
بقلم هاجر سلامه
شقّت قوافل السيارات الدفع الرباعي غبار الصحراء كأنها شياطين سوداء تبحث عن ثأر قديم، وكان همّام يقود سيارته في المقدمة وعيناه تشعان بنيران الغضب والجحيم، يضغط على عجلة القيادة بقبضة حديدية كادت تطحن الجلد الفاخر.
كان يتنفس الشك والخوف، وصورة لِيال وهي ترتجف بين أيدي مطاريد الجبل تجعل الدماء تغلي في عروقه كالبركان.
لم يكن يفكر في الأرض ولا في الميراث ولا في كبرياء عائلته الذي ديس؛ بل كان عقله وروحه معلقين بتلك الفتاة المتمردة التي أدرك، في لحظة فقدانها، أنها أصبحت دنيته بأكملها، وأن حياته بدون عينيها الملونتين وعنادها الجميل لا تساوي ثمن طلقة رصاص في جوف الليل.
انطلقت السيارات صاعدة الدروب الصخرية الوعرة لجبل البندر، حيث تختبئ المغارات القديمة التي لا يعرف مسالكها سوى أهل البلاد الأصليين. وفي داخل المغارة الكبيرة المعتمة، كانت لِيال مقيدة بالحبال إلى جذع شجرة جاف، وثوبها الأسود تمزق عند الكتف من أثر السحل، والدموع تجف على خديها الشاحبين.
وقف العم منصور أمامها، وعيونه تلمع بالشر والجنون، يمسك في يده أوراق التنازل عن الأملاك والأراضي، وبجانبه ثلاثة من أعتى مطاريد الجبل المدججين بالسلاح الآلي.
نظر منصور إلى لِيال وضحك بسخرية ونبرة تقطر سماً:"نورتِ مغارة الجبل يا بشمهندسة! واه عاد.. فاكرة علامك وبلاد الترك وعشق همّام ليكي هيحموكي من يد عمك جدي الحاج عبد الرحيم كتبلك الأرض لجل شطارتك صوح بس الليلة دي جوزك الشديد همّام هيجي واجف وراكع لحد هنا، ويمضي بيده على بجية التنازلات لجل يطول رقبتك صاغ سليم، وإلا ورب العزة هقبرك في الجبل ده ومحدش هيعرفلك طريق واصل!"
رفعت لِيال رأسها رغم الألم والقهر الذي يعتصر جسدها، ونظرت في عينيه بكل شموخ وعناد صعيدي موروث لم تكسره الحبال:"مش هيمضي يا منصور الكلب همّام ولد عامر ومستحيل ينحني لواحد خاين وغدار زيك واصل الأرض دي حقي وحق أبويا وشجا أمي الله يرحمها، ولو مو...توني هنا، همّام مش هيسيب دمي وهيجيب رقبتك ورقبة الكلاب اللي معاك تحت رجليه، وإنت خابره زين لما يغضب عيعمل إيه!"
تلقى منصور الكلمات كالصفعة على وجهه، فرفع يده ليضربها، ولكن في تلك اللحظة بالذات، دوت صرخة هائلة عند مدخل المغارة، وانفجر وابل من الر...صاص الحي ليخترق عتمة المكان، ويسقط أحد المطاريد جثة هامدة في دقيقته. دخل همّام كالإعصار المدمر، وسلاحه الآلي يطلق النار في كل اتجاه، وخلفه رجاله الأشداء الذين اشتبكوا مع بقية المطاريد في معركة دموية شرسة تزلزلت لها جدران المغارة الصخرية.
شافت لِيال همّام والدموع نزلت من عيونها وصاحت بأعلى صوتها:"همّام!! حاسب يا همّام!! منصور وراك والسلا..ح في يده!!"
التفت همّام بسرعة البرق وتفادى طلقة غادرة أطلقها منصور، وجرى نحوه كالفهد الكاسر، وضربه بظهر سلاحه ضربة عنيفة حطمت عظام فكه وطرحته أرضاً يسبح في دمائه وغله.
وفي نفس اللحظة، كان المطرود الأخير المتبقي يحمل طبنجة صغيرة، ووجهها نحو ظهر همّام المشغول بمنصور، لتلمح لِيال الموقف وتتحرك بجسدها المقيد بكل قوتها وتلقي بنفسها أمام همّام لتتلقى الرصاصة الغادرة في كتفها بدلاً منه دوى صوت الطلقة، وسقطت لِيال على الأرض والدموع تجري من عينيها، بينما التفت همّام ورأى المشهد، ففقد عقله تماماً وأفرغ خزينة سلاحه بأكملها في صدر المطرود ليحوله إلى أشلاء.
ألقى همّام بسلاحه على الأرض، وارتمى فوق جسد لِيال، وقطع الحبال بيديه العاريتين، ورفع رأسها على ركبتيه وجسده الضخم يرتجف برعب حقيقي لم يعرفه طوال حياته.
وضع همّام كفه فوق جرح كتفها النازف وبكى بنحيب حارق وصوت هز أركان الجبل:"لِيال!! لِيال!! لاه يا جلب همّام متموتيش واصل!! فديتيني بدمك يا بت صالح وأنا اللي حبستك وظلمتك بيدي؟! فتحي عيونك عاد وكلميني!! يمين بعزة الله لو جرى لك حاجة لأموت نفسي وراكِ في الدانية دي واصل!!"
فتحت لِيال عينيها الملونتين بضعف شديد، وابتسمت ابتسامة خفيفة تملؤها الطمأنينة وهي تنظر إلى وجهه الباكي والقريب منها، وقالت بصوت مبحوح ومتحشرج:"أنا زينة يا ولد عمي.. م تخافش على لِيال واصل.. عنادي اتكسر في حضنك الليلة، وخابرة إنك ضهري وأماني صوح.. شيلني عاد و عاود بيا للدار الكبيرة لجل تعبت من الجبل وظلمة المغارة."
احتشد رجال العيلة حولهما، وتقدم عامر والد همّام وطلب من ابنه الإسراع بنقلها للمستشفى.
حمل همّام لِيال بين ذراعيه برقة بالغة كأنها قطعة من الزجاج الثمين، وخرج بها من المغارة تحت ضوء النجوم الساطعة، بينما تولى رجاله سحل العم منصور وتكبيله ليتلقى عقابه الأخير على يد الحاج عبد الرحيم الذي أقسم على نفيه ورميه في السجن ليقضي بقية عمره وراء القضبان.
مرت ثلاثة أيام على تلك الليلة العصيبة، واستقرت حالة لِيال الصحية بعد أن تم استخراج الر...صاصة من كتفها بنجاح في مستشفى البندر. عاد همّام بزوجته وحبيبته إلى قصر الحاج عبد الرحيم وسط زغاريد الفرح الحقيقية من والدها صالح ووالدة همّام، وتحول القصر من دار للمؤامرات إلى ساحة للاحتفال بنجاة بنت العيلة الكبيرة وصون شرفها وعشقها.
صعد همّام بـ لِيال إلى الجناح الخاص بهما في الدور الثالث، ووضعها برفق فوق الفراش الوثير، وجلس بجانبها يتأمل وجهها الذي عاد إليه بياضه النقي وجماله الأوروبي الأخاذ.
لم يكن هناك أقفال حديدية هذه المرة، والنوافذ الخشبية كانت مفتوحة على مصراعيها لينفذ منها هواء الصعيد العليل وضوء الشمس الدافئ.
مسك همّام يدها الصغير وقبلها برقة ونظر في عينيها وقال بنبرة تفيض بالعشق والندم والاعتذار الكامل:"الدار دارك والأوضة دي ملكك يا مهندسة لِيال.. ومفيش عاد قفل ولا حبس واصل. المصنع الجديد مستني تصميماتك وشطارتك من الأسبوع الجاي، وأنا اللي هكون واجف في ضهرك وحارسك لجل مفيش مخلوق في الدنيا عيجرؤ يلمح طولك. أنا ظلمتك كتير يا بت صالح، بس ورب العزة جلب همّام مبقاش فيه مكان لغيرك، وأنتِ عشتي جوة دمي خلاص."
نظرت لِيال إليه بعيون تلمع بالحب والانتصار، وضغطت على يده وقالت بعناد أنثوي خفيف أذاب جموده:"خابرة يا ولد عمي.. والمسامح كريم لجل جلبك الشديد ركع في النهاية وبقى ملكي صوح. بس إياك عاد غيرتك الواعرة دي ترجع تحبسني تاني، وإلا ورب العزة هلم هدومي وأعاود لبلاد الترك وعلامي ومستحيل تطولني واصل!"
ضحك همّام بصوت رجولي جهوري فرحاً، واحتضنها برفق شديد ليتلاقى قلباهما بعد طول عذاب ومعاناة، وتعلن جدران القصر الكبير عن نهاية حرب العناد والكسر، وبداية عهد جديد يسطره العشق الصعيدي الأصيل الذي لا يرحم الخونة، ولكنه ينحني بروعة تحت أقدام الحبيب.