
رواية جمعية حب الفصل التاسع والثلاثون 39 بقلم شمس محمد بكري
|| في موقفٍ لا تُحسد عليه||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
والمغفرة، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________
حبيبتي التي هي أنا..
المرء فينا يحيا الحياة كل يومٍ بها يواجه الحروب
حروبٌ عتية تجعله دومًا كما المكروب،
يكون فيها النصر بعيدًا كما الشمس خلف شعاع الغروب،
لكنه لا ييأس،
بل يحاول لأنه يُدرك أن الحرب دون خوضٍ منه تكون كما القلب المعطوب، أتدرين شيئًا عن المحارب هذا؟ حين سألهم عن نصره في النزالِ، أخبروه أن خبر نصره بمكذوبٍ
أفيُعقل أن يخوض المرء نزالًا ويُنهيه بشق أنفاسه
ويعود دون أن يعلم علام خاض النزال
وبماذا كان يُجديه..
<"لو أن الحياة تحلو للمرء لن يُدركها بغير مُرها">
أوليس للنجاة حقًا عليك بدلًا من أن تلقِ بنفسك للتُهلكةِ؟
بدلًا من أن ترمي نفسك في غيابة الجُب وتمسىٰ عن نفسك مفقودًا وتكون مجرد غريبٍ حتى عن ذاتك؟
حيثُ تقف أمام نفسك كأنك تقف أمام عدوٍ لك
وبدلًا من الدفاع عنكَ تجدها تلومك لأنك كنت خصمها الأول.
_حقك عليا معلش يا حبيبي.
انتبه "مُراد" للصفةِ الموهوبة لها بينما هي فكانت كمن وضعت رأسه بين مطرقةٍ وسندانٍ، كأنها ولجت برأسها لقفص الأسد وتتمنى أن تنجو منه سالمةً، لكن هل التمني يكون ذات يومٍ يكون حقيقة ملك اليمين وطوع اليد؟ خاصةً إذا كانت تجهل رد فعل "مُراد" الذي صوب عينيه نحوها هي..
بدا كأن الزمن دارت دورته عليه حتى يُصبح في موقفٍ مثل هذا، الحبيبة القديمة التي كانت سببًا لشغفه تجاه الحياة تقف مع حبيبٍ آخر غيره، ينعتها ويصفها باللقب نفسه، وقفا كما غريبين أمام بعضهما ولم يبدُ عليهما أنهما ذات يومٍ كانا كما روحٍ واحدة مُتفرقة تستعد للاجتماع، كانت هي الأسرع حين شخصت ببصرها بعيدًا عنه وانتبهت للآخر الذي حدثها مبتسمًا:
_إيه رأيك بقى نعمل كتب الكتاب هنا على البحر؟ هيكون لذيذ ومميز ونخلي الديكور على ذوقنا واختيارنا ويبقى مميز.
لم تكن قاسية أكثر من ذلك حتى تتركه يتحدث عن أحلامه التي كان يحلمها غيره ذات يومٍ، لذا تنهدت وهي تغصب شفتيها على بسمةٍ منقوصة غير مُكتملة ثم استطردت الحديث بقولها:
_طب ممكن نخلي الكلام دا لمرة تانية؟ إحنا مستعجلين.
ابتسم لها ثم انتبه للواقف بينهما يلتزم الصمت ثم نطق بهدوءٍ:
_دا أستاذ مُراد نصار اتعرفت عليه من دقايق وبالصدفة عرفت إنه أخو أستاذ يُسري، يعني أي تفاصيل هنحتاجها هيكون معانا فيها إن شاء الله.
توسعت عيناها خوفًا من أن يكون كشف له هويته السابقة في حياتها، وقد لحظته بعينيها لتراه في صورةٍ أبشع مما قد يُخيل لها، لأول مرةٍ تُشفق عليه لهذه الدرجة، حتى ملامحه التي تبدلت وأصبحت مختلفة عن السابق، خصلاته التي كانت طويلة وتغطي مؤخرة رأسه أصبحت قصيرة ومرفوعة للأعلى، تلاشت بسمته البشوشة فأصبح واجمًا متهجمًا، بدا لها كأنه غريبٌ عنها ولم تعرفه من قبل.
حين تلاقت الأعين في طريق الذكرى القاسي كان كأنه يتهمها بشيءٍ، نظراته تلومها على شيءٍ لم تعرفه، لذا ابتسمت بتوترٍ ونطقت بنبرةٍ مُلجلجة ومتوترة:
_اتشرفت بحضرتك، عن إذنك.
أعلنت هي رحيلها أولًا وتحرك خلفها خطيبها بعدما ودعه بأدبٍ وكياسةٍ وذوقٍ، فيما ثبت "مُراد" عينيه عليها وهي ترحل مع الآخر، ترحل كما ترحل الأحلام، وتحتل أيام المرء الآلام، وحين يُخذل من نفسه قبل الغريب، وحين يموت في معركةٍ لم يكن طرفًا فيها لكنه أصبح في طرفة عينٍ العدو الأكثر خصومة للآخرين..
اختفت في ثوانٍ من أمام عينيه كأنها لم تكن، شرد فيها وفي شريط حياته الذي مر عليه معها، منذ أن فُتِن بها وبحماسها وشغفها بالعمل حتى قتلته بحديثها واتهمته بأقسىٰ التُهمِ، جلس عند نهاية الجسر بجسدٍ انحنت شدته وارتخىٰ ثباته..
راقبه "صُهيب" بتيهٍ لكنه أدرك أن هناك خصومة وقعت بين الاثنين لذا لم يتحدث أو يسألها عن شيءٍ لأنه يشعر أنها أغضبت عمه وأحزنته وعليه ألا يتحدث مع شخصٍ جرح عزيزًا عليهِ، فيما شرد "مُراد" وثبت عينيه على الفراغ وآخر ذكرى جمعتهما تطوف حوله، أغمض عينيه يُعيد الموقف ويشعر أن الخنجر يطعن قلبه..
[منذ ما يُقارب العامين]..
_كدا مش حل يا مُراد، بقالنا ٦ شهور على الوضع دا وأنتَ ولا أنتَ هنا، المعرض ضاع من إيدينا وماتحركتش، المشروع اللي كنا هنموت علشان ندخله تبع الوزارة مارديتش عليهم وضاع مننا، حتى أنا مابتكلمنيش أصلًا وسايبني زيي زي أي حاجة مرمية عندك، أنتَ كأنك ميت.
وقتها كان ساهرًا في المرسم الخاص به، فقد شغفه ومُحرك إبداعه بعد وفاة توأمه، فقد كل شيءٍ حتى نفسه خسرها، وقد كان يجلس مستندًا على الجدارِ ويتكيء عليه وفي يده سيجاره الذي يدخنه بشراهةٍ، وحين تحدثت أغمض عينيه وتجاهلها وقد يكون هذا أكثر ما ألمها منه، لذا ضربت الحامل الخشبي لتُسقط إحدى لوحاته وهي تصرخ بغضبٍ:
_بطل كل ما أكلمك تبصلي كدا، أنتَ مين؟ مستحيل تكون مُراد اللي أنا عرفته وحبيته، كأنك اتبدلت وبقيت واحد تاني، عمال تفشل وتفشل وتضيع كل حاجة من إيدك، ووضعك دا هيضيعنا من بعض، ليه بتحكم على نفسك بالفشل دا بدل ما تقوم تقف على حيلك وتكمل؟ ليه في عز نجاحك بتوقف كل حاجة؟.
_علشان ميت، علشان مفيش ميت بيعمل حاجة جديدة، مفيش ميت بيقدر يقف تاني، الميت مابيرجعش تاني للحياة، وأنا ميت ماعنديش حاجة أعملها، عرفتي ليه؟ علشان زيي زيها الفرق إن هي دخلت القبر وأنا لسه هنا فوق الأرض، إحنا جينا الدنيا مع بعض ولما هي مشيت منها خدت روحي كلها مني.
هدر في وجهها صارخًا فانفعلت منه واتقد غضبها أكثر كونه استسلم للضعفِ هكذا، صرخت تهدر بذات الغضب بل قد يكون أكثر صعوبة في التحمل منه:
_دا كدا هو دا الفشل بعينه، زيك زي الفاشل اللي مبيحاولش وماعندوش استعداد يحارب علشان حاجة، وأول ما بيصدق يلاقي حِجة يرمي فشله عليها، عاوز دلوقتي توقفنا؟ عاوز بعد كل التعب دا ترجعنا ورا؟ عاوز تضيع وتضيعني منك؟ أنتَ عاوز إيه يا مُراد؟.
تنهد بثقلٍ ونطق بخمولٍ أثقل لسانه كما أثقل روحه:
_سيبك مني أنا، أنتِ اللي عاوزة إيه؟.
_عاوزاك تحاول من تاني، عاوزاك تقف على رجلك وتنسى اللي حصل على الأقل لو هي راحت تبقى مبسوطة بيك لما تتقابلوا بعد عمرٍ طويل، صدقني عاوزاك تقف على رجلك علشانك وعلشاني.
أغمض عينيه يتمسك بآخر ذرات الهدوء ثم سألها بنفاذ صبرٍ:
_ولو قولتلك إني مش قادر وعاجز واللي عاوزاه صعب يحصل؟.
لم تتوقع أن يكون هذا هو الجواب منه، لذا برقت بعينيها ذاهلةً لكنها حسمت أمرها، تذكرت كيف تبدل كُليًا طوال الأشهر الماضية حتى أصبحت لا تُساوي أي قيمةٍ في حياتهِ فنطقت بما أنهى هذا الفصل من رواية العُمر:
_يبقى خلاص اللي بيني وبينك كدا، عجزك هيخليك بعيد ومش قادر تتحرك وأنا ماقدرش أعجز نفسي بنفسي، أنتَ أكتر واحد عارف طموحي عامل إزاي وواصل لفين، يبقى خلاص كدا.
لم تكن صامتةً قط لكنها حين تحدثت نطقت بأول القصيدة كُفرًا، وسع عينيه وهو يرفع رأسه يُطالعها حيث تقف فوجدها تُخرج خاتم خطبتها من الحقيبة ثم مدت يدها له وهي تُكمل بقسوةٍ:
_دبلتك أهيه، أنا أصلًا بقالي كتير قالعاها من أيدي علشان مش حاسة إن صاحبها موجود، دلوقتي هي حقك وأنتَ أولى بيها، بس نصيحة مني ليك، يا تقدر تقف من تاني وتحاول حتى لو أنتَ فعلًا ميت، يا تخليك كدا زي ما أنتَ وساعتها حتى لو بقيت ميت محدش هيحس بيك.
أنهت الحديث وقتذاك ورحلت من المكان، غادرته بلا رجعة، تحررت من قيده الذي شدَّ معصمها وجعلها رهن إشارته ومحاولته، فبعدما كانت تتمنى مرافقته لدياره أصبحت أقصىٰ أمانيها أن تنسىٰ أنه ذات يومٍ ولج دارها، استسلم لما فعلت لأنه حقًا فقد كل الحِيل، يبدو كأن كل الجهات ضده وتُحاربه وحده..
غرق في التفكير والذكرى تؤرقه وتقتله بكل أسفٍ، وقد خرج من شروده على جلوس "صُهيب" بقربه وهو يسأله بحزنٍ غطىٰ نبرته:
_أنتَ ليه زعلان؟ علشان هي مباقيتش صاحبتك وبقت صاحبة حد تاني؟ هو أنتَ ماينفعش تصالحها وخلاص وتكونوا صحاب؟.
يبدو أن هذا الصغير يعرف الكثير ولا يعرف الأكثر، لذا تنهد "مُراد" واسترد حديثه بأسفٍ وثُقلٍ:
_للأسف مش كل حاجة ينفع نصلحها بكلمة، فيه حاجات لازم تتحل في وقتها علشان تخلص منها ومايجيش عليك وقت تلاقيها بتدمر حياتك، صعب يا صُهيب.
عقد الصغير حاجبيه بغضبٍ طفولي وسأله بما سمح له نطاق عقله أن يفكر فيه:
_طب ما إحنا كنا متخاصمين أنا وأنتَ بس لما صالحتني أنا وافقت أصالحك وبقينا صحاب تاني، وبابا وماما كمان كانوا متخاصمين ومش بيكلموا بعض بس بقوا متصالحين عادي.
تنهد "مُراد" بضيقٍ ثم رد بفتورٍ كأنه فقد القدرة على الكلام:
_علشان أنتَ لسه صغير وقلبك طيب، لكن الكبار بيكون ليهم طريقة تانية يفكروا بيها، وبابا وماما أصلًا مفيش حاجة بينهم علشان يتخانقوا، هُما بس كانوا مش فاهمين بعض.
_يعني لما أكون كبير لو حد زعلني وجه يصالحني مارضاش؟.
يسأل وهو على سَجِيته الحنونة، طيبته ورقة قلبه هما أسمى صفاته لذا هذا ما يظهر عليه وعلى كلماته، حتى أن عمه زفر أنفاسه اليائسة ثم جاوبه بحزنٍ وقهرٍ:
_لو لسه قلبك طيب زي ما أنتَ كدا وعلى نياتك وقتها لو جه وقالك أنا آسف أنتَ هترضىٰ عادي وتوافق، لو الدنيا غيرتك بقى حاول تتمسك بأصلك الطيب وتسامح.
أومأ له الصغير بقدر ما استطاع أن يفهم الحديث، بينما "مُراد" فعاد لبؤرة الشرود وركز بعينيه في البحر أمامه وهو يشعر بالرهبةِ منه، أصبح يخشاه بقدر ما كان يحبه، راقبه وأحس أنه يُشبهه كثيرًا، يبدو فارغًا من السطحِ لكن ما خفىٰ بداخل العمق كان أعظم، يبكي لأنه أشبه ببحرٍ فقد كنزه، لكن ما جال بخاطره يوصف ببلاغة القولِ بـ:
-أيبكِ الفتىٰ علىٰ حُلمٍ أضاعه هو بيدهِ حين عنه تخلىٰ؟.
____________________________________
<"كأنكِ لي شمسٌ وقمرٌ شاطيءٌ وبحرٌ، وأنا بهم مُغرم">
حين يُسحر المرء بطبيعة شيءٍ قد لا يكون الشيء ساحرًا بطبيعتهِ، لكنه يكاد يكون يرى الشيء بطبيعة عينيه هو، كأنه يُضفي جمالًا بنظراتهِ فوق جمال الشيء حتى يراه بهذه الطريقة، كأنه يختار طواعيةً منه كيف يُبصر في كل شيءٍ جمالًا..
نهارٌ شتوي يمتزج برائحة لن يُدرك جمالها إلا من يعشق هذه الأجواء ويُحب الشتاء بإخلاصٍ، وهي لم تكن مُجرد مُحبة فقط، هي شغوفة بالشتاء، مهووسة بشواطيء الاسكندرية، مُولعة بحب هذه الأجواء، تعشق الحياة هُنا وتُحب كونها تنتمي لهنا أصلًا وأبًا، فتحت النوافذ الخشبية كبيرة الحجم ورحبت بالهواء وهو يُداعب الستائر البيضاء واللون الرمادي الداكن يغلب على كل ركنٍ في المكانِ..
ولجت الشُرفة تتابع حركات الموج وهي تشتم الرائحة التي تعشقها، ثم خطر ببالها أن تُكمل الأجواء هذه بصحبة قدحٍ من القهوة، لذا تحركت تبحث بداخل المطبخ وحين وجدتها وقفت تصنعها لنفسها، وسُرعان ما انتهت فأخذت القدح وسحبت وشاحًا زيتوني اللون تتوشح به ثم ولجت تسحب نفسًا عميقًا وهي تبتسم وترتشف من قهوتها، ثم أخرجت هاتفها وقامت بتشغيله وهي تبتسم وتتذكر اعتراف الأمسِ لتترك الكلمات تنساب لمسمعها:
_حبيبي ليه تغيب وتسيبني لحالي؟
وحشاني ليه ما كنتِ معايا بثواني.
تسألني حاسس بإيه وأكيد في إجابة في دماغي
مش حاساها ولا إيه هاقولها وأنتِ قوليهالي
كلمة حبيبي باينة في عينيه
بس مابيقولهاليش مش عارف ليه؟.
توسعت بسمتها وهي تتذكر اعترافه بأنه يُخمن وقوعه في حُبها، وابتسمت حين فسر سبب مشاعره وتخبطه في أمرها، لكنها على يقينٍ أنها أحبته، بل ووقعت في عشقهِ، حتى لو تمنت لنفسها رجلًا فلن يكون كما "أدهـم" قط، ولتوها أدركت لماذا كان "آدم" يقسم لها بأن أخيه لن تجد هي مثله، وهو بكل أسفٍ مُحقٌ.
شعرت بحركته بقربها وعطره يفوح حولها كما الكف الآمن حين يُعانق الخائف فيطمئنه، التفَّت برأسها له مبتسمة العينين فوجدته ينطق بصوتٍ ناعسٍ:
_عاملة قلق ليه على الصبح؟.
ذُهلت هي من سؤاله وردت باستنكارٍ:
_صبح !! إحنا خلاص بقينا العصر وأنتَ لسه نايم من إمبارح، حاولت أصحيك لاقيتك بتتقلب واتشنجت خرجت وسيبتك، مع إنك قولتلي هتوديني الصبح عند ياقوت، بس علشان تعرف إني أجدع منك.
رفع حاجبيه بسخريةٍ ثم مط شفتيهِ يُزيد سخريته بملامحه لكنه انتبه لوميض عينيها، انتبه لسحرها الذي عاد لها فأصبح وجهها نيرًا مُشرقًا، تبتسم له وهي ترتشف قهوتها وسهام عينيها تتابع الموج، راقبها بشرودٍ وهو يتعجب لمَّ تبدو مُريحة له بهذا الحدِّ؟ تبدو كأنها أطيب أهالي الأرض، سبحان الخالق الذي وهبها هذا القبول في عينيه حتى تصبح مراقبتها أحب الأشياء على قلبه..
انتبهت له فمدت كفها بقهوتها تعرضها عليه فانتبه لها وخرج من قوقعة شروده، ابتسم بعينيه وأخذها منها ثم قال بهدوءٍ يعكس حالته المزاجية:
_مع إني مش بحبها على الصبح كدا بس مش هقدر أكسفك.
ابتسمت هي له بامتنانٍ وراقبته وهو يرتشف قهوتها، وجدت نفسها تغوص وتغرق وتستسلم لرؤيته، آلفته كما تألف هذه المدينة جيدًا، وجدت في تفسيرها له شيئًا جديدًا يَعزُ على قلبها التشبيه به، حيث تراه يُشبه الشتاء، رغم برودة الأجواء فيه لكنه أيضًا هو سبب الدفء حين يحتمي المرء في بيتهِ ويتابع زخات المطر من خلف الزجاج، هو لم يكن باردًا بقدر ما يبدو لها دافئًا، حتى عناقه الذي يأويها كل ليلةٍ هي تُحب الانتماء له..
ناولها قهوتها ثم استقام واقفًا وقال مبتسمًا:
_أنا هنزل تحت أجيب الغدا من مطعم هنا حلو أوي بحب آكل منه لما آجي هنا وموصيهم من إمبارح مخصوص، محتاجة حاجة أجيبهالك معايا وأنا جاي؟.
حركت رأسها نفيًا وهي تبتسم له فمال عليها يطبع لثمة حنونة فوق رأسها واستعد للمغادرةِ دون أن ينتبه لحالتها، فراشات معدتها تحررت، وتلك الانقباضة الغبية زادت عند مقدمة معدتها، أحست بدوامةٍ تسحقها وتبتلعها نحوه، أقل الأفعال التي تصدر منه تصنع كوارث بالغة الأثرِ عليها.
وقفت في الشُرفة ومالت على الدرابزون تراقبه حتى خرج من البناية وعبر الطريق للجهة الأخرىٰ، ابتسمت وهي تراقبه وتمنت لو استطاعت أن تُسعده بدون بخلٍ أو شُحٍ كما يفعل هو معها منذ أن اجتمع طريقها بطريقهِ، ولجت للداخل وهي تشعر بالحماس المفرط وفرط الحركة غير المُفسرة، ركضت بخبالٍ نحو المرآة كبيرة الحجم ووقفت أمامها، تبتسم فيها ثم حررت خصلاتها..
وقفت تبتسم لوهج عينيها وضي وجهها ثم التفتت وكأي أنثى تعرف كيف تعبر عن الحالة المزاجية بدلت الأغنية لأخرى أكثر حيوية وبدأت تتمايل وتتراقص، كانت كغيرها من الفتيات السجينات بداخل قفصٍ يحكم عليهن الحصار، وهي أنثى بأجنحة تبغى الطيرِ، حتى هذا الفعل الفطري حُرمت منه، كلما شاهدها أحد أفراد العائلة وهي ترقص في أي مناسبةٍ يتهمونها باتهاماتٍ صعبة ويسبون أخلاقها.
_إني أحب مش هو دا ياللي تاعبني
دا أنا شايلة سر معذبني، دا أنا روحي فيك
ومسيري في يوم هاجي أقولك
وأعيش حياتي وأنا جنبك
دا أنا عمري ليك.
كانت تتمايل على هذه الكلمات وهي تتمنى لو تعبر له عن مشاعرها وتنتهي من التخمة التي تصيبها أمامه، أن تركض عليه وتختبيء في عناقه كما لم يتِح لها الزمن أن تفعل في السابق، هو الرجل الوحيد الذي تتمنى أن يطيل عمرها بجوارهِ.
وصلها صوت صفيرٍ جعلها تتيبس بموضعها، أمست كما تمثالٍ وُضِعَّ في الأرضِ بغير روحٍ، بينما هو وضع الحقائب عند الطاولة وتشدق متهكمًا بسخريةٍ:
_زي ما أنتِ، اعتبريني هوا في المكان هنا وكملي وأنا والله ما هحرك عيني من عليكِ.
توسعت عيناها والتفتت توليه ظهرها وهي تلهث بعنفٍ، بينما هو فكتم ضحكته ثم اقترب منها ومال يلحظ وجهها فوجدها تلتفت وتتحاشىٰ النظر في عينيه لكنه أمسك ذراعيها وحارب ضحكاته وهو ينطق بثباتٍ:
_خلاص والله العظيم ما هضايقك، خدي راحتك وأعملي اللي يخليكِ مبسوطة طالما أنتِ معايا، أنا كل اللي يهمني إن الست اللي معايا تبقى متطمنة وعارفة إنها مش محبوسة في سجن، لو دا هيريحك أعمليه طالما في بيتك وشقتك وبراحتك، تحبي أنزل أنا وتكملي؟.
ضحك وهو ينطق الجملة الأخيرة فعادت تنظر له وتنتبه بعينيها وهي تقول بلهفةٍ كأنها تدافع عن نفسها:
_أنا والله بتصرف بتلقائية كدا لما بكون مبسوطة أو متحمسة لحاجة أو فرحانة شوية ونفسيتي مرتاحة، غصب عني بس بحس إني مبسوطة وأنا بتحرك كدا، مش قلة أدب والله.
_ولو قلة أدب يعني أنا أكره؟.
نطقها بتلقائيةٍ دون تفكيرٍ كأنه يفكر أمامها بصوتٍ عالٍ، وقد شهقت هي وفرغ فاهها، لكنه تدارك الموقف سريعًا فرفع كفيه يعلن استسلامه وقال بثباتٍ:
_كأني ماقولتش حاجة خالص، يلا علشان ناكل خلينا نلحق نروح ونرجع علشان لازم الصبح أكون في القاهرة، ورايا شغل وفيه فلوس سيراميك جاي من المصنع لازم تتدفع.
تحركت من أمامه وبدأت تقوم بتحضير الطعام وتلهي نفسها كي تهرب منه وهو يتابعها مبتسمًا وهي تحت سطوة الخجل، حتى تعجب منها وهي تعيد لف الوشاح حول جيدها ومنامتها فجلس بقربها وشاكسها بسخريةٍ:
_مالهوش لزوم الشال دا، الدنيا كانت طراوة من غيره.
_اللهم طولك يا روح.
نطقتها بحدةٍ وهي تضرب الطاولة بكفها فيما التزم هو الصمت وكتم ضحكته وبدأ يتناول الطعام ويضع الطعام لها حتى بدأت تأكل وتتناسىٰ عامدةً وقاحته، كانت تأكل بنهمٍ لأن المذاق أعجبها، ولأنه بين الحين والآخر يُطعمها من يده، لأول مرةٍ تشعر بآدميتها في هذه الحياة.
_صحيح هندخل على ياقوت بأيدينا كدا فاضية؟.
عقدت حاجبيه وانتبهت له وسألته باستنكارٍ شديد الحيرة:
_هنجيب إيه يعني؟.
_العيال اللي هي عاوزة تشوفهم دول، هي مش موصياكِ عليهم؟.
لا تعلم لكم مرةٍ سوف يجعلها تصاب بهذه المشاعر المُحرجة، أي واقعٍ هذا الذي تعيشه معه حتى يقتل فيها البراءة بكلماته؟ حين لمحت خُبث عينيه ونظراته وتلميحه انفجرت تسأله ببلاهةٍ:
_لأ بقى ماهو مش علشان قولت إنك حبتني وبتعمل المستحيل علشاني وبتطمني ومخليني حاسة بأمان معاك كأني ماعيشتش قبل كدا يبقى تفتكر إنها سهلة يعني وتخليني أسلملك، هي بسهولة كدا؟.
_آه، على أيامنا كان آه بالسهولة كدا.
حين رد بهذا الرد كتمت ضحكتها وشعرت بالخجل يساورها بينما هو فكان يتسم بنضجٍ يجعله مميزًا بأفكاره وطريقة الطرح لما يُريد:
_بصي يا عُـلا كلمة ورد غطاها، أنا بكره جو الكلام والحب وبحسه مابيأكلش عيش، الراجل بجد تاخدي منه أفعال قبل الكلام، وأنا أفعالي علطول سابقة كلامي، أنا طول عمري كان نفسي اتجوز واستقر ويبقى عندي أسرة وولاد، أنا مش صغير يا عُـلا ولا لسه مراهق، أنا طول عمري محروم من البيت الطبيعي، ومش أنا لوحدي، أنا وآدم، علشان كدا بقولك يشرفني إنك تكوني مراتي وربنا يفتحها عليا ويرزقني بولاد منك أنتِ وأعيش معاهم اللي كان نفسي أعيشه من زمان.
احترمت صراحته وحديثه، زاد تقديرها له ولشخصهِ وظهر ذلك في عينيها ونظراتها له، لكنها تنهدت ثم أخرجت السؤال الفضولي الذي حُشِر في حلقها:
_أنا فعلًا مرتاحة ليك ومتعودة على وجودك وواحدة واحدة خلاص بقيت حابة فكرة إني مراتك دي، بس أنا لو مثلًا بحاول اتعود عليك دا هيخليك تبطل تحبني؟.
ابتسم بعينيه وبدا الإدراك جليًا فوق ملامحه فسألها هو بثباتٍ:
_يفرق معاكِ بقى موضوع إني أحبك دا؟.
حركت رأسها توميء له ثم تنهدت وجاوبته بصراحةٍ دون أن تخفي عنه شيئًا تضمره أو تُبقيه في نفسها بعيدًا عن إدراكه:
_أكيد يفرق معايا علشان عمري ما اتحبيت ولا حد فكر يعمل حاجة علشاني قبل كدا، بُص قول عليا أنانية عادي بس أكيد مش هبقى عاوزة اتحرم من الحب دا بعدما جربته، وفي نفس الوقت مش عاوزة أحبك رد جميل، عاوزة أحبك الحب اللي يخليك مبسوط زي ما أنتَ مخليني فرحانة.
مد يده وقربها له حتى استقرت برأسها فوق موضع نبضه ثم تنهد ومسح فوق كتفها بكفه النظيفة فاستكانت هي بقربه وحينها همس بخفوتٍ كان أدفأ مما تظن هي على قلبها قبل سمعها:
_سيبي كل حاجة لوقتها اللي ربنا كاتبه، المهم إني عاوزك أنتِ.
ها هي طبول قلبها تُقرع من جديد وهي بقربه كأنه مدارٌ وهي قمرٌ لا يحق لها أن تدور في فلكٍ غيره، وقد ارتاحت وتمنت لو تملك الجرأة قليلًا عن هذه الحالة كي تفعل ما تريد فعله وهي تعبر عن مشاعرها له، تتمنى لو تفعلها وتتخلص من رهبتها التي تحكمها أمامه، لأنه يستحق ألا يُترك وحيدًا هكذا، بل رزقها الخالق كي تكون هي مؤنسته.
____________________________________
<"حتى وإن كنت ضعيفًا في حربك، تكفيني قوتك في حربي">
أكتوبر 1998
في حربك المفروضة عليك قد لا تكون قويًا بالقدرِ المطلوب..
لكن في حربك التي تختارها أنتَ لأجل من تُحب يتوجب عليك أن تكون قويًا بما يكفي كي تواجه وتتحمل،
وتذكر أن الحرب المُختارة هي التي تحتاج إرادتك الأقوىٰ..
مر على عودته من التدريب في وحدة القوات الجوية ما يُقارب الأسبوع كاملًا، قضى الأسبوع في بيت والده بسبب تمسك والدته بهما ولأن "رئيفة" هُنا أصبحت تُهون عليه الكثير من الأوضاع، ففي كل ليلةٍ تكون هي رفيقته في الغرفة، تشاركه بعض اهتماماته، تراقبه بشغفٍ فيكشف أمرها ويدعوها لصحبته، وحينها تصنع مشروبًا باردًا لهما وتجلس معه وهو يُحدثها عن بعض العلوم التي ثقف نفسه بها، وهي تُنصت له بشغفٍ وحُبٍ..
تارة يُحدثها عن العلوم وتارة أخرىٰ يُحدثها عن الكواكب والفضاء، ثم عن الفلاسفة وحين يكون في مزاجٍ يسمح له بالغزلِ يُحدثها عن الحب في أساطير الرومان، لم تشعر بمللٍ من صحبته، هو رجل شغوف بالثقافة والعلم يفتح لها آفاقًا جديدة تجعلها على وعي أكبر، وقد جلست على الفراش بعدما تابعت حلقة مسلسلها وقبل أن تخلد للنوم وجدته يمدد ساقيه فوق الأريكة ويمسك كتابًا يقرأ منه بشغفٍ.
لاحظت الكتاب بعينيها فعرفت عن ماذا يتحدث، في الأغلب عن الحقبة الزمنية المفضلة لديه، لذلك تركت الفراش وتحركت بخفةٍ تجلس بقربهِ وسألته بحماسٍ أشبه بالحماس الطفولي:
_ممكن أقعد معاك؟.
رفع "طاهر" عينيه لها وابتسم حين اعتدل كي تجاوره، وقد أمعنت نظراتها في وجهه ثم الكتاب ثم سألته بهدوءٍ:
_بتقرأ في الميثولوجية صح؟.
أومأ لها موافقًا ثم رفع عينيه ونطق بخفوتٍ:
_آه بس المرة دي قصة كنت بدور عليها من بدري علشان كدا مركز معاها، بس خلاص قربت أخلصها، ممتعة أوي ولو جربتي تقريها هتعجبك جدًا وتشدك، تحبي ألخصهالك؟.
حركت رأسها توميء له ببسمةٍ خجولة لأنها تُحب هذه الفقرة تحديدًا كل يومٍ، تنتظرها بدون مللٍ أو كللٍ أو حتى تستسلم لذرة خجلٍ، تركته ينهي القصة ثم أغلق الكتاب مبتسمًا فسألته بهدوءٍ نبع عن حيرتها:
_أول مرة تخلص حاجة في الأساطير وألاقيك مُبتسم كدا، شكلك مبسوط.
توسعت بسمته الرزينة وهو يجاوب بهدوءٍ كما عادته:
_يمكن علشان النهاية المرة دي عجبتني، ويمكن علشان حاسس إن القصة أبعادها النفسية مشوقة لو ركزنا عليها بعيدًا عن القصة نفسها، بس القصة فيها بُعد تاني عجبني أكتر.
كانت مُنصتةً له بكامل حواسها وشغفها، هو دومًا يستحق منها التأمل، يعجبها أنه رغم سجنه لازال حُرًا ولم تُسلَّب منه صفاته الحسناء، لم يتحول لمجرد مسخٍ، هو إنسانٌ مهندم نفسيًا ولم يستغل أي شيءٍ حدث معه في أن يكون همجيًا كما أقوام البربر..
اعتدل يجلس في مواجهتها وكأنه يقتبس إلهامه من عينيها، زاد غوصه في ملامحها الرقيقة وغُرتها التي تتركها حُرة اليوم فوق جبينها فتحاصره بجمالٍ، تحرك بعينيه لعينيها يلمح فيهما شغفًا يكاد يُحرر وطنًا مكبوتًا، لذا استلهم القصة من ضي عينيها وهو يقول بانشداهٍ:
_الأسطورة المرة دي بتحكي عن سايكي، أسطورة الجمال، كانت بنت جميلة جدًا وجمالها بيسحر أي حد لدرجة أنها تفوقت في الجمال على أفروديت اللي كانت ربة الجمال وقتها، كان جمال سايكي معروف في كل مُدن وقرى الإغريق، لدرجة حتى إن كان فيه رجالة وقتها بييجوا من كل أنحاء العالم علشان بس يشوفوها ويشوفوا بجمالها ويبدوا إعجابهم وافتتانهم بيها، بس لما دا حصل والناس كلها بقت بتحكي عن جمالها، أفروديت اتضايقت، لأنها كانت ربة الجمال ورمزه، وحست بالغيرة إن فيه حد تاني بيتضرب بيه المثل في الجمال..
كانت "رئيفة" تُنصت له بكامل حدسها وعيناها تنطقان بالحماسِ وهي تنتظر التكملة والمزيد، كانت شغوفة بما ينطق وحين لمح ذلك زاد حماسه أكثر ليُكمل بابتسامةٍ توسعت عن ذي قبل بل زاد سحرها:
_لجأت وقتها أفروديت لابنها إيروس إله الحب الوسيم، ودا وقتها كان عنده جناحين شبه الطير وكان سلاحه قوس وجعبة مليانة أسهم ذهبية بتخلي أي حد يقع في الحب بضربة من سهمه، أمرته وقتها من كُتر الغيرة إن سايكي تقع في حب أشر وأحقر رجل على الأرض وتدوق معاه العذاب، وفعلًا إيروس اتحرك وخد جعبته والقوس واتحرك لعندها، وسحب سهم دهبي وثبته على القوس لكن لما جه يضربها في قلبها عينه وقعت عليها وشافها، جمالها سرقه زي ما سرق الكل، كأنها طاغية وهو مسكين، شال السهم من القوس وجرح نفسه بيه وساعتها وقع هو في حبها، وفضل على وضعه دا بيبص عليها وهي بتعيش حياتها وهو مشدوه بيها وبجمالها، بيراقبها من بعيد في صمت..
توقف عن الحديث وهو يُفكر كيف يراقبها وكيف ينشده بكل ما يصدر عنها، الهدوء، الروتين الاعتيادي لها في يومها، شغفها بمسلسل الثامنة مساءً قبل نشرة الأخبار، حبها للمطبخ وإبداعها فيه، حبها للفساتين الفضفاضة ذات الأكمام الواسعة التي تُشبه أجنحة الفراشات، حُبها للصباحِ الباكر ومشاهدة برنامج الصباحِ في التلفزيون المصري القديم، كان في الخفاء يعرف كيف تعيش يومها، وحين طال صمته بدأت تخجل من نظرته فتنهد وأكمل يتابع الحديث:
_وقتها فاق لنفسه ورجع تاني مملكته في السما بعدما فشل في تنفيذ أمر أفروديت ومانفذش أمرها لكنه بصفته إله الحب استغل وقتها إن سايكي ماتحبش حد ولا حد يقرب منها ويتجوزها، وفضلوا سنين على الحال دا، ورغم جمالها الساحر إلا إن سايكي ماقدرتش تتجوز مع إن كل الرجالة وقتها كانوا معجبين بيها وبجمالها الإلهي المعجز، اللي أي حد كان بيشوفه بيحس برهبة جواه بتخليهم خايفين حتى يقربوا منها ومحدش كان بيجرؤ ويطلبها، كانوا بيتجوزوا بنات تانية رغم إنهم مفتونين بيها هي، حتى أخواتها رغم أنهم مش بنفس جمالها برضه اتجوزوا، ودا سبب قلق لأهلها، وراحوا لعرافة وكهنة الآله أبولو، كان إله النبوءة في المعبد لطلب النصح، وساعتها كانوا عاوزين حل لجواز بنتهم الجميلة، أتدخل وقتها إيروس وأرشد أبولو إنه يخلي العرافة تقول لـ سايكي إنها هتتجوز راجل قبيح زي التعبان المجنح ومش هتقدر تشوف وشه أبدًا ودا حكم الآلهة ولازم تحترمه..
قاطعته "رئيفة" تسأل بلهفةٍ كأن القصة تثير في نفسها شيئًا:
_يعني هو سمع كلام مامته وهيخليها تتجوز راجل وحش فعلًا؟
ابتسم "طاهر" لأنها قاطعته بهذه الانفعالات فهز رأسه نفيًا وأردف مُفسرًا:
_لأ هو ساعتها عمل كدا علشان العرافة ماتديهمش أي حل تاني، لكن هو لسه هيعمل، لأنه السهم جه في قلبه هو وللأسف هو اللي حبها ومفيش حد في الدنيا كان ممكن يحبها قد ما هو حبها.
ابتسمت واستعادت حماسها مُجددًا لتجده يتابع مكملًا:
_العرافة وقتها قالتلها الكلام دا وأنها لازم تلبس هدوم سودا وتطلع جبل عالي لوحدها تستنى عليه هناك لحد ما جوزها ييجي وهي مستنياه على قمة الجبل، ورغم إن مش هو دا اللي أهلها كانوا عاوزينه ليها ولا هي نفسها لأنها بالقدر دا من الجمال والمفروض يكون نصيبها أسعد من كدا، بس في الآخر وافقت وقررت أنها تطلع الجبل تستنى جوزها، وراحت سايكي فعلًا وتسلقت الجبل لوحدها ووصلت بس فضلت خايفة وبتعيط بعد الرحلة الصعبة دي عليها لأنها كمان لوحدها، وفجأة جت رياح قوية خدتها من مكانها وسافرت بيها للسماء حيث بوابات قلعة مهيبة، وصلت ولقت صوت جميل بيرحب بيها كأنها في بيتها وقال:
_"سايكي أنا زوجك، أنتِ أجمل فتاة في هذا العالم، أنتِ الجمال ذاته، حتى أن إلهة الجمال تغار منك".
ابتسمت هي لهذه الجملة حين تبدلت نبرته فيها، شعرت بها تخرج بمشاعر أخرى منه هو، كأنه أضاف بنبرته نكهة جديدة كُليًا تُضفي مذاقًا مميزًا لها، خاصة مع نظرات عينيه كأنه يخصها هي بالجمال وحدها، بدأ هو يتثاءب ويشعر بالنومِ يجتاحه فسألها بهدوءٍ:
_القصة طويلة، ممكن نكملها بكرة؟.
حركت رأسها توميء له موافقةً وهي ترى أن الموعد تخطى نومه بكثيرٍ على عكس عادته، رُغم شغفها الأكبر في معرفة القصة والنهاية لكنها نظرت بنظرةٍ أخرىٰ تجاه الوضع وأنها معها الكثير من الوقت كي تستمتع بسرده للقصة، تحرك للفراش يسبقها بعدما ابتسم لها متمنيًا لها صباحًا سعيدًا، وقد راقبته هي حتى وجدته يخلد للنوم بهدوءٍ، راقبته وراقبت ملامحه وتعجبت كيف يكون بهذه البراءة حتى بعد ما يفعله والده معه؟ هل ألمه سببًا كي يكون إنسانًا رائعًا؟.
تحركت تجاوره فوق الفراش واقتربت منه ومن تلقاء نفسها رفعت الغطاء ودثرت نفسها بقربه وحين أحس بها ضمها من خصرها لصدرهِ وهمس بخفوتٍ:
_أفروديت لو كانت شافتك أنتِ زي ما أنا بشوفك كان زمانها غارت منك أنتِ أكتر من سايكي.
ابتسمت وومضت عينيها له ثم شكرته من فرط خجلها واستسلمت للنومِ معه وبجواره وهي تتمنى أن تقتلعهما الرياح القوية لقصرهما بعيدًا عن أبيه وابيها وبعيدًا عن عمله وعن كل ما يجعله حزينًا، منزعجًا، مكبوتًا كما الوطن المُحاصر
تتمنى له أن يتحرر من كل سُلطةٍ تُقيده.
____________________________________
<"إذا كنت تملك حقل وردٍ، عليك أن ترعاه كما ترعى حقك">
قد لا يُحرر الحُر سجينًا..
لكن السجين قد يُحرر حُرًا ويُحرر أيضًا أسيرًا،
فالأسر لم يكن يومًا في سجنٍ وجدرانٍ، بل هو أسر النفس والعقل عن الحُرية حتى ولو في التفكير ذاته..
انتصف النهار وبدا الغروب جليًا في السماء، حيث بدايات شهر ديسمبر وزيادة البرودة اجتاحت الأجواء كلها، والليل يأتي مُسرعًا كأنه يتعدى على أوقات النهارِ، كان "آدم" في البيت وارتدى ثيابه في شقته بعد أن بات فيها ليله، تجهز وتحضر ثم خرج من الشقة ومر على شقة عمته وولجها ينادي أخته، أتت له "ورد" بحقيبتها وهي تقول بهدوءٍ:
_أنا جاهزة أهو، ماما جوة بتلبس.
تحرك يجلس فوق الأريكة ثم قال بضجرٍ من الفكرة ذاتها:
_أنا بصراحة مش حابب فكرة إنك تروحي البيت دي، أنتِ هنا قصادنا ومعانا وكلنا حاطينك في عيوننا، هناك هيقرفوكِ في عيشتك، بعدين الفلوس اللي خيرية همها عليه مش هتقدر تصرف منها علشانك، وأنا متأكد إن منتصر علشان يخلص نفسه هيفصل فلوسكم عن بعض.
توسعت عيناها لأنه فعل ما يتحدث عنه حقًا وهذا ما يُثير تعجبها، لذا سألته ببلاهةٍ من أين له بهذه المعلومة:
_أنتَ عرفت منين إنه عمل كدا؟.
اِفتر ثغره ببسمةٍ ساخرة وتشدق بقوله:
_علشان عارفه وحافظه، منتصر على قد طيبته بس ممكن طيبته تأذيه وتأذي كل اللي حواليه بعمايله دي، هو مابيعرفش ياخد قرار يحل حلول جذرية، دايمًا بيروح للحل الأسهل في كل حاجة، أنا مش بكرهه، بالعكس بحبه بس حبه دايمًا بلاحظ إنه بيستغل الظروف كلها لصالحه هو، يعني دلوقتي هو مصمم تروحي شقتك من غير سبب؟ ولا علشان منظره قدامنا وقدام الناس ومحدش يجيب سيرته بحاجة؟ مع إنك بتتعبي وطول الليل قلق وترجيع وبطنك تاعباكِ، صح؟ وبرضه جاي عليكِ أنتِ علشانه هو، رغم المفروض يسيبك ترتاحي هنا على الأقل أول شهور حملك، بجد مش فاهم عقله فين.
حديثه عن زوجها أحزنها وجعل الضيق يتبلعها، لذا قالت بضجرٍ تتولى الدفاع عنه تزامنًا من خروج أمها من الغرفة:
_هو بيحاول يا آدم، أديك شايف الظروف بقت عاملة إزاي والحياة والعيشة هنا وضعهم إيه، أنتَ بنفسك أهو ما شاء الله عليك بدأت من سن صغير علشان توصل وتحقق حاجة ولسه بتحاول أكتر وأكتر، هو بقى شايلة في رقبته عيلته وأبوه العاجز وبيته، يمكن لسه بيحاول بس كل دا علشان اللي حواليه.
لاحظ ضيقها لأجله فلم يرد أن يحزنها أكثر لذا تنهد بخيبةٍ وقال بغلبٍ على أمرهِ:
_ماتزعليش مني بس أنا بجد خايف عليكِ، مش عاوزك تكوني الحق المُكتسب في حياة منتصر لدرجة إنه يبقى شايف نفسه بس ومش شايفك أنتِ، أنا مش بحرضك عليه والله، وفخور بأخلاقك وإنك رافعة راسنا وراسه في غيابه قبل حضوره، بس نصيحة لو فعلًا الحاجة مش على هواكِ معاه يبقى بلاش منها، بلاش تعودي راجل إنك بتعرفي تتصرفي في كل حاجة، وبلاش تخليه يحس إنك بتعرفي تشيلي مسؤولية، علشان لما يصدق وهيرمي كله عليكِ أنتِ في الآخر.
تنهدت هي بضياعٍ ثم زفرت تعبر عن ضيقها، فهي تكاد تكون تراه بعين الحب ولم تلمح قط أنه يكاد يكون مستغلًا لها، هي تُبصر فيه أملًا وتعاونه كي يصل لما يرغب، وبخلاف نظرات العالم له هي لم تلمح قط ما يُخالف وجهتها هي، كانت كل ما تتمناه أن تهنأ في بيتها معه، أن يكون هو رفيق الدرب والطريق كله معها هي.
نزلوا للسيارة للذهاب لموعد الطبيبة النسائية للكشف للمتابعة الأسبوعية، أوصلها "آدم" وعمته أيضًا وحين وصلوا جلست في الانتظار بجوار أمها بينما "آدم" فبقى بالسيارة ينتظرهما وأخرج هاتفه كي يطمئن على أخوته، فوجد رسالة من أخيه مفداها:
_إحنا بخير متقلقش نفسك، خلي بالك من نفسك وياريت تاكل كويس وتبطل شاي وقهوة علشان ماتقعش من طولك، عاوز حاجة أجيبهالك وأنا جاي معايا؟.
ابتسم لأن "أدهـم" حتى في أوج لحظات انشغاله لم يغفل عنه، ومن تلقاء نفسه يراسله كي يطمئنه، لذا رد عليه برسالةٍ مكتوبة يوصيه فيها على نفسه وعلى أخته التي تبدو عليها السعادة خاصة وهي ترسل له صورها في الشقة وصور البحر والقهوة وأغانيها المفضلة، وكما تمنى حياة هانئة لأخته تمناها أيضًا لـ "ورد".
وفي الأعلى حركت "ورد" عينيها على النسوةِ الجالسات والأغلب منهن بصحبة زوجها، هذه تستند على كتفه برأسها وهو يضم كفها، وهذه تختار معه الثياب وتشاركه الاختيار، وهذه تتألم وزوجها معها يمسك يدها ويُشدد من أزرها، وهي وحدها من تجهل الخطىٰ القادمة ومن سيكون معها فيها، كلاهما يعاني في موضعه، كلاهما غريبٌ في موطنهِ.
ولجت للطبيبة بعد أن جاء دورها ومعها أمها، فحصتها الطبيبة وفحصت التحاليل وأكدت لها ضرورة العناية بالطعام الغذائي المفيد والاعتناء بموعد الفيتامينات والخضروات والفواكه المفيدة، مع وضع قائمة محظورات من الطعام تشكل بعض المشكلات للمرأةِ الحاملِ..
خرجت من عند الطبيبة هي وأمها وركبت السيارة بجوار "آدم" الذي استعد للتحرك بعد أن اطمئن عليها ثم وجه كلماته لعمتهِ بقوله:
_هروحك أنتِ الأول يا عمتو على البيت وبعدها هودي ورد شقتها وأطلع على الشغل علشان هبات هناك وهاخد شنطتي سايبها في المدخل تحت.
وافقته عمته حتى تحرك في الطريق ولاحظ شرود أخته لكنه لم يتحدث وتركها مع نفسها وحدها دون تطفلٍ منه، لأنه أدرك أن الحب الذي تحمله في قلبها أكبر من الحديث العابر في حق زوجها، نزل منها السيارة بعدما نزلت عمته منها وأتى بحقيبته ثم وضعها وعاد للقيادة، وجدها لازالت شاردة فحدثها بهدوءٍ ورزانةٍ:
_ياريت ماتزعليش وتزعلي نفسك من كلامي، بس أنا والله العظيم ما يهمني غيرك، شوفتي أبسط حاجة أنا مش بتكلم مع أدهم ليه؟ مش علشان هو أخويا بس علشان واثق ومتأكد إنه عمره كراجل ما هيخلي عُلا محتاجة لحاجة، سواء مشاعر أو ماديات أو أي حاجة، لأن أنا وهو عارفين يعني إيه الراجل وجوده بيفرق، أبسط مثال خالص لكلامي مثلًا بنت خالك لمار، سفر خالك وبعده عنها خلاها شخصية ضعيفة ومهزوزة، لدرجة إن حلمي وأنها قدروا يخلوها تتجوزه بعد شهر من موضوعها مع أدهم.
توسعت عيناها وهي تنظر في وجهه كأنها تبحث عن رشده لها، فيما أضاف هو من جديد يتابع سالف حديثه:
_مش عاوزك يا ورد تحسسي منتصر إنك بتعرفي تتصرفي في حاجة علشان لو عرفتي تتصرفي دلوقتي وأنتِ حامل هيخليكِ تتصرفي لما تولدي وخدي من دا لحد ما العيل دا يكبر ويبقى بيشوف أبوه زيارات، الحلول بسيطة يا ياخدك معاه وتكوني قصاد عينيه، يا ييجي هنا ويكون معاكِ زي أي اتنين متجوزين طبيعي، والرزق بتاع ربنا بقى.
حركت رأسها توميء له ثم زفرت تخرج ضيق أنفاسها للخارج، فعلاوةً على اضطراب هرموناتها هي تعاني من الضياع بسبب زوجها وتحكماته، والكارثة حقًا لو أصبحت حياتها تشبه حياة زوجة خالها، فهي تعلم كم كانت تعاني "لمار" بدون أبيها، وخالها اعتاد الغربة حتى أصبح لا يعرف شيئًا عن موطنه.
وصل بها لـبيت حماها وأوقف سيارته ثم نزل منها وسحب حقيبتها يُنزلها وترجلت هي الأخرىٰ وقد وقف معها يوصيها أن تعتني بحالها ونفسها وألا تكون مُضحيةً لأجل أي فردٍ كان، وحين كانا يقفا مع بعضهما أتت "مروة" من داخل البيت ولمحتهما معًا، فاقتربت منها ترحب بها بملامح ترسم البشاشة بامتيازٍ:
_جيتي؟ حمدًا لله على سلامتك، كدا أحسن، وخليكِ وسطنا وقدام عينينا وإحنا كلنا تحت أمرك وعينينا ليكِ، ماتقلقش عليها يا "آدم" هي بخير وفي عينيا هنا.
مط شفتيه لها يتصنع التبسم وأضاف قولًا يتخلى عن الذوق:
_وأنا ماوصتكيش عليها أصلًا يا آنسة مروة، أختي في عينيا وأنا مش هسيبها لوحدها، وشكرًا لذوقك.
هو لم ينسَ ولن ينسى أنها كانت سببًا في العديد من المشكلات لأخته في أوائل زواجها، وهو بالطبع يفطن لمشاعرها تجاه "منتصر" ويعرف أنه الرجل الأول الذي ولج حياتها وقلبها، وبالطبع لن تنساه، أخته سوف تبقى الخصم الأول والأخير لها، ولذا هو يخشاها ويخشى أن تقترب منها.
تحركت من أمامهما بسخطٍ بادٍ فوق ملامحها وقد عاتبته أخته بقولها:
_ليه كدا بس؟ هتتقمص وتعمل حوار وأنا مابحبش أي احتكاك بيني وبينها.
ابتسم بظفرٍ ولمعت نظرة الدهاء في مُقلتيه وهو يُردف بتفسيرٍ:
_طب ما أنا عارف وقاصد، علشان تعمل مشكلة وأقولهم خلاص مش عاجبكم هاتوا أختي عندنا إحنا أولىٰ وأحق بيها، طب خليها تعمل حاجة بقى علشان أجيب أخري عليهم.
ابتسمت له وودعته وتحركت للأعلى، تحركت تجر معها وحدتها وحيرتها وبعثرة أحوالها، في كل مرةٍ تعود للبيت وحدها تشعر بالتعبِ كونها تلجأ للوحدة وترافق معها كآبة الليل، تعيش في عزوفٍ عن العالم وتعتكف مع حالها، لكن هذه المرة تحمل في رحمها روحًا وهي وحدها المسؤولة عن حياة هذه الروح بأي خيارٍ تختاره، وتكاد تكون هذه مصيبتها الأكبر.
____________________________________
<"كالشمس أنتِ، تُعطين للأرضٍ دفئًا ونورًا لقلبي">
وصف الشمس في الأغلب يكون أكثر صدقًا..
الدفء، الصدق، النور، الأمل، الحياة
كلها أوصاف لن تجدها في غير الشمسِ
ولكل مرءٍ منا شمسه، ومن لم يكن له، يكون شمسًا لنفسه.
خبر الزواج أربكها هي وأسرتها، هذا المخبول يتصرف كأن الأمر سهلًا عليهم، ولم يكن يعلم أن "فريدة" تعاني من بوادر جلطة بسبب أفعال "غسان" وقد كانت "نـوف" تجلس أمامها والأخرىٰ تسألها بنفاذ صبرٍ:
_يا بنتي ما تفهميني هو قالك إيه؟.
ردت الآخر بنفاذ صبرٍ وطاقةٍ وتوترٍ بسبب تأكيده للخبر:
_يا ماما والله كل اللي قاله إمبارح لو فاضية هتجوزك يوم الخميس، قولت خلاص بيهزر ومش هيلاقي وقت وأكيد مش فاضي، دلوقتي بيقولي إنه هينزل يأكد قاعة عجبته على النيل في مركب وبيقولي نجهز نفسنا علشان هيعدي علينا ونروح معاه.
توسعت عينا أمها وضربت كفيها معًا، فيما قالت "إسراء" ابنتها الثانية بحماسٍ ملتهبٍ:
_يا جماعة والله العظيم ما ينفع معاكم غير دا، هو عارف إنكم هتفضلوا تماطلوا وتتلككوا راح خدها من قاصرها، أنا كل يوم برضى عنه أكتر من اللي قبله، أنا قابلاه أخ كبير ليا وماعنديش مانع اسمع كلامه كمان، من قلبي والله بدعمه.
تحركت "فريدة" وهي تسحب هاتفها كي تحادث شقيقاتها وأفراد عائلتها لتخبرهم بموعد عقد القران وقد أخرجت "نوف" هاتفها تطلب رقم "آلاء" رفيقتها وبمجرد أن جاوبتها قالت بترددٍ لجلج صوتها وهزه:
_بقولك يا آلاء حضري نفسك علشان كتب كتابي يوم الخميس الجاي، وقبل ما تتكلمي أقسم بالله أنا ما ليا دعوة، دا المهبوش في عقله غسـان الله يسامحه هو اللي قرر وجايبلي الكلام من الصبح، أنا نازلة معاه دلوقتي ولما أرجع هقولك تفاصيل.
_استني هنا أنتِ هتاخديني في كلمتين؟ كتب كتاب مين يا بت؟ وهو بيقرر كدا؟ مش يقولنا نلحق نشوف فساتين ولا أي نيلة طيب؟ هنيجي إزاي ولا فين؟ أنتِ نفسك عندك حاجة تحضري بيها؟.
انفعلت "نـوف" بتوترٍ وردت عليها بسخطٍ:
_يا آلاء حاجة أحضر بيها أيه بس، بقولك كتب كتابي أنا يعني على الأقل يكون فستان شكله جديد دا لو هأجر لسه، والله أعلم لو لاقيت حاجة عجبتني أصلًا، أقول إيه بس، أقول ربنا كرمني براجل مسؤول لدرجة إنه شالني من المسؤولية كلها، مفيش وسط تقريبًا عند الرجالة، روحي يابنتى شوفي حالك وشوفي حاجة تلحقي تحضري بيها، وأنا هنزل أشوف حل.
أغلقت معها الهاتف فوجدته أرسل لها أثناء المكالمة:
_ما تبطلي رغي بقى وقومي ألبسي علشان نلحق ننزل.
من فرط غيظها منه كادت أن تضرب الهاتف أرضًا لكنها عدلت عن هذا الفعل وقامت بحظرهِ حتى تعبر له عن غيظها منه، ثم قامت من مكانها وتحركت كي تستعد للعراكِ معه قبل أن تُحضر لزواجها منه.
بينما في بيتهِ لم يختلف الأمر كثيرًا عن بيت خطيبته، فكان "طاهر" يرغب في قتلِ ابنه حقًا بلا شكٍ، ابنه الذي يورطه في أمرٍ جللٍ هكذا، لذا هدر بنفاذ صبرٍ:
_يابني ارحمني بقى، أنتَ مستوعب بتقول إيه طيب؟ أنتَ متخيل إن فاضل أربعة أيام على كتب كتابك وإحنا لسه حتى مانعرفش حاجة؟ بلاش القاعة فين؟ الناس مين هيعزمهم؟ العروسة جهزت نفسها؟ أنتَ ليه بتتعامل كأنك ساحر؟ ليه محسسني أني مصباح، ولا أنا جيبت أخري منك.
مط "غسـان" شفتيه بيأسٍ ثم همس بخفوتٍ لأمه:
_كنت متوقع أنه يتضايق بس كدا هيبلعني.
لكزته هي في مرفقهِ بغيظٍ منه فيما جلس "طاهر" وهز قدمه بإنفعالٍ ثم عاد وسأله:
_لاقيت قاعة ولا دي كمان هاتروح للناس فجأة تقولهم جاي أعمل كتب كتابي النهاردة؟ يلا تبقى كملت يعني من باب المفاجآت.
_شوف رغم إنك بتحلو عليا وبتتريق بس لأ ماعملتش كدا، أنا مش قليل الذوق علشان أعمل كدا يعني، أنا روحت حجزت الصبح ودفعت عربون وهانروح كلنا نشوفها مع بعض كمان شوية.
رد والده يتشدق بسخريةٍ ونزقٍ منه:
_وليه يا حبيبي تاعب نفسك؟ ما كنت خليها مفاجأة، تعرف يا غسان إني بعد العمر دا كله لأول مرة ألاقي مبرر لأفعال أبويا؟ علشان لو كان حاسس نفس إحساسي دلوقتي فأنا بشكره إنه مقامش جاب سكينة وخلص عليا بيها زي ما أنا نفسي أعمل دلوقتي.
اقترب منه "غسان" وجثىٰ على رُكبتيه أمامه وقال بهدوءٍ:
_الكلام دا من ورا قلبك يا طاهر وأنا عارف، مستحيل تكون حتى زعلان بس هاقولك إنك سبق وكنت مكاني قبل كدا ولما حسيت إن فيه حاجة بس بتقرب من رئيفة حبيبتك وقتها خربت الدنيا واستحملت كل حاجة، وأنا زيي زيك، اللي بحبها محتاجة وجودي معاها، اللي يخليهم يبلغوا عنها مرة ومايفرقش معاهم سمعتها وسيرتها، يبقى أكيد يقدروا يعملوا أكتر من كدا، بعدين أنا بجد عاوز أخليها معايا في أمان.
ابتسم "طاهـر" مُرغمًا ثم ضمه لعناقهِ حتى احتمى فيه ابنه كما الطفل الصغير، ولأن والده حُرمَ من عناق الأب كان يعرف كيف يكون أثره إذا جاء فجأةً لمن يحتاجه، وحين ضمه شعر "غسان" أنه يفتقد للأمانِ حقًا ولم يجده بمكانٍ آخر غير عناق "طاهر" الذي حدثه بهدوءٍ وحكمة أبٍ حنونٍ:
_وأنا معاك وواقف في ضهرك، ومش علشانك لوحدك، دا كمان علشان البنت اللي أبوها موصيني عليها واعتبرني أخ ليه قبل موته، طالما علشانها هي يبقى أعمل اللي يخليك مبسوط، وزي ما ربيتك دايمًا إنك حُر نفسك عاوزك تخليها هي كمان حُرة معاك، أوعى تخليها تحس إنها سلمت ليك علشان تتسجن، قوم يا كلب خلينا نلحق.
تحركوا مع بعضهم هم الثلاث ثم ذهبوا لبيتها ونزلت هي وأمها لهم وحين لمحها اقترب منها يفتح لها باب السيارة بجوارهِ ثم همس بشرٍ يتوعد لها:
_بقى أنا يتعملي بلوك؟ صبرك عليا هوريكِ.
تجاهلته واقتربت منه أمه ترحب بها وهي تضمها وتهرب من نظراتهِ المُصوبة نحوها، وقد أدرك ذلك فلملم الموقف سريعًا وتدراكه حين طالعته "فريدة" بعتابٍ مرحٍ وهي تؤنبه:
_ينفع عمايلك دي؟ أعمل فيك إيه؟ أقفلك في الجوازة كلها وأخربهالك علشان تحرم تعمل كدا فينا؟ خُد بالك لو مالقيتش فستان حلو ليا أنتَ اللي هتتصرف.
ابتسم لها وجاوب مُرحبًا بقولها:
_بس كدا؟ أجيبلك أتيليه من فرنسا مخصوص علشان بس تكوني مبسوطة، بعدين توقفي إيه هي ناقصة وقف حال؟ دي جوازة طوب الأرض باصص فيها، ادعيلنا خليها تفك علينا شوية.
_بدعيلك والله وبتمنى ربنا يعوضكم خير مع بعض أنتوا الاتنين ويبعد عنكم كل شر وأذىٰ في حياتكم، ربنا يسعدكم.
بعد قليلٍ كانوا في السيارة وهي بجواره تتجاهله وتتجاهل نظراته وتلميحاته وهو يخصها بنظراته وعينيه، وقد فتح المذياع الموجود بسيارتهِ ليضفي جوًا من المرحِ على الجميع، وحين قام بتشغيل الأغنية تلاقت الأعين ببعضها فابتسمت رغمًا عنها بينما أشار للهاتف الخاص بها كي تقوم بفك الحظر..
_ألف ما شاء الله عليك
يا جمالها عينيك يا قمر نورلي حياتي
أنا من الليلة بدوب وهواك مكتوب
ولا عمري هدوب في حياتي.
وصلوا للقاعة ونزلوا مع بعضهم وقادهم "غسـان" للداخل، كانت القاعة موجودة بداخل مركبٍ موجودة على النيل مباشرةً، قاعة مُزينة بالزهور والمقاعد وتبدأ عند مدخلها بآية من القرآن الكريم، مكانٍ أشبه بالجنة خاصة مع هذه الأجواء الشتوية، تحمل تقريبًا أكثر من مئة شخصٍ، كانت ممتازة بالنسبةِ لكلا العروسين.
انبهرت بها "نـوف" وأحست بالراحة تجاه المكان، يشبه المكان الذي لطالما تمنت يكون فيه زفافها، وحينها ترك هو كل أفراد العائلة ثم اقترب منها وحدثها بخفوتٍ:
_حسيت المكان شبه روحك أوي، يليق عليكِ تكوني عروسة زي القمر في مكان زي دا، فيه حاجات كدا بتشد الواحد تخليه مش حاسس بالدنيا حواليه، من ضمنها أنتِ والمكان دا لما شوفته.
طالعته بخجلٍ وابتسمت له بعينيها كأنها تضوي كما نجوم السماء الحالكة، حتى لو لم تنطق لكن انفعالات وجهها كانت خير الدليل على مشاعرها، وقفا مع بعضهما يختاران سويًا الديكورات والتنظيمات الخاصة بعقد قرانهما وفي الخلف راقبتهما "فريدة" ببسمةٍ صافية ولأول مرةٍ تفتقد وجود "ناجي" معها بعد موته وتشعر بمدى احتياجهن له.
____________________________________
<"المعمي بحب ذاته لن ينفعك لو لم تحب ذاتك أنتَ">
يقال في قديم الزمانِ جاور جميل الروح تصيبك عدوىٰ جماله، ومنه عليك أن تبتعد عن كل شخصٍ أناني لا يرى إلا نفسه وفقط، عليك ألا تُغامر وتجازف بحب الأشخاص الأنانيين في حب النفسِ..
كان في بيتهِ اليوم بأكملهِ إلا من موعد جلسة شقيقه في غرفة العلاج الطبيعي، لم يخرج طوال اليوم بل قضاه مع أسرته وشقيقه وصغار شقيقه، وقد كان "سليم" طوال اليوم يلتصق به دون أن يُفارقه، لكنه لم يغفل عن ضجر شقيقه فانسلت من بينهم وتحرك نحوه يسأله بقلقٍ:
_مالك يا سالم؟ مين مزعلك كدا؟.
رفع له شقيقه عينيه ثم تنهد محسورًا وهو يقعد هكذا، سحب أخوه مقعدًا وجلس فوقه يسأله:
_قولي مالك وخرج كل اللي جواك، أنا اللي ليك وفي ضهرك.
لم يستطع أخوه الكذب أكثر من ذلك، لذا رد بضياعٍ حقيقي:
_لما تكون طول عمرك واقف على رجلك وساند اللي حواليك ومخليهم كلهم في رقبتك وييجي الوضع يختلف ويبقى زي اللي أنا فيه دا بيوجع يا سليمان، واحساسي بالعجز دا واجعني أوي، مش هفضل قاعد كدا وأشوف كل حاجة بتضيع مني، عمري وحياتي وصحتي، كل دا مكانش ليا ذنب فيه.
_عارف إنه مكانش ذنبك، بس نصيبك يا سالم، نصيبك ولازم تصبر لحد ما ربك يكرم ويردلك حقك من تاني ويعوضك عن اللي شوفته معاها، بس جرى إيه يا عم؟ من إمتى وأنتَ قلبك خفيف كدا؟ طول عمرك جبل يا سالم، ولسه زي ما أنتَ بدليل إنك فوقت تاني وبتحاول، قدها وقدود طول عمرك.
هدأت ثورته قليلًا وحمد ربه على البلاء قبل العطاء، حمده وتمنى أن يرزقه الشفاء لأجل صغيريه أولًا وقبل كل شيءٍ، وقد تذكر الحبيبة المغدورة في قصتهِ، الحبيبة التي لطالما تمناها وحُرم منها أكثر من مرة، كأنها مدينة مُحصنة وهو خائن لا يحق له أن ينل شرف دخولها.
ظهرت "سُعاد" فجأةً لهما واقتربت على استحياءٍ وهي تقول بتوترٍ:
_حماك برة يا سليمان وعاوز يشوفك.
توسعت عيناه وانتفض من موضعه، ولم يختلف رد فعل شقيقه عنه بل كان مثله تمامًا وقد خرج له "سُليمان" بهيئةٍ جامدة وملامح حادة غاضبة، فوجد الآخر يتحدث إليه بهدوءٍ:
_ممكن كلمتين مع بعض يا سليمان؟ اعتبرني محتاج ليك.
لم يجرؤ على الرفض أو حتى الجمود أكثر من ذلك، عادت له آدميته وحرك رأسه موافقًا ثم جلس معه في صالون البيت على انفرادٍ تامٍ بينهما، وقد بدأ "عـزت" الحديث بقوله:
_شوف يابني أنا مش جاي اعتذر ولا أحق نفسي ليك لأني مهما قولت كلامي مش هيردلك حقك، بس أنا جايلك علشان للأسف ماعنديش حل تاني، صدقني والله العظيم أنا بعتبرك ابني ومن يوم ما دخلت بيتي أنا بقول ربنا عوضني بيك عن ابني اللي مخلفتوش، بس مها لسه طايشة وغبية، محتاجة حد يحاول…
قبل أن يُكمل حديثه بتره هو حين تحدث بأدبٍ ومحاولةٍ للتحلي بالصبر كانت على آخر ذرةٍ فيها:
_صدقني صعب والله العظيم، صعب أوي إني أرجع أحاول علشان حد محاولش حتى يفضل معايا، أنتَ جاي علشان فاكر إني لسه بحبها أو يمكن أكون لسه سليمان اللي كان عنده استعداد يموت علشانها، بس بنتك كتر خيرها ضيعته بقى، بقت درس العمر اللي عمري ما هقدر أنساه، أنا خلاص قفلت بابها وقفلت صفحتها وقطعتها كلها، لو ابنك زي ما بتقول ترضاله الوضع دا؟ بالله عليك توافقله عليها؟.
أحرجه بالسؤال حتى عجز عن الإجابة، وطأطأ برأسهِ للأسفل يهرب من النظر في عينيهِ لأنه حين ينكشف الضمير تهرب المُبررات، وهو لن يُبرر أفعال ابنته، بل سوف يكتفي بالصمتِ، لذلك استعد للرحيل وقال بهدوءٍ:
_مهما كان قرارك يابني أنا هحترمه، وكان نفسي تكون أنتَ الراجل اللي بنتي تكمل حياتها معاه بس هي غبية علشان ضيعت راجل زيك منها، راجل هتعيش عمرها كله تحلف إنه ماجاش زيه ولا قبله ولا هييحي بعده في حياتها، حقك عليا أنا.
أنبه ضميره لأجل الرجل المهذب هذا فوقف أمامه يقول بلهفةٍ:
_لا حق ولا حاجة والله مش مستاهلة، الدنيا فيها ناس كتيرة جربوا يعيشوا مع بعض وماحصلش نصيب، وإحنا حاولنا كذا مرة وكان صعب، وخلاص العدة فاضل فيها يومين وساعتها تبقى حُرة خالص مني، وربنا يعوضها بحد أحسن مني، يمكن تكون عاوزة حاجة مالقيتهاش معايا كراجل، مجيتك دي فوق راسي واعتبرني زي ما أنا ابنك لو احتاجت أي حاجة رقبتي سدادة.
ابتسم له الرجل وربت فوق كتفه وهو يقول بصدقٍ:
_قد القول وأكتر والله، ربنا يعوضك خير ويكرمك زي ما كرمتها وكرمتني، وشكرًا مرة تانية وصدقني والله مش زعلان منك، هي فعلًا لازم تعرف إن خلاص مابقاش ينفع حد ييجي على نفسه علشانها.
انسحب بعد حديثه فزفر "سُليمان" بقنوطٍ وتمنى لو استطاع إخراج غضبه وكبته في وجه أحدهم وياليتها تكون "صابرين" أو "مها" حتى يشعر بلذة الانتصار حقًا، لكن آخر من توقعها هي التي طلبت رقمه، عقد حاجبيه حين وجد "رحمة" تطلب رقمه فرفر بقوةٍ وجاوبها وهو يقول بسخريةٍ:
_طلبتيها ونولتيها لسه كنت بفكر في حد أولع فيه.
اِفتر ثغرها منفلجًا ببسمةٍ ساخرة وتشدقت ردًا عليه:
_تمام خليك قد كلامك ووريني هتعمل إيه بعد كدا ومين هيجيب حقك وحق أخوك لما تولع فيا، مش يمكن تولع في نفسك لما تكتشف إنك Sorry يعني مقطف.
ارتسم الشر فوق ملامحه ورد عليها بتهكمٍ:
_أنتِ شكلك فايقة ورايقة ومتصلة ترازي في حد وأنا مش فايقلك يا شاطرة علشان لو فوقتلك هترجعي تزعلي تاني، متصلة ليه أنتِ يا سكر؟ فاضية شكلك كدا.
كانت اليوم على عكس عادتها، رائقة وحُرة وحيوية لأنها ربحت القضية أمام أهم خصمٍ لها، لذا أرادت أن تُعكر صفو رجلٍ يثير استفزازها كما يفعل "سُليمان" دومًا معها، لذا ابتسمت بغرورٍ وصله عبر الهاتف وهي تقول بتأنيبٍ:
_مش عيب تكون بنت عمتك ومرات أخوك العمر دا كله وماتعرفش إن أبوها مولود في بنها وبيت عيلته هناك؟.
عقد حاجبيهِ وردد مستنكرًا خلف قولها:
_ودا إيه الجديد فيه؟ ما أنا عارف إنها أصلًا من بنها وأبوها مولود هناك وعاشت فترة معاه، مش بقولك متصلة تستظرفي.
بدأت تشعر بالسخطِ منه وودت لو فصلت رأسه عن جسده لكنها تمسكت بذرات الهدوء وردت بدبلوماسية شديدة:
_ماهو علشان أنتَ مش مكاني كل التفاصيل ليك تبان عادية، لكن أنا كل تفصيلة ليا بتساعدني، معلومة زي دي هتوفر علينا جهد كبير أوي وتختصر علينا كل حاجة.
بدأ الملل يجتاحه فسألها بتهكمٍ ساخرٍ:
_أيوة يعني مش فاهم معلومة زي دي مالها؟ لما تعرفي إن أبوها كان من بنها دي هتفرق معاكِ في إيه؟ هتقولي الله يرحمه دا كان عايش حياته فعلًا مكبر دماغه.
للأسف فشلت في أن تكتم ضحكتها حتى ضحك هو الآخر مغلوبًا على أمرهِ ليجدها تُضيف بتفسيرٍ:
_لأ يا أبو دم خفيف، بس أكيد هتروح هناك تستخبا فيه لما تلاقي الدنيا مقلوبة عليها ووقتها بدل ما تبقى هربانة ويكون صعب تجيبوها هي أو عمتك، هيكون سهل يتقبض عليها والحاجة اللي معاها ترجع، فهمت بقى إن المحامى لازم يكون معاه كل التفاصيل؟ ولا أقولهالك بلغة العربيات؟ يلا سلام.
قبل أن يرد عليها وجدها تُغلق الهاتف في وجهه فتوسعت عيناه بغضبٍ وتمنى لو كانت هي الثالثة التي يُخرج فيها غضبه وانتقامه، حسنًا عليه أن يتريث لحين تنتهي هي من القضية وبعدها سوف تكون آخر قضاياها ومن بعدها سوف تعتزل هذه المهنة للأبدِ.
-ولأن الحياة مجموعة من القضايا، والإنسان بحد ذاته أهم قضاياها، هناك بعض القضايا لا تُحل بالحكم القضائي فحسب، بل هي تحتاج لنزعة إنسانية تجعل الإنسان حيًّا لأجل قضيةٍ ينل شرف الدفاع عنها.
____________________________________
<"يقولون البحر مخبأ الأسرار وموطن الأحرار">
حين غدَّر به البحر سابقًا لم يظن به السوء قط..
بل هو كان يراه الصديق الوفي الذي يأويه في كل لحظاته مهما اختلفت وتنوعت، وحين خذله في من يُحب لم يظن خذلانه مقصودًا، بل رجح أن الخذلان كان وليد اللحظةِ..
البحر كان موطنه حينما كان حُرًا
ولازال مخبأه وهو في الأسرِ.
في مدينة الغردقةِ تحديدًا ببيت عائلة "نصار".
قضى والد "ولاء" معظم اليوم معهم في البيت وابنه البكري معه، كانت سعيدة بتحسن الأحوال بين العائلتين خاصةً في وجود "حُسني" وحماتها حتى اضطر حماها أن يحضر معهم رُغم قلة حديثه وكلماته، لكن على كل حالٍ يكون هذا الأفضل من القطيعة الدائمة، كانت تعلم أن "يُسري" أصر على والده بالحضورِ لذا هي تجلس مرفوعة الرأس بينهم.
استعدوا أهلها للرحيل وخرجت مع زوجها توصلهما للخارج فوقف شقيقها يربت فوق كتف زوجها وشكره بقوله:
_إحنا جينا فجأة وحقك علينا بس كنا حابين نتطمن عليها ونشوف أخبارها إيه، بس بجد شكرًا إنك مخليها مبسوطة وباين عليها بجد من غير تمثيل، ربنا يسعدكم ومش هوصيك عليها، أنتَ مش محتاج توصية عليها، أنا عارف إنك بتحبها.
_أديك قولت أهو بحبها وأنتَ عارف، متقلقش في عينيا.
ودعها أخوها بعد عناقٍ دافيءٍ ثم ولج السيارة وقادها مغادرًا بينما "يُسري" مد كفه وضمها لصدرهِ ثم ربت فوق كتفها وسألها يمازحها بقوله:
_رفعت راسك يا كَّبيرة؟.
ضحكت حين بدل نبرته وقالت بمزاحٍ هي الأخرى:
_أوي أوي فوق ما تتخيل، قال وبيسألوني بحبك ليه.
ابتعد يغمز لها بوقاحةٍ وهمس بخفوتٍ:
_أحب أعرف ليه.
لكزته بمرفقهِ وهي تبتسم بيأسٍ وقبل أن يتابع حديثه وجد سيارة أخيه تصف عند البيت وترجل منها ابنه وحده، وقف يعقد ملامحه وجبينه المضموم فوجد "صُهيب" يركض نحوه فمال يحمله فوق ذراعه وعادت السيارة للخارج مرة أخرى، رفع صوته عاليًا يناديه لكنه تجاهله وشق الطريق للخارج بسيارتهٍ من جديد وترك خلفه علامات الاستفهام على وجه أخيه وأسرتهِ.
[في مدينة القاهرة]..
بداخل أحد المراكز بإعادة التأهيل النفسي للصغار كان "يحيى" يجلس بالخارج وابنته بالداخل بعدما أخذ هذه الخطوة وأجبرها وأجبر نفسه عليها، كانت خطوة لا بُد منها كي يرتاح ضميره وهو لا يكُف إيلام نفسه وعتابها.
خرجت له الإخصائية التي تتعامل مع ابنته بشكل مباشر وطلبت التحدث معه أثناء استراحة ابنته، تحرك لها "يحيى" بملامح مقتضبة فأغصبت شفتيها على بسمةٍ وهي تقول بهدوءٍ:
_متقلقش أنا حابة أتكلم مع حضرتك بخصوص رحيق، البنت حاليًا أفضل من المرات اللي قبل كدا، والغضب والانفعال نسبتهم قلت كتير جدًا الحمدلله، اللي عاوزاه منك بس إنها تفضل تختلط بناس أكتر، عاوزاها تتعامل مع ناس وأطفال وتشوف انفعالات كتيرة وجديدة، تسمع كلام وتتعرض للأصوات الطبيعية من غير أي مؤثرات، وسؤال تاني معلش هل فيه أشخاص هي متعلقة بيهم.
فكر لثوانٍ ثم أومأ موافقًا وهو يُدلي بتعلقها بـ "آدم" وأفراد عائلته وخاصة "عُـلا" أخته فقال بهدوءٍ:
_فيه حاليًا جيراننا هي متعلقة بيهم وبتحب تقضي معظم وقتها معاهم وبشوفها بتضحك أكتر ومبسوطة جدًا لما بتكون معاهم حتى بتوافق تيجي هنا لما دا بيحصل وتعرف إنها هتكون معاهم.
_ طب دا كويس جدًا عاوزينها بقى تختلط بيهم أكتر، يعني تقعد معاهم، تسمع كلامهم تختلط بيهم، لو فيه حد هي متعلقة بيه أكتر خليه يكون معاها أكتر شوية أو يكون دافع ليها، هي كل الفكرة اللي عندها في الخوف اللي محجمها، لو هي حست بأمان كفاية وقدرت تتعامل بشكل طبيعي واحدة واحدة الطاقة اللي جواها هتخرج وبالتالي هتقدر تتكلم تاني، الموضوع نفسي أكتر مش عضوي إطلاقًا.
وافقها بقلة حيلة ثم عاد وجلس مرة أخرىٰ وهو يُفكر كيف يلجأ لهم ولمساعدتهم، حتى أنه لاحظ غياب "أدهـم" وزوجته التي تعلقت بها ابنته وأصبحت تحب مشاركتها كل يومٍ وتسأل عنها بعينيها، اضطر أن يخاطب "أدهـم" و "آدم" بشكلٍ مباشرٍ لأجل ابنته فقط قبل كل شيءٍ..
[في مدينة الاسكندرية]..
كانت "عُـلا" تشبه الطفل الصغير المتحمس للنزهة، رُغم أنها تذهب لسجنها لكن يكفيها عناق "ياقوت" وأمانه، لذا كانت متحمسةً بشكلٍ مبالغ فيه، كانت تستعد للاجتماع بجدتها وانتهت مسرعةً، وقبل الذهاب تحرك "أدهـم" وجلب لها علبة الحُلوان المُفضل لديها وأردف السبب بقوله:
_أنتِ وعدتيها تجيبي ليها الهريسة اللي بتحبها، جيبتهالك أهيه.
توسعت حينها ابتسامتها وامتنت له بعينيها وهي تشكره وتلتقطها منه، وقد ذهب بها نحو بيت جدتها، كانت تجلس بجوارهِ وهي تعد الثواني حتى للذهابِ، وبمجرد وصولهما هرولت معه بخطواتٍ واسعة، طرقت الباب وولجت دون أن ترمي عليهم حتى التحية وقد تبعها "أدهـم" يبتسم لهم بفتورٍ..
هرولت لعناق جدتها التي فرقت لها ذراعيها وهي تبتسم لها، ترحب بها كأنها لا تعرف غيرها، تنتمي لها بشكلٍ غريب حتى تتعجب هي لمَّ لم تخشى هذه الفتاة كما تخشى العالم أجمع، بينما بالشرفةِ جلس "أدهـم" يراقبهما بعينيه حتى بدأت تُطعم جدتها الحلوان وهي تقول بحماسٍ:
_البسبوسة اللي بتحبيها أهيه، بس المرة دي مش أنا اللي جايباها، دا أدهـم هو اللي جابها علشانك وجابلك كمان المِشبك اللي بتحبيه، اشكريه بقى.
أشارت لها على موضعه فنادته جدتها وحينها خرج لها مبتسمًا ببشاشةٍ جعلتها ترتاح له فقالت ببسمةٍ واسعة:
_شكرًا يا حبيبي، تعبت نفسك ليه؟ عيالك أولى بكل تعريفة.
_ياريتك ما نطقتي.
كانت هذه جملة "عُـلا" التي خرجت منها بتلقائية جعلت "أدهـم" يضحك مُرغمًا لكنه مال ولثم جبين جدتها الحنونة ورد عليها بطيبةٍ:
_فداكِ كل حاجة، بعدين عيالي يعني هييجوا أعز منك؟ هما الحقيقة ماجوش حاجة خالص، الله يسامح اللي كان السبب.
وكزته "عُـلا" في كتفه فاعتدل مبتسمًا ثم التقط الملعقة وأطعم جدتها التي ضحكت له وهي تستشعر أمانه، به شيءٌ غريب يجعلها عاجزة عن تفسيره، رُغم هيئته التي توحي بكبر سنه كشابٍ يافع، لكنها تشعر أن قلبه يشع نورًا وأملًا كما الطفل الصغير.
ظلا يعتنيان بها حتى بدأت تتثاءب وتخلد للنوم، دثرتها "عُـلا" ومشطت لها خصلاتها وصنعت لها جديلة رمادية اللون أكل الشيب معظمها، ثم مسدت فوق جبينها المُجعد، جلست بقربها حتى عاد لها "أدهـم" وهمس لها بخفوتٍ:
_يلا علشان نلحق نمشي؟ بدل ما تصحى وتشوفك ماشية وتزعل؟ الوقت كدا هيتأخر ومش عاوز أسوق بيكِ بليل عن كدا.
حركت رأسها توميء له بحزنٍ ثم مالت تُلثم جدتها وتخفي عبراتها وحزنها، سوف تفقدها وتفتقدها وتفتقد الدفء الذي تراه من قلبها، سوف تفقد أمان هذه المرأة التي رغم عجزها لم تُقصر معها بشيءٍ، تحركت معه للخارج وحين مر على صالة البيت قال بهدوء لعمها:
_إحنا هنرجع القاهرة تاني، بس أي وقت ممكن نيجي تاني لما مراتي تحب تشوف جدتها وهيبقى براحتها من غير ما حد فيكم يتدخل ويمنعها، أظن دا حقها وسبق وقولت.
ابتسم عمها بتهكمٍ وسُخريةٍ ورد عليها بفجورٍ:
_والله يابني أنتَ صعبان عليا، هي ياعيني مفهماك إنها قطة مغمضة وبريئة؟ مافكرتش إيه اللي يخلينا نسيبها لوحدها ونسيب البيت والمنطقة ونمشي من غيرها؟ مشيها البطال والقرف اللي كانت بتعمله، اسألها كدا كانت بترجع الساعة كام وجايبالنا الكلام من طوب الأرض، إحنا إذا كُنا مشينا فدا علشان عمايلها الو*** اللي كانت جايبالنا الكلام، اسألها كدا على الشقق اللي كانت بتروحها بتعمل فيها إيه.
توسعت عيناها وهي تتمنى الموت..
والغريب أن الموت لا يأتي حين نرغبه نحن،
بل هو يحضر حين نكون في غفلةٍ وعلى غير استعدادٍ
وهي حتى لو لم تفعل شيئًا لكنها في موقفٍ لا تُحسد عليه.
#يُتَبَع
#جمعية_حب
#الفصل_التاسع_وثلاثون.
________________
_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.
_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات..
الفصل الاربعون من هنا