
بقلم صباح عبد الله فتحي
أغلق جاسر عينيه محاولاً أن يهدئ من روعه ويسيطر على البركان الهائج داخله حتى لا يخيف ذلك الطفل بعدما تذكر أنه يتحدث إلى طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره
_ طيب اهدى يا زياد يا حبيبي وما تخافش وأنا هاتصل على عمو مراد ييجي لك ويشوف إيه الحكاية على ما أوصل اتفقنا
يرد زياد عبر الهاتف بنبرة حزينة وهو يمسح آثار دموعه بأصابعه الصغيرة
_ حاضر يا عمو جاسر اتفقنا بس تعالى بسرعة علشان خاطري
يرد جاسر بهدوء عكس العاصفة التي تعصف بداخله وهو يشد على شعره بيده محاولاً تهدئة نفسه والسيطرة على أفكاره المزعجة التي تهاجم عقله بلا رحمة
_ حاضر يا زياد يا حبيبي مسافة الطريق بس وهكون عندكم بس مش عايزك تخاف من حاجة طول ما أنا موجود معاكم اتفقنا وخد بالك من أخواتك لوجين ونادر لحد ما أوصل
يرد زياد عبر الهاتف
_ حاضر يا عمو جاسر
ينهي جاسر الاتصال مع الطفل زياد ثم يحرك أصابعه بسرعة على شاشة الهاتف وبعد لحظات يتصل بمراد وما هي إلا دقيقة حتى جاءه الرد فأردف جاسر بلهفة
_ اسمع يا مراد عاوزك تسيب كل حاجة في إيدك وتاخد بعضك وتروح علي بيت الزفت عصام وتشوف كنوز فين على ما أوصل
يرد مراد عبر الهاتف وقد بدت الحيرة في صوته
_ إيهدي بس يا جاسر وفهمني في إيه علشان أنا مش فاهم حاجة
يجيبه جاسر بصوت مرتفع وهو يقود سيارته وسط طريق مزدحم مما زاد من توتره
_ ما فيش وقت أشرح لك كل حاجة اسمع الكلام بس وروح لأخوات كنوز زي ما قلت لك وأنا لما أوصل هافهمك كل حاجة أنا كمان مش فاهم اللي بيحصل دلوقتي أنا سايق على الطريق والزحمة شديدة ومش هاعرف أوصل بسرعة علشان كده اتصلت بيك زياد أخو كنوز اتصل بيا من شوية وقال لي إنهم مش لاقيين كنوز في البيت وبيقول إنها اتخطفت روح بسرعة وافهم إيه اللي حصل وطمني أول ما توصل
يرد مراد بذهول
_ إيه اتخطفت إزاي ومين وليه
يجيب جاسر بقلق وهو ينظر من نافذة السيارة محاولاً أن يلتقط أنفاسه المسروقة ثم تقع عيناه مصادفة على مرآة السيارة فيلاحظ انعكاس سيارة مجهولة تسير خلفه ينظر إلى الخلف بدهشة ويركز مع تلك السيارة ثم يقول بانفعال وهو ما زال يراقبها من المرآة
_ اسمع يا مراد أنا هاقفل دلوقتي وانت خد بعضك وروح لأخوات كنوز هم لوحدهم في البيت وخليك معاهم لحد ما أوصل فاهم أنا بقول لك إيه
❈-❈-❈
بعدما أنهى جاسر ومراد الاتصال خرج مراد من مكان عمله واستقل سيارته واتجه إلى منزل عصام كما طلب منه جاسر بينما كانت علامات الاستفهام لا تفارق وجهه فلم يفهم شيئاً مما يحدث لكن من شدة حبه ووفائه لصديقه نفذ ما طلبه منه دون أي اعتراض وكان يأمل أن يفهم الحقيقة عندما يصل
ظل طوال الطريق يقنع نفسه بأن كنوز ربما خرجت إلى مكان ما دون أن تخبر أحداً وأنها لم تتعرض للخطف كما يظن جاسر
وبعد أكثر من نصف ساعة وصل مراد إلى بوابة سوداء كبيرة وأوقف سيارته أمامها ينتظر أن يفتح له الحارس ويسمح له بالدخول لكنه لم يجد أي استجابة فظل يضغط على بوق السيارة باستمرار ليعلن عن وجوده بينما كان يلهث من شدة الحر
مرت عدة دقائق بدت له وكأنها ساعات فقرر النزول من السيارة والتوجه إلى البوابة بنفسه ليعرف سبب عدم رد أحد عليه لكنه فوجئ بأن البوابة مفتوحة ولا يوجد حارس أو أي شخص في المكان.. أردف متعجباً وهو ينظر يميناً ويساراً
_ غريبة فين البواب والحراس ليه ما فيش حد
يفتح مراد البوابة ثم يعود إلى سيارته ويدخل بها إلى الداخل وبعد لحظات يوقفها أمام مدخل المنزل الذي يصعد إليه سلم صغير مكون من ست درجات
ينزل من السيارة ويتجه نحو المنزل فيهرول إليه إخوة كنوز فور رؤيتهم له.. ينظر مراد إلى زياد ثم يسأله بقلق
_ خير يا زياد إيه اللي حصل وفين كنوز أختك وليه ما فيش حد من الحراس موجود ولا حتى البواب موجود
يرد زياد بحزن وهو يفرك عينيه محاولاً إخفاء دموعه قبل أن يلاحظها أحد من أخويه الصغيرين تلك الدمعة القاسية التي تريد أن تهرب من بين جفونه الصغيرة ثم أردف قائلاً بصوت مخنوق بالبكاء
_ مش عارف يا عمو مراد إحنا كنا بنلعب استغماية وكانت كنوز قاعدة على المرجيحة اللي هناك دي
يقول ذلك وهو يشاور على الأرجوحة البيضاء الموجودة بالقرب من حمام السباحة في الحديقة ثم يكمل حديثه بينما ينظر مراد إلى المكان الذي يشير إليه ثم يعاود النظر إليه
_ ودخلنا جوا نستخبى من لوجين ولما طلعنا ما لقيناش كنوز مكانها دورنا عليها في البيت كله بس ما لقينهاش لا في البيت ولا في الجنينة وفجأة كل الناس اختفت ومش عارف راحوا فين وأنا خايف أوي
يردف نادر بنفس نبرة زياد الحزينة وهو ينظر إلى مراد
_ وأنا كمان خايف على أختي كنوز يا عمو مراد
يقترب مراد من الطفلين ويضم كلاً منهما تحت ذراعه ليشعرهما بالأمان ثم ينظر في أنحاء المنزل والحديقة على أمل أن يجد أحداً يشرح له ما حدث. وفجأة أردفت لوجين ببراءة
_ أنا شوفت عمو شال كنوز ومشي
ينظر إليها مراد بدهشة ثم ابتعد عن الطفلين وركع أمامها حتى أصبح في مستواها ثم أردف بلطف حتى لا يخيفها
_ لوجين يا حبيبتي عمو مين اللي شال كنوز ومشي بيها فين
ترد لوجين وهي لا تستوعب ما تقوله
_ مش عارفة مين بس هو عمو كان زي الحرامي وشال كنوز ومشي بيها وأنا كنت بنادي على كنوز بس هي ما كانتش بترد عليا
يقف مراد على قدميه وهو ينظر إلى لوجين بذهول ثم قال يحدث نفسه
_ يعني إيه كنوز اتخطفت بجد
أردف زياد بقلق واضح في نبرة صوته
_ هي كنوز أختي اتخطفت بجد يا عمو مراد
يرد مراد دون وعي وهو يخرج هاتفه من جيبه ويطلب رقماً ثم يضع الهاتف على أذنه
_ مش عارف يا زياد يا حبيبي بس اهدى وما تخافش علشان لوجين ونادر اتفقنا
❈-❈-❈
في منزل محروس وميرفت.. يدخل فوزي بعدما كسر باب المنزل بقدمه من شدة غضبه فلم ينتظر حتى يفتح له أحد الباب ثم صرخ بصوت أفزع الجميع
_ عصااااااام
تأتي ميرفت راكضة وتقف أمام ذلك الوحش الغاضب الذي راقب حركة يديها المرتجفتين ثم رفع عينيه إلى وجهها الذي غطاه العرق بالكامل فكان خوفها واضحاً أمامه
ثم حضر محروس الذي وقف بجوارها بينما كان فوزي يراقب الاثنين بعيني صقر لا تغيب عنهما حركة. أردف فوزي بتحذير ونبرة تشبه فحيح الأفاعي
_ فين الزفت اللي اسمه عصام ومش عاوز واحد فيكم يكذب عليا في حرف ولو اكتشفت إن حد فيكم كذب هتشوفوا مني اللي عمركم ما شفتوه
يرد محروس بتلعثم وهو ينظر إلى ميرفت كأنه يطلب منها النجدة ثم قال
_ هو بصراحة يا باشا عصام باشا أول ما عرف إن حضرتك سمعت كلامه هرب قبل ما حضرتك توصل
تحدق ميرفت في زوجها بدهشة بينما قالت في نفسها وقد ازداد توترها وهي تفرك كفيها بعنف حتى احمرتا دون أن تشعر
_ الله يخربيتك يا محروس الزفت هتودينا في داهية إيه اللي بتقوله ده يا ربي ما عصام باشا مرمي جوه أهو ليه بتكدب دلوقتي وبتقول إنه هرب أنا هتجنن الراجل ده عاوز يوصل لإيه
يلاحظ فوزي ملامح ميرفت المرتبكة وحركة يديها المتوترة فيتأكد أن محروس يكذب وأن هناك شيئاً يخفيه. يتقدم نحوها بهدوء مرعب حتى وقف خلفها وأحاطها بجسده كأنه يحاصر فريسته ثم همس بجوار أذنها
_ الباشا عصام فين يا فيفي حاسس إن المحروس جوزك بيكدب
يقاطعه محروس وهو يتلعثم وقد ارتجف صوته من شدة الخوف بينما ينظر يميناً ويساراً ثم ثبت عينيه على فوزي الذي يقف خلف زوجته مستعداً للهجوم في أي لحظة
_ ما أنا قولت لك يا باشا إن عصام هرب أول ما عرف إن حضرتك عرفت كل اللي عمله في بنت أخوك
وقبل أن يكمل حديثه بلغ غضب فوزي أقصى درجاته فأخرج مسدسه من خلف جاكت بدلته السوداء ودون تردد أطلق رصاصة استقرت في كتف محروس وسط صرخات الرعب والذهول.. سقط محروس على الأرض وهو يمسك كتفه الأيسر من شدة الألم بينما أردف فوزي بهدوء مستفز
_ معقول مفكرني غبي للدرجة دي علشان أصدق أي كلمة بتقولها يا روح أمك
ثم التفت إلى ميرفت التي ابتلت ملابسها من كثرة العرق ووضع المسدس على جبينها وأزاح بها قطرات العرق عن وجهها ساخراً من خوفها
_ توتوتوتو خير يا حلوة مالك خايفة كده ليه ما تخافيش يا جميل قلبي ضعيف وما يقدرش يؤذي واحدة جميلة زيك بس أنا متأكد إنك شاطرة وهتقولي لي عصام فين ومش هتكوني غبية زي الحيوان ده مش كده برضه…
يتبع