
بقلم صباح عبد الله فتحي
وقف جاسر يتحدث مع مراد الذي قاطعة عن الحديث قائلاً بانفعال قبل أن يكمل جاسر حديثه
_ كنوز اتخطفت بجد يا جاسر؟
يجيب جاسر على مراد قائلاً بهدوء قلق.
_ عارف كل حاجة يا مراد وأنا مع كنوز دلوقتي ما تخافش بس عاوزك تفضل مع الأطفال لحد ما نرجع أنا وكنوز
يجيب مراد بدهشة قائلاً وهو يحاول فهم ما يحدث حوله.
_ عارف كل حاجة إزاي وهترجع أنت وكنوز منين فاهمني علشان أنا مش فاهم حاجة خالص؟
يجيب جاسر بهدوء بينما يأخذ نفساً عميقاً من أعماق قلبه وهو ينظر إلى كنوز التي تنام أمامه مثل الملاك على الفراش ويردف قائلاً
_ جورج نزل مصر وطلع عارف كل تحركاتنا اللي كانت بتحصل معانا وفعلاً زي ما أنت قلت كان بيراقبنا ودلوقتي عاوزني أتجوز من كنوز ولما أعترض على اللي بيقوله هددني بقتلها وبصراحة مش عارف أعمل إيه دلوقتي؟
يندهش مراد مما قاله جاسر وقدوم ذلك الشيطان المفاجئ أدهشه أكثر بينما يردف قائلاً بانفعال
_ جورج نزل مصر إمتى؟ ده لسه مكلمني إمبارح وقال إنه نزل قريباً بس ما حددش إمتى وبعدين أنت معترض على جوازك من كنوز ليه؟ مش فاهم؟ وبعدين مش أنت كنت ناوي تتجوزها النهارده وتخلي الزفت عصام يمضي على ورق الطلاق؟
يشعر جاسر بضيق في أنفاسه ويريد النجاة من هذه الدوامة التي يغرق بداخلها وينهض من جوار ملاكه الجميل ويتقدم عدة خطوات باتجاه باب زجاجي يوجد في الغرفة ثم يرفع يده إلى الأعلى ليبعد الستائر عن الباب الزجاجي ويقوم بفتحه ويتقدم إلى الأمام خارج الغرفة ولكنه لا يخرج منها وإنما يخرج إلى الشرفة لينظر إلى جمال الطبيعة الخلابة التي توجد أمامه ويحاول استرجاع أنفاسه التي سُرقت منه ثم يغلق عينيه ويأخذ أنفاساً عميقة من الهواء النقي كما لو كان يغرق في قاع المحيط ونجا منه بصعوبة ثم يجيب على الهاتف قائلاً بضيق والتوتر واضح كوضوح الشمس في نبرة صوته
_ أيوه يا مراد ده اللي كنت ناوي أعمله بس مش بالطريقة دي كنت ناوي أتجوزها بس في بيتها بين أخواتها وبعد إذن عمها مش تتخطف وتتهدد بالقتل ده اسمه جواز إجباري وأنا بالشكل ده ما اختلفتش كتير عن عصام وعمها فوزي أنا عاوز أكون سبب سعادتها مش سبب حزنها عاوز أحميها مش أكون أنا السبب في تدمير حياتها أكتر ما هي مدمرة وبعدين كنوز لسه ما تعرفش أي حاجة عني ولا تعرف أنا ابن مين وأنا بصراحة خايف من رد فعلها عن كل اللي بيحصل ومش عارف هتفكر فيا إزاي لما تعرف أنا ابن مين أكيد هتفكر إني مجرم وإن أنا قتلت أهلها قصد ومش عارف هعمل إيه لما تفوق ولا أقول لها إيه؟ أقول لها إني ابن أكبر رجال المافيا وهو اللي خطفك علشان أتجوزك غصب عنك ولو ما وافقتيش هتموتي؟
وفجأة يشم رائحة عطر يعرف صاحبتها جيداً فيلتفت ببطء وتتسارع دقات قلبه حتى تكاد إحدى دقات قلبه تتوقف عندما وجدها أمامه وتضطرب أنفاسه وهو ينظر إلى ملامحها الخلابة الفاتنة وجمالها النادر بالنسبة له ويعلو صدرها ويهبط بعنف كما لو كانت في صراع عنيف مع أنفاسها المتقطعة ليقف متفاجئاً بهذه التي سلبت من عقله وقلبه الهدوء والسكينة وسيطرت على شغفه وهوسه لينظر إليها مندهشاً ويتسلل الرعب إلى قلبه من هذه الفكرة المزعجة وهي أن تكون قد سمعت شيئاً مما قال عنها. هذه الفكرة كانت كافية لتزرع الرعب والخوف في قلبه وتشغل عقله بالكامل ليتوقف عن العمل في هذه اللحظة وهو يحدق في هذه التي تقف وتضم يديها الاثنتين إلى رأسها تحاول كتم الصراع الذي بداخلها والألم الذي تشعر به والذي على وشك تفجير رأسها من شدد ما تشعر به من ألم.
ويسيطر صمت مرعب على الزمان والمكان ويقطع هذا الصمت صوت أنين كنوز المتألمة وهي تضم رأسها من شدة الألم الذي يهاجم رأسها دون رحمة بسبب تأثير المخدر الذي ما زالت أسيرة له وهي تتمايل بجسدها كما لو كانت تحلق في السماء وتتنقل قدماها بسرعة كالبرق إلى الأمام ثم إلى الخلف ثم إلى اليسار ثم ترجع بقدمها إلى الخلف بحركة سريعة وتنتقل إلى اليمين بينما تضم قدميها إلى بعضهما ولا يستطيع أحد فهم تحركاتها غير المستقرة في اتجاه واحد مهما حاول أن يفهم ذلك
وفستانها الأبيض الطويل الذي يحلق معها في الهواء يزيدها جمالاً مع بشرتها القمحية الرقيقة مثل بشرة طفل صغير ما زال في أول أيام حياته وعينيها اللتين تشبهان عسل النحل الصافي وشعرها البني الداكن المبعثر على كتفيها وبعض الخصلات المتمردة على وجهها تتراقص مع نسمات الهواء النقية الهادئة وغروب قرص الشمس الذهبي الذي ينعكس على جسدها مع فستانها الأبيض المصنوع من الحرير والمخصص لها يزيدها جمالاً فوق جمالها الطبيعي الخلاب
كان يراقبها ويراقب تحركاتها بعين ذلك العاشق الذي انبهر بجمال هذه الحورية التي تقف أمامه وانعكاس غروب قرص الشمس الذي شكل ظلاً ذهبياً رقيقاً على عينيه ليزداد جمال هذا المنظر الذي يرق له قلب الكثيرين
وفجأة يشعر بأن نبض قلبه تسارع فجأة ودون وعي منه ينحني بجسده ليلتف ذراعه حول خصر حبيبته التي كانت على وشك السقوط سقوطاً مؤلماً وأقسم قلبه ألا يسمح لهذا السقوط العنيف أن يؤذي معشوقته
تتمايل هي بجسدها على ذراعه وتلتف ذراعاها الاثنتان حول عنق عاشقها لينتشر شعرها المتمرد في الهواء ويميل هو على جسدها غصباً عنه ليغرق في أعماق عينيها اللتين تبرقان في ظل ذهبي رقيق وينحني برأسه على عنقها ليضع قبلة رقيقة دون أن يشعر بذلك فقد سيطر عليه شغفه وجنونه على عقله وقلبه ويريد أن يتذوق مذاق معذبة قلبه وروحه ليمتص عنقها بشغف وهو لا يشعر بشيء كما لو كان في رحلة جميلة بين السماء والأرض مغيباً عن هذا العالم والواقع القاسي الذي يعيش فيه الآن
يقاطع هذه اللحظات الجميلة التي أفقدته صوابه طرقات رقيقة على باب غرفته وفي هذه اللحظة يعود إليه صوابه لينظر بدهشة وتعجب إلى ما كان يفعله لأنه لا يصدق أنه يفعل ذلك مع فتاة لا تحل له والندم يتغلب عليه ليسيطر على ملامح وجهه بينما حمل هذه الفاتنة التي لا تستوعب شيئاً مما يحدث على ذراعه وذهب بها إلى داخل الغرفة مرة ثانية ليضعها على الفراش وابتعد عنها كما لو كان يكره الاقتراب منها وأردف قائلاً بصوت رخيم
_ ادخل
تدخل إلى الغرفة مديرة الخدم قائلة بصوت أنثوي رقيق
_ مساء الخير سمو الأمير جاسر إن السيد جورج قرر أن يتناول العشاء معك اليوم وهو ينتظر قدومك على العشاء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
في غرفة مخصصة لطعام كان يجلس جورج والد جاسر على رأس المائدة فوق الكرسي المزخرف بالمجوهرات وينتظر حضور جاسر بينما يراقب عقارب الساعة المعلقة على الحائط أمامه ليجد أن الساعة الثامنة وخمس دقائق وقد مرت خمس دقائق وهو يجلس ينتظر قدوم ذلك المتمرد عليه الذي لا يتجرأ على الاقتراب منه ولذلك يفعل هو ما يريد ويتمرد عليه كما يريد
وفجأة يظهر على الدرج أمامه ذلك الذي يشتاق إليه قلبه ويتمنى أن يضمه إلى صدره ولو للحظة واحدة فقط لكن كبرياؤه وطبيعة عمله التي لا تسمح له بأن يظهر أي مشاعر تكمن داخل قلبه من أجل ألا يستغل أحد نقطة ضعفه وحبه إلى ابنه الوحيد
كان يراقب نزول جاسر من على الدرج درجة درجة وهو يتأمل ملامحه الهادئة التي تشبه ملامح والدته المتوفاة كثيراً والتي يشتاق إليها أكثر مما يشتاق إلى قرب ابنه الوحيد منه
لقد عشقها إلى حد الجنون فقد كان معها إنساناً بكل معنى الكلمة وكان يمتلك قلباً ينبض لها هي فقط ولم ينجذب قلبه إلى امرأة غيرها وكره قلبه جميع النساء على وجه الأرض من بعدها وقد فقد شهوته ومتعه كرجل منذ ذلك اليوم الملعون الذي قُتلت فيه زوجته وحبيبة قلبه وأصبح منذ ذلك اليوم جسداً بلا روح إنساناً أشبه بحيوان مفترس جائع لا يهتم بشيء غير أن يقضي على فريسته وينال كل ما يريد
أصبح بارد المشاعر متحجر القلب ولا يرق قلبه إلا لطفله الصغير الذي تركته له زوجته المتوفاة ذكرى طيبة وجميلة منها من أجل أن تظل ذكرياتها الجميلة محفورة داخل قلبه وعقله الذي لم ينس ذكرياتها للحظة واحدة
شرد ذلك المتحجر القلب البارد كالجليد في ذكرياته الجميلة مع زوجته الحبيبة رحمها الله وعيناه تراقبان ملامح طفله الصغير ولم ينتبه أنه أصبح يجلس معه على مائدة الطعام ولم يسمع ما قاله له بينما أردف جاسر قائلاً باستغراب وهو ينظر إلى ذلك الذي ينظر إليه بحنان لأول مرة يرى في عينيه بينما يقف الخدم يفرغون الطعام في الأطباق بحذر شديد وهم يعلمون أن في هذا المنزل لا يُرحب بالأخطاء مهما كانت صغيرة
_ ما بك سيد جورج؟ هل هناك شيء خاطئ سيدي؟
يرد جورج قائلاً دون أن ينتبه إلى ما يقول
_ لماذا تتحدث معي بهذه الطريقة الرسمية يا بوني؟ هل نسيت أنني والدك وأنت ولدي الوحيد جاسر؟ لقد اشتقت لك كثيراً يا بوني أريد أن أضمك إلى صدري وأريد أن أشم رائحتك التي لا أمل منها مهما حدث
يرامقه جاسر بدهشة وهو لا يستوعب ما يحدث ولا يعرف إن كان ما سمعه حقيقياً أم أنه يتوهم لا أكثر بينما ينظر إلى الخدم المجتمعين بجوار مائدة الطعام وهم يقفون مثل الأصنام لا يرون ولا يسمعون شيئاً وأجسادهم مثل الدمى لا توجد أرواح بداخلها قبل أن يردف قائلاً بذهول
_ هل أنت بخير سيدي؟
وفي هذه اللحظة ينتبه ذلك المتحجر إلى ما قاله ويضع قناع البرود مرة ثانية وأردف قائلاً
_ لا لم أقل شيئاً انسَ كل ما سمعت وهيا تناول طعامك في هدوء أريد أن أتناول طعامي
ثم ينظر باتجاه الخدم وأردف قائلاً وهو يريد تغيير مجرى هذا الحوار الذي أوشك على كشف ما يكمن بداخله وهذا ما لا يريد أن يحدث مهما حدث
_ أين جومانا؟ لماذا لا أراها بينكم؟
يجيب جاسر على سؤاله قائلاً بهدوء مستفز وهو لم يرفع عينيه عن طبق الطعام الذي يتناول منه عشاءه
_ لقد طلبت منها أن تظل مع الآنسة كنوز لحين أن تستفيق من تأثير المخدر سيدي وسوف أذهب أنا وأظل بجوار الآنسة وسوف أخبر جومانا أن تأتي إليك
يقول ذلك وهو يترك الملعقة من يده ويمسح يده في منديل أبيض اللون يوجد بجواره على مائدة الطعام ثم نهض من على مقعده وينوي الرحيل لكن يوقفه صوت جورج قائلاً بلهفة وهو لم يمل بعد من رؤية طفله
_ لا ابقَ أنت لا أريد جومانا في شيء مهم اجلس ثانياً وتناول عشاءك أولاً
ينظر إليه جاسر نظرات لم يستطع جورج أن يجد التفسير الصحيح لها ثم يجلس على مقعده مرة ثانية وأردف قائلاً وهو ما زال يراقب جورج الذي ينظر إلى طبق الطعام أمامه ويتجاهل نظرات جاسر عمداً
_ أريد أن أذهب وآخذ الآنسة معي هل تسمح لي بذلك؟
ترك جورج ملعقة الطعام من يده ويسحب المنديل الأبيض الحريري الموجود على المائدة أمامه ويمسح فمه بشكل لائق ثم يمسح يده ويعيد المنديل إلى مكانه الصحيح وكان يراقب جاسر كل تحركات جورج والفضول ينهش عقله وينتظر بفارغ الصبر أن يعلم ما الذي سوف يخرج من ذلك الفم وبعد لحظات مرت مثل الدهر على جاسر تفوه جورج قائلاً
_ لا لن أسمح لك بفعل ذلك إلا إذا وافقت على ما طلبته منك صباح هذا اليوم
ينظر إليه جاسر بشرود بينما يسترجع عقله ما حدث معه في صباح هذا اليوم
رجوع إلى الماضي
على طريق مزدحم بالسيارات تقف سيارة جاسر السوداء بينما يجلس جاسر في سيارته وهو ينظر إلى الزجاج الخلفي للسيارة ويحمل الهاتف في يده ثم يترك الهاتف على الكرسي المجاور له وهو ينظر بدهشة إلى هذه السيارة السوداء الفاخرة التي تقف خلفه وهو يعلم من صاحب هذه السيارة
يفتح جاسر باب السيارة على استعجال ويذهب باتجاه تلك السيارة من أجل أن يتأكد من شكوكه وفجأة يُفتح باب السيارة له قبل أن يصل إليها وفي هذه اللحظة يتأكد جاسر من شكوكه ويتقدم باتجاه السيارة بخطوات ثقيلة وعندما يصل إلى الباب المفتوح له يطأطئ رأسه وهو يسند بيده على زجاج السيارة من الخارج وينظر إلى الشخص الذي يجلس بهدوء داخل السيارة وأردف قائلاً باستفهام ممزوج بدهشة
_ ماذا تفعل هنا ومتى أتيت إلى مصر؟
يرد عليه ذلك الشخص الذي يجلس بهدوء داخل السيارة قائلاً
_ اجلس جاسر أريد التحدث معك قليلاً
ثم ينظر باتجاه سائق السيارة وأردف قائلاً موجهًا حديثه إليه
_ اذهب أنت وأحضر السيارة الثانية إلى المنزل وسوف يقود جاسر هذه السيارة
يرد جاسر بضيق قائلاً دون تفكير
_ لا أريد سوف أذهب لدي عمل مهم يجب علي القيام به
يتبع