رواية في قلبي انثي عبرية الفصل الثلاثون 30 بقلم خولة حمدي


رواية في قلبي انثي عبرية الفصل الثلاثون 30 بقلم خولة حمدي


«أخي في الله أحمد،

لا يمكنني تصديق ما حصل اليوم. سارا الصغيرة جاءت إلى غرفتي وأعلنت إسلامها! لم تكن مترددة أو خائفة، بل واثقة من قرارها. لكنها تتوجس خيفة من ردة فعل والدتها. ذكرتني بنفسي منذ زمن غير بعيد. ستضطر إلى إخفاء إسلامها لبعض الوقت، حتى تجد الفرصة المناسبة. لكنها صغيرة السن، لم تبلغ الحادية عشرة من عمرها بعد. أعلم أنها ذات ذكاء فائق وعقل واسع المدارك... لكنني أخشى عليها مما ستلقاه من محيطها. كنت قد بنيت خطتي على إسلامها كخطوة أولى. لكنني لا أدري إن كانت ستتحمل ما قد تلقاه من أذى... كان الله في عونها.


لا يمكنك أن تتصور كم أنا سعيدة اليوم. ظننت أن سعادتي بإسلامي لا يمكن أن تضاهيها سعادة أخرى. لكنني اكتشفت اليوم معنى السعادة بنجاة شخص أخر من النار. تذكرت الحادثة التي قرأت عنها في كتاب السيرة، حين علم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بأن صبيا يهوديا يحتضر، فذهب إليه ودعاه إلى الإسلام وهو على فراش الموت. فأسلم الولد قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة... فخرج نبي الرحمة فرحا مستبشرا وقال: الحمد لله الذي أنقذه على يدي من النار. يا الله! النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) فرح بإسلام صبي يهودي! وهو الذي غفر الله له وبشره بمقام رفيع في الجنة. فكيف لا أفرح أنا الأمة الفقيرة المثقلة بماض مليء بالكفر والعصيان؟ الحمد لله... الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. الحمد لله على نعمة الإسلام.


الحمد لله على إسلام سارا . ولتعلم أن ثواب إسلامها يصلك كاملا وريما !


فلولاكما لما كنت هنا، ولما كان ما كان... فهنيئا لنا جميعا.»


* * * * *


تحاملت سونيا على نفسها، وجرت قدميها عبر الممر حتى وصلت إلى غرفة ندی. توقفت أمام الباب الموصد. أدارت المقبض ودفعت الدفة ببطء. كانت الغرفة غارقة في الظلام. أغلقت نافذتها بنفسها وأسدلت الستائر منذ طردت ندی من المنزل. خطت إلى الداخل في تعثر. الأشهر القليلة الماضية تركت في وجهها وجسدها آثارا أبلغ من آثار السنين. كأنها شابت فجأة وازدادت عشر سنين إضافية. جلست على طرف السرير في وهن. إحساس عام بالإعياء يجتاح جسدها. أصبحت مفاصلها تؤلها مع كل حركة...


لم يعد هناك غيرها في هذا البيت. تقضي يومها متنقلة بين السرير والمقعد، وبين المقعد والسرير. فقدت حياتها كل بهجتها، فما عادت تنظم اللقاءات الاجتماعية ولا الأمسيات الثقافية. تفرقت رفيقاتها ولم تجد أحدا إلى جوارها في حزنها. بعد رحيل جورج وطردها لندی، صارت الساكنة الوحيدة المنزل العائلة الكبير. دانا مشغولة بعملها وطفلها. تزورها مرة في الأسبوع لتهتم بقضاء حاجاتها وشراء ما يلزمها من مؤونة. لكنها لم تكن في حاجة إلى الطعام. شهيتها قليلة. لا تأكل إلا شيئا يسيرا يسد رمقها، ويكفيها لتواصل حياتها الجافة. دانا لم تكن يوما حانية أو عطوفا. طبعها جاف... كوالدتها.


آه... ندى كانت القلب النابض بالحياة في هذا البيت. كانت هي من يملؤه بهجة. كانت لديها طريقتها الخاصة ورؤيتها الخاصة التي تعطي للأشياء معاني جديدة. كانت... نعم، كانت...


اعتادت عيناها على الظلام، حتى ما عادت تحتاج إلى نور المصباح لتجد طريقها بين قطع الأثاث. تحاملت على نفسها من جديد وسارت باتجاه المكتب.


كثيرا ما كانت تجلس هنا، بعد رحيل ندي. تعلم أن ابنتها مولعة بكتابة أفكارها وخواطرها... لكنها كانت تخفيها عنها جميعها. ندى كانت تخافها. وهي كانت تتغافل وتتظاهر بجهل كل شيء عن مذكراتها. وجدت الكثير منها هنا... كل منها تحكي مشاعرها وأحاسيسها. تحكي مشاهد من حياة المراهقة البريئة والنبيهة في أن التي كانت. كأنها ترى بعينيها الآن صورا من الماضي. ريما وأحمد كانا بطلي روايتها. كان عليها أن تدرك ما لهذين الشخصين من تأثير عليها منذ البداية. لكنها انتظرت إلى أن فات الأوان... جمعت الصور المبعثرة


وأعادتها إلى الدرج.


أين تراها تكون الآن يا ترى؟ انقطعت عنها أخبارها منذ أشهر... كم مر عليها من الوقت وهي في وحدتها تلك؟ لا يمكنها أن تجزم. فكل الأيام أصبحت متشابهة وخالية من المعني... خالية من الحياة. لكنه وقت طويل بالتأكيد.


انتبهت إلى اختفاء أوراق ندى الشخصية وبعض حاجياتها. لا شك أن دانا ساعدت أختها على إيجاد مكان يؤويها. إنها مرتاحة من هذا الجانب. تعلم أن ندى في مكان آمن وتحظى بالرعاية اللازمة. هل تهتم لأمرها؟ حتى وإن كانت قد غضبت عليها ومقتتها لبعض الوقت، فهي تبقى ابنتها وفلذة كبدها. حتى إن صارت عدوة لدينها، فهي لا تستطيع منع نفسها من التفكير فيها والخوف عليها والاشتياق إليها... لكن، لا يمكنها أبدا أبدا أن تسامحها أو تستقبلها مجددا في بيتها... فما فعلته جريمة لا تغتفر، ورغم مرور كل هذا الوقت، فهي ليست مستعدة لتقبل تغيرها...


أحست بألم مفاجئ في الجزء الأيمن العلوي من البطن. ضغطت بكفها على مكان الألم. منذ فترة وهي تحس بتدهور صحتها. لم تأكل شيئا منذ الصباح، لكنها تشعر بالغثيان، تزايدت الآلام وأصبحت تملأ كل بطنها، تأوهت بصوت خافت. لن يسمع أحد آهاتها وشكواها. وضعت رأسها على المكتب لتكتم صرخة متعبة. الآلام تجتاح جسدها وتملأ جوارحها. حاولت أن تقف. عليها أن تصل إلى الهاتف. دانا... إني أموت... دانا...


لكن ساقيها لم تقدرا على حملها. تهاوی جسدها على بعد خطوات من المكتب... بلا حراك.


* * * * *


سارت ندى في شوارع الحارة الكبيرة بعقل سارح. تعودت على هذه المدينة وأحبتها. هذه هي المدينة التي ولدت فيها. هنا التقى والدها بوالدتها، وهنا عاشت سنواتها الأولى، قبل أن ترحل إلى لبنان. ربما كان لديها أقارب خلف أبواب البيوت المغلقة، أعمام وعمات وأبناء عم... وخالات وأخوال أيضا لا تدري أين مساكنهم. ربما كانت لها عائلة كبيرة العدد. لكنها لم تحاول أن تعرف.


كانت قد انتهت من درسها الخصوصي للغة الفرنسية. طالبتها طفلة في الخامسة عشرة من عمرها من عائلة مسلمة. أصبحت تجمعهما صداقة جميلة.


رغم صغر سنها، كانت تبادلها الأحاديث المسلية وتجعلها تستمتع بالدرس بدعاباتها الطريفة. على الأقل، لديها صديقة هنا... للحظة مرت بذهنها صور ريما، سماح، أنابيلا... وصديقات أخريات من أيام الكلية. ابتسمت في حزن ثم تنهدت. صور من الماضي.


حين وصلت إلى المنزل، لم تكن تانيا قد عادت من عملها. أصبحت نظراتها إليها مؤخرا أقرب إلى الوعيد منها إلى التودد. أغلقت باب غرفتها واستلقت على السرير. يشغلها أمر سارا مؤخرا. الطفلة تعلمت الوضوء والصلاة وصارت تواظب عليها. تأتي إلى غرفتها لتصليا خلسة. تقرأ القرآن باستمرار... ولا تجد صعوبة تذكر في حفظه. تفوقت بسرعة على معلمتها. نابغة... إنها نابغة حقا.


جاکوب لم يعلم بعد بإسلام ابنته، لكنه لم يعد يخفي اهتمامه بالإسلام. وهي لا يمكنها أن تخفي فرحها بهذا التطور. الخطة تسير على أحسن ما يرام...


بشرط ألا تعلم تانيا بشيء من ذلك، فهي وحدها قادرة على تدمير كل ما أنجزته في الفترة الماضية مع جاكوب.


حسن، إلى العمل الآن. كانت قد أحضرت بعض الكتب من المكتبة لتبحث في أسئلة جديدة طرحها جاكوب. ماذا عن عذاب القبر؟ فتحت الدرج لتخرج أوراقها. انتبهت إلى هاتفها المحمول الذي يرقد في الدرج. كان مغلقا على الدوام. تفتحه من حين إلى آخر لعلها تجد رسالة أو اتصالا من سماح. لا أحد يتصل بها غيرها. تنهدت وهي تضغط على زر التشغيل. انتظرت حتى تضيء الشاشة وتظهر الأيقونات الالكترونية. رسالة صوتية! كونت رقم جهاز الرد الآلي الخاص بها وانتظرت أن يصلها صوت المتصل. فوجئت حين جاءها صوت دانا.


كانت لهجتها باكية، كأنها على وشك الانهيار. صوتها أشبه بالصراخ والعويل.


تسارعت دقات قلبها في ارتياع. لم يكن الصوت واضحا. ضغطت بعصبية على أزرار الهاتف لتستمع إلى الرسالة مرة أخرى... بعد لحظات، أحست بخدر في كفها وسقط الجهاز إلى جانبها. غير معقول... غير معقول... ما الذي عليها فعله؟ والدتها في المستشفى، في حالة خطرة. دانا كانت في حالة سيئة من الجزع. الأمر خطير دون شك! سارعت بتكوين رقم دانا... لكن رصيدها لم يكن كافيا لإجراء مكالمة دولية. أخذت تذرع الغرفة جيئة وذهابا في ارتباك ولوعة. ما الذي حصل لوالدتها؟ هل هي بخير؟ ما الذي تفعله هنا؟ يجب أن تكون هناك، في المستشفى إلى جانبها.


عادت إلى الهاتف. تثبتت من تاريخ الاتصال... كان ذلك منذ ثلاثة أيام! یا إلهي... كيف غفلت عن الهاتف كل هذا الوقت؟ ما الذي يمكن أن يكون قد حصل؟ خرجت من غرفتها لا تلوي على شيء. يجب أن تجري اتصالا. عليها أن تتصل بدانا. لم تستعمل هاتف المنزل من قبل، لكن الأمر عاجل وتانيا لن تلومها على ذلك. كونت رقم دانا وانتظرت لثوان ثقيلة طويلة وهي تستمع إلى الرنين من الطرف الآخر. أخيرا جاءها صوت دانا، خاملا ناعسا كأنها خلال النوم:


- من معي؟


نسيت أن هناك فارق ثلاث ساعات في التوقيت بين تونس ولبنان. ودانا تعودت على النوم باكرا.


- هذه أنا يا دانا... ندی. آسفة على إيقاظك من النوم، لكنني لم أر رسالتك إلا الآن. أخبريني، هل أمي بخير؟


- آه... ندى. أمي أجرت عملية جراحية لاستئصال المرارة. وهي لا تزال في المستشفى لالتهاب في كبدها. لكن مرحلة الخطر قد مرت... حالتها أخذة في الاستقرار.


تنهدت حين وصلتها الأخبار المطمئنة. مرت اللحظات الحرجة، وهي ستتعافی بالتأكيد. وضعت سماعة الهاتف، ثم سارت إلى غرفتها تفكر. والدتها نجت من الموت. لكنها لا تدري إن كانت صحتها ستتحسن وتعود إلى سالف عهدها. لا تدري إن كانت ستعيش طويلا. لا أحد يدري متى تحين ساعته. لا أحد... ریما، جورج، میشال، ماري، کریستینا وجابريال، كلهم رحلوا فجأة ودون سابق إنذار. لم تضع أحمد في القائمة. لا تريد أن تصدق أنه قد رحل مثل الآخرين.


لا... لا تريد أن يتكرر ذلك مجددا. لا تريد أن ترحل أمها أو شقيقتها وهي لم تحاول معهما بعد. مكانها ليس هنا. مكانها هناك، إلى جانب عائلتها الحقيقية. لقد فعلت ما بوسعها هنا. يمكنها الآن أن تترك جاكوب يواصل الطريق بمفرده. تحس بأن المسافة التي تفصله عن الإسلام لم تعد كبيرة... وسارا ستكون عونا له بالتأكيد. نعم، هذا ما عليها فعله. كانت قد جمعت ثمن التذكرة إلى لبنان من عملها. اجتهدت كثيرا في الفترة الماضية ولم تدخر جهدا، كأنها قد علمت باقتراب هذه اللحظة... لحظة العودة.




«أخي في الله أحمد،


وصلت اليوم إلى لبنان. ياه، مر وقت طويل... لا تدري كم اشتقت لهذه الأرض.


أكتب إليك الآن من المستشفى. والدتي نائمة تحت المخدر، تستيقظ لأوقات بسيطة في اليوم لأن آلامها شديدة. منذ ساعتين وأنا أنتظر أن تفتح عينيها.


دعوت لها كثيرا في أثناء سفري. أعلم أن دعاء المسافر مستجاب. دعوت أيضا بأن أراك قريبا. فقد اشتقت إليك... كثيرا.»


توقفت قليلا عن الكتابة. كانت دموعها تنذر بانحدار قريب. هاجت عواطفها حين دخلت غرفة المستشفى، وليس لها غير أحمد تشكو إليه وتبثه لواعج قلبها.


سونيا القوية ممدة على السرير بلا حراك... لا حول لها ولا قوة. كيف استفحل الداء في جسدها في هذه الفترة القصيرة؟ لم تكن تشكو من شيء قبل رحيل الأحباب. هل تراه الحزن ما فعل بها هذا؟ لم يهتز لها رمش حين طردتها، هي، لحمها ودمها ... فهل كان جورج وميشال أقرب إلى وجدانها؟ زادت تلك الأفكار من شجنها. فتركت لمشاعرها العنان. تركت العبرات تسيل على وجنتيها في صمت.


«الطبيب يقول إن حالتها أخذة في الاستقرار، لكنها تحتاج إلى متابعة مستمرة. كان قد طلب بقاءها في المستشفى لأنها تقيم بمفردها ولا تجد من يهتم بها ويرعاها. الحمد لله أنني عدت في الوقت المناسب لأكون إلى جانبها.


همست وهي تضغط على ذراعها في حنان:


- كيف تشعرين الآن؟


ردت سونيا في تأثر، وعيناها لا تفارقان وجهها:


- اشتقت إليك... سامحيني يا ابنتي...


كانت فترة رقادها على فراش المرض كافية لتعيد حساباتها وتفكر في كل ما فعلته بابنتها. والآن، الآن فقط وهي تراها أمام عينيها ، أدركت أنها تحبها أكثر من الماضي، وتحتاجها إلى جانبها. أدركت كم ظلمتها وكم ظلمت نفسها حين عاملتها بتلك القسوة وطردتها.


هزت ندى رأسها نافية وقالت من بين شهقاتها:


- لا عليك...


- أين كنت كل هذا الوقت؟ كيف كانت حياتك؟


ترددت للحظات. إذن والدتها لم تكن تعلم شيئا عن سفرها إلى تونس؟ لا داعي لاسترجاع الآلام الآن. ها هي قد عادت مجددا، وها هي قرب والدتها كأن شيئا لم يكن، أجابت في هدوء وهي تلف الغطاء حولها :


- كنت في مكان آمن... ليس هناك ما يدعوك للقلق. المهم أنني الآن هنا... إلى جانبك.


ابتسمت سونيا ابتسامة واهنة، ثم استرخت مجددا. استندت ندى على طرف السرير دون أن تترك كفها. راقبتها في صمت وهي تستغرق في النوم من جديد. عمها إحساس بالارتياح... والطمأنينة. رغم الملابسات الحزينة التي تلف لقاءهما، إلا أنها كانت سعيدة.


* * * * *


قال أيضا إن علامات المرض لا تظهر إلا عند خمسين بالمائة من المصابين، لذلك لم تتفطن والدتي إليه في وقت مبكر. لكن أمل شفائها لا يزال قائما.


بنيتها جيدة وجسدها قادر على المقاومة. لكنني أخشى الأسوأ ... فهناك احتمال أن يتحول المرض إلى إصابة سرطانية. أدعو الله ألا يحصل ذلك، وأن تستعيد عافيتها في أقرب وقت...»


رفعت عينيها فجأة. أحست بحركة قربها. لمحت كف سونيا تتحرك ببطء فوق اللحاف. فتحت عينيها؟ سارعت إليها في لهفة واحتضنت يدها بين كفيها في حرارة. نسيت كل ما بينهما من عداوة ومشكلات. المرأة التي أمامها هي والدتها. المرأة التي وضعتها وأرضعتها وربتها واعتنت بها. كل الاعتبارات الأخرى كانت بلا قيمة في تلك اللحظة. التقت عيناهما. عيون متعبة، تحكي ما مر بكليهما في الشهور التي افترقنا خلالها. انفرجت شفتا سونيا أخيرا لتهمس في وهن:


- حبيبتي ندی... أنت هنا...


لم تنتظر ندى أكثر. انحنت على جسدها النحيل تحتضنه. قبلت جبينها ووجهها وكفيها. لا تريد منها اعتذارات. يكفي أنها استقبلتها وقبلت وجودها إلى جانبها. «حبيبتي»! كلمة افتقدتها طويلا. كانت البلسم لجراحها العميقة.


هالها الوضع الذي وجدت عليه منزل العائلة حين دخلته بعد شهور من الغياب.


بدا لها أن علامات الحزن واليأس ظهرت حتى على قطع الأثاث، وتركت بصماتها على الجدران والنوافذ. تكاد تجزم بأن للحزن رائحة. هي تلك الرائحة الندية للغرف المغلقة التي لم تصلها أشعة الشمس منذ أمد. وللحزن لون... هو لون طبقة الغبار الرمادية التي غطت كل ركن وكل مساحة من فضاء البيت.


عادت إلى بيتها. إلى غرفتها. إلى عالمها. فتحت خزانتها، حيث تركت كل حاجياتها القديمة وقسما كبيرا من ذكرياتها. كل شيء كان في مكانه، كما تركته. مكتبها ، أوراقها ، سريرها... كل شيء كان في انتظار عودتها. مسحت الغبار المتراكم وأعادت الحياة إلى كل قطعة من ماضيها. بسرعة، استلمت مهامها الجديدة. سارعت تفتح النوافذ التهوية الغرف. شنت حملة تطهير وتنظيف على كل ركن وكل زاوية. كانت قد عزمت على البدء من جديد. سيكون غدها خيرا من أمسها... هكذا قررت.


أصبحت تقضي وقتها بين البيت والمستشفى. تعد الطعام لوالدتها في الصباح، ثم تجلس إلى جوارها تسامرها أو تقرأ لها كتابا. تحاول تسليتها دون أن تترك المسائل التي تفرقهما تطفو على السطح، وتعكر مزاجيهما. وفي المساء، تنضم إليهما دانا بعد خروجها من عملها ، فتجلسن مثل الزمن الخالي... كأن شيئا لم يكن.


كان قد مضى أسبوعان على عودة ندي من تونس، وأيامها تمر رتيبة على نفس النسق. لكنها في ذلك الصباح، أحست بتغيير في تعابير والدتها . كانت تطالعها من طرف خفي وهي تقرأ في كتابها. بدت مشغولة الفكر سارحة بعض الشيء. توقفت ندى عن القراءة وانتظرت للحظات. لم يبد على سونيا أنها انتبهت إلى توقفها. لم تكن مركزة في الاستماع إليها. وضعت ندی الكتاب جانبا واقتربت من السرير. مسحت على شعرها في حنان وهمست:


- أنت لا تستمعين إلي... ما الذي يشغلك اليوم؟


رفعت إليها سونيا عينين مغرورقتين بالدموع ولم تتكلم. فزعت ندی وهتفت في خوف:


- ماذا هناك؟ هل تتألمين؟


هزت سونيا رأسها نافية، ثم قالت في ضعف:


- أفكر في حياتي الماضية... وفي المستقبل. أشياء كثيرة أريد أن فعلها... لكن الموت قد يأتي في أية لحظة.


حاولت ندى أن تقاطعها، لكن سونيا واصلت بلهجة حازمة:


- يؤلمني ما وصلت إليه عائلتنا. ما وصلنا إليه أنا وأنت... أريد أن يجتمع شمل عائلتنا من جديد ، ونعود إلى سالف الوفاق بيننا. أريد أن أرحل مرتاحة البال والضمير... أن يكون كل شيء واضحا في ذهني، أن أعرف إن كنت أخطأت...


وأن أجد الإجابة لتساؤلات كثيرة معلقة. لكن ذلك لن يكون ممكنا ونحن نتجنب الموضوع الذي يشغل كلینا.


أطرقت ندى في صمت. لا تدري إلى أين سيقودها هذا النقاش. لم تكن تجربتها الأخيرة بالهينة. لكن سونيا فاجأتها وهي تواصل:


- لذلك فقد قررت أن أستمع إليك وأعطيك فرصة لتشرحي لي...


نظرت إليها ندى في دهشة وعدم تصديق. فأضافت في لهجة جادة:


- حدثيني عن الإسلام...


وقف حسان أمام غرفة المستشفى، وهو يحمل باقة ورود حمراء. تطلب منه الأمر جهدا كبيرا حتى يستجمع شجاعته ويأتي إلى هنا بنفسه. صدته مرة ثم ثانية، لكنه لم ييأس. لن يدع اعتبارات مثل الكرامة تجعله يستسلم. ما زال أمله قائما بأنها قد تنتهي بالاستجابة لنداء قلبه. ظل يتابع أخبارها عن بعد طوال الفترة الماضية. كان يستقي معلوماته من سماح. فرح حين بلغه خبر عودتها.


انتظر لأسابيع أملا أن تسمح له الفرصة برؤيتها، لكنها بدت مشغولة بالكامل.


لم تكن تزور سماح أو تخرج إلى أي مكان. تقضي معظم وقتها في المستشفى. إن لم تأت إليه، فعليه أن يذهب إليها.


تردد للحظات. أخذ نفسا عميقا، ثم رفع يده ليطرق الباب برفق. لم يطل انتظاره سوی لثانيتين، جاءه إثرهما الإذن بالدخول. دفع الباب ببطء. ألقى التحية وأطرق في حرج حين واجهته نظرات المرأتين المستغربة.


كانت ندى قد جلست قرب السرير تقرأ كعادتها. فوجئت وهي ترى حسان أمامها. وقفت ندى في ارتباك حين رأته يقف على بعد خطوات، كأنه يخشی التوغل في الغرفة. توجهت إليه وأخذت منه باقة الورود، وهي تقول في همس:


- شكرا لقدومك... ما كان ينبغي أن تتعب نفسك...


ثم التفتت إلى سونيا وهي تقول بصوت أوضح:


- أمي، هذا حسان... صديق أحمد... تذكرينه؟.....


            الفصل الواحد والثلاثون من هنا 

             لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة