
بقلم صباح عبد الله فتحي
نظر فوزي إلى زياد بغضب، كما لو كان ينظر إلى شيطان وليس طفلًا صغيرًا، بينما رفع يده اليسرى يريد أن يصفع زياد على وجهه، لكن تأتي هذه اليد الصلبة التي قبضت على يده بقوة إلى درجة سمع فوزي صوت تحطم عظام يده بأذنه. لينظر فوزي إلى صاحب هذه اليد القاسية، التي على وشك تحطيم عظام يده، وعلامات الألم واضحة كوضوح الشمس على وجهه. لم يجد إلا ذلك الذي يقف في طريقه دائمًا، والذي أصبح ألد أعدائه من أول لقاء لهم، بينما أردف زياد بفرحة أطفال قائلًا وهو ينظر إلى الشخص الذي يقف أمامه:
_عمو جاسر
نظر جاسر إلى زياد بهدوء، عكس ما يقبض على يد فوزي بغضب، وأردف قائلًا بلطف:
_زياد حبيبي، إنت كويس؟ حد عمل لك حاجة؟ إنت أو أي حد من إخواتك؟
ينظر زياد إلى فوزي بغضب طفولي، وأردف قائلًا:
_أيوه يا عمو جاسر أنا الحمد لله كويس، وما تخافش، مافيش حد هيقدر يعمل لحد من إخواتي حاجة طول ما أنا موجود.
يبتسم جاسر إلى زياد بحب، وأردف قائلًا بإعجاب، بينما يرمق فوزي بغيظ:
_عارف إنك راجل يا زياد ويُعتمد عليك.
ثم ينظر إلى فوزي بضيق، وأردف قائلًا:
_إنما الدور والباقي على اللي عاوزين يتعلموا الرجولة من أول وجديد.
وفي هذه اللحظة تنزل كنوز من على الدرج، بينما ترمقه الجميع بكبرياء، وأردفت قائلة:
_لوجين، زياد أنتم بتعملوا إيه عندكم؟
نظر عصام إلى جاسر بغيظ، بينما تقدم واقترب من كنوز، وأردف قائلًا، متعمدًا أن يشعل النيران في عروق هذا العاشق:
_كنوز حبيبتي، إيه اللي منزلك دلوقتي؟ في عندنا ضيوف، وأنا راجل بغير على حريمي من عيون أي راجل غريب بيدخل بيتي. علشان خاطري يا حبيبتي، اتفضلي اطلعي على أوضتك، وياريت ما تنزليش في وجود أي راجل غريب تاني.
تنظر كنوز إلى جاسر بطرف عين، وأردفت قائلة، متعمدة أن تزيد النيران في قلب عاشقها، على أمل أن تجعله يشعر ببعض ما تشعر هي به:
_حاضر يا عصام يا حبيبي، مش هنزل تاني في وجود راجل غريب، ده وعد.
عصام بدهشة، وهو ينظر إلى كنوز بذهول:
_حبيبك؟
فوزي بنفس نبرة عصام:
_نعم يا أختي، حبيبك مين؟
بينما ابتسم جاسر وهو ينظر إلى كنوز بمغازلة، ولم يعطها المجال أن تنتصر عليه، بينما ترمقه كنوز بضيق، وأردفت قائلة، وهي ما زالت ترمق جاسر بغيظ ونظرات حادة تدل على شدة غضبها:
_أمال مش جوزي برضه، ولا أنا غلطانة.
وفي هذه اللحظة يشعر جاسر أن أحدهم خرق قلبه بسكين باردة، بينما ابتسمت كنوز بانتصار عندما رأت ملامح وجه جاسر التي تدل على ما بداخل قلبه من آلام، التي سببتها له كلماتها. بينما ابتسم كلٌّ من فوزي وعصام، الذي أردف قائلًا وهو ينظر إلى جاسر بانتصار، وهو لا يفهم ما الذي تنوي هذه الأنثى الماكرة فعله:
_أيوه طبعًا جوزك، وحبيبك، أمال إيه؟
_ربنا يسعدك يا صاحبي إنت وكنوز حبيبة قلبي، وعقبال يا رب لما أشيل عيالكم وأفرح بيهم.
ترمق كنوز فوزي بغيظ، بينما أردفت قائلة بنبرة باردة، عكس العاصفة التي تشتعل بداخل قلبها:
_زياد، لوجين، تعالوا هنا.
يركض كلٌّ من زياد ولوجين اتجاه كنوز بينما نظرت (كنوز) إلى الجميع نظرات لم يستطع أحد، غير هذا العاشق، تفسيرها، ثم تأخذ إخواتها وتصعد على الدرج دون أن تقول أي حرف آخر، بينما أردف فوزي قائلًا:
_طيب أنا همشي دلوقتي يا (عصام)، وإنت خد بالك من كنوز وإخواتها، وما تنساش إنك لسه عريس جديد، افرح وانبسط، ومش يهمك حد. وكان نفسي أفضل معاك، بس هكون تقيل لو فضلت معاك، وبصراحة مش عاوز أعمل زي ناس.
يقول ذلك، وهو ينظر إلى (جاسر) باحتقار...
❈-❈-❈
في الغرفة التي توجد فيها كنوز...تستلقي كنوز على الفراش، وينام بجوارها كلٌّ من لوجين، التي تنام بعمق داخل أحضانها، ونادر، الذي ينام بعد لوجين، وزياد، بينما تضم كنوز إخوتها الثلاثة وتنام بقلق. وفجأة تشعر أن هناك أحدًا يفتح الباب، فتنهض بفزع وهي تقول بتوتر:
_مين؟
وفجأة يدخل عصام إلى الغرفة، ويقع قلب كنوز بين قدميها عندما رأت ذلك المختل يهاجم غرفتها، بينما أردف عصام قائلًا، وهو يرمق كنوز بنظرات مقززة، ويضع يده أسفل ذقنه، ونظر إلى إخوة كنوز النائمين على الفراش بضيق:
_هم إخواتك الحلوين دول بيعملوا إيه هنا؟
كنوز بتوتر:
_إنت اللي بتعمل إيه هنا في الوقت ده يا بني آدم إنت؟
يرد عصام بدهشة قائلًا:
_هو إيه اللي بتعمل إيه هنا؟ نسيتي إنك بقيتي خلاص مراتي يا كنوز، وأنا بحبك، وأكيد مش هسيب مراتي حبيبتي تنام بعيد عن حضني.
ثم يقترب من كنوز يريد تقبيلها، لكن تمنعه كنوز وتدفعه بعيد عنها بعنف إلى درجة أنه رجع إلى الخلف بضع درجات، وأردفت كنوز قائلة بغضب وصوت عالٍ:
_إنت اتجننت؟ أوعى تفكر إني هبلة وهيضحك عليا بكلمتين دول...
وفجأة تصمت كنوز عن الحديث عندما رأت جاسر يقف أمام باب الغرفة، ومثل الثعالب تخفي كل ملامح الغضب من على وجهها، وأردفت قائلة، بينما ارتسمت على وجهها ابتسامة مزيفة تخفي بها كل شيء كان يحدث منذ قليل:
_عصام، كنت فين طول الوقت ده؟ كنت قاعدة مستنياك على ما تيجي بالسلامة.
ينظر عصام إلى هذه الماكرة بذهول، وهو لا يفهم ما تنوي إليه، وفجأة يرى انعكاس صورة جاسر في انعكاس المرآة، وفي هذه اللحظة يفهم عصام كل شيء يدور في عقل هذه الماكرة الصغيرة. يسيطر عليه الغضب، بينما يجز على أسنانه ويكور يده بعنف، ثم أغلق عينيه يحاول أن يسيطر على غضبه. وفجأة تخطر على باله فكرة، فيبتسم بخبث، بينما قال في ذهنه:
ماشي يا ست كنوز، أنا هعرفك إزاي تلعبي لعبة زي دي، وتستخدميني الورقة الرابحة اللي تغيظي بيها حبيب القلب. حلو، عاوزة تلعبي؟ وأنا هعلمك إزاي تلعبيها صح...
ثم أردف قائلًا بصوت مسموع إلى آذان كلٍّ من كنوز وجاسر، بينما اقترب من كنوز وضمها من خصرها بقوة:
_إيه يا قلب وروح عصام، وحشتك، مش كده؟
ترد كنوز قائلة، بينما تشعر بالارتباك، لكنها تظل تبتسم من أجل ألا تُظهر ما بداخلها أمام جاسر، وأردفت قائلة بتكذيب، ونبرة صوتها مرتجفة يظهر فيها الخوف والتوتر كوضوح الشمس:
_أيوه طبعًا، وحشتني أوي يا عصومة.
يبتسم عصام بخبث، وهو يضع قبلة رقيقة بالقرب من شفتيها، وأردف قائلًا بصوت مسموع إلى أذن جاسر:
_يا قلب عصومة، وروح عصومة، وكل حاجة حلوة في عصومة، تعالي يا قلب عصومة وأنا هعوضك عن كل لحظة كنت بعيد عنك فيها يا موزتي.
تشعر كنوز أنها على وشك البكاء، بينما تنظر إلى عصام بعينين متسعتين، وهي تلعن نفسها على هذه اللحظة التي خطر على بالها فيها فعل مثل هذا، الذي أوقعت به نفسها في حفرة لا نهاية لها، بينما تتذكر هذه اللحظة الملعونة التي خطر على بالها فيها فكرة خبيثة مثل هذه.
(داخل ذكريات كنوز)
تجلس كنوز على الفراش، وهي تضم قدميها الاثنتين إلى صدرها، وتبكي بحرقة كلما تذكرت ما حدث معها منذ قليل، ولا تصدق أن جاسر، هذا الشخص الذي اعتبرته الملاك المنقذ لها ولإخوتها الصغار، هو نفس الشخص الذي كان السبب في موت أبيها وسلب السعادة والأمان من حياتهم. تردف كنوز قائلة من بين بكائها:
_أنا مش قادرة أصدق إنك إنت يا جاسر المجرم اللي قتل بابا وماما. معقولة بعد كل اللي إنت عملته علشان تحميني وتحمي إخواتي من شر فوزي وعصام، تطلع إنت المجرم الحقيقي اللي كان السبب في موت أغلى اتنين في حياتي؟
ثم تمسح دموعها بكره، وهي تردف بتوعد، بينما تنظر إلى انعكاس صورتها في المرآة بشر:
_بس... بقى كفاية أوي لحد كده. أنا هعرفكم أنتم التلاتة مين هي كنوز عاصي ورحمة ماما وبابا. اللي هتلفوا حوالين نفسكم زي الكلاب، ومافيش واحد هيعرف إيده من رجله. وأنا هعرف إزاي هاخد حقي وحق إخواتي، وأنتقم منك يا جاسر الكلب على قتلك لماما وبابا، وهشربك من نفس الكأس اللي أنا شربت منها.
❈-❈-❈
تستيقظ (كنوز) من ذكرياتها على صوت همس بالقرب من أذنيها، وأنفاس متسارعة تحرق عنقها، وهذه الرائحة التي تكره عبيرها. تغلق عينيها لبعض الوقت، بينما تحاول أن تستجمع قوتها من أجل الهجوم على هذا الفعل الذي يحدث دون إذنٍ مسبق منها، ثم تردف قائلة، وعيناها لا تريان غير ذلك الذي يقف ولا يستوعب أن ما يحدث حقيقة، ولا يتمنى أن يكون أحد غيره يتألم مثلما يتألم هو، لأن هذا الشعور القاسي يمزق قلبه إربًا، وهو يرى حبيبته بين أحضان شخص آخر غيره:
_بحبك أوي يا عصام.
كان (جاسر) يقف أمام باب الغرفة التي توجد فيها (كنوز)، يسمع ويرى كل شيء يحدث بين حبيبته وذلك السارق (عصام)، الذي سرق منه أغلى شيء على قلبه داخل هذه الغرفة الملعونة. قرر الذهاب عندما اكتفت أذناه من سماع ما يجعل قلبه يتمزق إربًا من شدة حزنه، وهو يسمع بأذنيه حبيبة قلبه، ومعذبة روحه وعقله، تخبر رجلًا آخر غيره بهذه الأحرف الأربعة التي تلهف طوال خمس سنوات، وفعل كل شيء من أجل أن يسمعها تقول له هذه الأحرف وهذه الكلمات، لكن من سوء حظه أصبحت ملك شخص آخر غيره.
يسير جاسر اتجاه باب المنزل، وهو يشعر بالاختناق، كما لو كان أسيرًا في قفص صغير لا يرى الضوء إلا خلف باب هذا القفص الصغير. كان يركض من أجل أن يتحرر من هذا القفص الذي سوف يقضي عليه، لكن من سوء حظه، وعندما يقترب من هدفه، يقف أمامه ذلك الحاجز الذي وقف بينه وبين باب حريته. ينظر (جاسر) إلى الضوء خلف ذلك الحاجز بلهفة، يريد أن يتجاوز ذلك الحاجز ويكمل رحلته بسلام، ويتحرر من هذا القفص المزعج، لكن يوقفه صوت رجولي حزين قائلًا بنبرة هادئة، لكن كلماتها تعني الكثير والكثير بالنسبة إلى قلب ذلك العاشق المحروم من عشقه:
_إيه يا (جاسر)، مالك؟ مش إنت اللي قولت من شوية إنك مستعد لأي حاجة هتحصل هنا؟
ينظر (جاسر) إلى صاحب الصوت بذهول، وهو يحدق بعينيه في وجه ذلك الشخص، يتأمل ملامح وجهه كما لو كانت أول مرة يراه في حياته، وكلماته أعادت إليه ذكراه والوعد الذي قطعه على نفسه، وأنه لن يترك حبيبته مهما حدث له داخل هذا المنزل الملعون.
ينظر إلى الضوء خلف ذلك الحاجز الذي يمنعه من الوصول إليه، وهو يتلهف للوصول إليه، لكن... يقرر الرجوع إلى الظلام من أجل أن يكمل ما بدأ، وأقسم قلبه ألا يترك معشوقته لشخص غيره، وسوف يفعل المستحيل من أجل أن يسترجع حبه الذي ما زال يحارب من أجل الحصول عليه.
يغلق (جاسر) عينيه للحظات، يحاول أن يهدئ النيران التي تحرق قلبه، وأن يسيطر على عقله الهائج الذي يردد كل ما حدث منذ قليل بجنون، والكلمات تتكرر في أذنيه. لا يستطيع (جاسر) التحكم فيما يحدث بداخله، ولا يقدر على إغلاق عينيه أكثر من ذلك. لم يستطع السيطرة والتحكم على ذلك البركان الهائج بداخله. يشعر بالاختناق، يريد بعضًا من الهواء من أجل أن يظل على قيد الحياة.
يركض (جاسر) اتجاه باب المنزل بجنون، وأقسم أن ينال حريته مهما كان السبب. يخرج من المنزل دون أن يقول شيئًا، بينما أردف مراد، الذي كان حاضرًا منذ البداية، ورأى وسمع كل ما حدث، وشعر أن صديقه على وشك السقوط، فقرر أن يكون هو السند الذي لن يسمح له بهذا السقوط، الذي سوف يكون انتصارًا لغيره:
_(جاسر)، استنى، إنت رايح على فين؟
لكن... كان (جاسر) قد خرج من المنزل بالكامل، ولم يهتم بنداء صديقه عليه، أو ربما لم يسمعه من الأساس. بينما ركب سيارته، وجلس على مقعد السائق، وشغّل السيارة بأقصى سرعة، يقودها بسرعة جنونية، كما لو كان يصارع ما يحدث بداخل قلبه.
ولم ينجح (مراد) في اللحاق بصديقه، لكنه لم يستسلم ويقف عند هذه النقطة، بل ركض اتجاه سيارته، وجلس على مقعد السائق، ويقودها على أمل أن يلحق بصديقه ويهدئه قبل أن يحدث شيء غير متوقع، ولا ينفع الندم بعد ذلك.
داخل المنزل، في الغرفة عند كلٍّ من (كنوز وعصام)
تقف (كنوز) أمام ذلك المتوحش الذي يلهث ويمتص عنقها بشغف، يطلب المزيد والمزيد، ودقات قلبها تتصارع بداخلها. لا تستطيع السيطرة على قلبها وعقلها الهائج، الذي لا يسمح لها بالتحكم في جسدها والسيطرة على ما يحدث بداخلها.
تغلق (كنوز) عينيها للحظات، تحاول السيطرة على البركان المشتعل داخل قلبها، وجمع قوتها الجسدية والعقلية من أجل أن ترفض كل ما يحدث لها، لكن بعد أكثر من محاولة فاشلة تنجح في ذلك، وتبعد ذلك الكائن الذي ينهش في جلدها مثل حيوان مفترس حصل على فريسة شهية المذاق. ودون أن يهتز لها طرف عين، تصفع (عصام) بقوة على وجهه، وأردفت بغضب شديد ونبرة حادة:
_إنت مين سمح لك تقرب مني بالشكل ده يا حيوان؟
يتبع…