
_ يا جدو ارحمني شويه... انا ضهري وجعني من الشيل والحط.
= يعني اعمل ايه يا ميار؟
الكراتين كتير وانا راجل عجوز مش قادر اتحرك، خالتك ام مصطفى هي اللي كتر خيرها بعتت صبي من الحاره يشيل معانا العزال.
_ صبي مين بس يا جدو
ده عيل صغير اسمه شيكو الشنطه أتقل منه...!
ضحك جدو وهو قاعد على الكرسي
وانا رميت نفسي على الكنبه اللي في الصاله المتكركبه
دخلت تيتا من المطبخ وبصتلي وقالت:
= قومي يابت افتحي الشبابيك والبلكونه تهوي المكان... الريحه مكتومه من التراب.
_ حاضر يا تيتا... من عينيا.
قومت بكسل مشيت ناحية البلكونه وفتحت الشيش براحه
اول ما فتحته الهوا ضرب في وشي، بس عنيا لقطت حاجه غريبه... البلكونه اللي في وشنا تقريبًا لازقه في بلكونتنا
المسافه بينهم صغيره اوي لو مديت ايدي اطولها !
وفجأه خرج واحد من البلكونه اللي قصادي.
كان شاب طويل واسمراني جسمه رياضي وشعره منكوش والتيشيرت عليه زيت وشحم وبيشرب شاي وشكله طالع من الورشه اللي تحت.
انا اتصدمت من قرب البلكونتين وهو وقف مكانه رفع حواجبه باستغراب وبصلي من فوق لتحت نظرة تقييم مستفزه
بصيتله بغيظ وقولت بصوت واطي بس مسموع:
_ ايه ده هو احنا عايشين مع الناس في نفس الشقه ولا ايه؟!
ظهرت على وشه غمازه وهو بيشرب بوق من الشاي ومال بجسمه لقدام وقال بابتسامة مستفزه:
= معلش يا ابله، الحاره دي ضيقه ومبنعرفش نقعد من غير ما نطل في وش بعض... شرفتينا في شارعنا.
برقت عيني وقولت بضيق:
_ أبله في عينك!
وبعدين ما تشوف لبسك ووشك ده، ايه الشحم والزيت ده كله كأنك طالع من الموتور !
ضحك بصوت عالي كأنه قاصد يستفزني وقال:
= والله الزيت ده هو اللي فاتح البيت اللي انتي قصاده ده
وبعدين مش عاجبك طلتي من البلكونه... اقفلي شيشك يا قطه.
_ قطه اما تفترسك... ومتقوليش يا قطه !
سمعت صوت ضحكته العاليه على كلامي وانا شهقت لما استوعبت اللي قولتله
"هو ده وقت لساني يتعوج فيه؟!!"
= قطه تفتسرني؟ لا واضح إني لسانك أطول منك يا شبر ونص !
اتنططت في مكاني وقولت بعصبيه:
_ انا مش شبر ونص يا بني آدم انت !
انت اللي طولك عبيط
رفع حاجبه وبصلي بثقه وهيبه غريبه وقال:
= طولي عبيط؟!... طب لسانك ده لو مقصرش يا شبر ونص، هنزل اقصه بنفسي بالمفتاح الانجليزي من الورشه تحت !
"كنت هرد عليه بس سمعت صوت جدو بينادي عليا
خرجت من البلكونه ورزعت الباب بقوه وانا بزفر بغيظ".
طلعت تيتا من جوه على صوت الرزعه وقالت:
= ايه يابت في ايه؟ رزعتي الباب كده ليه؟!
_ الجيران اللي وشنا دول قليلين الأدب يا تيتا !
واحد واقف في البلكونه مبهدل ومصدي وبيطول لسانه عليا.
دخل جدو الصاله وهو بيضحك:
= قصدك على مصطفى؟ ابن الحاج حامد؟
بصيت لجدو بصدمه:
_ هو انت تعرفه يا جدو؟!
= طبعا اعرفه... ده من شباب الحاره هنا، وده اللي ماسك ورشه ابوه... راجل وشقيان من يومه.
سكت وشويه وجدو قال:
= قومي يا ميار روقي الشقه ورجعي كل حاجه مكانها
الحاج حامد وابنه مصطفى جايين يسلموا علينا ويباركولنا على العزال، ودول أصحاب بيت ولازم نستقبلهم حلو.
_ جايين في يا جدو دي الشقه لسه متبهدله!
= ما انتي قومي روقي قبل ما ييجوا، دول ضيوفنا
"نفخت بضيق وقومت اروق الشقه، مش عارفه ايه اللي هيخليهم ييجوا واحنا اول يوم لينا في الشقه ولسه ورانا حاجات كتير؟!
بس حاولت اروق الصاله المكان اللي هيقعدو فيه والاوض قولت لما يمشو ابقى اعملهم براحتي"
وعلى الساعه 8 بالليل كنت قاعده في الصاله بالبيجامه وتيتا
بتشرب شاي وجدو بصلي وقال:
= قومي يا ميار ألبسي الناس شويه وهييجوا.
_ انا مش هطلع من الاوضه يا جدو طول ما الواد ده هنا.
نغزتني تيتا في كتفي وقالت:
= بس يا بت عيب ! ده راجل جَد والحاره كلها بتحلف بحياته، قومي البسي حاجه عدله واعقلي.
نفخت بضيق وقومت دخلت الاوضه لبست دريس كافيه هادي ولفيت الطرحه وقررت اني هدخل اديهم العصير وادخل الاوضه تاني.
وبعد ربع ساعه الباب خبط وجدو قام فتح الباب ورحب بينهم بصوت عالي:
= أهلا أهلا بالحاج حامد... خطوه عزيزه يا غالي... اتفضل يا مصطفى يابني.
كنت واقفه في المطبخ بحضر العصير وأخدت الصنيه وخرجت وانا مستعده اردله الكلام اللي قاله الصبح بس بأدب
رفعت عيني وانا ببتسم ببرود، بس اول ما عنيا جت عليه الطقس اتغير تمامًا
الواد اللي كان الصبح التيشرت بتاعه متبهدل ووشه في شحم واقف قدامي دلوقتي حاجه تانيه خالص !
"كان لابس قميص اسود متفصل عليه بالظبط وبنطلون رمادي وشعره متظبط وناعم ومُهندم
وريحة برفانه الفخمه ملأت ريحه الصاله كلها"
انا وقفت مكاني من الصدمه لثواني
حطيت الصينية على الترابيزة عشان أسلم على الحاج حامد زي ما جدو قالي ولما وصلت عند مصطفى مسلمتش عليه باليد
قرب خطوه ونزل براسه لمستوايا شويه وعينيه السمرا كان فيها نظره انتصار وقال بصوت هادي:
= مساء الخير يا... أبله شبر ونص.
بصتله بغيظ وقولت بنبره هاديه على قد ما أقدر :
_ مساء الخير... يا أستاذ.
حسيت بنظرات جدو اللي بيبصلي بذهول من طريقتي وعمو حامد ضحك وقال لجدو:
= ماشاءالله يا حاج متولي... دي بقى ميار حفيدتك؟
_ ايوه يا حامد يا اخويا، ميار دي العقل والهدوء كله، بس شكلها تعبانه من العزال واللف طول النهار.
مصطفى رفع حاجبه بصدمه واتكلم بخبث وصوت واطي:
= العقل والهدوء كله؟ لا ما شاءالله باين عليها فعلا يا حاج !
"غمزلي بعينه من ورا ابوه وجدو عشان محدش يشوفه، انا حسيت دماغي هتنمل من الغيظ اخدت الصنيه من على الترابيزة بعد ما قعدو وقدمت لـ عمو حامد الاول"
_ اتفضل يا عمو العصير.
= يزيد فضلك يا بنتي... تسلم ايدك.
وقفت قدام مصطفى ومديتله الكوبايه وانا مكشره:
_ اتفضل يا أستاذ مصطفى.
"مد ايده أخد الكوبايه من الصنيه ورجع ضهره لورا وهو بيشرب
وانا قعدت على الكرسي اللي جمب الكنبه اللي قاعد عليها عشان جدو طلب مني اقعد"
بصلي بابتسامة خلت غمازاته تبان وقال بصوت واطي وهو باصص ناحيتي:
= تسلم إيدك يا شبر ونص.
ووقفت جمب تيتا وقولت بصوت مسموع للكل:
_ معلش يا جدو... انا داخله ارتاح شويه عشان راسي بتوجعني.
= أدخلي يا حبيبتي... كتر خيرك عملتي كتير انهارده.
مصطفى حط الكوبايه على الترابيزة ورجع ضهره لورا وسأل جدو بكل جديه غريبه عن طريقة كلامه معايا من دقيقه:
= صحيح يا حاج متولي... موضوع الورق بتاع الدكان اللي تحت، تحب ابدأ فيه من بكره ولا تستنى لما تستقروا في الشقه؟
جدو رد عليه بامتنان:
= والله يا مصطفى يابني تسلم، بكره كويس عشان نخلص، وانا هبعتلك ميار الصبح بدري عشان تديك ملف الأوراق عشان انت رجلي وجعاني ومش هقدر انزل الورشه.
أنا وقفت مكانتي عند باب الأوضة، ولفيت بسرعة لجدو:
_ أنا يا جدو؟! أروح الورشة بكرة الصبح؟!
مصطفى ابتسم ابتسامة عريضة جداً، عيونه كانت بتلمع بالشماتة وبصلي ببرود وقال:
= وفيها إيه بس يا آنسة ميار؟ الورشة تحت البيت على طول.. وبعدين أنا موجود هناك من 8 الصبح، تعالي في أي وقت متخافيش الشحم مش بيعض!
حسيت إني عايزة أرمي عليه أي حاجة قدامي!
‐ مش خايفة يا أستاذ.. بس أنا ورايا شغل كتير في الشقة.
جدو اتكلم بحزم هادي:
= معلش يا ميار، نزلي الملف الصبح لمصطفى يا بنتي مش هتعطليني، مصطفى زي أخوكي وهيشيل عننا كتير.
هزيت راسي ودخلت الاوضه بسرعه وانا بكلم نفسي:
_ يخربيت رخامته... عيل بارد، ده ايه البلوه اللي سكنت قصادها دي !
"طلعت بلكونه اوضتي بعد ما الضيوف مشيوا والبيت بقى هدوء فتحت الشيش واتفأجأت بيه واقف في بلكونته بعد ما غير هدومه ولبس تيشرت ابيض بحمالات وواقف بيشرب سيجاره وهو ساند على السور "
لفيت وشي الناحيه الناحيه التانيه وقولت وانا بتجنب أبصله:
_ ما تروح تلبس حاجه تستر نفسك عيب كده.
نفخ دخان سيجارته ببطء ولف جسمه وبصلي:
= انا في بيتي وفي بلكونتي يا شبر ونص ! وبعدين ايه... هتبدأي تتشرطي عليا في اول ليله ليكي في البيت ولا ايه؟
_ قلتلك مية مرة اسمي ميـار! مش شبر ونص يا قليل الذوق أنت.. وبعدين اتعلم احترام الجيرة وشوف الناس المحترمة بتقف إزاي في بلكوناتها بدل ما أنت واقف بالمنظر ده كده !
ضحك بعد ما طفى السيجاره وقال بسخريه:
= حقك عليا يا ستي... خلاص، من بكرة هقف في البلكونة بالبدلة والكرافتة عشان ارضي الهانم!
_ بدله وكرافته ايه؟!
انا بقولك على الاقل البس تيشرت مش خارج البلكونه بالفنله البيضا.
= مالها الفنلة البيضا يا شبر ونص؟ دي بتجيب إيراد للورشة أكتر من القميص الأسود اللي شوفتيني بيه تحت! وبعدين يا ستي، ما تشغليش بالك بيا قوي كده... انتي كل شوية تركزي في لبسي؟ شكل العيون هتصيبنا ولا إيه؟
برقت بعيني واتنططت في مكاني من كتر الغيظ، وضربت رجلي في أرض البلكونة وقولت بصوت عالي شوية:
_ عيون إيه يا بني آدم أنت؟! أنا قصدي كفاية قلة ذوق! وبعدين بطّل تبصلي كده وبطل اسم شبر ونص ده خالص، أحسن والله أنادي لجدو يجي يشوف له حل معاك!
ضحك بصوت عالي ومكتوم في نفس الوقت وهو بيخبط كف على كف، وقال:
= يا نهار أبيض! جدو كمان؟! هو إحنا هنبديها شكاوي من أول يوم يا هانم؟ طب خلاص، آسفين يا عم الحاجة... حقك عليا، هلبس قفص حديد بكرة وأنا واقف في البلكونة عشان عينك ما تتعبش.
_ أنت بجد مش هتبطّل رخامة؟!
_ لما تيجي بكرة بالملف الساعة 8 الصبح بدري زي ما الحج متولي طلب، هبطل رخامة... يمكن!
تصبحي على خير يا قطه
دخلت الاوضه ورزعت باب البلكونة ورايا وانا حاسه إني دماغي هتفرقع من كتر الغيظ وانا سامعه صوت ضحكته
رميت نفسي على السرير واستسلمت لـ نوم عميق...
يتبع...
الفصل الثاني من هنا