
رواية في قلبي انثي عبرية الفصل الثاني عشر 12 بقلم خولة حمدي
توقعت أن الزائرة تنتظرها. لمحت فتاة تجلس، وقد
أطرقت في احتشام، كانت تضع غطاء رأس وترتدي ثوبا
طويلا فضفاضا. أيقنت على الفور بأن الفتاة مسلمة.
فالفرق واضح بين الحجاب الإسلامي وغطاء الرأس
اليهودي المعاصر.
النساء اليهوديات الملتزمات لم يعدن يرتدين أوشحة، بل
يفضلن القبعات والشعر المستعار الذي يمكنهن من
الظهور في هندام لائق وعصري، دون أن يتنازلن عن
قناعاتهن الدينية، أو يجلبن إليهن الأنظار في المجتمعات
وحتى من حافظن على الغطاء التقليدي منهن
المختلطة.
-مثلما تفعل ندى- فإنهن يتركن جزءا من مقدمة الشعر
تطل من تحت الوشاح، ويكشفن جزءا من العنق وفتحة
الصدر، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الثياب، فإن الفرق
واضح فيها، حيث لا تهتم اليهوديات بطول أثوابهن،
فيكشفن سيقانهن، ويضيقن على خصورهن بالأحزمة.
اقتربت منها في فضول هادئ، فرفعت الفتاة رأسها
على وقع خطواتها. وقفت على الفور لاستقبالها
مبتسمة، وقد بان على محياها أنها تعرفت إليها! أما
ندى فلم تكن أقل حيرة مما كانت عليه منذ حين. بادرتها
الضيفة قائلة:
- أسفة لأثني قدمت دون موعد مسبق، لكنني توقعت أن
تكوني بالبيت يوم الأحد...
تفحصتها ندى وهي تنتظر توضيحا أكبر، فاستطردت
سماح:
- أعرقك بنفسي، أنا سماع... شقيقي أحمد نزل ضيفا
عليكم منذ أكثر من أسبوع...
عند ذكر اسم أحمد زالت الحيرة عن ندى تماما، صعدت
الدماء إلى وجهها متدفقة بقوة، وابتسمت في حياء وهي
تذكر أحداث تلك الليلة.
حدسى كثيرا عن حسن ضيافتكم وكرمكم معه، لذلك
طلب مني أن أشكرك نيابة عنه.
- لم نفعل إلا الواجب
في تلك اللحظة، دخلت سونيا وهي تحمل فناجين
القهوة، ابتسمت في شيء من البرود، وهي تضع الطبق
فوق المنضدة، راقبتها ندى وهي تنسحب من الغرفة في
نوجس، ثم قامت وأغلقت الباب بهدوء، جلست من جديد
في ارتباك وهي تقول:
- هكذا يمكننا أن نتكلم على راحتنا...
أومأت سماح برأسها وقد أيقنت بأن عائلة ندى تجهل ما
حصل، وربما سببت لها بعض الإحراج بزيارتها
المفاجئة تلك، قالت وهي تخرج قصاصة من الورق من
حقيبة يدها وتمدها لندى:
- لا أريد أن أضايقك كثيرا، هذا رقم هاتفي... اتصلي
سى وقتما تشائين، يسرني أن نتعرف أكثر، وأن نلتقي
من حين إلى آخر...
وافقتها ندى بهزة من رأسها، وهي تتناول قصاصة
الورق، ثم نهضت سماح مغادرة وهي توصي ندى
بالاتصال بها في أقرب وقت، أوصلتها الى باب الحديقة
وودعتها مبتسمة، عادت إلى الداخل وعلامات الانشراح
بادية على محياها. كانت زيارة غير متوقعة، لكنها حملت
معها آمالا كبيرة، هل يفكر فيها مثلما تفكر فيه؟ ذهب
بنفسه للقاء أخيها، ثم أرسل أخته لتشكرها وتتعرف
إليها، ما الذي يعنيه ذلك، غير كونه يعترف بجميلها؟ إنه
مسلم... وهي يهودية! هل يفكر في هذه الفوارق؟ أم
تراه مثل أبيها، الذي لم تره منذ طلاق والديها، وزوج
أمها، لا يضع وزنا للاختلافات العقائدية؟
اصطدمت بأمها التي وقفت تنتظرها عند باب المطبخ
ونظرة عابسة على وجهها:
- من تكون هذه الفتاة المسلمة؟
ردت ندى على الفور دون أن تتلعثم، فقد كانت جهزت
كذبتها منذ رأت علامات الاستهجان على وجه أمها وهي
تحمل إليها القهوة:
- إنها زميلتي في الكلية...
- وما الذي تريده؟
- تغيبت عن الدروس يوم "مس... وجاءت تسألني عن
موعد الاختبارات!
- ولم تجد غيرك لتسأله!
قالت سونيا ذلك وهي تبتعد عنها، دون أن تحاول إخفاء
امتعاضها، لحقتها ندى وهي تهتف:
لست أفهم؛ لماذا تكرهين المسلمينء في حين أنك قبلتي"
الزواج من أبي وهو مسلم؟!
قالت سونيا في مرارة دون تلتفت إليها:
- ربما كان والدك هو السبب... كرهت فيه كل المسلمين
- لكن لماذا؟
تنهدت سونيا وهي ترنو إلى ابنتها في رثاء:
- لا تزالين صغيرة وغرَّة يا عزيزتي... كنت مثلك حين
رضيت بالزواج من والدك وتحدّيت عائلتي من أجله!
لكنني أدركت بعد وقت وجيز بأنني أخطأت التقدير...
وأخطات الاختيار!
أضافت بعد صمت قصير:
- حتى إنه لم يسأل عنك أو عن أختك منذ سنوات
طويلة!
- آلا يزال يعيش في تونس؟
هرت سونيا كتفيها علامة الجهل واللامبالاة, فأردفت
ندى في حماس:
- ربما لا يعلم بأننا سافرنا إلى لبنان... وربما كان
يبحث عنا كل هذا الوقت!
سرت رجفة مباغتة في جسد سونيا؛ وهي تشيح بوجهٍ
في استياء؛ ثم انسحبت من المطبخ بخطى سريعة دو
أن تعلّق بكلمة واحدة. لم تكن تحب الحديث عن زواجها
الأول. وكانت تلوذ بالفرار كلما ساقها الحديث إليه...
خاصة مع ابنتيها.
- هيا يا أولاد... هل أنتم جاهزون؟
خرج باسكال على الفور؛ وهو يحمل حقيبة ظهره؛
وهتف في مرح:
- أنا جاهز!
ربت جاكوب رأسه في حنان وهو يقول:
-جيد... تيدو متحكسا لَهَذَه التوفةاً
أوماً الطفل برأسه علامة الإيجاب, وأخذ يتففّد الأدوا:
التي أحضرها للنزهة العائلية على الشاطئ القريب.
كان جاكوب يحل بتحسّن ملحوظ في علاقته مع طفل
وخاصة مع باسكال. الذي أصبح يحب صحبة أبيه
وتقليده في تصرفات «الكبار». ربما كان للتطورات
الجديدة في علاقته مع ريما دور كبير في ذلك. في
الفترة الأولى لازمه إحساس فظيع بالخيبة, مع تغيّر
تصرفات ريما وعاداتها تماشيا مع نسق حياتها
ومظهرها الجديدين. لم تعد تسمح له باحتضانها والمسح
على شعرها مثلما كان يفعل دائما... بل لم تعد تترك له
كفهاء يمسكها حين يوصلها إلى المسجد. تغيّرها ترك
في نفسه مرارة شديدة؛ خاصة وهو يسمعها في كل مرة
تدعو له بالهداية إلى دينها وتكرر على مسامعه أنها
تحبه وتخاف عليه من نار جهنم. صار حبها ودعاؤها
يثيران غيظه وأحيانا غضبه... فحاول أن يركز اهتمامه
في شيء آخر ء حتى ينسى مرارته الثقيلة. ولم يكن
هناك من هو أحب إليه من التقزب من باسكال ومشاركته
بعض نشاطاته. كان يريد ذلك منذ زمنء لكن إحساسه
بعدم الرضا عن دوره كب من جهة؛ ولجوءه إلى ريما
باستمرار كلما آراد تفريغ عواطفه الأبوية والحصول
على قدر من الاعتراف بالجميل:حالادون ذلك... لك
بما أن ريما لم تعد الشخص المناسب؛ صار المجال
مفتوحا ليضع عواطفه في محلّها الصحيح... هكذا كان
يفكر. فأولاده مهما كانوا هم أقرب الناس إليه والأحق
بمشاعره وعواطفه. وسرعان ما تكوّنت صداقة بينه وبين
باسكال. في حين تعمّقت الهوة التي تفصله عن ريما
أكثر فاكثر.
- آلن تأتي ريما؟
قالت ذلك سارا التي خرجت من غرفتها وهي تحمل
حقيبتها بدورها. لم تكن ريما قد حضرت بعد؛ مع أن
جاكوب كان قد أعلمها ظهر ذلك اليوم بشأن النزهة
الشاطئية.
-حسين سنتظر ما الذي يؤكرها...
حدّجته تانيا بنظرة منزعجة. فقد كانت تتحرّج على
الدوام من الخروج مع ريما. يكفي أنها مسلمة. وهي لا
تريد أن يعتقد البعض أنها تنتمي إلى عائلتها. لكنها
احترمت رغبات جاكوب وعواطفه تجاه الطفلة اليتيمة.
ورضيت بأن ترافق ريما العائلة حين يتعذّر عليها أن
تملس من حسحبتها. آما وقد اختارت را ارقا
الحجاب الإسلامي. فالأمر أصبح شديد الاختلاف. لم
يعد الأمر مجرد إيواء فتاة يتيمة مسلمة؛ بل الظهور في
وضعية غير لائقة أمام أبناء طائفتها. فرضاؤها بحجاب
ريما يعد تنازلا وتآمرا. لكن جاكوب كان يقف في وجهها
في كل مرة؛ ويتحمّل بكل رحابة صبر مسؤولية كل
تصرفات ريما. لكن كيف يمكنها أن تذهب معهم إلى
الشاطئ في ملابسها تلك؟!
طرق جاكوب الباب في هدوء ثم أدار المقبض. انتبهت
ريما على الصوت الذي أحدثه عند دخوله. كانت مُكبَّة
على مكتبهاء تراجع دروسها أو تتظاهر بذالك
- ريما... نحن ننتظرك. آلن ترافقينا إلى الشاطئ؟
ابتسمت ريما في رقّة وهي تقول معتذرة:
- لدي الكثير من المراجعة التي علي الانتهاء
منها...اذهبوا بدوني... لا بأس...
لم تكن المرة الأولى التي تتملّص فيها ريما من الخروج
رفقة العائلة في الأسابيع الأخيرة. كانت في كل مرة
تجد العذر المناسب لتبقى في المنزل. وكان جاكوب في
كل مرة يُراعي مشاعرهاء يتودّد إليها ويحاول إخراجها
من العزلة التي فرضتها على نفسها. لكنه هذه المرة
ابتسم في شيء من البرود المقنّع بالتفهم وهو يقول:
- حسن... كما تشائين... أتمدّى لك أمسية طيبة!
انسحب جاكوب في هدوء مثلما دخل. أما ريما فإنها
تركت القلم الذي كان في يدهاء وضعت رأسها على
المكتب في إعياء؛ وما هي إلا لحظات حتى أجهشت
بالبكاء. إنها تتألم كثيرا... تتألم لوحدتها وخوفها من
الغد. تتألم لفقدانها الحنان والأمان في حياتها. جاكوب
لم يعد بابا يعقوب الذي عهدته. العائلة التي ظنّت أنها
تنتمي إليها كل السنوات الماضية لم تعد كذلك. صارت
نظراتها إليها فيها الكثير من الاستهجان والسخرية
والغضب. الآن تدرك أكثر من أي وقت مضى بأنها
دخيلة عليهم. خياراتها الجديدة هي ما يجعلها دخيلة
يا إلهي... أنت تعلم أنني لم أرد إلا رضاك... يا الله
تبني على الحق وأنر بصيرتي...
دخلت ندى إلى البهو مبتسمة. كانت أمسية طيبة
أمضتها صحبة سماح. خرجتا في جولة وسط المدينة؛
ثم جلستا في مطعم شعبي وتحدّثتا في شتى الأمور
دون أن تتطرقا إلى الدين والعقيدة. كان الطعام طِيّبً,
والحديث ممتعاء وقد أحبّت روح سماح اللطيفة وطابعها
المرح. افترقتا وقد اتفقتا على لقاء قريب. ما إن خطت
في اتجاه غرفتها حتى تناهت إليها أصوات نسائية
قادمة من غرفة الجلوس. غيّرت وجهتها على الفور
واقتربت من المجلس, فاتضح لها صوت والدتها وهي
تقول في غيظ:
- هل تصدقين أنه يريد أن يكون زواج ابنتي في
كنيسة! حتى في زواجي من جورج لم يضغط علي أحد
كي أُغيّرِ طقوس آبائي وأجدادي! كيف يمكن أن تتزوّج
ابنتي دون حضور رجل دين يهودي ومباركته؟ ما الذي
سيقوله عني أبناء طائفتي؟!
قالت مخاطبتها بصوت هادئ رصين:
- هوني عليك يا عزيزتي سونيا... لماذا لا يكون هناك
حفلتان. لإرضاء كل الأطراف؟ يقام الزفاف في البيت
أولا بحضور رجل الدين اليهودي, ثم يذهب الجميع إلى
الكنيسة لإتمام المراسم على الطريقة النصرانية...
لم تكن سونيا مقتنعة, لكنها سكتت للحظات تفكر في
مخرج آخر لا يضطرها إلى الذهاب إلى الكنيسة. فرغم
زواجها من رجل نصرانيء إلا أن رواسب من النفور
تبقّت في نفسها من النصارى. ورغم ما تدّعيه من
الانفتاح والتفهّم؛ فهي تنفر من كل من يختلف معها في
العقيدة. كانت تعتقد بأن جورج مختلف عن غيره من
التصارى. وأن هناك الكثير من المعتقدات المشتركة
بينهما. وهو بطيبته وسعة صدره يُبدّد كل ما بينهما من.....