
رواية جمعية حب الفصل السادس والثلاثون 36 بقلم شمس محمد بكري
|| اليوم المدينة تستقبل الغائب ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
-متأسفه لحضراتكم جدًا على التأخير دا للأسف تعبت وخدت دور صعب والحمدلله بفوق منه أهو، دعواتكم فضلًا.
____________________________________
لأني لا أعرف غير الطريق الذي جمعني بكَ
ستجدني دومًا أتردد على بداياته، ومهما أجبرتني مفترقات الطُرق سوف تنحرفُ قدماي لعندك أنتَ..
بكل عدلٍ وأملٍ وثقةٍ أعرف أن طريقك هو الطريق للحُكم العادل، بغير تحيز من قاضٍ ظالمٍ..
ولا النظر بعين اعتبار العادات والتقاليد
ولا الأخذ بمفترضات وفرضيات، سوف تجدني أنا بروحي وأملي وكُلي، نفسها الطفلة القديمة التي ولجت عالمك لتأمن به
فصارت كلمة الأمان عهدًا منك ليِّ أنا..
وأنا، مهما تعددت مطالبي لم أرد منك غير الأمان فقط
وأماني وجدته يوم وجدت ضي عينيك، يا "مُدلل الحي"
<"من اعتاد لعب دور البطولة، لن ينفعه الدور الثانوي">
في أشهر مقولات العلاقات والحُب قيل أن
"الرجل لا يعشق غير مُعذبته هو"
تلك التي صعبت عليه الطريق لأجل الوصول إليها وجعلته يُحارب كي ينل قُربها..
لكن هذه التي عذبته يوم أن يفيض بهِ من حُبها سوف يجعلها تُدرك مشقة الطريق عليه حين بذل قصارىٰ جهده ولم ينل غير العذابِ منها..
_والله يابني مش عارف أقولك إيه بس أختها هنا عندنا هي وولادها.
توسعت عينا "سُليمان" وفرغ فاهه ومن شدة غضبه أغلق الهاتف ودفعه بعنفٍ ثم ترك موضعه وخرج يقف في حديقة البيت ويُعيد البحث عنها، وقف والسعير يزداد في قلبه والنيران الموصدة تصل لرأسه من شدة غضبهِ، كاد أن يتحرك لكنه لمح سيارة إحدى صديقاتها القُدامى تصف بجوار البيت وتنزل منها هي والساعة قد شارفت على الواحدة صباحًا..
ترجلت من السيارة تسير على رؤوس أصابعها لكنها اصطدمت به وشهقت بخوفٍ ولأول مرةٍ ترى النيران المُشتعلة في غابات عينيه، فتيقنت أن تلك المرة هي نهايتها الحتمية والخروج من نيرانه يلزم معجزة بلا شكٍ..
أطبق بيده فوق رسغها وقام بجرِها خلفه وهي تئنِ وتتأوه من فرط سرعتهِ حتى ولج بها داخل البيت مرورًا من الحديقة المُشعبة ثم دفعها للمنتصف وصفق الباب خلفه بعنفٍ والتفت يهدر بغضبٍ أعماه:
_تحبي أوريكِ وش العربجية بتاعي؟ أوريكي الوش اللي عمرك ما شوفتيه وأخليكِ تتمني اللي يخرجك من تحت أيدي سليمة ومش هتنوليها؟ أنتِ فاكراني إيه بالظبط؟ حد قالك إني مختوم على قفايا؟ دا أنا كنت عيل ابن ١٩ سنة وقعدت في السوق وسط أتخن تخين ومشيت كلمتي على المعلمين وكبيرهم قبل صغيرهم، جاية تشتغلي مين أنتِ؟.
زحفت للخلف وهي فوق الأريكة فيما اقترب هو منها ومال عليها يهمس في أذنها بفحيحٍ دبَّ الرُعب بأوصالها دبًا حتى كاد أن ينخلع:
_أنا بس حبيت أعرفك إنك مالكيش أمان، وإني قاطع طريقك كله وعارف هتعملي إيه في غيابي لو سيبتك شوية، وكدا عِدتك خلصت بالنسبة ليا، وعلشان مابقاش بغضب ربنا أنا مش هرميكِ في الشارع، أنا بس هجيب أبوكِ ييجي يشوف حل.
توسعت عيناها وزاد غرورها نارًا موقدة، بدا لها كأنه وحشٌ يستحق الفتك بهِ، لذا اندفعت بكبرياء الأنثى فيها تدافع عن نفسها بقولها:
_أنتَ هتعيش عليا الدور؟ نسيت نفسك يا سليمان ولا إيه؟ نسيت فضلت قد إيه تتمنى مني بصة بس؟ دلوقتي مش عاجباك دلوقتي بقيت مخدوع وأنا الكُخة اللي في حياتك؟ عاوزني أعيشلك خدامة كل شغلتها بس تنضف وتروق وتراعي أهلك؟ عاوزني أبقى ماليش شخصية وأنتَ صاحب الكلمة والرأي؟ لأ فوق لنفسك.
_فوقي أنتِ لنفسك وماتنسيش أنتِ إيه، أنتِ اسمك في الأول والآخر نصابة وشغلك اللي بتعمليه دا حرام، لما تشتغلي الناس وتضحكي عليهم وتستغلي حاجتهم وحاجة العيال الصغيرة للفلوس يبقى زيك زي الحرامي، تقدري تقوليلي شغلانتك دي اسمها إيه؟ اسمك نصابة وجعانة كمان.
انفعلت من ردهِ عليها فتركت الأريكة وانطلقت بقربه تصرخ في وجهه بمشاعر مُهتاجة كما موج البحر الغاضب ليلًا:
_الجعان دا أنتَ وعيلتك كلها، كلمة كمان عني وهلم عليك الناس وأفضحك، واقولهم إنك السبب اللي خلى مرات أخوه تسيبه، تلاقيك والله أنتَ اللي لعبت في دماغها علشان الفلوس ماتروحش منك وهو مكوش على كله، وفي الآخر بتقولي أنا نصابة وجعانة؟ دا أنتوا عيلة زبالة…
هي لم تكن تتحدث، هي فقط تطعنه بالخنجر في قلبه، تضرب كرامته ورجولته في مقتلها، تُخيب آماله فيها بالغدرِ، لذا اندفع وقبض فوق خصلاتها حتى صرخت هي لكنه كمم فاهها وهدر بغضبٍ استشاط بداخلهِ:
_قسمًا بربي لو فكرتي تفتحي بوقك بكلمة كمان لأكون مكسر عضمك هنا، أنتِ إيه ماعندكيش دم؟ مخك واقف خالص؟ يحرق أبو دا حُب اللي يخليني أعيش معاكِ وأقبل بيكِ تاني، أنتِ مش لازماني ولا طايق حتى أبص في وشك.
دفعها من يده وقبل أن تنطق صدح صوت جرس باب البيت يشق السكوت الذي غطى مُحيط المكان، تحرك يفتح الباب فوجد والدها أمامه، كانت ملامحه غاضبة، عيناه تشبهان الغابة الموحشة التي ما إن تلجها تفقد أُنسك فيها، وقد نطق والدها بصوتٍ ملهوفٍ:
_بكلمك يا سليمان مش بترد عليا وبكلم مها تليفونها مققول، أنتوا بخير يابني؟ طمني عليكم.
لم ينطق ولم يرد لكنه أولاه ظهره فولج الآخر وأغلق الباب الذي أصدر صوتًا جعلها تنتبه أن هناك من أتى في جُنح الليلِ، خرجت من مكانها لتجد والدها خلف "سُليمان" الذي وارىٰ غضبه عن أبيها، لكن الرجل استشف حالة التوتر والخلل بينهما فسأل:
_خير يا ولاد مالكم؟ أنتوا كويسين؟.
لأنه فاض به وتحمل فوق قدرته نطق بنفاذ صبرٍ حين التفت:
_لأ مش كويسين، ومش هنبقى كويسين، بص يا عمي علشان أبقى وضحت اللي عندي كله، لما جيت ليا هنا كان كل غرضك تحافظ على بيت بنتك وتخليه يعمر من تاني، وأنا قولت مش هغضب ربنا لو فعلًا ليها عِدة عندي بس بنتك مش بتتقي ربنا فيا ولا في بيتها، اسألها كدا كانت فين وراجعالي بعد نص الليل؟.
انفعلت هي لكنها كبتت هذا الإنفعال أمام والدها والتزمت الصمت حين وزع أبوها نظراته بينهما ليضيف "سُلميان" بضيقٍ واستاءٍ وفقدان أملٍ:
_بنتك رجعت تاني لشغل التداول والنصب والضحك على الناس بالفلوس، وأنا اللي زي دي ماتلزمنيش تاني، بنتك عندك يا حج ودي مسؤوليتك أنتَ مش مسؤوليتي أنا، وكدا عداني العيب وكفاية، وبنت طالق زي ما هي، وأنسى حوار العِدة، عن إذنك.
تركه بموضعه وأنزوىٰ بعيدًا ليخبره دون كلامٍ أن دورهما انتهى عند هذه النقطة في حياته، تركهما ووقف يحتوي نوبة غضبه قبل أن تنفجر ويُزيد من بشاعة الأمور والأوضاع، وقد تحرك "عزت" قرب ابنته وأمسك رسغها وتحرك بها خارج البيت.
زفر "سُليمان" أخيرًا بحريةٍ ثم ابتسم بزاوية فمهِ لأن ما دبر وفكر فيه حدث بالضبطِ، تركها تقع في شر أعمالها وتتلقف صُنع يديها، تابعهما من الباب الزجاجي المُطل على الخارج وتأكد من رحيلهما فتنهد وتشدق بنزقٍ:
_يلا في داهية، كلتوا دماغ أمي.
أنهى الجملة ثم التفت للداخل وولج المطبخ ثم صنع لنفسه قدح قهوة وقام بعمل شطائر سريعة يتناولها بجانب قهوته لأنه حقًا يشعر أنه مُنهك وخائر القوىٰ، يشعر كأنه أنهى حربًا استنزفت كل قواه حتى خرج من ميدانها بأنفسهم فقط..
وعلى الطرف الآخر وصل "عزت" بابنته لبيته ودفعها للداخل وصفق الباب خلفه بعنفٍ هز أرجاء البيت، وقد هرولت أمها لهما لتجده يهدر بعنفٍ في وجه ابنته:
_أنتِ جرالك إيه؟ أكيد اتجننتي خلاص وعقلك راح منك، خلاص مباقيتيش تخافي ولا بتعملي حساب لحد؟ قولتلك تحافظي على بيتك وجوزك وتكسبيه إحنا مش حِمل طلاق، ماتعرفيش الناس بتبص للمطلقة إزاي وبرضه عملتي اللي في دماغك.
شخصيته القديمة وفق حديثها وتفكيرها لم تناسبها هي..
تراه دومًا كرجلٍ بدائي لم يستحدث ويواكب حداثة وعصرية العالم حولها، لذا اندفعت بكبرياء تقول بغير مبالاةٍ:
_هو مش عاوزني وأنا خلاص مش مستنية سيادته يحن ويجيلي، هو نسي نفسه ولا إيه؟ مش أنا اللي هتحايل عليه يقرب مني ونرجع زي الأول، بعدين فيها إيه يعني لما أتطلق؟ ما كتير عاشوا حياتهم بعد الطلاق أحسن من الجواز.
رمقها أبوها بنظراتٍ نارية أرشقها في وجهها ثم تهور وهاج كما الموج بكلماته:
_ولما الناس تسأل عن سبب الطلاق نقول إيه؟ الهانم عاوزة تشتغل نصابة وجوزها بيحاول يحافظ عليها؟ شكلي قدام الناس إيه؟ لما يعرفوا إن بنتي فشلت تبقى زوجة وست بيت؟ هيقولوا عليا إيه؟ بلاش الناس خالص، سليمان نفسه شكلي هيكون إيه قُدامه؟ لما يعرف إن مراته بتشتغل نصابة، ناقصك إيه تاني؟ أومال لو مش طول عمرك عندك اللي يكفيكِ وزيادة؟ حتى جوزك طول عمره بيعملك اللي تعوزيه وعمره ما بخل عليكِ.
_وأنا مش حابة أكمل كدا، مش حابة أفضل عايشة في دور ست البيت اللي مستنية البيه علشان تطبخله وتغسله وتشيل مسؤولية مالهاش دعوة بيها، أنا عاوزة أشتغل وأبقى حرة، هو عاوز خدامة يجيب لنفسه واحدة يدفعلها فلوس وتخدمه هو وأهله.
اغتاظ "عزت" منها ومن نبرتها فاندفع يهدر بقوله:
_ماسمهاش خدامة، اسمها مراته وشريكة حياته، معنى كلامك بقى إن أمك خدامة علشان خلفتك أنتِ وأختك وربيتكم وشالت البيت وساعدت معايا؟ أنتِ اللي زيك مش وش نعمة، وعلشان حق الراجل اللي أنتِ غلطتي فيه دا هو وأهله إنك فعلًا تتحبسي في البيت، أدبًا ليكِ بقى.
تركته ورحلت من أمامه بغضبٍ وقد انفجرت طاقة مُقتٍ بداخلها، أصبحت تغبط على "سُليمان" وتتمنى الثأر منه لكونه وضعها في هذا الموضع المُتعب، وعلى النقيض ارتمى أبوها بخيبة أملٍ وضم رأسه بكلتا كفيهِ مُعلنًا صدمته وخيبته فيها، لقد أصبح يواجه الخوف الذي كان يتملكه الهوس منه، حيث يخشى دومًا الصدام مع طلاق ابنتيه أو حتى فشل أيًا منهما، فماذا عن فشل ابنته المُزري في حالتها هذه؟.
تمنت حياة لم تلِق بوضعها وعمرها..
تلصصت من الحقوق الواجبة عليها وطمعت فيما لم يكن حقًا لها، عاندت وأصرت على ما تُريد؛ حتى الفرصة الثانية ضاعت منها هي الأخرىٰ، والكل يدفعون الثمن شراءً لما ترغب هي.
____________________________________
<"لكنه الأمان فقط الذي يدعني أُكمِل الطريق معك">
لكي تطرد شيئًا عليك بمواجهة نقيضه..
إذا أردت طرد الظلام عليك بالاتيان بقوة النورِ
وإذا أردت أن تتخلص من الكراهية عليك بمواجهة مشاعر الحب
وإذا أردت أن تتخلص من خوفك عليك أن تجرب موضع الأمان..
الليل كل يومٍ يزداد دُكنةً، وبرودةً، ومعهما يزيد خوفها بلا مبررٍ واضح، بلا أسبابٍ معنية حتى، لكنها رُبما تتأمل حياتها الجديدة بخوفٍ من فقدانها، لم يتركها الخوف تعيش كما المفترض عليها، هي تتأمل الحياة بخوفٍ وتتمنى ألا تفقد ما وجدته هنا في رحاب أمانهِ، مرا يومان برفقته وهي تعيش معه في أمانٍ تامٍ..
وخلال اليومين لم يتوقف "مأمون" مراسلاتها بأخبار جدتها ومناداتها المستمرة باسمها، انفطر قلبها على تلك العجوز الضعيفة التي فقدت مُرشدها وسط التيه وفقدت أيضًا كل سُبلِ النجاة، التفكير بشأن جدتها طرأ كما التغيير على حياتها فدمر كل شيءٍ، جعلها تسير فوق صراط الحياة باختلالٍ وخوفٍ..
لاحظ "أدهـم" ذلك ولاحظ الخوف البائن في عينيها ونظراتها لكنه تركها بحريةٍ بدلًا من أن يفرض نفسه، رُبما هي تائهة وتحتاج لمن يُرشدها، وحين تسمح هي سيفعلها هو لأجلها، وقد أنهت هي ترتيب المطبخ وقامت بتنظيفه وترتيب الشقة بالخارج ثم ولجت غرفتها بدلت ثيابها وذهبت لغرفته تنام بها لأنها اعتادت على أمانه هو..
كان يتكىء على ظهر الفراش والهاتف في يده وما إن ولجت تعلقت عيناه بها، اقتربت منه تبتسم بتوترٍ ثم اندست بجوارهِ وأطبقت جفونها لكنها لم تنم، لاحظها هو فقربها منه حتى اتكأت على جسدهِ بجسدها وضمها بذراعٍ وبالأخرى مسد فوق خصلاتها، توترت هي من معاملته لكنها تركت نفسها كي تستمتع بما تعيشه معه..
_أنتِ كويسة يا عُـلا؟.
سألها بخفوتٍ وهو يطمئن بعينيه عليها فيما رفعت هي عينيها له وحركت رأسها موافقةً وهي تُغصب شفتيها على ابتسامةٍ منقوصة كي لا تُشعره بريبةٍ أو شكٍ، رُغم يقينه أنها تغيرت وتبدلت خلال يومين، صدح هاتفها برسالةٍ أخرى فسحبته بلهفةٍ لتجده مقطعًا قصيرًا خاص بجدتها التي لم تكف عن النداء عليها..
زاد خوفها وتوترها وشعرت أنها تخون ثقته هو فيها، تُكذب عليه وتستقبل مراسلات "مأمون" لها وهذا ما جعلها تشعر بالقلقِ حِيال الأمرِ، وسُرعان ما تذكرت حديثه وقتما عاد لها بعد رحيل جده ذات مرةٍ، حين أخبرها ألا تُخفي عنه شيئًا مهما كان الأمرِ، لذا ابتعدت عنه فجأةً بلهفةٍ حتى تعجب هو من فعلها، لكنها ناظرته بسهامها مُباشرةً وسألته بلهفةٍ:
_أنتَ قولتلي لو حصل حاجة ماخبيش عليك صح؟ ووعدتني إني لو عاوزة الأمان هلاقيه معاك، أنا دلوقتي محتاجة تديني الأمان علشان أعرف أقولك اللي حصل.
تبدلت ملامحه وبان ذلك في تبدل نظراته، لكنها جاهدت كي تصمد أمامه وأضافت بلهفةٍ مُسرعةً:
_أنا بس عاوزاك تصدقني وماتخلينيش شكلي وحش قدام نفسي وقدامك، عاوزة أقولك وأحكيلك من ساعتها بس أنا ماعرفش ممكن تفكر فيا إزاي، فخايفة من رد فعلك..
نبرتها غير مُتزنة بل كانت تتحدث بأنفاسٍ مقطوعة، وحتى يُعيد لها اتزانها نطق بقوةٍ امتزجت بهدوءٍ خالص مُراعاةً لحالتها:
_أنا مش فاهم إيه اللي مخوفك كدا ومخليكِ حاسة إني هاكلك، قوليلي حصل إيه واحكيلي بس متفضليش توتري فيا كدا وتبوظي أعصابي، حصل إيه يا عُـلا؟.
_أديني الأمان الاول علشان أقولك.
جملتها هذه تُشبه طريقتها حين كانت صغيرة في العمرِ وهما يلعبان سويًا فتسرق ألعابه وتُخفيها عنه، اليوم هي تسرق أعصابه بحديثها وتتلمس الأمان منه، فنطق بنفاذ صبرٍ مُصدرًا جموده لها:
_أمان، قولي بقى.
أظهرت الهاتف وفتحته على المحادثات الخاصة بها وابن عمها ومدت يدها كي يلتقطه منها، وما إن فعل بدأت الحديث هي بصووٍ غلبه الحزن:
_دا رقم مأمون ابن عمي أنا ماعرفهوش علشان كنت مسجلة رقمه التاني اللي برة مصر، لاقيته من يومين بيكلمني ويبعتلي صور وفيديوهات لجدتي وأنا من ساعة ما شُفتها وأنا تقريبًا رجعت زي الأول تاني، كل يوم بيبعتلي وأنا مش قادرة أشيله علشان ماعنديش طريقة تانية أتطمن بيها عليها، بس في نفس الوقت أنا حاسة إني بعمل حاجة غلط من وراك، أنا ماشوفتش منك غير كل خير فماينفعش أردلك الخير دا شر.
كان الهاتف في يده لكن كل حواسه معها هي، حيث كلماتها التي اختصته هو بجزءٍ كبير وكأنها حقًا تشغل بالها به وحده، رفع عينيه عن الهاتف وثبتهما عليها، بمجرد لقاء المُقل هرب من نظراتها للهاتف مُجددًا وفتح أحد المقاطع فوجد السيدة تبكي وهي تناديها، امرأة ضعيفة، مكسورة، مهزومة، شبه فاقدة للوعي حولها، كانت تناديها بصوتٍ مبحوحٍ و"عُـلا" تبكي بجوارهِ كون صوت جدتها عاد من جديد ينخر في روحها..
وجد رسالة صوتية وحيدة من "عُـلا" ففتحها ليجدها تبكي هي الأخرى فيها وهي توجه كلماتها لجدتها وتطمئنها على حالها ونفسها، رق قلبه وتحركت مشاعره تجبره على التضامن معهما، لذا ترك الهاتف فوجد الأخرى تنهار أمامه، ضمها برفقٍ لعناقهِ يواسيها، ظل يمسح فوق رأسها حتى هدأت أنفاسها لتقول بصوتٍ مكتومٍ:
_وحشتني أوي واتبهدلت أوي من غيري، بص عاملين فيها إيه؟ والله العظيم عمري ما سيبتها تتبهدل كدا وكنت حاطاها في عيني حتى وأنا في شغلي كنت ببص عليها، هما إزاي جالهم قلب يسيبوها كدا؟ دي ست كبيرة ومريضة، حرام عليهم.
تذكر هيئة السيدة وكيف بدت له بهذا الضعف وهذا المظهر الرث كأنها مدينة اُستوطنت واحتلها خراب المُستعمر. رفع رأسها كي تواجهه بعينيها ثم قال بهدوءٍ:
_أنا هتصرف يا عُـلا، طالما قررتي تشاركيني يبقى واجب عليا أتصرف أنا.
سألته بعينيها عن مقصدهِ فوجدته يلتقط الهاتف من جديد طلب رقم "مأمون" وهي لم تفهم ماذا يفعل، رن صوت المكالمة وانتظار اتصال الخط والاستجابة فجاوب الآخر بلهفةٍ كأنه لم يصدق نفسه:
_عُـلا !! إزيك يا عُـلا عاملة إيه؟..
_لأ أنا مش عُـلا، أنا جوزها يا حبيبي.
ران الصمت بينهما حتى أن "أدهـم" تخيل شكل "مأمون" على الجهة الأخرى، فيما توسعت عيناها هي بصدمةٍ أكلت معالم ملامحها فوجدته يُضيف مكملًا حديثه مع الآخر:
_عُـلا عرفتني إنك كتر خيرك يعني بتبعتلها علشان تطمنها على جدتها فأنا قولت لازم أشكرك بنفسي يا ابن الأصول على الحركة دي، مع إن المفروض عارف إنها اتجوزت خلاص ومايصحش تبعتلها هي غير لما ترجع لراجلها، بس مش مهم هعديها المرة دي، بعد كدا لما تحب تكلم عُـلا أبقى كلم راجلها الأول علشان دي الأصول.
تابعته بغير تصديقٍ وفرغ فاهها لمجرد أنه فعل ما تراه هي، لم تُصدق أنه تحدث معه بهذه الطريقة ولا حتى أنه أخذ تلك الخطوة وتحدث معه، حتى وجدته يُغلق الهاتف ثم وضعه في يدها وهو يبتسم برزانةٍ غريبة أذهلتها، بينما هو أضاف بهدوءٍ:
_لازم يعرف إني عرفت علشان مايفكرش في حاجة كدا ولا كدا، يلم نفسه أحسن ويحترمها ودا علشانه هو، بعدين لما هو راجل أوي كدا إيه اللي يخليه يبعتلك دلوقتي؟ كان فين وهما ييتخلوا عنك؟.
طالعته بنظراتٍ شغوفة كأنها تستكشف مدينة جديدة عليها كُليًا، كل يومٍ تغامر فيه بالعيشِ معه تجد ما يثير فضولها نحوها، والعجب، كل العجب لقلبها الذي يألفه ويعتاده كأنها لم تعرف سواه هو في الدنيا ولم تأمن لعابرٍ غيره في السبيلِ..
من تلقاء نفسها اقتربت ووضعت رأسها فوق موضع نبضه حيث سيرتها الأولى حيثما كانت تنام منذ قليل، بينما اِفتر ثغره ببسمةٍ لأنها أخيرًا تأمن له ولقربهِ من نفسها، تدرك شيئًا فشيئًا أن الأمان؛ بل كل الأمان معه هو. مسد فوق خصلاتها حتى هدأت وبدأت تنام وهي تتمسك بذراعهِ وتابعها هو بعينيه ثم أزاح خصلاتها بعيدًا عن جانب وجهها ومسده لها حتى انبسطت ملامحها وابتسمت وحظه الكبير أن تلك البسمة تختصه هو.
-يومًا ما في مدينةٍ وما وفي لحظةٍ ما كان اللقاء..
كُنا حينذاك عن بعضنا غريبين، غير متحابين
اليوم نحنا سويًا، كل العالم لنا أغرابٌ
ونحنا فيه لبعضنا متآلفين
فآلفك كأني لا انتمي لغيرك
وتألفيني أنتِ كأنكِ لا تُدركين سوايّ.
____________________________________
<"أخبروا الطير أن يرافق الحبيب في سفرهِ">
لحظة الفراق من بعد الاعتياد هي الأكثر صعوبةً على قلب المُحب
بعد أن يعتاد وجود الشريك ورفقة أيامهِ ينقلب الأمر لتصبح المشاعر بأكملها خائفة، مضطربة، قلقة.
كأنك تجبر شخصًا على ترك مدينته وترميه بغابةٍ ليُجرب معايشة الأسود.
في صبيحة اليوم الموالي..
أغلق "منتصر" حقيبة سفره وتمم على كل شيءٍ وأمسك الحقيبة الجلدية الصغيرة يُتمم فيها على جواز سفره ومتعلقاته السريعة مثل النقود والهاتف والمفاتيح الخاصة به، كانت "ورد" جاهزة كي ترافقه لتودعه، لكن الحزن أكل ملامحها، لقد اعتادت عليه طوال هذه المدة، حُبها تضاعف في قلبها له، وقعت في غرامهِ من جديد..
أيام حملها الشاقة تكاد تكون تمر فقط لأجل تواجده رفقتها، لأنه معها لم يتركها ويعاونها ويرعاها، أكفاها حُبًا وحنانًا قبل رحيله حتى تمنت لو لم يرحل ويبقى معها للأبدِ، لكن جوابه أتى بقلة حيلة:
_لو بأيدي هقعد معاكِ هنا بس إحنا مش هنبقى بطولنا، فيه عيل جاي في السكة لازم على الأقل أكون مأمنه ومعايا اللي يعيشه عيشة كويسة، مش عاوزه يكبر يحس أنه قليل ولا أبقى عاجز قدام طلباته، إن شاء الله تتعدل شوية وأجمع حتى قرشين لفترة الولادة وساعتها يحلها ربك من عنده.
التزمت الصمت لأنه نصيبها، كُتِبَ عليها أن يكون زوجها مغامرًا لأجل لُقمة العيشِ، أن يكون رجلًا بعيدًا عنها وهي هُنا تعيش وتحارب بدونه، ياليته يُدرك كم الأمر يمر قاسيًا عليها وهي تحتاجه كل يومٍ وتحتاج لغمرة أمانه ومشاعره، تحتاج أن تأمن بجوارهِ حين تخلد للفراشِ وحدها، فبدلًا من أن يضمها هو، تحتضنها الوحدة ويُرافق موضعها السكون.
في الأسفل كان "آدم" يقف بسيارتهِ في انتظارهما، وحين استعد "منتصر" مر على شقة والديه يقوم بتوديعهما، مال على رأس أبيه يُلثمها وضمه قبل الرحيل، ثم التفت لأمه وعانقها وهي تبكي وتضمه بقوةٍ، مسح فوق ظهره يراضيها ثم عاد للخلف وقال ببسمةٍ بشوشة:
_خلي بالك من نفسك ومن بابا، ومش هوصيكِ على ورد واللي في بطنها، أنا المرة دي سايبلك أمانة تحطيها في عينك، وهي معاكِ هنا علشان تخلوا بالكم من بعض، أشوفكم على خير، مع ألف سلامة.
ودعهما ورحل وتبعته "ورد" التي نزلت بهدوءٍ خلفه فيما ظلت دعوات أمه ترافقه حتى خرج من بوابة البناية، لمحهما "آدم" فتحرك يفتح حقيبة السيارة له ووضع فيها الحقائب ثم وقف في مواجهته وقال مبتسمًا:
_تروح وترجع بألف سلامة يا أبو آدم.
ضحك "منتصر" مرغمًا ثم ضمه وربت فوق ظهره ونطق بنبرةٍ ضحوكة:
_يا سيدي هو أنا أطول يعني يبقى زي آدم ولا بشهامة آدم؟ يا رب أشوفه زيك راجل ملو هدومه ويملا العين، مش هوصيك علشان أنتَ مش محتاج وصاية، بس خلي بالك من ورد وماتسيبهاش تروح للدكتور لوحدها، ولو احتاجت حاجة كلمني.
ربت فوق ذراعه الآخر ثم التزم بالصمت لأنه في المعتاد قليل الحديث، فقير الكلام، يكره الإسراف في استخدام الصوت، هو يُحب الأفعال أكثر من الكلامِ، ويُحب أن يكون قدر المسؤولية بأفعالهِ وليست كلماته.
جلست "ورد" في السيارة وجلس زوجها بجوارها وعينا "مروة" تتبعهما من الأعلى، تراقبه وهو يرحل ليحرمها منه كُليًا، حتى بِطلة عينيه وظهور هيئتهِ أمامها، يحرمها من رؤية هوسها الأكبر بشأنهِ، تمنت لو كانت هي من تجاوره وهي من تجلس بقربهِ وهي من تكون أولىٰ وأحق بالوداعِ، ياليته كان أحب قلبها كما أحب تلك التي تجاوره وتتمتع بحقها فيه.
قضوا الطريق في صمتٍ حتى وصلوا للمطارِ، نزل "منتصر" من السيارة ونزلت معه زوجته التي ابتسمت مرغمةً حتى وقف في مواجهتها وأمسك كلتا يديها وقال بحزنٍ غلبه:
_هتوحشيني أوي يا ورد، ربنا يعلم إني مباحسش بنفسي غير وأنا معاكِ وجنبك، ومابحبش نفسي غير لما أكون قصاد عينك، أنا ربنا وسع رزقي بيكِ والله ومهما أقول مفيش حاجة هتوفيكِ حقك، خلي بالك من نفسك ومن آدم الصغير، خلينا نكسب رضاه علينا.
ضحكت من بين دمعاتها وكذلك "آدم" ابتسم وهو يقف خلفها فيما ضمها زوجها العناق الأخير قبل الوداعِ، ضمها وبداخله لوعةٌ من فراقها، يخشى العالم بدونها ويخشى الغُربة من غيرها، يتمنى لو انتهى العالم وهي بين ذراعيهِ وتقف الحياة عند هذه اللحظة، يتمنى لو ينتهي العالم وتكون هي آخر ما رأى ولمح في الدنيا..
ودعها بنظرةٍ أخيرة وولج يتجه نحو مكان رحيله فيما ناظرت هي أثره باكيةً فضمها "آدم" لعناقهِ ومسح فوق ظهرها حتى استكانت والتزمت الصمت فنطق هو بهدوءٍ:
_يلا علشان تروحي ترتاحي، ربنا يجمعكم مع بعض بالخير ويبارك في اللي جاي، المرة دي مشي وسابلك حتة منه يبقى واجب تخلي بالك منه ومن نفسك يا ورد، يلا علشان عازمك أنتِ والبت عُـلا على الفطار.
ابتسمت له وركبت بجوارهِ سيارته بينما اتجه هو لبيتهم حيث شقة عمته وبعد مرور فترة زمنية قصيرة استقبلت "رباب" ابنتها في أحضانها فيما تحرك "آدم" نحو المطبخ وبدأ في تحضير الفطور بعدما طلب رقم أخته ونزلت "عُـلا" تشاركهم هي الأخرى وقد جلست تواسي "ورد" وتؤازرها وتبثها الدعم في غيابي زوجها.
صدح صوت هاتفها برقم "أدهـم" فتحركت بعيدًا عنهم ترد على مكالمته فبادر هو بهدوءٍ وتكاد تجزم أن صوته بدا مُبتسمًا في سمعها ولا تعلم كيف:
_صباح الخير يا عُـلا، معلش أنا نزلت بدري وسيبتك نايمة بس كان فيه حاجة ضروري لازم أخلصها في المعارض وكان لازم أنزل، ماتنسيش تاكلي وممكن تنزلي تقعدي مع عمتو علشان ممكن اتأخر شوية.
ابتسمت هي من تلقاء نفسها وقالت بهدوءٍ ترد عليه:
_ولا يهمك حصل خير، أنا صحيت ونزلت علشان آدم عازمنا على الفطار علشان ورد جت هنا بعدما جوزها سافر، هقعد معاهم شوية وهبقى أطلع فوق، خلي بالك من نفسك أنتَ.
توسعت بسمته وخرج يقف على أعتاب المعرض لأنه أخيرًا يعيش لحظات سعيدة حنونة على قلبه، يشعر بمشاعر غريبة لكنها تؤنسه، تملأ الفراغ الذي كان بداخله، لذا أغلق المكالمة معها ثم تنهد بقوةٍ ولازالت البسمة ترتسم فوق مُحياه
والسبب لم يكن إلا هي.
____________________________________
<"عن طريق الخطأ صار كل شيءٍ على صوابٍ">
أكتوبر 1998.
عن طريق الخطأ فجأةً صار كل شيءٍ على صوابٍ..
ترتبت الفوضى المُبعثرة، وعادت الأشياء الضائعة لموضعها، القلوب الخائفة اطمئنت، والمشاعر المرتبكة استقرت
عن طريق الخطأ غير المقصود صار كل شيءٍ كما لو كان مرغوبًا..
استقبلته عائلته بحفاوةٍ وخاصة والدته، قضى الليل معها ثم تركته حتى صعد غرفته لزوجته، كانت المرة الأولى التي تجمعهما سويًا في نفس المُحيط، كان التوتر من نصيبها والإحراج منه هو، لذا حين ولج الغُرفة وهي تجلس على طرف الفراش توليه ظهرها، اقترب ونطق بتوترٍ وتلجلجٍ:
_لو تحبي يعني أروح أوضة أخويا وتفضلي براحتك هنا ماعنديش مشكلة، أنا بس مش عاوزك تضايقي هنا وهما أكيد هياخدوا بالهم إن كل واحد في أوضة ومش حابب حد يضايقك.
حركت رأسها بلهفةٍ ووقفت في مواجهته وهي تنطق ماحيةً أفكاره وظنونه بشأنها، فتحدثت مُسرعةً بنفس التوتر الذي خيم على الأجواء بينهما:
_لأ عادي مش مستاهلة كل دا يعني، خليك هنا يا طاهر.
ابتسم لها برفقٍ ثم اقترب من الخزينة وخلع سترته القطنية ثم ارتدى ثيابه سريعًا واقترب يجلس بقربها ولازال مُبتسمًا، تابعته هي بشوقٍ حتى اقترب منها فاندفعت كمراهقةٍ عشرينية في عُمرها وسألته بلهفةٍ لم تُواريها عنه:
_أنتَ كويس؟ بابا كان بيقول إن حصل إصابة هناك ليك.
لمح الخوف في عينيها فحرك رأسه مومئًا ثم أشار على أثر ندبةٍ بدأت تبرأ تمامًا وقال بلهجةٍ هادئة، دافئة كي يُطمئنها:
_حاجة بسيطة متقلقيش، التدريبات فيها أكتر من كدا.
حركت رأسها توميء له ثم نطقت برقةٍ احتلته كما فعلت براءة عينيها في السابق وهدوء طباعها:
_سلامتك يا طاهر، ربنا يبعد عنك أي شر أو أذىٰ.
أراد القلب ينطق بدلًا عنه أنها هي التي تؤذيه بما تفعل..
هي التي تجعله يخون الرفيق ويكسر القواعد بل ويرضى لنفسه بمذلة الحُبِ، كاد أن ينطق لكنها أولته ظهرها ولازالت تتذكر كيف عانقها حين عاد وكيف همس لها بشوقه، فالتفَّت تسأله بعُجالةٍ بدت في كلماتها وهي تستفسر منه:
_أنتَ تحت قولتلي إني وحشتك صح؟.
لاحظ ارتباكها وتوترها وتلجلج صوتها فاِفتر ثغره ببسمةٍ مراوغة وأكد ما سبق ونطقه منذ قليل:
_آه قولت كدا، متضايقة ولا حاجة؟.
حركت رأسها نفيًا بخجلٍ ثم أطرقت برأسها للأسفلِ وهمست بنفس الخجلِ:
_أنتَ كمان وحشتني وكنت قلقانة عليك أوي.
ابتسم هو بعينيه لها وحين تلاقت المُقل عند مفترق الطرق المؤدي لسُبل العشق هربت من ساحة عراكه ودست نفسها بداخل الفراش، اقترب هو الآخر من الفراش وتسطح على طرفهِ ثم بادر بسؤالها:
_صحيح فيه حاجة ضايقتك وأنا مش هنا؟.
حاولت أن تندمج معه فقالت بتوترٍ من الأجواء المُخجلة بينهما لكنه لم يدم كثيرًا حيث استرسلت في الحديثِ:
_لأ خالص، مامتك جميلة أوي وطيبة جدًا وكنت مبسوطة معاها أوي وبابا جه هنا كذا مرة اتطمن عليا وعرض إني أروح معاه بس هي رفضت وهو ماتكلمش، وكمان عزمت فريال أختي هنا لما قولتلها أنها وحشتني، ست جميلة وحنينة، يا بختك بيها.
تبدلت تعابيره لأن أمه عانت كثيرًا مع والده، عاشت معه قصة شقاءٍ أبدية وهي تذبل بجوارهِ كما الوردة التي أُهمِل سُقياها، تنهد وتحدث بقولهِ الذي غلفه الحزن:
_هي طيبة وعلشان طيبة للأسف عاشت حياة صعبة، ساعات كتير بقول لو كانت مع رجل تاني مختلف شوية وشبه دماغها وطبعها كان زمانها أسعد واحدة في الدنيا، لو كانت في حياة راجل بيقدرها كان زمانها بحالة تانية.
التفتت هي ونظرت جهته حيث كان شاردًا في سقف غرفته وقالت بمواساةٍ له ولقلبه:
_هي بتحبك أوي أنتَ وأخواتك، كل كلامها إنها فخورة بيكم وفرحانة إن ربنا رضاها بيكم، أنا شايفة إن دي حاجة كويسة إنكم تكونوا مصدر فخر ليها، دا إحساس حلو أوي.
حرك عينيه نحوها فوجدها تبتسم له طالت نظراتهما سويًا حتى نطق هو وقال بهدوءٍ مُعبرًا عن الحقيقة التي يتركها مخبوءة بداخلهِ:
_والإحساس الحلو برضه وجودك معايا هنا، أول مرة أحب وجودي في الأوضة دي بعد رجوعي من التدريب، كل مرة كنت برجع أفضل لوحدي هنا وحاسس إن مفيش حد هنا شبهي، أول مرة آجي وألاقي حد فيه مني في المكان دا.
كان صادقًا في كلماته وحقيقيًا في التعبير عن مشاعره حتى وصلتها مباشرةً فأغمضت جفونها تهرب من سطوته عليها، فيما اقترب هو منها بخفةٍ في حركتهِ ثم ضمها برفقٍ بكفٍ وبالأخرى مرر أنامله فوق عينيها حتى فتحتهما فابتسم كونه يَحظىٰ برؤيتها بهذا القرب، وجد نفسه يرتاح من مجرد التقارب هذا فضمها أكثر حتى استكانت بين ذراعيه فهمس لها قبل نومه:
_دي هتبقى أول مرة البيت دا يقدملي حاجة حلوة.
همس حديثه وهو يستعد كي يُغمض عينيه فيما ارتبكت "رئيفة" من مقصدهِ وتصنعت النوم كي لا يزيد خجلها منه ومن اقترابه المُهلك بهذه الطريقة، ونامت وهي تتمنى النجاة من دوامة مشاعرها التي تبتلعها داخل بحرهِ؛ والغرق في بحرهِ بكل أسفٍ نجاة.
____________________________________
<"في المدينة القاسية، الظالم يُعتبر أكثرهم حنوًا">
مرحبًا بك أيها الغريب..
لا أعلم سبب مجيئك لهنا لكن يبدو أن الطُرقات قادتك خطئًا..
لا بأس هذه المدينة التي وطأتها قدماك هي مدينة لا تعترف بمن هو رحيمٌ، هُنا لا نُرحب بغير القُساة، نرفع كفوف التحيةِ لكل من يقسو ويظلم غيره، ونغلق الطُرق في وجه كل رحيمٍ..
بمدينة الاسكندرية ببيتٍ قرب الشاطىء في مدينة "المكس"..
صوت تلاطم الأمواج يشبه تلاطم الحسرة في قلبها، الضجيج من الخارج لم يعلُ على ضجيج أفكارها وصخب تشتتها وضياعها، كانت ابنة العشرين حين تودد لها وأقنعها بحبه مستخدمًا وسامته وكلماته المعسولة حتى خانت العائلة بأكملها ووقعت في فخ "رمزي".
كانت تقف "دينا" في المطبخ باكيةً وهي تتابع الإناء فوق الموقد الغازي، تترك صغيرها نائمًا فوق الأريكة وهي تصنع الطعام قبل عودة زوجها حتى لا تواجه نوبة غضبٍ واعتدلءٍ كما كل يومٍ مر عليها، بكت حين تذكرت كيف دهسها وكيف قام بإذلالها واستباح كرامتها وأنوثتها وجسدها، ثم عاد وتودد وظل يُقسم بكلمات الحب والعشق ويتوسلها ألا ترحل حتى استسلمت ورضيت بالبقاء…ولا سيما بالذُلِ أيضًا.
نزلت عبراتها لأنه حين كان يضمها برفقٍ ويعاملها بحنوٍ كرجلٍ عاشق ناداها باسم أخرى غيرها، يناديها باسم واحدة من عشيقاته وكأنها مجرد ساقطة أتى بها من الطريق، هي الوحيدة التي حصلت على وثيقة زواج من بين نسائهِ والباقيات مجرد نزوات كما يقول، هي من نالت الظهور في العلن وهن المتمتعات به سرًا في الخفاءِ.
بكى ابنها في الخارج فأخفضت نيران الموقد ثم هرولت له تحمله فوق ذراعيها وتُهدهده حتى بدأ يهدأ ويطمئن لأنها بقربهِ، ونام من جديد فحملته للداخل حيث سريره الخشبي الصغير، وخرجت تتابع تحضير الطعام، اندمجت في المطبخ حتى أحست بأصابعه كما الجمر تمر فوق خصرها، شهقت بتفاجؤٍ من حركتهِ فيما همس هو لها بشوقٍ:
_أنتِ لسه زعلانة مني؟ أنا كنت متضايق وقتها ومتعصب وأنتِ نازلة كلام وصريخ في وشي، ما قولتلك أنا الدنيا مقفلة معايا وبخبط فيها وهي بتخبط فيا بقالي فترة، عاوزة تخربي بيتنا ليه؟ دا إحنا زيتنا في دقيقنا مع بعض من صغرك، هترضي يا بت حد يقرب منك غيري؟.
كان يتحدث ويده تتحرك بلمساتٍ يعرف هو أثرها جيدًا عليها، فابتعدت عنه وانزوت وتحدثت بجمودٍ وعزوفٍ وتصلدٍ:
_أنتَ اللي بتخرب حياتنا وبيتنا مش أنا، مش مكفيك اللي عندك بتبص برة وترمرم، واحد غيرك يحمد ربنا بعد اللي حصل معاه إنه لسه بيرزقه، بص لابنك شوية وشوفه وشوف مستقبله، مش بعيد تجيبله أخ من الحرام وساعتها هتبقى مصيبة سودا.
تركها تفل بعيدًا عنه وخرج خلفها يسألها بنبرةٍ محتدة:
_قصدك إيه يعني؟.
_قصدي يا رمزي خلاص وصلك، أنا عاوزة أتطلق.
ابتسم بسمة منقوصة تهكمية تؤكدها نظراته ثم خطىٰ لها ودفعها فوق الأريكة ترتمي عليها بنصف جلسةٍ واقترب يهمس بفحيحٍ شيطاني:
_ما قولتلك بلاش النبرة دي معايا، هتطلقي تروحي فين؟ مالكيش حد وعيلتك راميين طوبتك في حجري، بلاش، مين هيقرب منك وتقدري تكوني مبسوطة معاه غيري؟ أنتِ ماتعرفيش غيري، وكل ما فيكِ مايعرفش غيري أنا، ومستعد أثبتلك…
أنهى الحديث ليؤكد لها بقربهِ منها أنه دربها كي تكون خاضعةً له، حيثُ استخدم مكره عليها حتى أمست طوع يديه وملك يمينه، فيستطع التأثير عليها واحتكارها لحسابه واحتقارها لأجل رغباته ومزاجه؛ والاسم فقط أنها زوجته وملك يمينه بوثيقة أعطته حق الامتلاك لها، بل وفعل ما يرغب في ملكه والمُبرر له كان مُلخصه
من حكم في ماله فما ظلم !!.
في بيت عائلة "عطية"..
كان "مأمون" غاضبًا وناقمًا بسبب أفعال "أدهـم" و "عُـلا" التي أخبرته بالأمرِ حتى أغلقت عليه وسيلة التواصل الوحيدة، كان يغبط على الآخر كما يغبط الأسير على الطير الحُر؛ كونه نال ما رغب هو وحقق ما أراد تحقيقه. خاصةً حين اهتمت "عُـلا" بنفسها وهيئتها فظهر جمالها مؤخرًا له لتُثبت أنها كانت تشبه اللوحة المُغبرة ببيتهم، تمنى لو كان اهتم هو بها فما كانت ضاعت من يده قط..
_يا عُـلا، أنتِ فين يا حبيبتي تعالي جنبي.
صدح صوت "ياقوت" فولج هو لجدته وزفر بقوةٍ لأنه يشعر بثقل الحمل كونه يقنعها في كل مرةٍ أن "عُـلا" لم تكن هُنا، وقد وجد عمته معها وابنتها أيضًا فقال بهدوءٍ لعمته:
_هي هتفضل كدا؟ مفيش حل خالص؟.
لوت عمته فمها ساخطةً وأضافت بتهكمٍ:
_لما المحروسة كانت بتيجي كانت هي اللي بتسكتها، نعمل إيه بت لِونة كدا ومايعة في دمها شبه المالح، كانت بتفضل تتمايص وتتدلع لحد ما خلت جدتك ماتعرفش غيرها علشان تعرف تشفطها وتخلص معاشها أول بأول، أهي راحت لأخوها وشوية وهيطردها هو كمان، ولا خطيبها دا لما يزهق منها هيسيبها، بت واخدة كل طباع أمها.
زفر "مأمون" بحنقٍ لأنه لا يريد أن يأتي بالسيرة هذه من جديد، وجلس فوق الأريكة يثبت عينيه على عمتهِ فتحركت ابنة عمتها تقول بدبلوماسيةٍ شديدة اللهجة والنهج:
_ما تفككم بقى كلتوا دماغنا، هو يعني مفيش غيرها في العيلة ماهي كانت هنا ومحدش سائل فيها ولا في تيتة، فجأة كدا كله بقى بيهتم؟ دا إيه الصداع دا؟ اللي عنده حاجة يعملها واللي ماعندوش يسكت ويريحنا شوية.
أنهت الحديث ثم خرجت من الغُرفة وتركتهما مع العجوز التي تنادي ليلًا ونهارًا على حفيدتها وترجوها بالعودة والمجيء، بكت "ياقوت" لأنها افتقدت دفء العناق والربت الحنون فوق كفها وقلبها، وافتقدت الأمان الذي كانت تشعر به مع تلك الغائبة عن عينيها ولم تغِب عن قلبها..
____________________________________
<"لأن الحق يحتاج للبحث عنه قد تظنه مفقودًا">
في طبيعة الأمر الشيء الذي تبحث عنه لابُد أن يكون مخفيًا عن مرأى عينيكِ، وهذا بالتحديد هو الحق، حين تبحث عنه يلزم أن يكون بعيدًا، مخفيًا، مخبوءًا خلف غمام الباطل..
في مدينة الغردقة..
كان "يُسري" يستعد للرحيل في غرفته وهو ثرتدي ثيابه ووضع ساعة معصمه وقد صدح صوت هاتفه حين مرت زوجته من جوارهِ فالتقطه بلهفةٍ يجاوب على المُكالمةِ وهو ينتظر الرد وحين وصله قال بلهفةٍ:
_أنا تحت أمرِك في أي وقت، بس لما ترجع لازم تبلغيني ضروري، ومتقلقيش اللي عاوزاه كله هعملهولك.
رفعت "ولاء" حاجبيها وقد فرغ فاهها بذهولٍ من حديثه مع أخرى بهذه الطريقة واللهفة البائنة وما لبث ثوانٍ من نهاية المكالمة حتى وجدته يستعد للخروج لكنها أوقفته بقولها الذي خرج مُندفعًا:
_خُد هنا يا بابا رايح فين؟ مين دي؟.
عاد يقابلها في وقفته ونطق بتأكيدٍ لحديثه:
_دي الوحيدة اللي هتساعدني أرجع اللي ضاع مننا كله، ربنا حطها في طريقي علشان تساعدني أصلح اللي فات، ادعيلي وأدعي لـ يحيى ربنا يكرمه قبل السفر علشان يقدر يرجع هنا تاني هو وبنته وسطنا، لما أرجع هقولك كل حاجة.
اقترب منها ولثم جبينها ثم تحرك من أمامها ليتركها بعده في حالة تيهٍ لكنها تتمنى له التوفيق وأن يتوج مسعاه بالنجاح لأنه يستحق، في الحقيقة جميعهم يستحقون أن تعود لهم حياتهم من جديد..
في الخارج حيث غرفة "مُراد" كان يجلس وأمامه الحاسوب الخاص به يتابع عمل المعرض الخاص به في القرية الخاصة بعائلتهِ، وفي الجوار جلس "صُهيب" يلعب بالسيارات التي اشتراها له عمه وحين طال صمته نطق هو بمللٍ:
_بعدين يا مُراد؟ هنعمل إيه بقى؟.
_في إيه يا سيدي؟ خير إن شاء الله؟.
اقترب وتعلق في رقبته وهو يقول بصوتٍ طفولي:
_مش هنخرج؟ أنا مستينك تخلص من بدري.
مسح فوق ظهره بحنوٍ ثم بعثر خصلاته وقال يمازحه:
_يابني ورايا حاجات مهمة هخلصها ونخرج، بطل تعطلني بقى، أقولك؟ أرجع يا سيدي خاصمني تاني بدل ما أنا متورط فيك كدا.
ضحك الصغير ثم ابتعد عنه ينطق بقوةٍ لم تناسب سنوات عمره الصغير:
_لا مش هبعد عنك أنا، بعدين عاوزني أخاصمك بجد؟.
ابتسم له عمه ثم عاود ضمه حيث سيرته الأولى ثم قال برفقٍ:
_لأ طبعًا دا أنتَ مالي عليا الدنيا، ومخليني مبسوط ومتونس بيك،أنا بس عاوز أخلص حاجات مهمة علشان لما ننزل مع بعض أكون براحتي معاك علشان أوديك ملاهي النهاردة ونروح مكان ما تحب، اتفقنا؟.
_اتفقنا.
نطقها الصغير بحماسٍ وقد كان "حسين" يراقبهما ويراقب ابنه الذي يندمج مع حفيده، ابتسم بحنينٍ وشوقٍ لابنته وحفيدته وتذكر حين كانت بينهم كيف كان بيتهم حنونًا وكم كان يغدقه الدفء، دمعت عيناه ولمعت بعبرات الفقد والشوق ثم ولج غرفته يستقر بها بعيدًا عنهم وهو يتساءل لمتى سيبقى الحال كما هو عليه؟.
____________________________________
<"لأنك قررت أن تستسلم للحزن سوف ينحر عنقك">
العيش مع الحزن يُشبه حياة الأسير في كرب المستعمرِ..
حين ينتصر عليك الحزن مرة واحدة يستوطنك كأنك أرضٌ مهجورة يبني عليها موطنه، مرة واحدة ترفع فيها راية الاستسلام وستجده يرفع على حدودك علم موطنه..
منذ أيامٍ وهي كما هي، كلما حاول الوصول لها منعته، وكُلما جاهد كي يراها صدته، تغلق عليه كل الأبواب وتخبره أن الوصول لها أمسىٰ مُستحيلًا، وهو فاض به الكيل ونفذ صبره، لذا قرر أن يذهب لبيتها مرة أخرى، ولج "غسان" كما الطوفان وخاطب أمها مباشرةً بقوله المُحتد:
_لو ماخرجتش وشوفتها وكلمتني زي الناس أنا هتصرف من دماغي وماحبش بنتك تراهن على صبري وإحنا لسه على البر كدا، ما تفوق لنفسها وتخرج وتلحق حياتها اللي بتقف دي.
بكت "فريدة" وقالت بصوتٍ مخنوقٍ لأنها فشلت في استعادة ابنتها:
_أنا زيي زيك تعبت والله ومش عارفة المفروض أعمل إيه، لو تقدر تعمل حاجة اعملها، دي قافلة على نفسها ومانعة الأكل والشرب وحابسة نفسها، خلاص تعبت والله.
تقدم داخل الشقة ووصل لباب غرفتها وطرقه بحدةٍ، ظل يطرق فوق الباب حتى فاض به فرفع صوته بنبرةٍ جامدة:
_افتحي يا نوف بقولك، هتفتحي ولا أكسر الباب وأخرجك أنا؟ هتفضلي قافلة على نفسك لحد إمتى يعني؟ هي دي نهاية الدنيا عندك؟ فين كلامك إن والدك كان طول عمره مبسوط بيكِ وفخور إنك بنته؟ دا شكل واحدة بتحارب؟ دا شكل واحدة ضعيفة مابتعرفش تواجه حاجة، افتحي بقولك.
وفي الداخل انهارت باكيةً كونها تستمع لتقريعه بهذا الشكل، انهارت وهي تتذكر هيئة وجهها وأثر الضرب والكدمات التي استقرت في وجهها وجسدها، علا صوت نحيبها حتى أعاد الضرب فوق الباب ثم هدر بصوتٍ مُرتفعٍ:
_طب تمام، لو مارديتيش أنا هتصرف وتصرفي مش هيعجبك.
مسحت وجهها بكلتا كفيها ثم انتفضت من فوق الفراش وهرولت جهة الباب وعزمت أمرها أخيرًا وجاهدت حتى استطردت الحديث ناطقة بصوتٍ باكٍ مكتومٍ من خلف الباب دون أن تفتحه:
_أمشي يا غسان، أمشي وأنساني علشان مش هتلاقي عندي اللي أنتَ عاوزه، أنا يادوب حيطة مهدودة، كفاية تعبك لحد كدا بس أمشي وكتر خيرك، اللي عملته معايا كان كتير وعمري ما هقدر أوفيك حقك.
في الخارج توسعت عينا أمها وكذلك شقيقتها فيما صُدِم هو من انهزامها بهذه الطريقة فنطق مسرعًا بذات التقريع:
_أنتِ واعية بتقولي إيه؟ بسهولة كدا بتخلعي نفسك وكأن يادوب اللي بينا معرفة والسلام؟ لو كان العكس تفتكري هيكون دا موقفي ناحيتك؟ هقولك أمشي وسيبيني؟ هقولك ابعدي عن طريقي؟ أنا يا ستي علشانك راضي بكل حاجة بس اخرجيلي.
_مش قادرة، مش قادرة أخرج ولا حتى أواجه حاجة أكبر من طاقتي، ماليش عين أرفع عيني في وشك، ماليش وش حتى أبصلك، كتر خيرك لحد كدا بس أمشي وسيبني في حالي وخليك في حالك بعيد عني وعن مشاكلي أنتَ مش ناقص.
حديثها زاده همًا فوق همه، هي تتحدث بنبرةٍ مسحوقة ومهزومة، تتحدث ونبرتها اختلط فيها الخذلان بالانكسار فبدت ضعيفة وهشة تمامًا، لكنه حزم أمره وتفوه بثباتٍ يُطلق أمره:
_يبقى خلاص لو دلوقتي مافتحتيش الباب أنا هتصل أجيب أبويا والمأذون وأكتب كتابي عليكِ الليلة، صدقيني ماعنديش حلول تانية غير دا، يا تخرجي وتكلميني زي ما بكلمك يا أخلي أبويا يبقى وكيلك ويحط أيده في إيدي يجوزنا دلوقتي وبالغصب.
كان تضغط على أعصابه فكادت تخرجه عن طور التعقل، ليصبح وحشًا ضاريًا وتكون هي أول من يشهد على الجانب السيء المخفي منه، انتظر ردًا منها وحين غابت ضرب الباب بكفهِ يقول:
_أخرجي وكلميني بدل ما أنزل دلوقتي أجيب المأذون وساعتها مفيش حاجة هتوقف اللي هعمله، طالما عاوزة تخلينا نفضل عند نقطة الصفر زي ما إحنا، هتفتحي ولا أكـ…
فُتِح الباب وارتمت "نـوف" على أمها التي تلقفتها ببكاءٍ هي الأخرى وكذلك شقيقتها فيما تنهد هو أخيرًا يلتقط أنفاسه كونه يراها حُرةً نصب عينيه أخيرًا، تنهد وهو يُحرر الأنفاس المكبوتة ويشعر أنه أخيرًا يلمس شعاع الشمس بعد ليالٍ فارق فيها الأمل..
____________________________________
<"أمانك معيّ أنا حيث أكون، وطني أنتِ وهذه العيون">
إن أصعب ما يمر على المرء أن يفقد أُنسه..
أن يكون لا ينتمي لنقطة أصلٍ يرجع لها وأن يكون مكانه في العالم مفقودًا، أن يعيش في فجوةٍ بعيدًا عن سائر البشرِ، أن يكون هناك بعيدًا كأنه على ضفافٍ تفصله عن الآخرين..
وسط النهار كانت "لمار" في بيتها تستعد لزيارة أبيها، تقوم بتحضير الطعام وأعادت ترتيب وتنظيف البيت وجعلت البيت مستعدًا لاستقبال أبيها، رُغم أنها تفتقد لمشاعرهِ وغُمرة أمانه منذ أن كانت صغيرة، هو يتركها على هامش الحياة كأنها لا تعنيه..
ولج "حلمي" الشقة يحمل في يده عُلب الحُلويات وحقائب الفاكهة ثم تركهم على طاولة السُفرة وقال بأنفاسٍ لاهثة:
_الحاجة اللي قولتلك عليها جيبتها أهيه، شوفي كدا لو محتاجة حاجة تاني؟ أنا هعدي آخد مامتك ونروح المطار نجيبه ونيجي على هنا.
اقتربت تتفحص الأشياء وردت عليه أثناء انشغالها بحمل الحقائب:
_تسلم إيدك يا حبيبي، بس دول كتير أوي.
اقترب يسحب قارورة مياه وارتشف منها ثم رد بثباتٍ:
_مش مهم كتير أحسن علشان يقضوا معانا السهرة.
ابتسمت له وهي تراه يعمل جاهدًا ويبذل قصارىٰ جهده لأجلها هي أمام والديها، حيث يعمل ويفعل بكل جهدٍ كي يجعلها تعيش براحةٍ بعد أعوامٍ عاشتها مضطربة وقلقة، هو يحاول لأجلها وهذا أحن ما تراه بعينيها، أن يحاول أحدهم لأجلها هي بدون مقابل غير فقط تواجدها معه.
راقبته وهو يستعد للتحرك فاقتربت منه تمسك مرفقه وقالت بهدوءٍ شديد يوحي بمدى استقرار نفسها تلك الفترة خاصةً معه هو:
_ربنا يخليك ليا يا حلمي وتفضل العمر كله معايا، ويارب أقدر أردلك الحلو اللي بتعمله دا كله علشاني، أنا ماليش غيرك حتى في وجودهم هما.
ابتسم هو لها بعينيه ثم قربها منه يضمها فاتكأت هي برأسها عند صدره ليمسح هو فوق خصلاتها ثم غمز لها بعينه حين أبعدها عنه وتشدق بمراوغةٍ:
_همشي بقى قبل أقفل الباب وأنفض لأبوكِ ولأمك وللعيلة كلها.
ضحكت وهي تدفعه للأمام حتى فتح الباب وخرج منه لتتابعه هي ضاحكةً وهي تعلم جيدًا أنه يحاول جاهدًا لأجلها هي، ولأجله هي تُغامر بكل شيءٍ بل وتتحمل ما تكره وتقاوم ما يُكتفها عن الحراكِ وياليت نصيبه في الحياة يكون طيبًا كما طَيب هو الحياة لأجلها.
*******
في أوج لحظات الجنون تبدأ المُغامرة..
والمغامرة الخاصة به لا تعرف غير الجنون، وجنونه يبدأ حين يموت القلب فتغمره المتعة ويُصبح هو في غمرة الولهِ..
قطع الطريق من مدينة القاهرة لمدينة العين السُخنة..
عاد للمضمار برغبتهِ، بعدما أعلن لهم انسحابه وتركه للطريق عاد ملك السباق وصاحب الطريق والمضمار، أول من وضع قدمه على الطريق ومن بعده فعل الجميع مثله..
ترجل "سُليمان" من السيارة وسط الأضواء الساطعة والصيحات المرتفعة، بمجرد ظهوره واقترابه من ساحة العرضِ توجهت الأبصار نحوه، تمركزت النظرات عليه وأصبح محط الأنظار كلها، لمحه المؤسس والذي يعتبره هو أبًا روحيًا له في مجال السيارات والهوايةِ..
اقترب منه الرجل بنظراتٍ ثاقبة كأنه يُعاتبه على طول غيابه، فيما نطق "سُليمان" مبتسم العينين وشغفه يلمع كما المُحارب الذي استرد سيفه وشغفه وعاد للحربِ ليثبت لهم أنه ملك ساحة القتال وقائد العِراك، والمضمار يخضع لقوانينه هو.
بدل ثيابه وارتدى بذلة رياضية سوداء اللون وتقدم يحمل القناع الأسود "خوذة" بين جسده ومرفقه بدأت الصيحات تعلو باسمهِ، الهتافات حملت حروفه هو وكأنهم كانوا ينتظرونه هو ليُعيد للمضمار رونقه، اقترب شامخًا من السيارةِ وحرك عينيه نحو غريمه، تقابلت الأعين مع بعضها ليقول الند له:
_حمدًا لله على السلامة يا سليمان، لسه ليك فيها؟.
رفع "سُليمان" رأسه يواجهه وطالت نظرات التحدي بينهما ليتشدق بنزقٍ وهو يُعيد إغلاق سيارتهِ وينتبه بكل حواسه لغريمه:
_لسه ليا فيها؟ كلها بتاعتي يا عابد تحب أثبتلك؟.
أنهى حديثه ثم فتح باب سيارته وولجها وهو يشعر بالإدرينالين يرتفع ويندفع لأقصاه، أغمض عينيه يُعيد الشريط الذي مر عليه ويُكرر كل المشاهد التي عَلُقت بذاكرتهِ، منذ أن استيقظ على فاجعة شقيقه حتى ليلة أمسٍ وهو يكتشف أنه مغدورٌ في قصة حُبه اليائسةِ، ومن هنا بدأت المتعة الحقيقية، حين اكتشف أن الطريق لازال أمامه ويتوقف فقط على خُطوة واحدة منه يعلن بها بدايته الجديدة.
طار بسيارته حتى اختفت معالم الأسفلت أسفل إطارات السيارةِ، قادها وكل الأصوات التي تعلو في رأسهِ بدأت تخفت تدريجيًا وتلعو متعته على كل شيءٍ، المكان الذي أتاه هربًا من الجميع حين كان مُراهقًا يعود إليه اليوم رجلًا يافع القوىٰ والشموخ..
قادرة سيارته بطريقةٍ عكسية يصنع حلقات دائرية جعلت الصيحات تعلو وتزداد وتصنع صاخبًا هو صاحبه، ابتسم كونه وصل لما يُريد وصنع ما رغب صنعهِ ثم بدأ يُعيد وجهته للمضمار يعلن بذلك بداية السباق.
*******
عودة لمدينة القاهرة..
في حديقة مُجمع بنايات "الشيمي" كانت "ورد" تجلس في الحديقة بجوار أمها وقد كانت أمها تجلس معها، فيما كانت "عُـلا" تلعب رفقة "رحيق" التي نزلت للحديقة مع والدها، كانت تركض خلفها بالكورة والصغيرة تبتسم وتضحك بدون صوتٍ، في التوقيت نفسه خطفت الصغيرة اللعبة الجديدة التي اشتراها لها "آدم" حيث مسدس الفقاعات الشفافة، خطفته وركضت به خلف "عُـلا" التي ضحكت بملء شدقها وهي تركض من وجهة الصغيرة.
ولج في الوقت ذاته "أدهـم" وقد أرشده حارس العقار لمكان العائلة في الحديقة، وما إن وصل لمحها تركض وتضحك بملء شدقها وتلك الصغيرة تركض خلفها، فالتفَّت لها "عُـلا" تحملها ثم صوبت المسدس في وجهها، وقد رفعت "عُـلا" صوتها توجه حديثها لـ "ورد" بحماسٍ عالٍ:
_تعالي صورينا يا ورد مع بعض.
كادت أن تتحرك "ورد" لكنها لمحت "أدهـم" يظهر في الحديقة فجلست ضاحكةً وحولت المطلب لجهته هو:
_صورهم مع بعض أنتَ يا أدهـم.
ارتبكت "عُـلا" حين استمعت لاسمه في بحث بعينيه هو فوجد "يحيى" يجلس منزويًا عنهم وهو يوليهم ظهره، فزاد احترامه لهذا الرجل كثيرًا، هذا الرجل الذي يحترم كل حدوده مع الجميع حتى يجعلهم يأمنون له، أخرج "أدهـم" هاتفه والتقط لها الصور برفقة "رحيق" التي ضحكت وضمت رأس "عُـلا" فضحك هو بالتبعية وهو يرى مشاعرهم الحميمية بين بعضهما..
لمح المسدس فاقترب يأخذه من زوجته ثم أطلق الفقاعات عليهما والتقط لهما صورًا عديدة بضحكاتهما سويًا في هذا المشهد المُبهج، وثق اللحظات لهما ثم اقترب يحمل "رحيق" وهمس لها بقولهِ الحنون:
_عاملة إيه دلوقتي؟ وحشتيني أوي.
حركت رأسها توميء له لتؤكد أنها بخيرٍ فضمها لعناقهِ بقوةٍ ثم رفعها للأعلى كما يفعل دومًا حين يراها، وقد التفت لهما "يحيى" فلمحها برفقته وحينها ابتسم بحنوٍ وهو ينظر جهة ابنته، ثم تنهد بقوةٍ وعاد لجلوسهِ وهو يتمنى أن تستعيد ابنته روحها المفقودة منها وتستأنف حقها في الحياةِ..
تحرك "أدهـم" جهة زوجته يهمس لها بنبرةٍ خفيضة:
_عاوزك ضروري معايا، ممكن؟.
أومأت له واستأذنت منهم وتحركت معه حيث الأعلىٰ، كانت مرتابة وهي تسير معه كأنها أسيرة معه، صعدا سويًا لشقتهما فأخرج هاتفه يجاوب على المُخابرة الهاتفية ثم انتبه لها وهي تُراقبه ووجه حديثه لها بقوله:
_ألبسي هدوم تقيلة علشان هنخرج مع بعض مشوار مهم عاوزك معايا فيه.
عقدت حاجبيه فوجدته يحثُها بعينيهِ كي تتقدمه وتبدل ثيابها لأخرى، ولجت الغرفة وبحثت فيها من بين الثياب الكثيرة التي تملكها هي، حاولت أن تجد شيئًا مناسبًا من بينهم كأنها مراهقة تواعد الحبيب سرًا، استقرت على معطفٍ باللون الأسود ومزجت معه سترة بيضاء ترتديها أسفله وبنطالًا من خامة الجينز ثلجي اللون واختارت حجابًا يتمازج بألوان البحرِ وزُرقتهِ.
بدل هو ثيابه وارتدى ملابس شتوية ثقيلة وسترة سوداء فوق الكنزة الصوفية البيضاء، كان وسيمًا وهو يرتدي الثياب التي انتقتها له حين خرجا سويًا وانتقتها هي له، تجهزت وجهزت حقيبة يدها ثم تحركت معه حيث سيارته بمرآب السيارات، سألته أخيرًا بعد طيلة الصمت:
_هو إحنا رايحين فين كدا؟ الساعة تقريبا خمسة وشوية.
حرك رأسه موافقًا ثم انتبه لها ورد يجاوبها ببساطةٍ:
_رايحين مشوار مهم أتمنى يعني ترجعي منه مبسوطة.
حركت رأسها توميء له ووضعت رأسها فوق النافذة الزجاجية وهي تستكين عليها من صخب مشاعرها وأفكارها حتى وجدته يسألها بنفس هدوء طباعه وحنوه الدائم عليها:
_أتغديتي ولا أجيبلك حاجة تاكليها في الطريق؟.
_أكلت الحمدلله مع عمتو رباب وورد من شوية.
أومأ لها موافقًا وركزَّ بانتباهٍ في الطريقِ وهو يقود سيارته نحو الوجهة التي حددها وأرادها هو وقصدها، وهي من كثرة الصمت والسكون نامت بعدما ألقت رأسها فوق النافذة، ابتسم لأنها نامت وعدَّل رأسها كي تكون أكثر راحةً، وبعد فترة طويلة قضاها هو في القيادة المملة وحده وهي تتركه وتنام حتى مرت ساعات قيادته عصيبة عليه وحده..
وصل أخيرًا للوجهة التي أرادها وتيقن من هاتفه أن هذا هو المكان تحديدًا، وقد ترك موضعه وخرج من السيارة ثم اقترب من جهتها هي وفتح الباب وجثىٰ على رُكبتيه على بابها ثم أوقظها، كان يهزها برفقٍ فانتفضت هي بثقلٍ في رأسها وفتحت عينيها على مضضٍ، لتجده يهمس لها برفقٍ:
_وصلنا خلاص، أصحي وفوقي كدا معايا.
حركت رأسها توميء له ثم بدأت تستعيد وعيها، انتبهت للمكان حولها وبالتقريب ميزت هي في أي مدينةٍ أصبحت، مسحت وجهها بكلتا كفيها ونزلت من السيارة فوجدته يمد يده لها بزجاجة مياهٍ وعاونها ترتشف منها حيثُ كانت تعاني من ألمٍ في كفها.
ارتشفت المياه ثم تحركت معه لكن الصوت الذي تحفظه جيدًا بدا كأنه يُرحب بها، شعرت كأن المدينة تُرحب بها وتفتح الأذرع فقط لاستقبالها.
كانت مُصابة بتخمةٍ كأنها تناولت وجبة دسمة من المشاعر التي اعترتها، قادها "أدهـم" لداخل بناية فاخرة وهي حتى لم تجرؤ وتسأله أين هما، تحركا معًا للأعلى وولج بها مصعدًا حتى تحرك بهما وخرجا منه وتقدمها هو يطرق بابًا يعرفه، وقفت خلفه بعدة سنتيمترات فيما فُتِح الباب لتتسع عيناها حد الجحوظ..!!
بينما حمحم هو ثم وجه حديثه يسأل بثباتٍ وأد قوة من يواجهه:
_إزيك يا مأمون، الحجة "ياقوت" موجودة هنا؟.
فجر حديثه بكل ثقةٍ وكأن اليوم الاسكندرية تشهد صراعًا جديدًا،
اليوم المدينة تُفتح أذرعها ترحيبًا بالغائب، وتستقبل العائد.
________________
_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.
_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات
الفصل السابع الثلاثون من هنا