ماجاش ولا إيه؟
رد إيهاب: لا، هو تقريبا على وصول، أنا كلمته وقالي إنه في الطريق.
أومأ عشري بصمت، بينما ظلت آلاء تنظر إلى محمود دون أن تنطق، وقلبها مثقل بالعتاب.
فرؤيته محمود أمامها أعادت إليها كل ماحدث بينهما، وكل اللحظات التي شعرت فيها أنه خذلها، وأنه كان السبب في كل ماوصلت إليه، وفي الألم الذي حملته بداخلها طوال الفترة الماضية.
كانت تحاول أن تبدو قوية، لكن رؤيته أعادت إليها ذكريات ظنت أنها دفنتها منذ وقت طويل، ورغم إنها قد طلبت من مصطفى أكثر من مرة أن يتحدث مع سليم، وأن يسمح لمحمود بالعودة إليهم.
لكن الآن، بعدما أصبح واقفا أمامها، كان الأمر مختلفا تماما.
اقترب محمود منها خطوة، وقال بصوت يحمل الندم:
أنا عارف إنك زعلانة مني، وطحقك عليا أنا آسف، والله كان غصب عني، كنت عايز أطمن عليكي، وإنتي أكيد فاهمة.
نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالعتاب: أنا اترجيتك وقولتلك ماحصلش حاجة، كان لازم تصدقني وحتى لو ده جوزي، ازاي تعمل فيا كده.
أخفض رأسه للحظة، ثم قال: وأنا راجع وبقولك حقك عليا، أنا آسف، صدقيني، أنا اتغيرت، الفترة اللي قعدتها دي غيرتني كتير.
ثم تابع بصدق: سليم بيه، جابلي ناس يتكلموا معايا، شكلهم دكاترة نفسيين، وخلوني أعرف قيمة نفسي وقيمتك إنتي وأمي، وكمان شغلني في مصنع من مصانعه، وفتح ليا ورشة صغيرة زي ما كان نفسي، وقال ليا لو أثبت نفسي هيكبرهالي.
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: بقيت بكسب قرش حلو وحتى بطلت المخدرات، بس لسه بتعالج صدقيني يا الاء أنا ندمان.
تدخل عشري قائلا بتأكيد: كل الكلام إللي بيقوله محمود حقيقي، يمكن الفترة كانت قصيرة، بس حصل فيها تغيير كبير، وإحنا لسه شغالين معاه، وهو جاي النهارده عشان يشوفكم، وبعدها هيرجع معايا تاني.
أضاف موضحا: والدتك طلبت من سليم كذا مرة إنها نفسها تشوفه وتطمن عليه، فسليم إداله يومين إجازة.
نظر محمود إلى آلاء بعينين دامعتين وقال: سامحيني يا آلاء وأوعدك إن أنا هكون الأخ اللي إنتي نفسك فيه محمود بتاع زمان.
لم تستطع آلاء التماسك أكثر، فانهمرت دموعها، واتجهت نحوه واحتضنته بقوة.
وقفت عائشة وإيهاب ينظران إليهما في صمت، وقد ظهرت على ملامحهما لمسة من الحزن والتأثر.
وبعد لحظات، ابتعد محمود عن آلاء، ثم التفت إلى عائشة وقال: وأنا آسف ليكي يا أبلة عائشة حقك عليا
ابتسمت عائشة: يا سيدي أنا مش زعلانة المهم إن أنت فعلا تكون اتغيرت.
محمود بصدق: والله اتغيرت يا أبلة وهتشوفي
وفي تلك اللحظة أمسكت الآء يديه وهي تقول بحماس: تعالى بقى نقابل أمك، علشان أمك هتموت وتطمن عليك!
تحرك محمود معها معاها إلى الداخل، بينما ظل إيهاب وعائشة وعشري ينظرون إلى أثره.
ألتفت إيهاب إلى عشري وقال: هو إنت كنت مكلم مصطفى وعارف إنه راجع؟
أومأ عشري: أيوه، كلمته وأنا في الطريق، وقالي خلاص أهو نازل من المستشفى، شكله حب يعملها مفاجأة للمدام، عموما أنا همشي، وهو هيكون معاكم النهاردة وبكرة.
ثم أضاف: والحراس موجودين، إحنا مركبين له جهاز تتبع، وهو مايعرفش عنه أي حاجة.
إيهاب بجدية: أهم حاجة فعلا يكون اتغير! ولا إنت شايف إيه؟
تنهد عشري وقال: إحنا مانقدرش نحكم من دلوقتي، بس فيه مؤشرات بتقول إنه فعلا ندمان، وواضح إن الشلة اللي كان متلمم عليها، واللي علمته الشرب، هي إللي بوظته.
تدخلت عائشة بتأييد: آلاء كانت دايما بتقول كده، كانت بتقول إنه كان شخص كويس، وإنه اتغير لما اتلم على العيال دول.
ثم سأل إيهاب: سليم وماسة عاملين إيه؟
ابتسم عشري: الحمد لله، كويسين كلهم وبخير، بعد إذنكم.
تحرك عشري نحو الخارج، بينما تبادل إيهاب وعائشة نظرة قصيرة.
التفتت عائشة إليه وتساءلت بتعجب: إنت لسه بتفكر في ماسة؟
هز رأسه سريعا: لا، خلاص بقى، موضوع وإنتهى.
ربتت عائشة على ظهره وقالت بابتسامة: أهو ده الصح.
♥️____________بقلمي_ليلةعادل
قصر الراوي9م
غرفة طه،
كان طه يجلس في غرفته، والحزن يكسو ملامحه بعد معرفته تلك الحقيقة المرة التي ذبحت قلبه وجعلته يشعر بلانهيار..
بعد قليل دخلت فايزة، ورمقته من أعلى إلى أسفل بتعجب، ثم قالت: في إيه يا طه؟ مالك؟
وإيه اللي سمعته ده؟ منى خرجت من هنا مضروبة!
رفع عينيه إليها، وقال بنبرة مكتومة: مش عايز أتكلم.
نظرت إليه بتعجب: يعني إيه؟
صاح بها بغضب:يعني مش عايز أتكلم! سيبوني في حالي!
تحركت وجلست أمامه، تحاول تهدئته: ممكن تهدى وتفهمني؟
توقف طه وتحرك مبتعدا قال بضجر: قولتلك مش عايز أتكلم...
ثم التفت إليها، وقال بصوت مبحوح: بس أنا طلقتها، ومش عايز الأولاد يعرفوا ولا يحسوا بأي حاجة لحد ما أعرف هعمل إيه؟
توقفت فايزة بدهشة: طلقتها؟
أومأ على مضض بحزن:
أيوه. ومن فضلك متتكلميش في الموضوع ده... أنا مخنوق.
زمت فايزة شفتيها بأسف، وقالت بهدوء: تمام يا طه، مش هتكلم، ومش هنحسس الأولاد بحاجة... بس منى مش اللي تزعل عليها، أنا هسيبك دلوقتي بس لازم نتكلم وتفهمني إيه اللي حصل.
هز طه رأسه بألم، وعيناه تلمعان بالدموع، دون أن يجيب.
تحركت فايزة نحو الخارج، بينما ظل طه واقفا مكانه للحظات، يشعر بالحزن والوجع يمزقان قلبه.
ثم جلس مرة أخرى، وأخفى وجهه بين يديه، وانهمرت دموعه في صمت.
الساحل الشمالي2م
كان الشاطئ خاصا بالعائلة، تحيط به مجموعة من الحراس، ولم يكن هناك أي شخص غريب في المكان
كانت ماسة وسلوى ترتديان ملابس شاطئية محتشمة ومناسبة، بينما كانت حور في الماء مايو زهري، وتجلس فوق عوامتها على شكل بطة، تضحك وهي تحرك الماء بيديها.
كان سليم بجوارها في الماء، يراقبها بابتسامة: مبسوطة يا حبيبتي؟
ضحكت حور: أوي يا بابا! البحر حلو أوي!
وفجأة اقتربت منه وقبلته على خده: أنا بحبك اوي يا بابا.
ابتسم بحنان: وأنا كمان بحبك أوي أوي.
وفجأة حملها من فوق العوامة وألقاها في الماء
برفق، فانطلقت ضحكتها: يا بابا!
صرخت ماسة بخوف من الخارج: سليم! خلي بالك منها!
لكن حور خرجت من الماء وهي تضحك: تاني يا بابا! تاني!
وضعت ماسة يدها على قلبها: تاني إيه؟ يا سليم بلاش لتغرق!
ضحك سليم: ما إنتِ كنتِ بتحبي أوي أشيلك وأعمل فيكي كده.
ابتسمت ماسة وهي تهز رأسها: بس أنا كنت خمستاشر سنة!
ضحكت حور: ماتخافيش يا ماما، تعالي ألعبي معانا! يلا.
نظرت ماسة إليهما للحظات، ثم ابتسمت: حاضر.
تحركت ماسة ودخلت معهما الماء، وسرعان ما بدأ الثلاثة يرشون الماء على بعضهم ويلعبون ويضحكون.
قضى سليم وماسة مع حور وقتا ممتعا في الماء، كانا يساعدانها على الطفو على ظهرها وتجربة الغطس، بينما كانت ضحكاتها تملأ المكان.
وبعد فترة، خرج الثلاثة وجلسوا على الرمال ركضت حور نحو ماسة وقالت بحماس: ماما! تعالي إنتي وبابا نعمل قصر على الرمل!
ضحكت ماسة: يلا يا روحي.
جلس سليم وماسة بجوار حور، وبدأ الثلاثة في بناء قصر صغير من الرمال.
على جانب آخر من الشاطئ.
كان مكي يسير بجوار سلوى على الرمال، ممسكا بيدها، بينما كانت الأمواج تلامس أقدامهما من وقت لآخر.
سلوى بابتسامة: حلوة أوي الرحلة دي، حاسة إننا أخيرا بعيد عن كل المشاكل.
نظر إليها بنظرات عاشقة: عندك حق انا والله نفسي حياتنا كلها افضل كده، بحر هوا هدوء والبنت اللي أنا بحبها جنبي مافيش أجمل من كده راحة.
تبسمت برقة ثم زمت شفتيها وقالت: بس عندي حاجة مضايقاني.
نظر إليها بإهتمام: إيه؟
ردت بتوضيح وهي تقبض وجهها: حاسة إنك حتى وإنت واخد إجازة وقايل لسليم إنك أوف، برضو مشغول بالحراسة، وكأن دماغك مش عارفة تفصل عن الشغل.
أومأ بتأييد: عندك حق، بس أعمل إيه؟ حمايتكم مسؤولية كبيرة عندي، وبعيد عن الشغل، صدقيني أنا مش بعمل كده عشان دي وظيفتي بس، أنا فعلا بهتم بيكم.
نظرت إليه متسائلة: يعني حتى وإحنا هنا، مش قادر تبطل تفكير؟ رغم وجود عشري واللي اسمه عرفان كل الحراسة دي؟!
هز مكي رأسه بصدق: حمايتك إنتي وسليم وماسة وحور والعيلة أهم عندي من راحتي.
ابتسمت وهي تضغط على يده: طيب حاول تفصل شوية، إحنا في إجازة دول هما يومين وبعدين هتسافر تمثل دور الجوكر في لندن.
ضحك مكي: حاضر
سلوى بحماس: أول ماننزل لازم نبدأ نظبط موضوع البيت اللي هنسكن فيه، ونشوف كل حاجة ونرتبها.
ابتسم: من عيوني، نبدأ فيه من أول يوم.
فجأة سحب مكي يد سلوى باتجاه البحر، فضحكت وهي تحاول مقاومته: مكي! إنت بتعمل إيه؟
ضحك وهو يقذف عليها الماء: بفصل دماغي زي ماطلبتي!
بدأت تضحك وترش عليه الماء هي الأخرى: طب خد بقى!
واستمر الأثنان في اللعب والمزاح، يتبادلان رشات الماء والضحكات، حتى نسيا تماما حديثهما عن الحراسة والعمل.
وقضيا معا وقتا جميلا، وكأنهما تركا كل مايشغل بالهما على الشاطئ، واختارا فقط أن يستمتعا باللحظة.
ومرت الأيام التالية.
وسط أجواء مختلفة تماما عن كل ما عاشته العائلة خلال الفترة الماضية.
ففي الصباح، كانت العائلة تقضي وقتها على الشاطئ الخاص بهم، يسبحون ويلعبون في البحر، بينما كانت حور أكثرهم سعادة، فهي ترى البحر لأول مرة، ولم تتوقف عن الضحك واللعب مع سليم وماسة.
وتنقلوا بين الأنشطة المختلفة؛ لعبوا الكرة، وبنوا البيوت والقصور على الرمال، وتناولوا الآيس كريم، كما استمتعوا بالألعاب المائية وركبوا الـ«بانانا بوت» والـ«بيتش باجي» واللانش، مستغلين كل لحظة من الرحلة.
بينما عادت الأجواء الهادئة بين سلوى ومكي، فعادت ابتسامة سلوى من جديد وهما يقضيان وقتهما معًا في الحديث والضحك.
ومع حلول الليل، كانوا يخرجون للتنزه، ويتناولون الطعام في المطاعم، ثم يذهبون إلى الملاهي، حيث تستمر ضحكات حور ومرحها حتى نهاية اليوم.
كانوا يقضون وقتا جميلا، وكأنهم نجحوا، ولو ليومين فقط، في نسيان كل المشاكل والمصائب من حولهم، واختطفوا لحظات من السعادة قبل أن تعود الحياة بأسرارها ومواجهاتها.
على جانب آخر خلال اليومين
قضى محمود مع عائلتة يومين، وبدا واضحا أنه تغير، وإن لم يكن التغيير كبيرا، إلا أن بعض التفاصيل الصغيرة كانت تؤكد ذلك، وبعدها عاد إلى البيت الصغير التابع للمصنع الذي يقيم فيه، حيث كان يذهب إلى المصنع صباحا، وفي المساء يتوجه إلى ورشته.
وفي الوقت نفسه، كانت آلاء تنتظر انتهاء مصطفى من عمله، فقد ظل منشغلا طوال اليومين ولم تتمكن من رؤيته، لذلك واصلت الانتظار حتى يعود، لتبدأ تنفيذ الخطة التي اتفقت عليها مع عائشة وإيهاب
بينما عزت كان لا يزال يحاول الوصول إلى إجابة تكشف له هوية الشخص الذي يقف خلف كل ما يحدث داخل المجموعة، لكنه لم يصل إلى أي شيء حتى الآن كما حاول عقد بعض الصفقات التي قد تساعده في إصلاح ما فسد، فسليم، فكان قد أغلق كل الأوراق بإحكام، وأصبح هو المتحكم في اللعبة هذه المرة.
وفي الوقت نفسه، ظل رشدي داخل المستشفى يتلقى علاجه، استعدادا لنقله إلى المصحة خلال الفترة القادمة.
أما منى... فلم تفعل شيئا حتى الآن. لكن هدوءها لم يكن مطمئنا، فقد كانت تقضي وقتها في التفكير والتخطيط، وكأنها تنتظر اللحظة المناسبة فقط.
وطه، على الجانب الآخر، لم يكن أفضل حالا
كانت حالته النفسية تزداد سوءا يوما بعد يوم، وأصبح الحزن واضحا على ملامحه، حتى بدأ من حوله يلاحظون التغير الكبير الذي طرأ عليه.
وبينما كانت الأيام تمر، كان كل شخص يقترب أكثر من اللحظة التي ستتغير فيها الأمور من جديد
فقد عاد ماسة وسليم للقاهرة حتى جاء موعد السفر.
♥️____________بقلمي_ليلةعادل
فيلا ماسة وسليم12ظ
غرفة النوم
كانت حقيبة سفر كبيرة موضوعة بجوار الباب، بينما وقفت ماسة بجوارها، وإلى جوارها حور كان يبدو على ملامحها الحزن.
كان سليم يرتدي ساعته ويهندم ملابسه، قبل أن يقترب منهما.
قال وهو ينظر إلى ماسة: خلاص بقى يا عشقي، أنا همشي دلوقتي علشان متأخرش على الطيارة..
انتبه لملامحها الحزينة، فاقترب منها حتى توقف أمامها مباشرة، ورفع يديه إلى وجهها بحنان: مالك؟
نظرت إليه بقلق: قلقانة
أومأ بهدوء: ماتقلقيش.
وضعت يدها على خده قالت برجاء بعينين تترقرق بدموع: علشان خاطري، خد بالك من نفسك، ماتعملش غير إللي إحنا اتفقنا عليه، ولو هتعمل أي حاجة تانية قولي، وخلي دايما سلاحك معاك، وماتستخدموش غير لما تحس إن مافيش حل تاني، وخلي مكي والحراس معاك طول الوقت.
ابتسم يطمينها: ما تخافيش يا ماسة، أنا مش رايح أعمل حاجة متهورة، أنا رايح آخد حقي بذكاء.
قالت بتنبيه: بس دايما خليك فاكر، إللي بيفتكر نفسه ذكي، بيبقى في أذكى منه.
ضحك سليم بمرارة: لا، ما أنا خلاص اتعلمت ماتقلقيش.
ثم ابتسم حاول أن يخفف عليها: بعدين هو مش هتقعدي تصلي وتدعيلي ولا إيه؟
أومأت ماسة: أكيد طبعا، هدعيلك.
ضمها سليم إلى صدره وقال: يبقي خلاص، أنا هرجعلك، وهجيب حقنا وهانعيش الحياة اللي إحنا نستحقها، الحياة اللي كان المفروض نعيشها من سنين.
ساد الصمت للحظات، ثم طبع قبلة طويلة على جبينها وخدها.
بعدها ألتفت إلى حور التى كانت عيناها تملئها الدموع، جلس أمامها جلسة القرفصاء سألها: إنتي كمان بتعيطي ليه؟
حور بصوت حزين: أنا لسه مالحقتش أعيش معاك شوية، وإنت هاتسافر تاني وتبعد يوم ويوم ويوم كتير.
ابتسم سليم وربت على شعرها مفسرا: لا، أنا هرجع على طول، هما يومين بس مافيش أيام كتير، مش زي المرة إللي فاتت، وبعدين ماما معاكي، وتيتة وجدو وكلهم هيبقوا معاكي.
هزت رأسها بحزن: أنا مش عايزاك تسافر، أنا عايزاك تفضل معايا يا بابا.
وفجأة ارتمت في حضنه وقالت: وأنا هسمع الكلام ومش هعمل شقاوة!
تأثر لكنه حاول الثبات، مسح على شعرها وظهرها بحنان، ثم أبعدها عنه قليلا: أنا رايح علشان عندي شغل، وأجيبلك حاجات حلوة وأنا راجع.
هزت رأسها: مش عايزة حاجات حلوة عايزاك إنت.
ابتسم بحنان: مش هتأخر عليكي وعد.
ثم أمسك يديها وقبل جبينها قبلة طويلة، وقال: خدي بالك من ماما ومن أخوكي، ومش عايزها تعمل شقاوة ولا تتحرك كتير فاهمة؟ ولو ماما ماسمعتش الكلام، أتصلي بيا وقوليلي.
ضحكت ماسة: ماشي إنت بتوصي حور عليا؟
ردت حور بسرعة: من غير مايقولي، أنا هعمل كده! أسمعي الكلام يا ماما علشان النونو يكون كويس.
ضحكت ماسة من بين دموعها: حاضر يا ستي.
أمسك سليم حقيبته وجرها خلفه، ثم التفت إليهما قبل أن يخرج: خدوا بالكم من نفسكم.
ماسة وهي تلوح له: لا إله إلا الله.
ابتسم ورد: محمد رسول الله.
خرج وهو يجر حقيبته، وظلت ماسة واقفة مكانها تتابعه بعينيها حتى ابتعد.
ثم رفعت يديها في صمت، وقلبها يرتجف بالدعاء: يا رب... رجعهولي بالسلامة.
في المصحة1ظ
في إحدى غرف عزل مرضى الإدمان، كان هذا أول يوم لرشدي في المصحة. كانت الغرفة بسيطة ومجهزة بعناية، بأثاث آمن لا يمكن أن يؤذي المريض، بينما كان رشدي مستلقيا على الفراش، غارقا في نوم عميق تحت تأثير المهدئ.
بعد قليل استيقظ ببطء، وفتح عينيه وهو ينظر حوله بتشتت، قبل أن يعتدل في جلسته محاولا فهم أين هو؟! وبعد لحظات، انفتح باب الغرفة، ودخل الطبيب الذي شاهدوا من الكاميرا الموضوعه في الاعلى.
اعتدل رشدي في جلسته وسأله بقلق: أنا فين؟
أجابه بهدوء: حضرتك في المصحة.
اتسعت عينا: مصحة إيه؟
رد بتوضيح: المصحة إللي هتبدأ فيها علاجك من الإدمان.
نهض بعصبية: علاج إيه؟! أنا عايز أخرج من هنا.
حاول الطبيب تهدئته: يا فندم، وجودك هنا لمصلحتك، وإحنا هدفنا نساعدك.
صرخ رشدي: أنا مش محتاج مساعدة! أفتحوا الباب وخلوني أخرج!
تراجع الطبيب خطوة، بينما بدأ صوت رشدي يعلو أكثر: إنتوا جبتوني هنا غصب عني؟! أنا مش هقعد في المكان ده!
رد بعقلانية: إنت كنت عايز تتعالج يا رشدي؟
صرخ رشد: أتعالج بمزاجي وفي الوقت اللي أنا عايزه! أفتح الباب ده!
اندفع نحو الباب وفتحه، لكنه فوجئ بأثنين من الممرضين أمامه، فأمسكاه من ذراعيه بقوة وثبّتا يديه خلف ظهره، بينما ظل يقاومهما بعصبية ويحاول الإفلات منهما.
اقترب الطبيب منه وقال بهدوء: أهدى يا رشدي، إحنا مش عايزين نأذيك.
لكن رشدي استمر في الصراخ فاضطر الطبيب لإعطائه مهدئا.
نظر إليه رشدي بغضب: إنت اديتني إيه؟
إجابة: مهدئ عشان تهدى ونقدر نتكلم لما تصحى، هنتكلم براحتنا.
ظل رشدي يردد: عايز أخرج من هنا أنا مش عايز أتعالج... خرجوني...
وبعد دقائق بدأ يفقد قدرته على المقاومة، حتى فقد توازنه حملوه ووضعوه على الفراش
خرج الطبيب من الغرفة، والتفت إلى زميله: لازم نكلم أهله، واضح إنه مش متقبل العلاج، ومش هينفع نبدأ معاه بشكل حقيقي غير لما يبقى مستعد يتعاون.
رد الطبيب الآخر: أنا هتواصل مع عائلته.
♥️___________________بقلمي_ليلة عادل
إنجلترا 2م
نادي (Wentworth)وينتوورث العريق
كان المظهر العام للنادي يصرخ بالعراقة والثراء الفاحش، في الخارج، المساحات الخضراء تمتد بلا نهاية، بعض الرجال يلعبون الجولف بملابسهم البيضاء الأنيقة، وآخرون يركضون في مسارات محددة، وكل شيء يبدو راقيا.
داخل إحدى القاعات الكبيرة المخصصة للبلياردو.
كانت الإضاءة خافتة، المصابيح المتدلية فوق كل طاولة، الموسيقى الهادئة تملأ المكان، ورائحة الخشب العتيق مختلطة بالخمور الغالية.
طاولات البلياردو مصفوفة بانتظام، وعلى كل طاولة رجلان يلعبان، وبجانب كل طاولة خادم يرتدي قفازات بيضاء، يلمع الكرات وينظم العصي في صمت واحترام، رجال يجلسون في الأركان، يحتسون الخمور، ويتحدثون همسا، كل شيء هنا يفوح فخامة وثراء مخيفا.
وبعد لحظات، انفتح الباب.
دخل سليم بهيبته المعتادة، وخلفه مكي وأثنان من الحراس، كان يرتدي الأسود كعادته، فبدا كظل قاتم وسط كل هذا البياض والضوء الخافت، ساد الصمت للحظات، وتعلقت به الأنظار.
تقدم سليم بخطوات ثابتة نحو إحدى الطاولات في المنتصف، حيث كان يقف رجل في منتصف الستينات، بملامح إنجليزية جامدة، ومعه رجل آخر في نفس العمر يلعبان.
ما إن رآه الرجل، حتى ترك عصا البلياردو جانبا، نظر له سليم وابتسم ابتسامة رسميه
قال الرجل في ترحاب: سليم؟
ابتسم سليم واقترب منه في صمت، بينما خلع الرجل قفازه الأبيض وصافح سليم باحترام شديد
سليم بوقار: بخير، كيف حالك كريس؟ منذ متى لم أرك!
تبسم كرس وهو ينظر له: سنوات، أكثر من سبع سنوات، منذ مقتلك التابيلو وانسحابك.
نظر له سليم بجدية: أريد التحدث إليك على انفراد.
أومأ كريس برأسه، ثم رفع إصبعه بإشارة صغيرة لأعلى.
في لحظة، ترك كل من كان في القاعة عصي البلياردو من أيديهم، وبدأوا يخرجون واحدا تلو الآخر في صمت مطلق، كأنهم جنود يتلقون أمرا عسكريا.
تحرك كريس مع سليم نحو الجانب الآخر، نحو طاولة صغيرة مستديرة، تقدم أحد الخدم مسرعا، سحب لهما مقعدين، ووضع أمامهما كأسين من الخمر الغالي.
أشار النادل إلى سليم، لكن كريس تدخل بسرعة: سليم لا يتناول الكحول.
ثم تابع بابتسامة وهو لا يزال ينظر إلى سليم: أحضر له كأسا من الليمون.
قاطعه سليم بصوته الهادئ: أريد فنجانا من القهوة، لا أريد ليمون.
هز كريس رأسه للنادل: نفذ ما يطلبه.
أومأ النادل ثم تحر مبتعدا.
ساد الصمت لوهلة، وكريس يتفحص سليم من الأعلى إلى الأسفل، ثم قال: عندما أخبروني أنك تريد التحدث معي، دهشت! سنوات مرت وإنت مبتعد عن كل شيء، أعلم أنك ما زلت تتواصل مع ماركو، بسبب الصداقة التي بينكما.. لكنك أبتعد عن أعمالنا..
صمت لوهلة ثم سأله وكأنه يعرف الإجابة: أنت أتيت لشيء، أليس كذلك؟
تبسم وأجاب دون مراوغة: نعم، أتيت لشيء، شيء ثمين، وسأعطيك مقابله شيئا أثمن أيضا.
شعر كريس أن سليم لا يريد شيئا ماديا، بل يريد معلومة باهظة الثمن، فسأله: ماذا تريد؟
رد بنبرة ذات معنى مراوغه: أعلم أنك لا تحب إريك، وتريد إزاحته من على الطاولة والجلوس مكانه.
أومأ كريس برأسه بتأكيد: هذا صحيح.
هم سليم أن يتحدث، لكن النادل وصل، وضع القهوة على الطاولة، انتظره سليم حتى انتهى وابتعد.
ثم تنهد وارتشف القليل من الماء، وعاد بظهره إلى الوراء وهو يشير إلى رأسه باستغراب: لكن قبل أن أجيب، لدي سؤال أولا! أنا على يقين أنك تمسك عليه الكثير، لماذا لا تذهب به إلى باولو وتسقطه؟
تبسم كريس مفسرا: لأنني لا أريد أن تأتي الضربة منّي.
سأله باستغراب وهو يضيق عينيه: لماذا؟
أخذ كريس قطعة من الحلوى التي أمامه بالشوكة، وتناولها، ثم أجابة ببساطة ممزوجة بالطمع: هناك مصالح مشتركة بيننا، إنت تعلم القوانين، لم يحن وقته بعد بالنسبة إليّ.
سليم بعينين تحملان حدة حاسمة: لكني أريد شيئا ثمينا يجعله بين يدي.
مال كريس برأسه قليلا متسائلا بخبث: أتريد أن أوقع به؟
أومأ مؤكدا، فرد عليه كريس متسائل بخبث:
وما المقابل؟ ماذا ستعطيني سليم؟
ثم بدأ يشرح له قيمة إريك، رغم كراهيته له: إريك يعطيني كل عام أكثر من مئة مليون دولار، فماذا ستعطيني حتى أخسر تلك الملايين؟!
تبسم سليم ابتسامة جانبية ماكرة، وقال بهدوء قاتل:
سأعطيك مليارا وربما أكثر، فقط من أجل معلومة تجعل رأس إريك بين يديك.
اتسعت عينا كريس بدهشة: مليار؟!
أخرج سليم هاتفه بهدوء، وبدأ يمرر الصور أمام كريس، وهو يراقبه بابتسامة ماكرة، وكأنه يتعمّد إغراءه بما يراه.
تجمدت أنفاس كريس، وألتصق بصره بالشاشة، بينما أخذ سليم يراقب نظراته باستمتاع.
كانت الصور لمقبرة كاملة، جدرانها مغطاة بالذهب، وتماثيل باهظة الثمن مرصوصة بلا عدد.
لم يستطع كريس المقاومة، فمد يده وانتزع الهاتف من سليم، وبدأ يتصفح الصور بنفسه، وقد ارتسم الجشع في عينيه.
رأى سليم ذلك، وشعر أن اللعبة أصبحت بين يديه الأن.
بينما كانت عينا كريس لا تزالان معلقتين بالصور، وهو يقلبها واحدة تلو الأخرى تساءل بنبرة متلهفة: أهذه هي المقبرة التي يسعى عزت الراوي إلى بيعها الآن؟
أومأ سليم بابتسامة خبيثة: نعم.
رفع كريس عينه مندهشا: أتخون والدك؟
وكأن سليم لم يستمع لسؤاله، تسأل حاسما:حسنا هل إنت معي؟
تبسم كريس بجشع وهو ينظر إلى الصور: معك يا سليم.
ثم رفع عينه إلى سليم وهو يقول بنبرة شيطانية: وسأعطيك شيئا سيجعل رقبته بين يديك.
أشار بإصبعه إلى كبير حراسه فاقترب منه، مال برأسه قليلا نحو كريس، فقال له كريس شيئا في أذنه، فخرج الحارس بهاتفه سريعا، وأعطاه لكريس.
بدأ كريس يبحث في هاتفه، ثم مد الهاتف لسليم:
أنظر بنفسك.
أمسك سليم الهاتف وضغط على زر التشغيل، ظهر مقطع يُظهر إريك مع إحدى النساء في موقف فاضح. عقد سليم حاجبيه في البداية بعدم فهم، ثم اتسعت عيناه ببطء حين دقق في وجه المرأة.
قال كريس بصوت خافت كالفحيح: نعم هذه زوجة باولو... مينا.
ساد صمت ثقيل لثوانٍ، ثم ارتسمت على وجه سليم ابتسامة واسعة باردة، لم يستطع كبحها، شعر وكأن القدر نفسه يضع رقبة إريك بين يديه.
نظر إلى كريس متسائلا بدهشة: كيف استطعت أن تحتفظ بمقطع بهذا الثمن ولم ترسله لباولو؟
تبسم ابتسامة جانبية مفسرا بطمع: قلت لك، إنه يعطيني في السنة أكثر من مائة مليون دولار، كنت أريد التخلص منه، لكني قلت، سأنتظر قليلا، لكن بعد تلك الصور لا يهم أن نستقطع من تلك السنوات التي كنت سأنتظرها القليل.
رفع سليم عينيه المشتعلتين، وقال له بحسم لا يقبل النقاش: أريد هذا المقطع، وسأعطيك المعلومات الكاملة عن تلك المقبرة..
ثم اضاف بتنبيه: لكنني لن أتدخل في الأمر، سأعطيك العنوان فقط، وليس لي علاقة بأي شيء آخر، إذا نجحت في الحصول عليها فهي لك، وإن لم تنجح فلا شأن لي.
تبسم كريس ابتسامة واسعة: اتفقنا.
ابتسم سليم بانتصار، ورفع فنجان قهوته، وارتشف منه رشفة هادئة، بينما رفع كريس كأس خمره، لم يكن هذا نخبا عاديا، بل كان عهدا صامتا وكأنه جرس إعلان الحرب.
مصر
في أحد الملاهي داخل أحد المولات،4م.
كانت أصوات الأطفال تملأ المكان بالضحكات، مع حركة دخول وخروج الزوار.
دخلت ماسة وهي تمسك بيد حور، وبرفقتها سلوى وعشري وعرفان، بينما انتشرت مجموعة من الحراس حولهم، بعدما سبقهم بعضهم إلى المكان لتأمينه.
تقدم أحد الحراس منهم فور وصولهم وقال باحترام:
كل حاجة جاهزة يا فندم.
نظرت حور حولها بفضول، ثم سألت ماسة: هو في إيه؟
ابتسمت ماسة وهي تنحني قليلا نحوها: مش أنا قلت لك إن في حرامي، وبابا خايف علينا وأنا كمان خايفة؟ فعمو عشري وأصحابه هنا علشان يحمينا منه.
رفعت حور قبضتها الصغيرة بحماس وقالت: لما أشوف الحرامي هدي له بوكس في مناخيره!
ضحكت سلوى وقالت بسرعة: لا، لو شفتي الحرامي مالكيش دعوة بيه، نادي على ماما أو عمو عشري.
ثم التفتت حور إلى ماسة بحماس: تعالوا هاتولي فشار، وبعدين نلعب.
ضحكت ماسة: ماشي.
وبالفعل، أُحضرا لها الفشار، وسرعان ما انشغلت به وهي تتنقل بين الألعاب.
جلست على الأرجوحة تتناول منه وهي تضحك، ثم انضمت سلوى لها في إحدى الألعاب، وظلتا تتنقلان من لعبة إلى أخرى، وسط أجواء مليئة بالمرح.
كانت ماسة تراقب حور وتلتقط لها الصور بين الحين والآخر، ثم اجتمعوا جميعا لإلتقاط بعض الصور معًا وتناولا الآيس كريم..
وبعدها دخلوا إحدى الألعاب الجماعية، وارتدوا النظارات المخصصة لها، وانطلقت المؤثرات أمامهم، فبدأوا يضحكون كلما ظهرت أمامهم الشخصيات الافتراضية وكأنها تهاجمهم وهما يحاولون حماية أنفسهم، كانت الأجواء ممتعة، والضحكات لا تتوقف.
حتى توقفت ماسة وسلوى لإلتقاط صورة أخرى، بينما ذهبت حور إلى إحدى الألعاب المناسبة لعمرها، وظلت تلعب وحدها، وهما تلوحان لها من بعيد
ورغم المرح الذي يملأ المكان، لم يكن الحراس غافلين للحظة.
كانوا منتشرين في أرجاء المكان، يراقبون كل حركة بعناية، بينما وقف عشري وعرفان في حالة يقظة تامة، لا تفوتهما شاردة ولا واردة.
وبالقرب من حور، وقف أحد الحراس يراقبها عن كثب.
لكن في الجهة الأخرى، كان هناك رجل وامرأة برفقة طفلة صغيرة، يقفون بعيدا نسبيا، ويتابعون المكان بنظرات متقطعة، بينما يتحدث الرجل في الهاتف بين الحين والآخر.
كانت ماسة وسلوى متوقفتان عند سور اللعبة، تتحدثان، وعيناهما لا تفارقان حور.
ماسة بقلق: والله مش عارفة سليم ناوي على إيه، بس أنا مش مطمنة.
قاطعتها سلوى مستهجنة: أصلا المفروض أول واحد يخلص منه.
اومأت ماسة بتوضيح: ما هو حكالي الخطة اللي عايز يعملها، علشان كده سافر، بس رغم أنها ذكيه بس خطر، دول مافيا، هو عايزهم هما يقتلوا بعض، ومش عايز يلوث إيده بالدم.
أومأ لها وهي تمسح على ظهرها: إن شاء الله خير ربنا يحفظهم..
نظرتا امامهم بإبتسامة وهنا لوحا أبيديهن لحور..
ثم ابتسمت سلوى وهي تتذكر الأيام الماضية نظرت لها: بس تعرفي؟ اليومين إللي إحنا قضيناهم في الساحل دول فرقوا معانا جامد بجد، أنا كانت نفسيتي في النازل.
ابتسمت ماسة وأومأت وهي تنظر لها: آه والله يا بنتي، الواحد اتخنق، كمان حور انبسطت أوي بالبحر.
وفي أثناء حديثهما، اقتربت من حور طفلة صغيرة في مثل عمرها، التي كانت برفقة الرجل والمرأة يقفان بعيدا، وبدأت تتحدث معها وتضحك لها ظلت ماسة تراقبهما للحظات، ثم ألتفتت إلى سلوى وقالت: بقولك، بفكر أخلي سليم يجيب لكم فيلا جنبنا، ونعيش كلنا جنب بعض.
أومأت سلوى بحماس: موافقة جدا.
في نفس اللحظة التي كانت حور تسير فيها خطوتين مع الطفلة مبتعدة عن اللعبة، تعالى صراخ مفاجئ من الجهة الأخرى، رجلان يتشاجران بصوت عالٍ وكادا يضربان بعضهما، فالتفتت كل الأنظار إليهما، حتى اندفع بعض الحراس بسرعة نحو الشجار ليفرقوا بينهما.
كانت ثانية واحدة، ثانية التفتت فيها ماسة وسلوى لا إراديا نحو صوت الخناقة.
ثم عادتا تنظران إلى حور.
لم تكن هناك.
لا حور، ولا الطفلة، ولا الرجل.
اللعبة أمامها فارغة من حور.
تجمد الدم في عروق ماسة، واتسعت عيناها في صدمة، واندفعت تبحث عنها بين الأطفال بجنون، قبل أن يخرج صوتها صارخا يشق أرجاء المكان:
حــــــــور!
وفي اللحظة نفسها، التفتت سلوى إليها مذعورة، بينما اندفع الحراس في اتجاهات مختلفة، وتحولت أجواء المرح والضحك في ثوانٍ إلى فوضى وصراخ وقلق.
أما ماسة، فظلت تحدق أمامها بذهول، جسدها يرتجف وقلبها يكاد يتوقف عن النبض.
وهي تتمتم بنبرة كادت أن تزهق روحها: حور.. حور..
استووب.
تفتكروا إيه حصل مع حور هل عزت خطفها؟! توقعاتكم
رجاء وصلوا البوست ده ل 1500 لايك و2500 كومنت
مستني رافيوهتكم