
بقلم هاجر سلامه
أحدثت النيران التي التهمت المصنع الجديد جرحاً غائراً في قلب الصعيد، ولم تكن الخسائر مادية فحسب، بل كانت طعنة جديدة في ظهر الثقة والعشق الذي تعاهد عليه همّام ولِيال في غرفتهما المغلقة. وقف همّام وسط الرماد المتصاعد وعيناه السوداوان تلمعان بشرر الغضب الجحيمي، بينما كان يقبض على الأوراق المزورة التي قدمها المقاول الخائن بقبضة حديدية كادت تمزقها.
لم يكن يصدق حرفاً واحداً من التهم الموجهة لزوجته، فمن فدته بدمها في مغارة الجبل مستحيل أن تخونه لأجل المال، لكن الدلائل الرقمية والتحويلات البنكية الموثقة باسم لِيال نحو تركيا كانت بمثابة الفخ المحكم الذي أطبق فكيه على هيبة العائلة أمام قبائل البندر.
عاد همّام إلى القصر الكبير في منتصف الليل، ودلف إلى الجناح ليجد لِيال جاثية على الأرض تبكي بحرقة وقهر، تحتضن ما تبقى من مخططاتها الهندسية الممزقة والمحترقة.
تقدم نحوها بخطوات ثقيلة وئيدة، ونزل لمستواها وجلس على ركبتيه أمامها، وأحاط وجهها الشاحب بكفيه العريضتين برقة بالغة، وقال بصوت منخفض ومتحشرج تملؤه نبرة عشق عارمة بالعامية:"امسحي دموعك يا بت صالح.. يمين بعزة الله لو الكون كله وجف ضدك وقال إنك خاينة، ليفضل جلب همّام يصرخ ببرأتك واصل النار دي والمقاول والأوراق المزورة دي ملعوبة خبيثة من حد عيقعد وسطنا وبياكل من زادنا، وأنا مش ههدا ولا هيدخل النوم عيني واصل لحد ما أجيب راس اللي عملها وأدفنه في طين الأرض تحت رجليكي الليلة!"
رفعت لِيال عينيها الملونتين المليئتين بالدموع، ونظرت في عمق عينيه الواثقتين، وشعرت لأول مرة بأن غرام هذا الرجل أصبح هو حصنها المنيع الذي تلجأ إليه في وقت الشدة، وقالت بصوت مخنوق بالدموع :"أنا ماليش ذنب يا همّام.. الملايين دي أنا معرفش عنها حاجة، ولا فتحت حسابات برة واصل المخططات دي مكنش حد يملك نسخة منها غيري أنا وإنت.. وفهيمة فهيمة اللي كانت عتقعد معايا كل يوم وتطلب تشوف الشغل لجل تتعلم وهي عتبكي وتقول إنها تائبة ونادمة!"
تجمدت ملامح همّام، والتمع الشك الصعيدي الذكي في عينيه كبريق السيف في عتمة الليل.
تذكر ملامح المسكنة المصطنعة التي كانت ترسمها ابنة عمه فهيمة منذ عودتها من الحادثة المزعومة، وأدرك في تلك اللحظة بالذات أن الأفعى لا تترك جحرها إلا لتنفث السم في الخفاء.
استدار همّام وخرج من الجناح كالإعصار المدمر، وصعدت خلفه لِيال بخطوات مسرعة متجهة نحو الطابق السفلي حيث جناح فهيمة المريضة.
وفي تلك الأثناء، كانت فهيمة تجلس على فراشها، ممسكة بهاتفها المحمول السري وتتحدث بضحكة خبيثة شامتة مع شذى في البندر :"الخطة نجحت صوح يا شذى همّام والجد لجموا لما شافوا التحويلات والورق المزير، والبت لِيال عتبكي جوة أوضتها وحلمها طار في الهوا بكرا الصبح جدي هيطردها برة الدار، وهمّام هيرجع مكسور الجلب ومستحيل يبص في وشها واصل، والساحة عتفضي لينا لجل ناخد الأرض والطين كله!"
ولم تكد تنطق بجملتها الأخيرة حتى انبعث صوت جهوري مرعب زلزل أركان الغرفة، حيث دفع همّام الباب الخشبي بكل قوته ليتحطم على الجدار، ودخل بخطوات فهد كاسر والشرر يتطاير من عينيه، وخلفه كانت لِيال تقف بكل شموخ وثبات.
صرخت فهيمة برعب حقيقي وسقط الهاتف السري من يدها فوق الفراش، وحاولت الاختباء تحت الأغطية وهي ترتجف من فرط الخوف من بطشه.
تقدم همّام والغل يعميه، وانتزع الهاتف السري بعنف، وضغط على زر مكبر الصوت ليرتفع صوت شذى من الطرف الآخر وهي تقول بغباء وارتباك :"واه يا فهيمة سكتّي ليه عاد جرى إيه في القصر همّام شم خبر بالملعوبة ولا لاه؟!"
صك همّام على أسنانه بصوت كاد يكسرها، وعروق رقبته برزت بنبضات متسارعة، وزأر في الهاتف بصوت مرعب :"شميت خبر يا بت خالتك الكلبة وأنتِ وفهيمة والأفاعي اللي معاكم دمكم بقى حلال الليلة في دار عبد الرحيم ورب العزة لو ما جيتي واجفة قدام جدي الليلة وجرّيتي بكل اللي عملتيه مع المقاول الخائن، لكون دافنكِ أنتِ وهي في جبل البندر ومحدش عيعرف لكم طريق واصل!"
اغلقت شذى الخط برعب حقيقي، بينما التفت همّام نحو فهيمة الجاثية على الفراش، وامتدت يده الحديدية ليمسك بياقة ثوبها ويهزها بعنف شديد، وصاح بصوت هز أرجاء القصر ليجتمع على إثره الحاج عبد الرحيم وعامر وصالح في الغرفة بذهول وصدمة :"الحادثة والندم والكسر ده كله كان تمثيلية يا جدي! الأفعى دي هي و شذى هما اللي سرقوا المخططات وحرقوا المصنع وزوروا الورق لجل يلطخوا اسم لِيال ويحرقوا جلبي! التليفون السري والمحادثة واضحة وكاشفة غدرهم وصياعتهم واصل!"
نظر الحاج عبد الرحيم إلى الهاتف، ثم التفت إلى حفيدته فهيمة بنظرة تقطر احتقاراً وغضباً جهورياً، ورفع عصاه وضرق الأرض بقوة وقال بحسم:"يا جِلة الحيا والأصل عمايل الحريم العفشة دي تتعمل في دار عبد الرحيم ولتاني مرة يمين بعزة الله، منصور وبنته ورسمية مالهومش اسم واصل في عيلتنا من الليلة دي! يا عامر.. خد البت دي تترمي في بيت أبوها المنفي في الجبل، ومسمعش حسّها ولا اسمها في القصر واصل ليوم الدين والواد المقاول وشذى في البندر، يتجابوا بكرة ليد الشرطة والمراكز لجل يتحاسبوا على الحريقة والفلوس الملتوتة!"
بكت فهيمة بحرقة وسحلت برعب برة الغرفة تحت أقدام رجال العائلة، لينال الغدر عقابه الأخير وينكشف قناع المسكنة الزائفة عن وجه الأفاعي.
تأثر صالح والد لِيال بشدة، وتقدم من ابنته واحتضنها باعتذار حار، بينما التفت الجد عبد الرحيم إلى لِيال وهمّام وقال بنبرة فخر واعتزاز :"سامحينا يا بتي.. دار عبد الرحيم ظلمتك كتير لجل حقد الحاقدين، بس همّام ولد عامر أثبت إنه راجل صوح، وصان عشقك وحماكي من وسط النار. المصنع المحروق ده هيتبني مكانه أكبر وأحسن من الأول بأوامري، وتصميماتك وشطارتك هتديره غصب عن عين الكل واصل!"
صعد همّام بـ لِيال إلى الجناح الخاص بهما، وأغلق الباب ليخلو الجو لعشقهما الذي خرج من نيران الفتنة أشد قوة وصلابة من الحديد. جلس بجانبها فوق الفراش، وأخذ يدها المصابة وقبلها برقة بالغة ونظر في عينيها الملونتين المليئتين بالحب والراحة الخالصة، وقال بنبرة تفيض بالوعيد والعشق الجارف :"المعاناة والمشاكل خلصت الليلة دي يا جلب همّام.. الأفاعي كلها انطردت برة وعاد مفيش غدر هيقرب من قفل أوضتنا واصل. الشهادة والمصنع وحلمك في إيدك، وأنا كلي ملكك وتحت أمرك لجل أنا همّام، وهمّام مابيعشقش في دنيته غير لِيال بت صالح واصل!"
ابتسمت لِيال واحتضنته بقوة شوق جارف، ودفنت رأسها في صدره العريض وهي تشعر بالأمان الحقيقي الذي طالما بحثت عنه في شوارع الغربة، لتعلن جدران القصر الكبير عن نهاية فصول المعاناة والدموع، وبداية عهد جديد يسطره العشق الصعيدي الأصيل الذي انحنى بروعة وشموخ تحت أقدام الحبيبة المتمردة.
تمت بحمد الله