
رواية في قلبي انثي عبرية الفصل السابع والثلاثون 37 والأخير بقلم خولة حمدي
هل كان الارتياح هو ما شعرت به في تلك اللحظة أم أن الخيبة غلبت؟ تبعتها في استسلام وهي تتنهد في سرها. لم يحن أوان المواجهة بعد. جلست على الأريكة التي تعرفها جيدا، كما تعرف جل أثاث هذا البيت الذي استقبلها فيما مضى. حاولت الحفاظ على ابتسامتها، وصور كثيرة تعبر ذاكرتها في ثوان قليلة. قالت لتشغل نفسها:
- خالتي سعاد ليست هنا؟
أجابت سماح وهي تجلس إلى جوارها وتتفرس في وجهها. في عينيها تساؤلات كثيرة:
- لقد دخلت إلى غرفتها ... تستريح قليلا...
لم تشأ أن تحدثها عن البلبلة التي شهدها البيت منذ سويعات قليلة، بعد ردود الفعل العنيفة التي أبداها أحمد. هي نفسها كانت في غاية التوتر منذ دقائق قليلة... قبل أن يتصل أيهم ويعلمها بأن أحمد قد هدأ أخيرا، بعد أن توضح سوء الفهم الذي كان بينه وبين حسان. لم تفهم الشيء الكثير من كلماته المقتضبة، لكنها على الأقل اطمأنت إلى أن الوضع لم يصل إلى التصعيد الذي توقعته. طالما كان الأمر مجرد سوء فهم، فكل شيء على ما يرام إذن.
ساد الصمت لثوان أخرى، لم تجرؤ إحداهما على قطعه. كأن كلا منهما تنتظر إجابة سؤال لم يطرح... لكن القلوب وعته. تنحنحت ندي وقد رأت من واجبها أن ترد أولا:
- أخبرتك أنني قد نويت السفر... لكنني لم أفعل شيء ما كان يشدني إلى هنا. إحساس بأن مهمتي لم تنته بعد. بأنه لا يمكنني الفرار هكذا وإدارة ظهري للماضي بسهولة...
أنصتت إليها سماح باهتمام دون أن تقاطعها. أشفقت عليها من حيرتها وارتباكها. تساءلت مرارا منذ حديثهما الأخير عما كانت ستفعله لو كانت محلها. لكنها لم تصل إلى جواب شاف. لم يكن القرار سهلا، ولم تكن الضغوط قليلة. لا تشكلي ضغطا جديدا عليها یا سماح. هكذا أقنعت نفسها بعدم التدخل بعد ذلك.
- من المفترض أن أكون في الحافلة الآن، متجهة إلى بيروت... لكن كلما اقترب موعد السفر، تزايد ارتباكي وتوتري. وجدتني أجلس أمام الساعة، أراقب عقاربها البطيئة وهي تسحب الدقائق واحدة تلو الأخرى... دون أن أغادر مكاني. حين أدركت أنه لم يعد بإمكاني أن ألحق الحافلة، وأن الطائرة ستفوتني لا محالة، أحسست بنوع من الارتياح... كأن ثقلا انزاح عن صدري!
حينها فقط أدركت أنني لم أكن أريد الهرب... وقادتني قدماي إلى هنا، بلا مقاومة مني...
مسحت بأنامل مرتجفة دمعة متمردة، حاولت التدحرج على وجنتها، ورسمت على شفتيها ابتسامة وجلة. لم يكن ما روته لسماح إلا نزرا يسيرا مما عانته في الساعات الماضية. لم تخبرها أنها لم تغمض جفنا طوال الليل. استمرت في البكاء والدعاء. قطعت خط الهاتف الأرضي وألقت ببطارية جوالها بعيدا.
لم تكن لتتحمل المزيد من الاتصالات المربكة. لم ترد أن يكتشف أحد ما تعيشه من حيرة وضياع. لذلك عزلت نفسها عن العالم الخارجي...
أمسكت سماح بكفها وربتتها في ود:
- أنا سعيدة بهذا... سعيدة لأنك جئت إلى هنا، ولأنك ألغيت سفرك...
ترددت لثوان قبل أن تسألها:
- ماذا عن حسان؟
هزت ندى رأسها في قلة حيلة.
- لم أتحدث إليه بعد... لكن فكرة تعجيل الزواج كانت خاطئة بالتأكيد. كان قرارا ظالما لكلينا، ويجب علينا مراجعته...
قبل أن تعلق سماح، سمعت صوت محرك سيارة تتوقف أمام البوابة. صوت ألفته وحفظته عن ظهر قلب. هتفت وهي تقف على عجل لاستقبال القادمين:
- هذا أيهم قد وصل... لحظات وأعود إليك...
أومأت ندي برأسها، وهي تتابعها بنظراتها. لم تخف عليها لهفة سماح وارتباكها. وسرعان ما أكد اللغط الذي سمعته في الممر شكوكها. لم يكن أيهم القادم الوحيد. كانت هناك أصوات كثيرة تختلط بضحكات رجالية، ولم يلبث صوت زغرودة مدوية أن صدح في المكان. هبت ندى واقفة وقد تسارعت دقات قلبها. اقتربت من باب الغرفة في فضول مختلط بخوف غامض. قلبها أنبأها بأن أمرا ما يخصها يحصل في الخارج. هل توقعت ذلك الخبر بالتحديد؟
ليست متأكدة... كانت الشكوك تحوم حوله، لذلك تمالكت نفسها وفتحت الباب لتلقي نظرة... وللحظات، توقف الزمن عند الصورة التي رأتها.
* * * * *
ركب الشبان الثلاثة السيارة، وفكر كل منهم قد سار في واد مختلف. أصر أيهم على أن يرافقهم حسان إلى منزل العائلة، حتى يحتفل الجميع باسترجاع أحمد الذكرياته كاملة، وبصلحه معه بعد سوء فهم خفي رافق أحمد في الأوعية طوال السنوات الأربع المنصرمة. لم يملك حسان سوى الانصياع، رغم رغبته في الانفراد بنفسه للتفكير بروية في مستجدات الأحداث... كان مشغول البال على ندى التي لم تركب الحافلة كما أخبرته. رجع تفكيره إليها بعد المقاطعة التي صحبت هجوم أحمد عليه منذ دقائق. لم يتمكن من الاتصال بها منذ البارحة. أعلمته بموعد سفرها، ثم أغلقت هاتفها. كرر الاتصال مرات عدة، مقنعا نفسه بأن هناك مشكلة في الشبكة والإرسال. وحين أيقن من إزماعها على العزلة، فكر في رؤيتها في موقف الحافلات. مجيئها العاجل، ثم رحيلها المفاجئ، كل ذلك أثار الكثير من التساؤلات في ذهنه. ولم يكن بإمكانه أن يتركها ترحل دون أن يسألها مجددا ... هل أحسنا فعلا بتعجيل موعد الزفاف؟
هل هي مقتنعة بهذا القرار فعلا... أم تراها محاولة منها لطمأنته وتبديد شكوكه؟
لا ينكر سروره البالغ لقرارها ذاك... لكنه يخشى أن يكون تسرعا بسبب فقدان أحمد للذاكرة. كان السؤال الذي صاحبه طويلا منذ عودته إلى أهله: ماذا لو عادت إليه الذاكرة فجأة؟ ولم يتأخر الخبر... ها هو قد استرجعها حقا.
واسترجع معها ألاما كان هو سببا غير مباشر لها! انقلبت الموازين فجأة. عاد أحمد... وانكشف سر ضياعه للسنوات الماضية. أحمد الذي فقد ذاكرته بسبب غيرته على ندي، وهو يرى صورتها بين يدي أجانب يدنسون عرضها... ما إن استرجع ذاكرته حتى هب لينتقم لحبه القديم... بنفس الغيرة، وبنفس قوة العاطفة. هل يمكنه أن يتجاهل كل ذلك ويمضي في ارتباطه بها؟ هل يمكنه أن يسعد في حياته معها، وهو يعلم أنه فرقها عن خطيبها دون أن يقصد؟ وهي، ندی... ماذا سيكون موقفها حين تعلم بتفاصيل الحادثة؟ هل سيظل موقفها على حاله؟ ليس واثقا... ليس واثقا أبدا...
لم يكن أحمد الذي انفرد بالجلوس في المقعد الخلفي بأقل حيرة واضطرابا منه. إن الرجل الذي يجلس أمامه هو صديق شبابه، أقرب رفاقه إليه. وهو اليوم خطيب حبيبته! أساء الظن به في الماضي، ولم يشفع له لديه تاريخ الصداقة المتينة. فهل يكون هذا ثمن سوء ظنه؟ لقد دفع الكثير من عمره جزاء ظنه ذاك،وفهل عليه أن يدفع المزيد... وإلى الأبد؟ عاجز عن التفكير هو. كلاهما لا ذنب له.
ندي التي تركها لسنوات تنتظره دون أدنى أمل... وحسان الذي غيبت الغيرة عنه خصال الأمانة وحفظ العهد التي عرفها فيه قديما وحديثا. لا ذنب لهما حتى يدفعا معه ثمن تسرعه وعمى بصيرته في لحظة غضب قاتلة. وحده المسؤول عما وصل إليه... ليس وحده، بل ذاك الشخص الدنيء مجهول الهوية هو المسؤول الحقيقي! لكن أتى له أن يصل إليه بعد كل هذا الوقت؟ ستبقى حسرة في نفسه وألما في قلبه إلى النهاية. لكن لا يحق له أن يتقاسم العقاب مع أحد... سيبتلع الغصة، ويتحمل. وكفى...
تدحرجت دمعة يتيمة مكابرة على خده. مسحها بظهر كفه على الفور قبل أن يلمحها أحد مرافقيه. بكى مطولا قبل قليل من القهر والغل والمرارة. بكي سنواتهوالضائعة وألمه الدفين الذي عاد ليطفو على سطح الذاكرة. كان بكاؤه ذاك مشروعا وطبيعيا. لكن لا يحق له الآن أن يبكي حبه القديم. حبه الأول والوحيد... لاعتقاده السخيف بأن الرجال لا يبكون من أجل الحب.
انتبه حين توقفت السيارة أمام منزل عائلته. تذكر والدته التي أرعبها منظره ذلك الصباح، وشقيقته التي اتصلت بزوجها مرارا لتطمئن عليه. أقلقهم بما فيه الكفاية... وقد آن الأوان ليهديهم صفحة جديدة صافية، ملؤها الاستقرار والأمان. الآن وقد اكتملت هويته، واتخذ كل جزء من ذكرياته مكانه الصحيح، سيجعلهم ينسون كل المر الذي مضى. ليبدأ بالابتسامة. رسمها جيدا على شفتيه. ابتسامة سعادة. فليجعل الجانب المشرق من أحداث اليوم يتغلب على المعتم منها. حسان بريء مما ظنه به، وهو أمر مفرح بالتأكيد. ذكرياته عادة بكليتها... لم يعد بحاجة إلى طبيب نفسي، بقدر حاجته لطبيب القلوب. لینس ذلك الآن. فليذكر الجانب المشرق... المشرق فقط. ساعدته تلك الأفكار على رسم ابتسامة فرح حقيقية وهو يرى سماح تقف في استقباله. عانقها في حرارة، كالعائد من سفر طويل. سبقه أيهم وبشرها بالذكريات العائدة، دون ذكر التفاصيل. كأنه استجاب لاستجداء عينيه الخفي... لا تطل في الشرح أرجوك. فقط الأخبار السعيدة. أريد أن أفرح اليوم، ولو لبعض الوقت...
تعالى الصراخ والضحكات، مما أيقظ الخالة سعاد من رقادها. علامات الفرح التي وصلت مسامعها كانت كفيلة وحدها لتنفض عنها كل أثار النعاس. وما إن رأت الوجوه المستبشرة، حتى أطلقت زغرودتها دون انتظار. لم تكن تحتاج الأكثر من ابتسامة ولدها الوحيد حتى تطلق العنان لدموع الفرح. أما تفاصيل الخبر... فتبقى هامشية بالنسبة لها.
استرسل الجميع في هرجهم الحلو، ولم ينتبه أحدهم إلى الباب الجانبي الذيوفتح ببطء ، كأن القادم يتسلل على أطراف الأصابع حتى لا يفسد فرحة أهل البيت. أطلت ندى على استحياء، تريد أن تشاركهم الفرحة دون أن تعكر صفوها. تريد أن تكون طرفا فيها لا منغصا لها. لكن ما إن وقع بصرها على الوقوف في الممر حتى تسمرت مكانها. كانت ترى الرجلين للمرة الأولى جنبا إلى جنب منذ زمن طويل. صديقان يتعانقان في حبور. قفزت إلى مخيلتها صورة أخرى مشابهة. أحمد المصاب يقف عند بابها، يسانده حسان بقوة وشجاعة. أحدهما خطيبها السابق، وثانيهما خطيبها الحالي. لم تستطع أن تقاوم دموعها. أن تراهما أمامها بهذا الشكل كان مؤثرا للغاية.
فجأة التفتت إليها سماح، وكأنها قد تذكرت وجودها في الغرفة. وما إن رأتها تقف عند الباب حتى هتفت وهي تمضي في اتجاهها :
- ندى تعالي...
لكن ذكر اسمها جعل قلوبا كثيرة تنتفض، وتنكأ جراحا من أنواع مختلفة.
استدارت الوجوه إليها في ارتباك. حيية هي تلك النظرات التي طالعتها على عجل، لتطمئن إلى وجودها في المكان لا غير. ثم استرد كل منهما نظراته وألمه.
تكلمت هي لتداري توترها:
- أراكم تحتفلون...
حاولت إخفاء دموعها دون جدوى، فقد كانت غددها الدمعية في سباق مع الزمن، ما إن تسيل عبرة حتى تلفظ غيرها بلا استئذان. سيطر الذهول على الجميع للحظات. لم يكن أحدهم يملك الكلمات المناسبة لذلك الموقف. كل الصيغ كانت جارحة لأحدهم. كان لا بد أن تسقط ضحية ذلك المساء... وحده حسان تشجع ليكسر الصمت. هل تراه أراد أن يكون القاتل والمقتول في آن؟
إذا كان لا بد من موته، فليكن ذلك بكرامة وشرف.
- ندى... أحمد استرجع ذاكرته بالكامل. تذكر الحادثة التي تسببت في فقدانه لها... والأهم هو أنه يذكر الآن كل الماضي الذي جمعنا...
اتسعت عينا ندي، وهي تردد بصرها بين الرجلين. لكن حسان لم يكن قد أطلق كل سهامة. تابع في هدوء عجيب حسده أحمد عليه:
- ولذلك، لا يمكنني الاستمرار في الخطبة والارتباط بك...
قاطعته ندى في إشفاق ورجاء:
- حسان أرجوك، دعنا نتحدث على انفراد أولا...
لكنه كان مصرا على المواصلة:
- لم يعد هناك من حديث بيننا... أريد فسخ الخطبة، لا غير... أنت اليوم في حل من كل ارتباط. وهي على أية حال كانت خطبة فاسدة... لا يحق لي أن أخطب على خطبة أحمد... وهو على حد علمي لم يفسخ خطبته لك يوما...
أليس كذلك؟
قال ذلك وهو يربت کتف أحمد في مودة، وابتسامة شاحبة تزين وجهه. لكن أحمد لم يملك أن يرد. كانت الدهشة قد عقدت لسانه. لم يتوقع ذلك التصرف النبيل من حسان أبدا. لم يكن من حقه أن يفسد ما بينهما وهو الذي فسخ خطبته بغيابه المطول! لم تكن خطبة فاسدة كما يدعي حسان! ولا يمكن لأحد أن يلومه على زواجه بها... لكن حسان كان عجيبا في شهامته وكرم أخلاقه.
عجيبا بدرجة مخجلة، تعاظم معها إحساس أحمد بالذنب تجاهه. كان يريد أن يجيب ويعطيه حقه من الثناء والاعتذار... لكن عظم وفائه ألجمه. لم يكن هناك
كلمات في قاموسه توفيه حقه.
تكلم حسان مجددا حين طال الصمت، كان سيد الموقف بالكامل ولد له أن ينهي المسألة على طريقته، ولو كان الثمن جرحا في قلبه:
- هذا كل شيء... أستأذنكم الآن...
ثم استدار ببطء، وخطا في اتجاه الباب الخارجي دون أن ينتظر ردا. في تلك اللحظة، اندفع أحمد نحوه بقوة. احتضنه في عنفوان، وشده بقوة إلى صدره.
لم يخجل من دموعه هذه المرة، بل خجل من قبضته التي سددت إليه لكمة ذاك المساء، فأخذ يربت ظهره بكفه في اعتذار صامت.
سالت دموع الجميع أنهارا بلا مواربة. لم تكن دموع حزن ولا دموع فرح. كانت دموع ضعف إنساني. وحده حسان استمر في عناده وإخفاء ضعفه. أفلت من ذراعي أحمد، وابتعد على عجل دون أن يلتفت إلى الوراء. هل كان يريد أن ينفرد بضعفه بعيدا عن العيون؟ أم كان يريد الحفاظ على صورته الناصعة التي تركها في قلوبهم بموقفه الرجولي؟ أيا كانت رغبته الخفية، فهي كانت خوفا من تشويه المشهد الأخير الذي رسمه للمسرحية... فعجل بإسدال الستار...
* * * * *
«حبيبي أحمد...»
التهبت وجنتاها وهي تخط تلك الكلمات على الورقة وابتسمت في خفر. إنها تبوح له بمشاعرها للمرة الأولى. أليس هذا الوقت المناسب؟ نعم، لماذا تخجل إذن؟ تعلم الآن أن الزوجة في الإسلام لها حقوقها ومكانتها، ومن حقها أن تعبر عن مشاعرها. عادت تلك المراهقة البريئة التي كانتها منذ سبع سنوات خلت. كأنها تختبر مشاعر الحب للمرة الأولى... وتستيقظ داخلها تلك الأحاسيس الوليدة، كما عرفتها أنذاك.
«نعم، لم أعد أخاف هذه الكلمة، ولم أعد أخاف مشاعري تجاهك. تلك المشاعر التي عذبتني وأرقتني في غيابك. الآن وأنا ألبس هذا الفستان الأبيض وأزين رأسي بإكليل الورود البيضاء، لم يعد لدي أدنى شك. بعد دقائق قليلة، سنكون معا في عشنا... سنكون أسعد زوجين على وجه الأرض. يحق لنا أن نعرف طعم السعادة أخيرا بعد كل سنين الحرمان، أليس كذلك؟»
مسحت دمعتها قبل أن تسقط على الورقة، ويسيل حبرها. كانت دموع الفرح هذه المرة. انتظرت طويلا هذا اليوم. بعد أن استعاد أحمد ذاكرته وتقدم لخطبتها من جديد، أعطت لنفسها فرصة حتى تتعرف إليه مرة أخرى، لتتأكد من مشاعرها ومن قرارها. والأيام التي تلت أثبتت لها حسن اختيارها. والآن، بعد أن بدأت ثمار مشروعه الزراعي تنضج، أصبح بإمكانهما قطفها سوية...
«لماذا أكتب إليك؟ من حقك أن تتساءل. لم تعد المسافات تفرقنا ولم تعد هناك حواجز تمنع لقاءنا. لكنني أحببت أن أضيف إلى سجل الرسائل القديمة رسالة جديدة. تكون شاهدا على المرحلة الجديدة التي نعيشها معا. ربما نقرؤها سويا يوما ما، بعد سنوات طويلة، حين نصبح جدا وجدة. فنسترجع هذه اللحظات الثمينة.
دعني أعترف لك بأشياء لم أبح بها إليك من قبل. حين رأيتك للمرة الأولى، كنت أبعد ما يكون عن تصور الرحلة التي تنتظرني. كان لقاء فوق العادة، وما لحقه من أحداث كانت تفوق خيال الطفلة البريئة التي كنت. حبي لك كان الدافع الرئيسي لأخوض التجربة معك. كانت حكمة الله تعالى أن أتعلق بك ونحن نختلف في كل شيء. وكانت حكمته أيضا أن أفقدك وأنا في أشد الحاجة إليك. حرمني منك ليأخذني إليه. أبعدك عني لأعرفه جل شأنه دون أن تختلط الأمور علي وتشوب إيماني شائبة. الآن، حين أفكر في تلك الفترة، أحمد الله على حسن تقديره وتدبيره. لا تغضب مني، فأنا لا أذهب إلى تمني بعدك.
لكنني أدرك الآن أنك لو ظللت إلى جانبي طوال الطريق، لكنت شككت في نفسي، كما شك في كل من حولي. لكنت عللت ميلي للإسلام بحبي لك ولكل ما تحبه. ربما كانت أمعنت في المكابرة، ولربما بقيت على ضلالي لفترة أطول...
حين توصلت إلى اليقين وأعلنت اقتناعي بالإسلام، ظننت أنني وصلت إلى خط النهاية. أنني عبرت الاختبار بنجاح. كنت أجهل أنني لم أقطع سوى أميال قليلة... من رحلة الألف ميل. كان علي أن أعبر بعدها أميالا لأثبت على ديني ولا أرتد أمام كل المعوقات التي تسعى لإرباكي وتحطيم مقاومتي. كان علي أن أعمل على تحصين قلبي، بالمعرفة الحقة. ثم أن أنشرها من حولي على كل من ظل على الجهل الذي كنت فيه...
هل تعلم، ظننت أن كل تلك المراحل كانت الأصعب. لكن يبدو أنني أخطأت في تقديري. فما زال هناك الكثير والكثير. الأميال الألف لم تنته بعد. أنا اليوم مسلمة، ومسؤولة عن صورة الإسلام في عيون غير معتنقيه. أنا اليوم مسؤولة مثل غيري من المسلمين، عن الاتهامات بالإرهاب والتخلف والفوضى والفساد... أنا مسؤولة عن حسن تطبيقي لتعاليم الإسلام في حياتي اليومية.
عن إنشاء بيت مسلم، وتربية أطفال مسلمين، يفهمون دينهم، ويتخذونه منهاجا ومسارا لحياتهم. أتدري كم هي عظيمة هذه المسؤولية؟
أعلم أني لن أكون قوية على امتداد الرحلة. قد أتعب وقد أحيد قليلا عن الطريق. لذلك أريدك أن تأخذ بيدي وتردني إلى الصواب. أرجوك، كن معي لنمضي معا إلى آخر المشوار.
زوجتك المحبة، ندی.»
تنهدت وهي تقرأ رسالتها مرة أخرى. ثم ضمتها إلى صدرها، ودعت الله في صمت، كي يبارك لها في زواجها، ويجعله وسيلة لرضاه. في تلك اللحظة تعالت الدقات على بابها، ثم ظهرت سونيا تستعجلها:
- عائلة العريس وصلت... هل أنت مستعدة؟
هزت رأسها علامة الإيجاب، ثم وقفت لتلقي نظرة أخيرة على زينتها.
- أحلى عروس... وربي!
ابتسمت وهي تطرق في خجل أمام ثناء النسوة اللواتي تدافعن لتهنئتها. ثم سارت بخطوات محتشمة نحو القاعة المزينة، حيث ينتظرها عريسها..
تمت بحمد الله
لقراءة جميع فصول الرواية من هنا
وأيضا زرونا على صفحة الفيس بوك
وايضا زورو صفحتنا سما للروايات
من هنا علي التلجرام لتشارك معنا لك
كل جديد من لينك التلجرام الظاهر امامك
وايضا زورو صفحتنا سما للروايات
من هنا علي التلجرام لتشارك معنا لك