رواية أسيرة كبير الاحفاد الفصل الثالث عشر 13 بقلم هاجر سلامه

رواية أسيرة كبير الاحفاد الفصل الثالث عشر 13
بقلم هاجر سلامه


انقشعت غيوم الحزن عن جناح همّام ولِيال، وبدأت ملامح الحياة تبتسم للزوجين بعد طول عناء. كانت لِيال تباشر تصميمات المصنع الجديد من داخل غرفتها برعاية واهتمام بالغ من همّام، الذي تحول من سجان شرس إلى عاشق يترقب رضاها في كل لفتة.

 ظن الجميع أن جحيم المؤامرات قد خمد تماماً بنفي العم منصور ورسمية، لكن النفوس المريضة في قصر "الحاج عبد الرحيم" كانت بمثابة الجمر الكامن تحت الرماد، ينتظر نسمة غدر ليعاود الاشتعال بنيران أشد ضراوة.

وفي صباح يوم عاصف، اهتزت أرجاء القصر على صرخة ذعر انطلقت من الطابق السفلي. دلف أحد الخفراء مسرعاً إلى المندرة حيث كان همّام يجلس برفقة جده وأبيه، وقال بصوت يرتجف:"يا حاج عبد الرحيم.. الحقنا عاد! الست فهيمة بت عمك منصور عملت حادثة واعرة بالعربية وهي عتعاود من بيت أبوها المنفي على طريق الجبل! العربية اتقلبت بيها والخلج لمتها وهي لساتها بين الحيا والموت في مستشفى البندر!"

وقع الخبر كالصاعقة على العائلة. ورغم حقد والدها، إلا أن الحاج عبد الرحيم لم يتردد في التوجه فوراً للمستشفى ومعه عامر وهمّام. 
وبعد ساعات طويلة من القلق، خرج الطبيب ليطمئنهم أن فهيمة نجت من الموت بأعجوبة، لكنها أصيبت بكسور شديدة في قدمها وجروح متفرقة في جسدها ستحرمها من الحركة لأسابيع طويلة.

بعد أيام، عادت فهيمة إلى القصر محمولة على محفة، وكان وجهها شاحباً وملامحها تفيض بمسكنة غريبة وانكسار مصطنع أتقنته بحرفية الأفاعي.

 استغلت تجمع العائلة حول فراشها، ونظرت إلى لِيال التي كانت تقف بقلبها الطيب تشعر بالشفقة تجاهها، وقالت بصوت خافت متهدج تبكي بدموع التماسيح:"سامحيني يا لِيال يا بت عمي.. سامحني يا همّام واصل. الحادثة دي خلفت فيا الرعب، وحسيت إن ربنا عيعاقبني لجل الغل والحقد اللي كان في جلبي ناحيتكم وعمايلي القديمة مع شذى. أنا جيت هنا لجل أموت في دار جدي وأنا ندمانة، ومش رايدة من الدنيا دي واصل غير إنكم تسامحوني وتعيشوا في تبات ونبات."
انطلقت كلمات فهيمة لتخدع الجميع؛ فالحاج عبد الرحيم دمعت عيناه لحال حفيدته، ولِيال بكت وتقدمت منها لتطبع قبلة على جبينها معلنة سماحها الكامل، بينما وقف همّام ينظر إليها بحذر صعيدي موروث، لكن ضعف ابنة عمه وعجزها في الفراش جعلاه يرخي دفاعاته ويصدق ندمها مؤقتاً.لكن الحقيقة خلف هذا القناع كانت تقطر سماً زُعافاً. 
فبمجرد أن يغلق باب الغرفة على فهيمة وتخلو بنفسها، كانت ملامح المسكنة تتلاشى ليحل محلها غل جحيمي يأكل أحشاءها؛ خصوصاً عندما كانت تلمح من نافذتها همّام وهو يمسك بيد لِيال في الحديقة، أو يبتسم لها بعشق لم تره في عينيه طوال حياتها. لم تكن الحادثة سوى ذريعة لتعود لعرين الأسد، وتبدأ حربها الأخيرة لتدمير هذه السعادة التي ترى أنها انتُزعت منها غصباً.

تحركت فهيمة بخبث لا يهدأ، واستغلت هاتفها المحمول المعزول لتتواصل سراً مع "شذى" في البندر. 
كانت شذى تعيش في خيبة وانكسار بعد طردها، وتتحين الفرصة لرد الصاع صاعين ل لِيال التي سرقت منها قلب همّام وجاه عائلته.تحدثت فهيمة مع شذى بنبرة واطية عتنز غل وحقد :"اسمعي زين يا شذى.. البت لِيال كلت عقل همّام صوح، والقصر كله بقى تحت رجليها، وأنا عملت ملعوبة الحادثة والندم لجل ما أرجع الدار الكبيرة ومحدش يشك فيا واصل. إحنا عاد لازم نكون شركا في النصيبة الجاية؛ لجل حركتي جليلة في الأوضة، وأنتِ اللي هتحركي الرجالة والخلج برة في البندر إحنا مش هنلعب عاد في الشرف لجل همّام بقى أعمى ومستحيل يصدق، إحنا هنلعب في حلمها وعلامها ونولع النار بينه وبينها لحد ما الدم يوصل للركب!"
ردت شذى بضحكة خبيثة تقطر سماً :"يا مري يا فهيمة! طلعتي واصل أستاذة أنا في ضهرك يا بت خالتي، ومعايا ناس في البندر ومقاولين من بتوع الجبل مستعدين يحرقوا المصنع الجديد بكل اللي فيه البت لِيال لو حلمها ومصنعها طاروا في الهواء، دماغها الناشفة هتقول إن همّام هو اللي عملها لجل يحبسها، والنار هتاكل عشقهم بجه!"

بدأت الشراكة الشيطانية تتحرك في الظلام كالأفاعي.
كانت فهيمة تمثل دور المريضة التائبة داخل القصر، وتستقبل لِيال كل يوم بابتسامة صفراء وتطلب منها مراجعة تصميمات المصنع بجانب فراشها لتتعلم منها، بينما كانت في ذات الوقت تسرق المخططات الهندسية ومواعيد تسليم المعدات وأرقام الحسابات الرسمية وترسلها لشذى عبر الهاتف.
وفي إحدى الليالي، وبينما كان همّام ولِيال يجلسان في الجناح، دلف الحارس مسرعاً ووجهه يشع بالرعب، وصاح بصوت هز أرجاء الطابق الثالث:"يا باشمهندس همّام الحقنا عاد المصنع الجديد قايدة فيه النار من كل ناحية، والعمال والمقاولين برة عيقولوا إنها بفعل فاعل، وفي مخازن الأجهزة والمعدات التركية الغالية كلها اتمسحت من على الأرض واصل!!"
انتفض همّام واقفاً كالمارد، واسودت عيناه بنيران الغضب، بينما صرخت لِيال برعب وسقطت دموعها بحرقة وهي ترى حلم سنينها وشقائها يحترق للمرة الثانية في البندر. 
جرى همّام نحو سيارته وسلاحه في يده، وانطلقت خلفه سيارات العائلة، ليشاهدوا كتلاً من اللهب تلتهم أساسات المصنع الجديد.

وفي وسط الفوضى والرماد، ظهر مقاول كبير من رجاله شذى في البندر، وتقدم نحو همّام والحاج عبد الرحيم وبيده أوراق مزورة، وقال بنبرة خبيثة أمام الجميع :"يا حاج عبد الرحيم.. النار دي مش حادثة واصل الأوراق دي تثبت إن الحسابات الرسمية للمصنع اتحول منها ملايين لبلاد برة لشركة هندسة في تركيا باسم الباشمهندسة لِيال قبل الحريقة بساعات البت شكلها حرقت المصنع لجل تاخد التعويض وتهرب بفلوسكم لبلاد الترك، والورق ده ملوش عاد مراجعة واصل!"

التفتت الجماميع ونظرت الصدمة في عين همّام الذي تجمدت الدماء في عروقه. ورغم أنه يعلم يقيناً أن لِيال بريئة وأنها تعشقه، إلا أن الأدلة المادية والمؤامرة المتقنة التي حاكتها فهيمة من فراشها مع شذى في البندر، كانت كفيلة بإعادة أبواب الجحيم والمعاناة لتفتح من جديد على قصر عبد الرحيم، معلنة بداية معركة شرسة لإثبات البراءة وسط رماد الأحلام المحترقة وغدر الأقارب الذي لا ينتهي.



                    الفصل الرابع عشر من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة