
صحيت تاني يوم الصبح بدري على غير العادة، مش بمزاجي أكيد، بس صوت الدوشة والحركة برة الأوضة كان كفيل يطير النوم من عيني
"جمعت شعري بعشوائية وخرجت وأنا بفرك عيني، لقيت الشقة مقلوبة نظافة، وتيتا واقفه في المطبخ والريحة الجميلة للأكل مالية المكان"
افتكرت فجأة.. النهارده الجمعة!
يعني اللمة العائلية الأسبوعية.. يعني بابا، وماما، وأختي، وكل العيلة اللي بتبدع في فن تقليب المواجع والتنطيط على أعصابي.
دخلت المطبخ وأنا بتنهد:
_ صباح الخير.. هو إحنا عندنا فرح ولا إيه؟
تيتا التفتت لي وقالت بجدية:
_ صباح النور... يلا فوقي كده وركزي، أهلك زمانهم على وصول، وأبوكي وأختك مش هيعجبهم تشوفيهم وأنتِ بالمنظر ده.
"بلعت ريقي بصعوبة.. وسحبت نفسي للبلكونة عشان أخد نفس قبل ما العاصفة تبدأ"
سمعت صوت تيتا وهي بتنادي عليا بصوت عالي:
= بت يا ميار... انزلي هاتي حاجات من السوبر ماركت
_ حاضر يا تيتا جايه
"خرجت من البلكونه وانا بتنهد وروحت لبست دريس بسيط ونزلت عشان اجيب الحاجه اللي طلبوها مني"
وجدو كان في صلاة الجمعه
نزلت من البيت وروحت جبت الحاجه اللي تيتا طلبتها مني
وانا راجعه اول ما قربت من مدخل البيت لقيت مصطفى واقف قدام الورشه بملامحه الهادية ولابس الجلابية البيضا مظبوطه عليه وعضلاته بارزه وريحة برفانه اللي ملت المكان وشكله لسه راجع من صلاة الجمعه
اول ما شافني قرب مني واترسمت على وشه ابتسامة بغمازات واضحه ووقف قدامي مباشرة وقال:
= صباح الفل على عيونك... ايه النشاط ده كله الصبح بدري؟
ورايحه فين بالطلبات دي كلها؟
بصيا حواليا بقلق ورديت بتوتر:
_ صباح النور يا مصطفى، دي طلبات لتيتا عشان العيله كلها متجمعه انهارده واليوم مقلوب.
ضحك بخفه وهو بياخد من ايدي الشنط من غير ما يستأذن وقال:
= طب وليه العزومة دي كلها مادام هتوتر الشبر ونص كده.
قطع كلامنا صوت عربيه داخله الشارع بسرعه وصوت دريكسيون عالي كفيل يلفت انتباه الكل
رفعت عيني لمصدر الصوت وهنا اتجمد الدم في عروقي !
العربيه وقفت قدام البيت ونزل منها بابا بملامحه الحاده وماما اللي بصت للشارع كله نظره متكبره ووراهم اختي شهد
مصطفى عقد حواجبه باستغراب وهو بيبص للعربيه والناس اللي نازله منها بطريقه ملفته وسألني بصوت واطي:
= مين دول يا ميار؟ شكلهم غريب على المنطقه هنا وجايين بطريقه...
قاطعته وقولت بصوت مهزوز:
_ دول أ...أهلي.
استغرب اكتر وهو بيبص عليهم وقبل ما يلحق يستوعب الموقف او يفهم احنا ايه وضعنا كانت ماما قربت مننا بتعالي وتكبر وبابا وهو باصص عليا باستغراب
وشهد أختي اللي عيونها كانت على مصطفى برقت عينيها بإعجاب وهي بتدقق في وقفته الرجولية، وجلابيته البيضا اللي مظبوطة على عضلاته البارزة، ورفعت حاجبها بابتسامة خبيثة ومستفزة كأنها لقت صيد جديد.
ماما قربت بخطواتها الواثقة، ورفعت نظاراتها الشمسية وبصت لمصطفى من فوق لتحت بنظرة استعلاء وكأنه كائن غريب، وبعدين وجهت كلامها ليا بصوتها الحاد:
_ إيه يا ميار واقفة في الشارع كده مع مين الأخ ده؟ واقفه معاه قدام الورشه كده ليه؟
مصطفى ملامحه الهادية اتحولت تدريجياً لجمود ونظرة حادة، بس قبل ما ينطق بكلمة، بابا جه ورانا وهو بيعدل جاكيت بدَلته وقال:
_ خير يا ميار؟ واقفة هنا بتعملي إيه؟ ومين ده؟ وبعدين إيه المنظر اللي إنتِ واقفة بيه ده؟ مش كفاية منظر العام للشارع اللي ما يعلم بيه إلا ربنا!
قبل ما ألحق أدافع أو أرد، ظهرت شهد أختي من ورا بابا، وابتسامة سمجة على وشها وهي بتلعب بخصلة من شعرها
وبصت لمصطفى نظرة جريئة وقالت بخبث:
_ لا، بس الحق يا بابا... الذوق اتطور! واضح إن ميار كان ليها أسبابها القوية عشان تقعد عند تيتا الفترة دي كلها... صح يا أستاذ... إنت اسمك إيه؟
مصطفى حسيت بالغضب اللي في وشه بس حافظ على هدوءه بطريقة تخوف ساب الشنط على الأرض، ووقف قدام بابا وماما
وبص لشهد بنظرة باردة خلت ابتسامتها تروح من على وشها، وقال بصوت عميق ورجولي:
_ أولاً أنا مصطفى ابن المنطقة هنا، وجار الحاجة والكل عارفني. ثانياً الأسلوب اللي بتتكلموا بيه ده ميصحش، خصوصاً وإنتوا في بيت ناس أصول وثالثاً والأهم... ميار أدبها وسكوتها مش معناه إنكم تستهينوا بيها، ولا تتكلموا معاها بالطريقة دي.
ماما بصتله بصدمة، وبرقت عيونها وقالت بصوت عالي:
_ نعمم! إنت بتعلي صوتك علينا؟! إنت ماتعرفش إحنا مين ولا بتكلم مين؟! قلة الأدب دي هي اللي تربية الشوارع..
بابا مد إيده ووقف قدام ماما بعصبية وقال لمصطفى:
_ لم نفسك واتكلم باحترام أحسن لك، وميار هطلع حالا فوق ومش هتنزل تاني، وأما عنك يا هانم... طالما نسيتي أصلك وتربيتك، فحسابنا فوق مع ستك اللي دالعتك!
شهد بصت لمصطفى نظرة أخيرة فيها إعجاب وطلعت ورا بابا
بصيت على مصطفى اللي كان لسه واقف وقولتله وانا بحاول اتمالك نفسي:
_ هات الشنط انا هطلعها... وأنا بعتذرلك على اللي أهلى قالوا
اداني الشنط وقال بنبره هاديه:
= ولا يهمك يا ميار انتي ملكيش ذنب وانا سكت ومردتش عليهم عشانك بس... اطلعي انتي ومتشيليش هم
خدت الشنط من إيده وطلعت السلم خطواتي كانت تقيله فتحت الباب ودخلت لقيت البيت ساكن بطريقة مرعبة..
الصوت الوحيد اللي كان عالي هو صوت ماما وهي بتتكلم بانفعال مع تيتا في الصالون، وبابا واقف قدامهم بيزعق وشهد قاعدة حاطة رجل على رجل وبتضحك بسخرية حطيت الشنط على الأرض ووقفت
ماما أول ما شافتني بصتلي بقرف وقالت لتيتا:
_ شفتي حفيدتك وبنت ابنك.. واقفة في الشارع بالمنظر ده مع صبي ورشة! هو ده اللي علمتيهالها في قعدتها هنا؟ قلة أدب وتسيب عيني عينك؟
تيتا قامت من على الكرسي بكل هدوء، وقالت بصوت ثابت وقوي:
_ صوتك ما يعلاش في بيتي... وميار متربية أحسن تربية، واللي وقفت معاه ده أجدع من ألف واحد يتجرأ يجيب سيرته.. مصطفى ابن راجل محترم، مش زي اللي جايين يفتشوا في العيب وهم أولى بيه!
بابا اتعصب وضرب بإيده على الترابيزة وقال:
_ بقى كده يا أمي؟ احنا اللي غلطانين؟ بنيجي نزوركم نلاقي البنت ماشية في السكك والشوارع مع أشكال ضايعة؟ دي قلة أدب البنت هترجع معانا دلوقتي حالا!
شهد ابتسمت بخبث وقالت:
_ تصدقي يا ماما.. الواد مصطفى ده خسارة في القرية دي.. بس يلا، أهو نوع جديد من المغامرات.. تفتكري لو كلمته هيرد؟
قطع كلامنا صوت الباب وهو بيتفتح ودخل جدو
اول ما بص علينا فهم إن في حاجه بصلنا وقال:
= خير صوتكم عالي ليه؟
_ أهلاً يا حاج، اسأل حفيدتك اللي أنت مدافع عنها وعن قعدتها هنا.. بنت ابنك اللي ماشية في الشارع تتبسط وتتمشى مع صبي ورشة ولا جار في الشارع، وستها قاعدة تدافع عنها كأنها عملت إنجاز! إحنا جينا نخدها ترجع بيتها عشان تتعلم الأدب صح، بس شكل فات الأوان !
_ صوتك ما يعلاش في بيتي يا أم شهد، وميار دي في رقبتی من يوم ما اتولدت، وعمرها ما عملت حاجة غلط والراجل اللي وقفت تكلمه ده وأجدع من مليون واحد ييجي يفتش في ذمم الناس
وهو فاقدها وعموماً، كلمتين وبس.. ميار مش راجعة معاكم
= نعممم! مش راجعة إزاي يعني؟ هي سايبة ولا ايه؟ دي بنتنا وإحنا حُرين فيها، وهاخدها غصب عن الكل!
قالت كده ماما وهي في قمة عصبيتها ومن غير وعي، جدو بصلها بعصبيه وقال:
_ ميار مش هتتحرك من البيت ده غير على جثتي ويلا اتفضلي امشي من بيتي
بابا وماما بصو على جدو بصدمه وبابا قال:
= بقى بتطردنا من بيتك يا حاج... تمام اوي يلا بينا
شهد وماما بصولي بغضب وتحدي وهما خارجين من الشقه وبابا بصلي قبل ما يخرج وقال:
= هرجعلك تاني وهاخدك غصب عنك !
خرجو كلهم من الشقه ورزعو الباب بقوه وسابوني وانا حاسه إن مبقتش قادره اتنفس
يتبع...
الفصل الرابع من هنا