رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الواحد والاربعون 41 بقلم ليله عادل


رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الواحد والاربعون 41 
بقلم ليله عادل



{"لم أطلب شيئا عظيما، فقط أردتُ أن أشعر أن لي مكانا، وأن أشعر ولو لمرة أنني لم أكن عبئا، لكنني في محاولتي للنجاة من ألمي، ارتكبت أخطاء لم أقصد بها الأذى، حتى دهست أرواحا أخرى لم يكن لها ذنب وأنا أحاول إنقاذ روحي"}
       ليلة عادل ✍️🌹

               الفصل الواحد والاربعون 🤫♥️

      [بعنوان: لم أكن شريرا.. كنت خائفا]

ساد صمت ثقيل، كأن الهواء تجمد حولهم.

كل العيون معلقة على نقطة واحدة "حور"
وقبضة سليم لا تزال معلقة في الهواء فوق وجه رشدي الممدد، ثانية واحدة قسمت كل شيء.
لكن حور هي من كسرت الصمت.

انطلقت كالسهم المشتعل بجسدها الصغير، ووقفت كجدار بينهما. وجهها الملائكي أحمر كالجمر، وعيناها تقدح شررا.

صرخت بغضب طفولي: أنتَ بتضرب رشدي ليه؟! إوعى!

ولم تنتظر جوابا، انهالت بيديها الصغيرتين تضرب صدره بكل قوتها: إوعى بقولك! سيبه! أنت وحش!

كان يتلقى ضرباتها كالمخدر، لا يصد ولا يقاوم، عيناه جامدتان لا ترمشان من الصدمة. 

يا لظلم القدر.

ابنته.. فلذة كبده التي زار قبرا فارغا باسمها لخمسة أعوام.. تصفعه الآن بيديها، وتدافع عن الرجل الذي دمر حياتهم.

ترنح سليم للخلف، ليس من قوتها، بل من قوة الحقيقة.

مالت حور بسرعة نحو رشدي، ومسحت الدم عن شفته بأطراف مرتجفة: قوم يا رشدي..معلش أنا ضربته.

كان ينظر لها بذهول تام، يتحرك معها كالمسحور دون وعي حتى جلس.

تعلقت برقبته كغريق وجد طوق نجاته، وطبعت قبلة مرتعشة على خده الملطخ: بيوجعك؟ انت اتعورت خالص؟

ثم التفتت إلى سليم، وانقلبت ملامحها إلى غضب حارق: بتضربه ليه يا وحش! أنا هعيش مع رشدي! هو أحسن منك!

هبطت كلماتها على صدره كسكين بارد يغرس ببطء، انقبض وجهه، وتجمدت تلك الدمعة التي كانت ستنزل في عينيه.

في الخلفية، كان مكي لا يزال على الأرض، يده على رأسه، نصف واعٍ ونصف غائب، لكنه يرى.

بينما بقيت ماسة متسمرة في مكانها، كان مشهد حور وهي تدفع سليم باستماتة عن رشدي كفيلا بأن يعيد إليها وعيها فجأة، لم تستوعب، كان السؤال يصرخ داخلها: ما الذي يحدث بحق الجحيم؟

سألت بصوت مبحوح يخرج بصعوبة: هو إنتِ تعرفي رشدي يا حور؟

رفعت رأسها من حضنه بفخر طفولي بريء: أيوه طبعا أعرفه! رشدي صاحبي! هو اللي كان بيخليني أكلمكم ويجيبلي شيكولاتة ويوديني المطعم اللي بيلف!

ثم التفتت لسليم بعتاب: إزاي يا بابا تضرب صاحبك كده؟

اتسعت عينا ماسة حتى كادت تخرج من محجريها، ورفعت بصرها ببطء نحو سليم وكأنها تستغيث به، كان وجهه شاحبا كالموتى.

لقد فهمت.

رشدي كان يعرف بوجود حور منذ سنوات، وكان يخفيها ويلعب بهم كقطع شطرنج.

نظرة سليم لرشدي لم تعد نظرة أب مصدوم، بل نظرة رجل عاد إليه شيطانه القديم كانت النيران تشتعل في صدره، لكنه كان مشلولا عن فعل شيء، بسبب وجود حور.

بينما لانت ملامح حور وقالت بشوق وهي تنظر لرشدي: وحشتني خالص يا رشدي، انت مجيتش ليه؟ بقالي كتير مشوفتكش؟! بابا وماما جم، بس أنا زعلانة من بابا ومش هكلمه عشان ضربك.

دققت ماسة النظر في سليم، تنتظر منه كلمة يدافع بها عن نفسه، لكن لسانه كان معقودا.

ابتلعت ريقها بصعوبة، وأرغمت شفتيها على ابتسامة مرتجفة محاولة تصليح الموقف: لا يا حبيبتي، بابا مكانش بيضرب رشدي، دول كانوا بيلعبوا مع بعض، وهو ومكي وقعوا واتعوروا، حتى شوفي عمو مكي متعور إزاي؟!

هزت رأسها بعناد: لا! كان بيضربه!! أنا شوفته بعنيا!

التفتت ماسة مرة أخرى إلى سليم بسرعة، تستنجد به بنظراتها: لا صدقيني كانوا بيلعبوا، صح يا بابا؟ 

تبادلا النظرات لوهلة، كانت أنفاس سليم متلاحقة، وصدره يعلو ويهبط بعنف، خرجت الكلمات من فمه انتزاعا: أيوه.. كنت.. كنت بلعب معاه.

جز على أسنانه بضيق وهو ينظر لرشدي: صح يا رشدي؟

نهض من مكانه متوقفا، ثم مد يده إليه، ليساعده على الوقوف  رغما عنه أمام ابنته.

لكن رشدي نظر إلى يده الممدودة نظرة طويلة باردة، ثم رفع نظره إلى وجهه، ورسم على شفتيه الملطختين بالدماء ابتسامة باردة.. إبتسامة المنتصر.

ونهض من تلقاء نفسه، دون أن يمسك يد سليم، تاركا يده معلقة في الهواء وكأنه إعلان منه عن حرب ستبدأ لكن عن طريق حور...

في تلك اللحظة، التفتت ماسة إلى مكي سألته: انت كويس؟

كان مكي واضعا يده على رأسه، وجهه شاحب قليلا: كويس..

شهقت ماسة عندما رأت الدم يتسلل بين أصابعه: انت بتنزف!

انتبه سليم فاقترب منه بسرعة، والقلق يملأه: حاسس بإيه؟

أجابه: دايخ شوية..

ساعده على الوقوف ثم تحركا وأجلسه على الأريكة،
كانت الفوضى تعم المكان كراسي متكسرة وإكسسوارات مبعثرة.

بينما راحت ماسة تبحث بعينين زائغتين عن أي شيء توقف به النزيف، حتى التقطت عبوة مناديل وضغطت بها على جرح مكي.

أشارت حور لرشدي: تعال نقعد يا رشدي، اقعد هنا.

وجذبته من يده حتى جلس، ثم ركضت نحو الطاولة، التقطت علبة المناديل، وعادت لاهثة تمسح الدم عن خده برفق شديد: معلش يا رشدي، بتوجعك؟

كان الجميع يراقب في صمت ثقيل

كان منظرا مستفزا لهم بشدة حتى قطعه سليم، وهو يحاول أن يبتسم، لكن ابتسامته خرجت مجروحة:
طب ومفيش منديل لبابا ؟ أنا كمان اتعورت.

توقفت حور عن مسح وجه رشدي، والتفتت إليه بحدة طفولية: لا! انت اللي ضربت رشدي، انت وحش، أنا مش بحبك!

فور أن سمعها، تجمد سليم من الداخل، لم تكن مجرد كلمة، كانت صفعة.

تدخلت ماسة بسرعة: في حد يقول لبابا كده؟ عيب يا حور..

خبأت حور وجهها في صدر رشدي بعناد: لا زعلانة منه وهخاصمه يوم ويوم ويوم!

لم يعد مكي يتحمل، انفجر من الألم والغضب قال: انت يا زفت! ما تنطق! مش كنا بنلعب ووقعنا؟! ماتتكلم بقى! 

لكن رشدي ظل صامتا صمتا طويلا متعمدا، عيناه تلمعان بتشفي خفي، وكأنه يتلذذ بنظرة سليم المكسورة، وبتعلق حور به.

ترك اللحظة تمر ثقيلة فاللعبة أصبحت ملكه الآن، ثم مال برأسه نحو حور، ومسح على شعرها بحنان مصطنع وسألها وكأنه يتعمد استفزازهم: انتِ هنا من امتى يا حببتي؟

رفعت إليه وجهها ببراءة، وبدأت تعد على أصابعها: من يوم.. ويوم.. ويوم كتير! من بدري أوي، وماما وبابا جم، وهنعيش كلنا هنا! بابا قالي هيجيب رحمة وتيتة كمان يعيشوا معانا.

أومأ بريبة، بينما تابعت هي: أنت كمان هتعيش معانا أنت ومي؟

أطال النظر إليها، وقد أدرك أن السند الوحيد الذي كان يملكه قد انفلت من بين يديه، لكن تعلقها به قد يعيده إليه مرة أخرى.

رفع عينيه نحو سليم متسائلا بخبث: نسأل بابا؟ ايه رأيك يا بابا أعيش معاكم أنا ومي.

زم سليم شفتيه مستفزا من وقاحته لكنه لم يرد، اشاح بوجه في إتجاه آخر.

لكن ماسة انتبهت جيدا لكلمة حور "مي" ضيقت عينيها، اقتربت وهي تسأل بصوت متلعثم، وكأن شيئا ما بدأ يتضح أمامها: أنتِ كمان عارفة مي؟

أجابته ببساطة: أيوه، هي كمان صاحبتي!

بدأت عينا ماسة تتحركان باضطراب، فالتفتت إلى سليم، الذي نظر إليها محاولا فهم ما وراء سؤالها، قبل أن تعود بنظرها إلى حور مره أخرى وتسألها بتلعثم: هو... هو إنتِ تعرفي طنط ماسة؟ صاحبة مي؟ اللي كانت عايزة تاخدك تلعبي معاها في حمام السباحة؟!

أومأت بحماس: أيوه، ما أنا قولتلك، أنا عندي صاحبة اسمها ماسة على اسمك، إنت عارفها؟

فور أن سمعت إجابتها غص قلبها، وارتعش جسدها كله.

فقد أدركت الحقيقة للتو، كانت هي..!

تحركت مبتعدة بسرعة، ودموعها تهبط رغما عنها،

بينما أغمض سليم عينيه للحظة، فقد أدرك هو الاخر  الحقيقة المرة ثم اتجه إليها سريعا.

توقف بجوارها ينبهها بهمس: ماسة مش هينفع عشان البنت.

كانت تحاول التقاط أنفاسها، قبل أن تقول بصوت منكسر خافض: كانت بتكلمني يا سليم، وأنا معرفش إنها بنتي..

حاول تهدئتها: عشان خاطري اهدي، وأنا وعزة وجلال الله لأدفعه الثمن، استني بس.

رفعت عينيها إليه، والدموع تملأ وجهها، تحدثت من بين أسنانها بضجر وعينها على حور وهي بين أحضان رشدي: تدفعوا ثمن إيه؟ دي بتحبه ومتعلقة بيه، مش شايف؟

هزت رأسها بضعف وقلة حيلة، لكنها لم تحتمل بكت بحرقة ثم فجأة ألقت بنفسها في حضنه، وانفجرت في البكاء.

ضمها إليه وربت على شعرها: خلاص، اهدي.

قالت بين شهقاتها: كانت بتكلمني، وأنا معرفش إنها بنتي..

أبعدها قليلا عن صدره، ضم وجهها بكفيه، وهو يحاول جاهدا السيطرة على غضبه: عشان خاطري يا ماسة، حاولي تتمالكي نفسك، أنا والله ماسك نفسي بالعافية.

ثم التفت نحو رشدي، قبل أن يعود بنظره إليها قائلا:
إحنا دلوقتي نروح للبنت، عشان نفهم إزاي رشدي وصلها؟! وازاي متعلقة بيه بشكل ده؟! ارجوكي يا ماسة امسكي نفسك مش هينفع تاخد بالها.

أومأت من بين دموعها، فقبل جبينها ثم أمسك يدها وتحركا نحوهم.

كانت حور لا تزال واقفة بين قدمي رشدي، تمسح على خده ببراءة

نظرت حور إلى ماسة متسائلة: هي ماسة صاحبتكم فين؟ وجوزها الرخم؟

أجابها سليم بهدوء محاولا ألا يظهر شيئا: ماسة جوزها مكانش رخم، جوزها كان كويس هي سافرت مكان بعيد.

مدت شفتيها بحزن: يعني مش هشوفها؟

أومأ بتأكيد: آه هتفضل بعيدة.

اقتربت حور من ماسة متسائلة: انتِ بتعيطي ليه 
ثم نظرت لسليم بتحفز: انت زعلتها؟

أجابتها مسرعة وهي تمسح على شعرها: لا أنا بس بطني وجعاني.

ثم نظر سليم إلى حور بنبرة آمرة: حور، روحي مع ماما الاوضه، عشان عايز أتكلم أنا وعمو رشدي شوية.

اقتربت حور من رشدي مرة أخرى واحتضنته سريعا:
لأ.

شد سليم على أسنانه، محاولا الحفاظ على هدوئه قال: حور اسمعي الكلام.

لكنها اعترضت: أنا عايزة أقعد مع رشدي، هو واحشني، وبقالى يوم كتير مش بشوفه!

حاول السيطرة على أعصابه: اسمعي الكلام يا حور، هتكلم مع عمو رشدي شوية، وبعدين تعالي اقعدي معاه زي ما انتِ عايزة.

ثم رفع عينيه إلى رشدي، كانت نظرته تحمل تهديدا صريحا، ثم اقترب خطوة واحدة منه، وتحدث معه بالإنجليزية، بصوت هادئ مخيف كالفحيح البارد: أقسم لك، إن لم تأمرها بالذهاب مع والدتها الآن حتى نستطيع التحدث على انفراد، فسأرسل رجالي إلى منزل زوجتك وعائلتها، وسأجعلهم يدفعون الثمن، سأقتلهم إن اضطررت، لا تختبر صبري، فأنا لا أمزح.

اتسعت عينا رشدي، وعرف من نبرته أنه لا يمزح الآن.

بينما أخرج سليم هاتفه، وضغط على رقم عشري، وما إن بدأ الهاتف يرن حتى ظل رشدي يحدق فيه بقلق.
أجاب عشري، فقال سليم دون تردد وعيناه تحملان شيئا من سليم القديم: عشري، خد العربية دلوقتي حالا وروح على عمارة مي، ومعاك الرجالة.

صمت لحظة، ونظر إلى رشدي مباشرة، لم يكن يمزح، تبادلا النظرات، علم رشدي أن سليم لن يترك له هذه المرة أي مساحة للمراوغة، وأن أي محاولة منه ستكلفه الكثير، فعليه أن يستمع لحديث سليم.

نظر لحور وهو يمسح على شعرها: جنة اسمعي كلام بابا، وروحي مع ماما.

نظرت إليه بحزن: عايزة أقعد معاك شوية وحشتني قد السما.

رد بهدوء: اسمعي الكلام عشان مزعلش منك.

ترددت للحظة، ثم أومأت: طيب، ماشي.

تحركت نحو ماسة، لكنها قبل أن تخرج اقتربت 
من سليم وقالت له ببراءة: أوعى تضربه تاني هزعل منك قد البحر.

لم يرد عليها، واكتفى بنظرة قصيرة، لكن ماسة أشارت إليه محذرة: سليم، استنى... متتكلمش في حاجة، أنا كمان محتاجة أفهم.

أومأ لها، ثم خرجت

وبمجرد أن ابتعدتا، تحرك سليم وعدل المقعد المقلوب وجلس أمام رشدي، وأخذ يرمقه من أعلى إلى أسفل في صمت. 

كانت نظراته طويلة مشمئزة، ثم أمسك بعض المناديل بين أصابعه، وبدأ يمسح بها وجهه وقال باحتقار: بتلعبني ببنتي؟ مش ناوي تنضف بقى؟

انطلقت من رشدي ضحكة قصيرة، تحمل سخرية أكثر مما تحمل مرحا: عيب انت اللي تقول الجملة دي؟

مال برأسه قليلا، وعيناه لم تفارقا سليم: ما انت عارف، عايز توجع حد؟ اضربه بأقرب حاجة ليه، بالحاجة اللي هو بيحبها..

صمت لحظة، ثم تابع بنبرة ضيق: زي ما انت عملت بالظبط.

اشتدت ملامح سليم ورد مدافعا: أنا لما عملت كده معاك، كنت برد على اللي انت عملته معايا زمان، لما وجعتني بماسة، لكن استغلالك لحب طفلة مكملتش ست سنين، عشان تخليها ضدي دي قذارة منك..

ابتسم ابتسامة ساخرة وهو يرد: دي القوانين يا حبيبي... وانت عارف

ارتفعت نبرة صوته قليلا وهو يضيف: عزت وفايزة ربونا على كده! مفيش حاجة اسمها حب، الحب ضعف، ومينفعش يبقى عندك نقطة ضعف، وبعدين أنت لو مكاني، كنت هتعمل كده.

أومأ سليم بيقين: أنا لو مكانك مستحيل اعمل كده، كنت هحاول أنضف وأبين حسن نية..

ثم نظر إليه باحتقار واضح: مش استغل طفلة، بس إنت هتفضل طول عمرك قذر.

صمت للحظه، ثم سأله بهدوء غريب: تفتكر يا رشدي، بعد ماعرفت أنك كنت عارف مكان بنتي؟! مطلوب مني أعمل إيه؟ أقتلك... صح؟

أجابه بثقة: المفروض تشكرني لولايا كانت زمانها ماتت!

مالت شفتا سليم بابتسامة مستهجنة من إصرار رشدي أنه لم يخطئ، دون رد.

بينما تابع رشدي متسائلا بفضول: انت وصلتلها إزاي؟ محدش يعرف طريقها، ولا يعرف أصلا بوجودها غيري.

أجابه بسخرية لاذعة: شريكك قالي مكانها.

عقد حاجبيه قائلا: أنا معنديش شريك.

رفع حاجبه، ساخرا: إيه يا رشدي؟ المخدرات خلتك تنسى؟

رد بإصرار حاد: لا أنا مش بنسى، أنا بكلمك بجد، مين اللي قالك؟ شريك مين؟ مفيش طرف تالت

فأجاب ببرود: لا فيه.. عاطف، السواق.

ظل يحدق فيه للحظات، ثم ضيق عينيه متسائلا: وعاطف عرف إزاي إنها بنتك؟ ومين اللى قالك عليه؟

رفع سليم حاجبه بهدوء مستفز: وأقولك ليه؟

أضاف بسخط: ماسيبك كده تتجنن شوية.

أومأ رشدي: مش أسلوبك.

ضحك سليم بخفة: ما أنا اتعلمت منكم أساليب جديدة.

مال عليه رشدس بجدية: عرفني بس، عرفت طريق جنة إزاي؟

توقفت نبرته للحظة، ثم تابع بتحذير واضح: لحسن يكون حد عرف!! لأن مفيش حد يعرف الموضوع ده غيري؟!  كون إن عاطف قالك دي حاجة مش بسيطة؟!. عاطف ميعرفش انها بنتك اصلا!

ثم أضاف بسرعة وصدق: وأنا بحب البنت بجد، وبخاف عليها بطل سقالة بقى، وفهمني، مش وقت انتقام أفصل دي عن دي..

ظل سليم ينظر له لثواني بصمت شعر أن رشدي صادقا في خوفه فقال: صافيناز.

عقد حاجبيه وهو يتمتم: صافيناز؟!

أجابه موضحا: أنا كنت بستفزها عشان تعترف مين اللي عمل الحادثة..

تغيرت ملامح رشدي قليلا، فتابع سليم: ولما قولتلها إن عماد متجوز سارة قالتلي إن البنت اتولدت عايشة، وإن عماد إداها لعاطف، هي مكانتش تعرف أكتر من كده..

ثم أكمل: لما روحت لعاطف وضربته، قال إن البنت عايشة، وإنه مقتلهاش ومحدش يعرف بالموضوع ده، بس مجابش سيرتك!

ظل رشدي صامتا للحظات، وكأن الكلمات طمأنته من ناحية، وأربكته من ناحية أخرى، أطلق زفرة قصيرة: طب كويس.

ثم رفع عينيه إلى سليم وقال: خد بالك منها بقى.

إجابه سليم بسخرية باردة: أكيد مش واحد زيك هو اللي هيوصيني آخد بالي من بنتي!

تصلب فك رشدي، كأن الكلمة غرزت في لحمه الحي.
بينما حاول سليم أن يستعيد هدوءه.
أخذ نفسا عميقا، ثم التفت إلى مكي متسائلا: عامل ايه دلوقت؟ أحسن؟

نظر له مكي بطرف عينه، ثم أومأ باقتضاب: أممم.

علي اتجاه آخر...

صعدت ماسة برفقة حور إلى الطابق الثاني، وتوجهت إلى غرفة سعدية. وما إن دخلتا حتى وجدت سلوى ومجاهد يجلسان برفقة سعدية.

قالت بسرعة: كويس إنكم هنا، خلوا حور معاكم وأنا نازلة تحت.

سألتها حور: هتروحي فين؟

أجابتها وهي تحاول الحفاظ على هدوئها: لازم أعمل عصير لرشدي، وأجيبلهم دوا عشان الوقعة اللي وقعوها.

سعدية بقلق: إحنا كنا سامعين صوت، بس مرضيناش ننزل، خير؟

سألها مجاهد بقلق: ايه اللي بيحصل يا بنتي؟

ردت من بين تنهيدة طويلة متعبة: بعدين، بس خليكوا هنا، وخلوا البنت معاكم، بلاش تنزلوا تحت.

اعترضت حور فورا: أنا عايزة أنزل أقعد مع رشدي.

نظرت إليها ماسة بحزم: حور، اسمعي الكلام، خليكي قاعدة مع تيتة وجدو وخالتو، وهنخليكي تشوفي الزفت! بس نطمن على بابا الأول .

قطبت حاجبيها وقالت بضيق: إنتِ بتزعقيلي ليه؟ أنا مخصماكي يوم ويوم ويوم.

لم تهتم ماسة بكلامها، واكتفت بهز رأسها.
بينما اقتربت سلوى من حور وجذبتها إليها قائلة: طب روحي انتِ يا ماسة...
فقد فهمت أن شقيقتها غاضبة ولم تعد قادرة على السيطرة على نفسها، فخرجت ماسة وأغلقت الباب خلفها.

بينما ابتسمت سلوى لحور وقالت: تيجي نعمل إسورة وخاتم وعقد حلوين ليكي بالفصوص؟

ابتسمت حور: ماشي.

أمسكت سلوى بيدها: طيب تعالي، نروح أوضتي نجيب الحاجات ونرجع نعملها هنا مع تيتة وجدو.

تبسمت: ماشي.
🥰_____________بقلمي_ليلة عادل
 
في المكتب.

ظل الوضع كما هو عليه، يجلسون في صمت ينتظرون وصول ماسة.

دخلت ماسة قائلة: اتأخرت؟

رفع سليم رأسه ونظر إليها نافيا، فتقدمت وجلست بجانب سليم، وظلت تنظر لرشدي للحظات قبل أن تقول بصوت متوتر: أنا عايزة أفهم، بنتي تعرفك ومتعلقة بيك كده إزاي؟ كانت معاك إزاي؟ ده حصل إمتى؟

تنهدت، ثم تابعت بضجر: مش عارفة أنا ليه مصدومة؟! بعد كل اللي عرفته وعملته معايا، المفروض متصدمش.

أجابها ببرود مستفز: هقولك نفس الكلمة اللي قولتها لجوزك وانتِ فوق.. المفروض تشكريني!

اتسعت عيناها بصدمة، وتوقفت وهي تصيح به بوجع أم غاضبة: أشكرك!؟ أشكرك إنك سرقت بنتي مني طول السنين دي؟! أشكرك لأنك حرمتني إني أشوفها وهي بتكبر، وأسمع منها كلمة «ماما»! حرمتني منها خمس سنين يا حيوان!

اقتربت منه وضربته على كتفه وهي تصرخ ودموعها تنهمر: أنا عملتلك إيه عشان تعمل فيا كل ده؟! عملتلك إيه يا حقير؟! ليه حرمتني منها؟! ليه حرمتني من أجمل سنين كان المفروض أعيشها مع بنتي!

دون أن تشعر، مدت يدها وصفعته، فنهض سليم على الفور ووقف أمامها، لكن رشدي لم يتحرك من مكانه، فقط ينظر إليها بصمت، لم يكن لديه ما يقوله.

صرخت وهي تواصل بعينين ممتلئتين بالغضب والدموع: عملتلك إيه عشان تعمل فيا كل ده؟! انت كنت بتعاقبني أنا، مش سليم!

صاحت حتى بُح صوتها بانهيار: رد عليا عملت ليه كده؟! مكفاكش إنك دمرت حياتي مع سليم؟! مكفاكش إنك هددتني بأهلي؟! مكنتش بصعب عليك؟!

تهدج صوتها بوجع يكسر القلب بين شهقاتها: طب هي؟! هي مكنتش بتصعب عليك وهي بتسأل عننا وبتقولك نفسي أشوف بابا وماما يا سافل..

اشتد غضب سليم وهو يرى ماسة تنهار أمامه، فمد يده وأمسكه من أسفل فكه، صارخا في وجهه: ما ترد عليها يا جبان! قولها عملت فيها كده ليه؟!

رفع عينيه نحوهما بغل، ثم تحدث بغضب بارد، بقناعة أنه لم يفعل أي شيء خطأ: أنا عملت إيه؟! أنا حافظتلكم على بنتكم

صمت لوهلة وهو ينظر أمامه وكانه يعترف لنفسه قبلهم بضعف صادق: يمكن في الأول كان قصدي مش شريف، وكان كل إللي في دماغي إني أستغلها، بس بعد كده حبيتها..!

تغيرت نظراته، وبدأ صوته يهتز رغم محاولته التماسك: حبيتها بجد، كانت الشخص الوحيد اللي كنت بحس معاه بنقاء غريب..

رفع عينيه المشتعلتين نحوهما من جديد: المفروض تشكروني! بنتكم لو كانت فضلت معاكم، كانوا هيقتلوها؟! تفتكر فايزة كانت هتقبل بيها؟ كانت هتقبل إن ماسة الخدامة يبقى ليك منها بنت؟! كانوا هيستغلوا وجودك في الغيبوبة وانهيارها، وكانوا هيقتلوها...

ابتلع ريقه، وأضاف بقناعه: الحاجة الوحيدة اللي عمري ماندمت عليها، إني خبيت جنة ولو رجع بيا الزمن هعيد نفس الاختيار تاني.

ساد الصمت.

كان سليم ومكي يرمقانه بغضب، بينما كانت ماسة تبكي بصمت، وكأن كل كلمة تُسمع كانت تمزق جزءا آخر من قلبها.

تقدم سليم منها، ومد يده إليها قائلا بهدوء: تعالي يا عشقي اقعدي.

أمسكها من كتفها برفق، وقادها إلى أحد المقاعد، ثم جلسوا جميعا أمام رشدي.

ثبت سليم عينيه عليه وقال بحزم: يلا احكيلي وصلتلها إزاي؟! عشان انت لو محكيتش انت عارف انا ممكن اعمل ايه

قاطعه رشدي باشارة من يده بضجر: من غير تهديد، هقولك  

صمت للحظات، وكأنه يستعيد المشهد كاملا في ذاكرته، ثم قال: الحكاية بدأت بعد الحادثة، بعد ما ماسة خرجت من العمليات.

أخذ نفسا عميقا، ثم تابع: لما الدكتور خرج وقال إن البنت ماتت.

خفض عينيه للحظة قبل أن يكمل: محدش كان مهتم، بس بعدها شوفت صافيناز وعماد بيتكلموا، وأنا عارف الحربوقة والثعلوب لما يقفوا الوقفة دي ويقعدوا يتهامسوا... بيكونوا بيخططوا لحاجة...

ابتسم بسخرية: روحتلهم وسألتهم: في حاجة؟ قالولي: لا، مفيش..

هز رأسه وتابع: بس أنا كنت متأكد إن فيه حاجة، سبتهم، لكن الموضوع فضل في دماغي، وبعد شوية لقيت عماد قام ومشي... فمشيت وراه..

فلاش باك

المستشفى - قبل سنوات

كان عماد يقف في أحد أركان المستشفى، يتحدث مع طبيب، بينما كان رشدي يقف بعيد قليلا، يراقبهما ويستمع لكل كلمة.

أخرج عماد بعض المال ومده للطبيب: شكرا يا دكتور.

أخذ المال، ثم قال بقلق: أنا دخلت البنت الحضانة على مسؤوليتي باسم حد تاني، بس هي مش هينفع تفضل كتير.

قطب حاجبيه: مش إحنا اتفقنا إنك تخلصنا منها؟

هز رأسه رافضا: لا، مش هقدر أعمل ده، ادخل أنت واعمل اللي أنت عايزه، هي كده كده لازم تفضل في الحضانة مش أقل من خمس أيام.

اقترب عماد منه وقال بضيق: طب هتعمل إيه؟ أنا المفروض دلوقتي جايلك أستلم الجثة.

صمت الطبيب لحظة، ثم قال: حضرتلك شوية شاش وقطن، وكأنها متكفنة وجاهزة، ادخل أنت بس، وكأنك بتستلم جثة البنت...متقلقش، محدش هيشك في حاجة.

أومأ عماد: تمام يا دكتور، طب أنا عايز أدخل أشوف البنت..
صمت للحظه ثم سائلة: هو مش لو شلت جهاز التنفس تموت

أومأ الطبيب: بالتأكيد.

في تلك اللحظة، تمتم رشدي من مكان اختبائه، وهو يراقبهما: يا أولاد الـ... يعني ماسة ولدت بنتها عايشه!

ثم أسرع بالاختباء عندما تحرك الطبيب مع عماد باتجاه الحضانة.

((الحضانة))

دخل الطبيب أولا، وأشار إلى حور، التي كانت لا تزال رضيعة صغيرة، ثم خرج.

بعد لحظات، دخل عماد بعدما ارتدى الملابس المخصصة للمكان وقف أمام الحضانة طويلا.
مد يده، وأمسك جهاز التنفس الموضوع للرضيعة، ثم نزعه ببطء ظل ينظر إليها، ويده ترتجف.

حاول أن يقنع نفسه بما يفعله، لكنه لم يستطع،
هز رأسه باختناق، ثم أعاد جهاز التنفس إلى مكانه
وتحرك مبتعدا 

كل ذلك كان رشدي يراقبه من خلف الباب، حتى رأى عماد يخرج مسرعا.

اختبأ رشدي، ثم تبعه من بعيد حتى عاد إلى صافيناز.

كانت صافيناز تنتظره، وما إن رأته حتى رمقته بنظرة واحدة، وكأنها تسأله: عملت إيه؟

وقف أمامها، وملامح العجز واضحة على وجهه: مقدرتش أعملها حاجة.

اتسعت عيناها: يعني إيه هتسيبها عايشه؟

أجابها بتهكم: مقدرتش دي طفلة رضيعة، مقدرتش مش للدرجة دي!

صاحت بانفعال: البنت دي لازم تموت!

عماد بسرعة: هو كده كده هيعرفوا إنها ماتت، الخبر وصلهم خلاص، أنا دلوقتي  هروح عشان أستلمها وندفنها.

نظرت إليه بقلق: طب وهي هتعمل فيها إيه؟

هز كتفيه بعجز: معرفش بقى، هوديها ملجأ؟ احطها جنب رصيف، بس مش هقدر أقتلها..

ثم صمت لحظة، قبل أن يضيف: أو ممكن أديها لعاطف السواق... وهو يتصرف.

ظلت صامتة للحظات، ثم قالت: طيب...

باااك

عاد رشدي ببصره إلى ماسة وسليم الجالسين أمامه.

ظل صامتا لثواني، وكأن استرجاع تلك اللحظات لم يكن سهلا عليه، ثم قال بصوت خافت: من اللحظة دي، عرفت إن البنت لسه عايشة، بس مكنتش أعرف عماد ناوي يعمل إيه وقتها؟! قولت لازم أركز معاها وخليت شوقي كمان يراقبهم، طبعا عماد استلم الكفن الفاضي هو وإبراهيم ولأن إبراهيم وقتها قلبه خفيف، مدخلش، وأنا عملت نفسي مشغول، عشان أسهلها على عماد 

رفع عينيه نحوهم، ثم تابع بصوت هادئ، وقد عادت ذاكرته إلى تلك الأيام: بعد كام يوم... لقيت عماد واقف مع الدكتور تاني.

ساد الصمت للحظات، بينما كانت ماسة تنظر إليه بترقب، وكأنها تخشى ما ستسمعه، أما سليم ومكي فظلا يحدقان فيه بملامح جامدة، ينتظران بقية الحكاية.

فلاش باك

المستشفى - بعد عدة أيام

كان عماد يقف في أحد الممرات الجانبية بالمستشفى، يتحدث مع الطبيب بصوت منخفض، بينما وقف رشدي على مسافة، عينيه معلقتين بهما.

اقترب الطبيب من عماد قائلا: النهارده هتستلم البنت.

أومأ دون أن يجيبه، ثم تحرك مبتعدا.

ظل رشدي يراقبه حتى اختفى عن أنظاره..

مرت عدة ساعات...

وفي منتصف الليل، خرج عماد من المستشفى متخفيا، يحمل الطفلة بين ذراعيه، ثم صعد إلى سيارة صافيناز وانطلق بها بعيدا عن المستشفى، كان رشدي يتبعه بسيارته من مسافة آمنة، حتى توقفت سيارة عماد في أحد الشوارع الجانبية الهادئة.

كان عاطف في انتظاره.

أوقف عماد السيارة، ثم ترجل منها وهو يحمل الطفلة، واتجه نحو عاطف بخطوات سريعة.

رفع الطفلة أمامه، وقال بلهجة أمر: خد البنت دي وخلصني منها بأي شكل، تقتلها، ترميها في الشارع، مليش دعوة، اعمل اللي إنت عايزه، ومتقوليش عملت إيه؟!

نظر إليه بذهول، ثم نظر إلى الطفلة الصغيرة بين ذراعيه: يعني إيه يا باشا؟

اقتر منه أكثر، نبرته أكثر حدة: نفذ اللي أمرتك بيه يا عاطف، ومش عايز رغي كتير.

ظل عاطف صامتا، وعيناه معلقتان بالطفلة.

مد عماد يده وسلمه إياها، ثم أخرج مبلغا من المال ودسه في يده: الموضوع ده يتقفل، وميتفتحش تاني، وإلا هتكون روحك هي الثمن.

ابتلع ريقه برعب، وأومأ بتوتر، ثم احتضن الطفلة بين ذراعيه.

استدار عماد دون كلمة أخرى، وعاد إلى سيارته وانطلق مبتعدا، كان رشدي يراقب كل شيء من داخل سيارته، بينما ظل عاطف واقفا في مكانه لا يعرف ماذا يفعل.

خفض عينيه نحو الطفلة، فوجدها نائمة في هدوء، كالملاك.

تنهد واتجه إلى سيارته، وضع الطفلة إلى جواره، ثم انطلق يقود بلا هدف، وعيناه تنتقلان بين الطريق والطفلة.

وبعد وقت، توقف بالقرب من النيل، ترجل وحمل الطفلة ووقف أمام المياه.

تردد.. اقترب خطوة ثم توقف، كان الصراع واضحا عليه، ينظر إلى الطفلة ثم إلى النيل، ومن بعيد كان رشدي مازال يراقبه بتركيز.

وأخيرا زفر عاطف بضيق وهز رأسه، كأنه لم يستطع تنفيذ ما أُمر به، وعاد إلى سيارته.

بعد وقت، توقف أمام أحد الملاجئ. ظل جالسا ينظر إلى المبنى ثم إلى الطفلة، مد يده نحو مقبض الباب لكنه توقف.

قال لنفسه بحزن: طفلة صغيرة، يا دوب عندها كام يوم. ليه مصيرها يكون كده؟

صمت للحظه، ثم أخذ نفسا عميقا وأدار المحرك وتحرك بعيدا، يبدو أنه قرر شيء.

ظل رشدي يتبعه في صمت، حتى توقف أمام منزل قديم هادئ.

(منزل إسعاد)

نظر رشدي إلى المكان باستغراب، ثم قال لنفسه: إيه المكان ده؟ هتعمل إيه يا عم عاطف؟ خلينا نشوف.

نزل عاطف من السيارة، وحمل الطفلة بين ذراعيه، ثم اتجه نحو باب المنزل.

طرق الباب عدة طرقات وبعد لحظات، فُتح الباب، وظهرت (إسعاد).
ابتسمت ما إن رأته: تعالى يا ابني... اتفضل.

ابتسم ابتسامة متكلفة: عاملة إيه يا حاجة؟ أخبارك إيه؟

أغلقت الباب خلفه، ثم ابتسمت له: الحمد لله يا ابني, إنت أخبارك إيه؟ مبتزورنيش ليه؟

جلس على أحد المقاعد، ثم أجاب: مشاغل والله.

ابتسمت له: الله يعينك يا ابني.

ثم وقعت عيناها على الطفلة التي يحملها، فاقتربت منه قليلا: مين العيل اللي على إيدك ده؟ خلفت؟

ارتبك للحظة، ثم سارع إلى اختلاق كذبته: لا... أنا لقيتها في الشارع وصعبت عليا.

أضاف، وكأنه يحكي لها مأساة حقيقية: خدتها لمراتي، قامت مصوتة ولمت عليا العمارة، وقعدت تقولي: أنت اتجوزت عليا وخلفت وخونتني!

رفع يده بحركة عفوية: وبهدلت الدنيا ومش عارف أعمل إيه؟! قولت أوديها لأمي تربيها..

تنهد: أمي قالتلي: أنا رجل بره ورجل جوه، وبعدين مراتك هتعمل مشاكل وأنا مش قد مراتك.

هز رأسه بحيرة يحاول استعطافها: قولت أوديها ملجأ كده ولا دار أيتام! مش عارف والله يا حاجة أعمل إيه؟!

وضعت يدها على صدرها، ونظرت إلى الطفلة بحزن: لا إله إلا الله حد يرمي ضناه كده؟

رد: ناس معندهاش قلب ولا ضمير.

ثم نظر إليها مترددا قبل أن يقول: بقولك إيه يا حاجة... ما تاخديها تربيها؟

اتسعت عينا: إيه يا ابني؟ أربيها إزاي؟ وأنا حمل عيال صغيرة؟

ابتسم برجاء: تاخدي فيها ثواب، أصل الواحد بيسمع عن الملاجئ الأيام دي حاجات كده توجع القلب.

أومأت بتفكير: والله عندك حق يا ابني، بس أنا خايفة معرفش أربيها.

اقترب منها قليلا: طب خليها معاكي يومين كده ينوبك ثواب فيها، لحد ما أشوفلها مكان كويس.

صمتت لثواني تفكر، ثم مدت يديها وهي تقول: وريهالي كده يا ابني.

ناولها الطفلة بحذر فاحتضنتها إسعاد، وما إن تأملتها حتى تبدلت ملامحها إلى ابتسامة حانية: ما شاء الله عليها، الله أكبر، زي القمر، شكلها لسه مولودة.

ابتسم بحزن مصطنع: أهلها معندهمش قلب لقيتها جنب صندوق زبالة الكلاب كانت هتاكلها.

هزت رأسها بأسى: حسبي الله ونعم الوكيل.

نهض من مكانه، واتجه نحو الباب: طيب أنا هقوم بقى، خليها معاكي، وهجيلك كمان يومين عشان آخدها، وأكون شوفتلها مكان.

ثم تنهد وهو يهز رأسه بتمثيل: هروح للمجنونة اللي في البيت دي، اشوف هعمل معاها إيه.

ابتسمت وهي تعيد احتضان الطفلة بين ذراعيها: روح يا ابني، ربنا يسترها عليك.

وقبل أن يخطو عاطف نحو الباب، استوقفته قائلة:
استنى بس، روح كده هاتلي من الصيدلية غيار ليها ولبن، أصل هي لسه صغيرة ومحتاجة حاجات كتير انا لسه معايا حاجات من هدوم ابني وهو قدها بس لازم نجبلها هدوم.

أومأ بتفهم، وقال: حاضر، هجيبلك اللي إنتِ عايزاه. قوليلي بس حاجة حاجة وأنا هروح أجيبهالك.

جلست تفكر للحظات، ثم بدأت تعدد له كل ما تحتاجه الطفلة، كان يستمع إليها باهتمام، ويحفظ الأشياء واحدة تلو الأخرى، قبل أن يومئ لها: حاضر، متقلقيش.

وبالفعل، خرج من المنزل يتحرك باتجاهات مختلفه، بينما كان رشدي لا يزال جالسا داخل سيارته في الجهة المقابلة، لكنه لم يتحرك خلفه هذه المرة، ظل جالسا في مكانه، يراقب المنزل من بعيد.

مرت عدة دقائق... ثم عشر دقائق أخرى.

وأخيرا، ظهر عاطف من جديد يقترب وهو يحمل عدة حقائب صغيرة.

 اتجه إلى الباب، وطرق عليه.

فتحت إسعاد، فناولها إحدى الحقائب: جبت كل اللي طلبتيه.

فتحت الحقيبة، فوجدت فيها حفاضات وعبوات من اللبن وبعض مستلزمات الطفلة.

رفعت عينيها إليه بإبتسامة ممتنة: ربنا يكرمك يا ابني، تعبتك معايا، بس بكره تعالى كده وهاتلي شويه لبس ليها حتى من هدوم عيالك وانا برده هقول لام رحمه هنا تاخد لها شويه حاجات من ابن بنتها.

ابتسم عاطف: ماشي، البنت محتاجة حاجات كتير، وأنا مش هسيبك محتاجة حاجة.

أخرج من جيبه بعض المال، ومده إليها قال: وخدي دول كمان، خليهم معاكي لو احتجتي أي حاجة.

رفضت في البداية: لا يا ابني، كفاية عليك كده.

لكنه أصر ووضع المال في يدها: خليهم يا حاجة، عشان لو احتجتي حاجة للبنت متستنيش لحد ما آجي.

نظرت إليه بتأثر: ربنا يجازيك خير يا ابني.

ابتسم، ثم قال: خلي بالك منها.

أومأت: حاضر يا ابني، دي في عيني.

أومأ لها، ثم استدار وغادر.

ظل واقفا للحظة أمام المنزل، وكأنه يتأكد من قراره، ثم اتجه إلى سيارته وصعد إليها.

لكن ما إن أغلق الباب حتى فُتح الباب الآخر فجأة.

انتفض عاطف والتفت.

فوجد رشدي يجلس بجواره، وعلى وجهه ابتسامة غامضة: إزيك يا عاطف؟

اتسعت عيناه في صدمة متلعثما: رشدي بيه؟! في حاجة؟

لم يجبه بل بهدوء شديد، أخرج مسدسه من خصره، ثم صوبه نحوه

تجمد عاطف في مكانه، وشحب وجهه، بينما انحنى رشدي نحوه قليلا: بص يا عاطف، أنا مش جاي في عوق. أنا جاي عشان حاجة واحدة بس..

صمت لحظة، ثم سأل: إنت عملت إيه جوه؟ ووديت البنت فين؟

ابتلع ريقه، ثم أجاب: اديتها للست إسعاد تخلي بالها منها لحد ما أشوفلها مكان أوديها فيه، ويمكن تربيها..

وأشار برأسه نحو المنزل: دي ست كبيرة، جوزها وابنها ماتوا من كام سنة في حادثة.

رفع حاجبه بسخرية: الله يرحمهم.

ثم تغيرت ملامحه: مش فارق معايا الكلام ده، أنا عايز منك خدمة صغيرة..

صمت عاطف منتظرا حديثه، فتابع رشدي: بس الأول قولي قولتلها جايب البنت دي منين؟

أجابه بتوتر وهو ينظر لفوهة المسدس تارة ثم إلى رشدي تارة أخرى: قولتلها لقيتها في الشارع.

اقترب منه أكثر: عماد مقالكش جابها منين؟!

ارتبك عاطف: ما...

قاطعه بحدة: متكذبش يا عاطف، أنا شايف عماد وهو بيديهالك.

خفض عاطف عينيه، وقال بسرعة: والله يا باشا أنا ما أعرف حاجة؟! ولا قالي حاجة، أنا لقيت عماد باشا مديني البنت دي وبيقولى أتخلص منها..

ثم رفع عينيه إليه: وأنا عندي عيال مقدرش، يعني هو شكله خان صافيناز هانم ودي بنته..

ابتسم بسخرية، وقال بطريقته المعتادة: آه... الخاين السافل، طول عمره كده ثعلوب.

ثم اقترب أكثر، وخفض صوته: المهم، أنا مليش علاقة بكل الرغي ده، أنا عايزك بقى تصحصح معايا وتركز ..

ظل عاطف صامتا، فتابع رشدي: عجبتني القصة اللي أنت قولتها للحاجة..

حرك مسدسه قليلا وهو يشرح خطته: هتروحلها كمان يومين، وتقولها إن أخو مرات الراجل اللي إنت شغال عنده عمل حادثة كبيرة، وإن إخوته بيطلعوا حاجات لله، وأخوه الصغير عرف قصة البنت وحابب يساعدها.

ثم تابع: وهتاخدني عندها، وهنقدملها فلوس عشان تربي البنت..

اقترب منه حتى أصبحت نبرته همسا مخيفا: وإنت هتنسى البنت، وتنسى إنك جبتها هنا.

ثم ابتعد عنه قليلا: وهتروح تقول لعماد إنك اتخلصت منها ورميتها في النيل..

رفع المسدس أمام عينيه: ولو مقولتش اللي أنا بقوله بالحرف...

توقف لحظة، ثم ابتسم ابتسامة باردة: عندك كام عيل؟

ارتجف عاطف وأجاب فورا: اتنين.

رد بتهديد لاذع: طيب بلاش بقى تترحم عليهم مرة واحدة؟

هز رأسه بسرعة برعب: يا باشا، هعملك اللي إنت عايزه، أنا أصلا مليش علاقة بالحوار ده..

أعاد رشدي مسدسه إلى خصره، لكنه ظل ينظر إليه بصرامة: عشان ميبقاش ليك علاقة بالحوار ده، تنسى إنك جيت هنا..

صمت لحظة ثم قال: وتنسى إنك شوفتني.

ثم اقترب منه للمرة الأخيرة: وتنسى إنك اتخلصت من البنت.

أومأ عاطف بسرعة: مفهوم.

ظل رشدي جالسا يراقبه للحظات، ثم هبط من السيارة، بينما ظل عاطف جالسا، يحدق أمامه بوجه شاحب.

باااك

عاد رشدي من ذكرياته، كان الثلاثة ينظرون إليه بتركيز شديد، وكأن كل كلمة يقولها تكشف لهم جزءا جديدا من الحقيقة التي ظلت مدفونة لسنوات.

أخذ رشدي نفسا عميقا، ثم تابع: عاطف حاول يروح يقول لعماد زي ما اتفقنا، بس عماد مرضيش يسمع، الثعلوب طلع عنده دم وبيحس.

صمت لحظة، ثم تغيرت ملامحه قليلا، وكأن ذكرى بعينها عادت أمام عينيه: وبعد يومين، قابلت عاطف.

نظر إلى ماسة مباشرة: وروحنا للحاجة إسعاد.

توقفت أنفاس ماسة للحظة أما رشدي، فأكمل بصوت أكثر هدوءا: ودي كانت أول مرة أشوف فيها جنة...

تلعثم قليلا، ثم صحح نفسه: أقصد... حور!
♥️_____________بقلمي_ليلةعادل

فلاش باك

منزل إسعاد

كان رشدي يجلس إلى جوار عاطف في الصالة وكانت هناك عدة حقائب موضوعة حولهما.

حقائب مليئة بملابس صغيرة، وحفاضات، وعبوات من الحليب، وكل ما يمكن أن تحتاجه طفلة رضيعة.

جلست إسعاد أمامهما، تنظر إلى الأشياء الكثيرة حولها بدهشة.

رشدي بهدوء متقن التمثيل: عاطف حكالي القصة، والبنت صعبت عليا جدا..

ثم نظر إليها وأضاف: وقالي إنك معندكيش مانع تاخدي بالك منها..

أومأت سريعا: آه والله يا ابني، معنديش مانع، بس خايفة معرفش آخد بالي منها وأنا ست كبيره

سألها: معندكيش حد يساعدك هنا؟

أجابت: فيه بنت جارتنا هنا رحمة، ربنا يكرمها بتساعدني، دي طايرة بالبنت، طير..

ابتسم رشدي، ثم مد يده إلى جيبه وأخرج مبلغا كبيرا من المال، ووضعه أمامها: طب كويس خلي البنت معاكي، ورحمه تساعدك. 

اتسعت عيناها وهي تنظر إلى المبلغ: إيه ده يا ابني؟

دفع المال نحوها: المبلغ ده خليه معاكي، وأي حاجة تحتاجيها هتلاقيها.

ثم أشار إلى الحقائب: أنا كمان جبتلها شوية لبس وحفاضات وكل حاجة ممكن تحتاجها في السن ده، حتى اللبن يكفيها الشهر.

رفع عينيه إليها: وكل شهر هبعتلك فلوس، وهبعتلك كل حاجة ممكن تحتاجيها، ورقمي هيكون معاكي، وكلميني في أي وقت.

هزت رأسها بعدم تصديق وهي تقلب في الرزم بين يديها بذهول: بس ده كتير يا ابني، والله كتير أوي.

ابتسم رشدي: لا كتير ولا حاجة..

ثم أضاف بنبرة هادئة: أنا بس عايزك تدعيلها.

صمت لحظة، ثم تابع بتمثل متقن حتى لا تشك به: وتدعي كمان لأخويا إنه يقوم بالسلامة، عشان عمل حادثة كبيرة.

وضعت يدها على صدرها: شوفتها في التلفزيون، ربنا يشفيه هو ومراته يارب.

في تلك اللحظة، انفتح باب المنزل، ودخلت رحمة كانت تلك المرة الأولى التي يراها فيها.

قالت بتلقائية: إيه يا خالتي؟

لكنها توقفت فجأة عندما رأت رشدي وعاطف.

نظرت إليهما باستغراب: عندك ناس؟

ابتسمت إسعاد وأشارت إليها: تعالي يا بنتي ده رشدي بيه، أخو مرات الراجل اللي عاطف شغال عنده.

اقتربت بخجل: ايوه مساء الخير.

رفع رشدي عينيه إليها، وألقى عليها نظرة ذات معنى، بينما بادلته رحمة النظرة نفسها.

إسعاد بحماس: بصي يا بنتي ما شاء الله جابلنا إيه! جابلنا كل حاجه ناقصه..

ثم التفتت إلى رشدي: هي دي رحمة اللي قولتلك عليها.

أومأ رشدي، ثم نظر إلى رحمة وقال بطريقته المعتادة: إزيك يا رحمة؟ الحاجة قالتلي إنك بتاخدي بالك منها... ومن البنت.

أدخل يده إلى جيبه، وأخرج مبلغا من المال، ثم مده إليها: اتفضلي.

نظرت رحمة إلى المال بدهشة: الفلوس دي ليه؟

أجابها: خليهم معاكي.

رفعت حاجبيها: حضرتك بتديني فلوس عشان باخد بالي من الحاجة والبنت الصغيرة؟

ابتسم رشدي: اعتبريها كده اعتبريها هدية اللي نسيت أجيبها وأنا جاي.

هزت رأسها سريعا بنظر ذات معنى: لا، خليهم معاك، وابقى هاتلي الهدية وانت جاي المرة الجاية.

ثم ابتسمت بخفة: ولا أنت مش هتيجي تاني؟

ضحك ضحكة قصيرة بنظرة إعجاب: لا هاجي، أكيد هاجي.

ثم نظر إلى إسعاد: هو إنتوا سميتوا البنت إيه؟

هزت إسعاد رأسها: لا يا ابني لسه، دى يا دوب معانا من يومين ملحقناش نعمل حاجه، سميها إنت.

لمعت عيناه وقال فورا دون تردد: هسميها جنه!

ابتسمت اسعاد: حلو الاسم، ولايق عليها.

رفع عينيه نحو إسعاد: طب أنا عايز أشوفها.

ابتسمت إسعاد: هي جوه يا ابني، نايمه، والنبي متصحيهاش

طمأنها: متخافيش، مش هصحيها.

نهض من مكانه، واتجه إلى الغرفة بخطوات هادئة
دخل الغرفة، واقترب من الفراش الصغير كانت حور نائمة في هدوء.

انحنى نحوها، وحملها بين ذراعيه بحذر شديد ظل يتأمل وجهها طويلا

وبعد لحظات، بدأت تتحرك، بين يده، ثم فتحت عينيها ببطء، تجمد رشدي في مكانه، كانت تنظر إليه بعينيها ببراءة، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة لم يشعر بها وهمس: انتِ شبه مامتك بالظبط.

ظل يتأملها للحظات، ثم قال بصوت خافت: مضطر أخليكي معايا، عشان تبقي كارت الحماية.

اقتربت الصغيرة من صدره، بينما ظل هو ينظر إليها بصمت ولأول مرة.. لم يرَ فيها مجرد ورقة ضغط.
رآها طفلة صغيرة لا ذنب لها في أي شيء.

باااك

عاد رشدي من ذكرياته، وأطلق زفرة طويلة: ومن يومها، وأنا واخد بالي منها.

خفض عينيه للحظة، ثم تابع: الفترة اللي أنت كنت عمال تراقبنا فيها، كنت بضطر أبعتلهم فلوس بس عن طريق وسيط..

رفع عينيه نحو سليم: قعدت حوالي سنتين مبروحش ليهم، لحد ما إنت فقدت الأمل وبطلت تراقبنا رجعت ازورها بس كنت باخد احتياطاتي 

صمت لحظة.

ثم قال بصدق واضح: صدقني أنا حبيتها أوي..

ابتسم ابتسامة باهتة: يمكن في الأول كنت عايزها حماية ليا منك، بس بعد كده؟

هز رأسه بدهشة من نفسه: حبيت بنت أكتر واحد أنا بكرهه في حياتي، مش عارف إزاي؟!

سألته ماسة بفضول: بس حور قالت إن هي كانت بتكلمنا في التليفون، وبنبعتلها جوابات وأننا كنا مسافرين...

أومأ بتوضيح: أنا اللي كنت بكلمها مع رحمة، يعني مكنتش عايز أحسسها إن أبوها وأمها ميتين، مع إن دي كانت أسهل وأفضل...

صمت لوهلو ومد وجهه بإستغراب من نفسه تابع: أنا نفسي مش عارف ليه عملت كده؟! يمكن ربنا خلاني أعمل كده عشان الوقت ده، وتقدروا تتعاملوا مع البنت بسهولة..

قاطعه مكي، وقد عقد حاجبيه بتهكم: سيبك بقى من الكلمتين دول، أنا عايز أفهم، كنت بتهرب من المراقبة إزاي وبتروحلها؟

أومأ رشدي: كنت بروح الفندق اللي واخد فيه السويت..

ابتسم بسخرية: طبعا بالنسبة لكم كنت قاعد فوق، مقضيها مع واحدة..

ثم تابع موضحا: بس أنا بعد ما بدخل، كنت بغير هدومي، وألبس لبس يخفيني، وأخرج من الباب الخلفي، بعدين كنت بركب تاكسي لحد مكان معين كنت راكن فيه عربيه قديمة واروحلها بيها.

نظرت ماسة إليه بدهشة: بس البنت قالت إنها كانت بتروح أماكن حلوة يعني كنت بتظهر معاها!

ابتسم رشدي: الكلام ده حصل مؤخرا لما سليم بقى كل تركيزه معاكي، ورفع المراقبات من علينا كلنا.

أضاف بدهاء: وبعدين لما الواحد بيعمل حاجة في وسط إحتياطات زيادة، بيبقى عليه العين، لكن لما يعملها في عز النهار قدام الناس، وقتها محدش بيتخيل إنه بيعمل حاجة غلط.

ساد الصمت.

ظل سليم ينظر إليه طويلا، وملامحه تحمل خليطا من الغضب والخذلان والحيرة.

ثم قال ببرود وهو يشير بيده: تفتكر بعد اللي إنت قولته ده ممكن يشفعلك وأسامحك؟

رفع عينيه إليه، وقال بمرارة ممزوجة بالسخرية: ومين قالك إني طالب منك المسامحه؟ 

تابع بغضب بعينين غامت بالسواد: اللي بينا بقى بحر دم كبير، بعد اللي عملته معايا اوعى تفتكر خلصت؟ أنا مش هرتاح إلا وأنا حارق قلبك زي ماحرقت قلبي على مي.

رد مسرعا وكأنه يزيل اتهاما قائلا بضجر وهو يتوقف: لازم تفهم إن إنت اللي بدأت بحر الدم ده، وأنا كنت مجرد رد فعل.

أجابه رشدي من بين أسنانة بغل: بس ماسة لسه معاك في حياتك، لسه في إيدك...

تغيرت ملامحه، وأصبح صوته أكثر اختناقا بعينين اغرورقت بالدموع توقف أمامه: لكن أنا خلاص حياتي انتهت، أنا مكانش عندي غير مي، وهي مستحيل ترجعلي وتسامح بعد اللى قولتهولها.

صمت لحظة، ثم تابع بضعف يظهر لأول مرة أمام سليم بعينين تلمع بالدموع: أنا كنت ناوي أتغير، كنت ماشي في الطريق ده، كنت هاخدها وأسافر.

رفع عينيه نحو ماسة وكأنه يعاتبها من بين أسنانه بازدراء: كام مرة قولتلك ياماسة؟ أنا مش عايز أؤذيكي، ومش عايز منك حاجة، خليكي معايا، أنا أكتر واحد أقدر أحميكي أكتر من سليم نفسه، لأني عارف وساختهم.

شدت فكها، وردت بحدة: كنت عايزني أسمع كلامك وأأمنلك إزاي بعد كل اللي عملته فيا؟

اقتربت منه قليلا، وقد بدأت نبرتها ترتفع بوجع سنين: إنت متعرفش أنا عشت في إيه بسببك؟! متعرفش أنا اتعذبت قد إيه؟! ومريت بإيه؟! 

اهتزت نبرتها وهي تضيف بقهر وكأنها تتذكر تلك الأيام العصيبة: أنا نمت ثلاث أيام في الشارع بسببك، اتعرضت للاغتصاب تاني بسببك، وكنت هقتل بسببك، إنت عيشتني في خوف ورعب سنين، أنا كنت بحلم بكوابيس وأنا صاحية، كرهتني في الإنسان الوحيد اللي حبني وعطف عليا، طبيعي مكنتش هصدقك ولا كنت هأمنلك، ولما دافعت عنك قصاد سليم، لما بدأت أصدق فعلا إنك اتغيرت.. انت خنقتني.

قاطعها مدافعا عن نفسه: أنا لما خنقتك، إنتِ عارفة أنا خنقتك ليه؟ انت اللي استفزتيني يا ماسة أنا مكنتش عايز أعمل كده، وبعدين وقتها مكنتش اتغيرت التغيير اللي يخليني أقدر أمسك نفسي، دافعت عنك قصاد سليم، حتى مي، هانت عليكي تعملي فيها كده بعد اللي عملته معاكي؟! جالها انهيار بسبب اللي قاله جوزك

رمشت بعينيها بضعف، فرمقها سليم، وحين شعر أن رشدي بدأ يسحب ماسة عنده، صاح به وعيناه لا تفارقنة: كلامك معايا أنا يا رشدي، كان ممكن تعمل ألف حاجة غير إنك تخنقها..

اقترب منه أكثر وقال دون رحمة: لكن أنت عملت الحاجه اللي تليق بشخصيتك..

شد رشدي على فكه، بينما أكمل سليم بنبرة بها اهتزاز موجوع: وبعدين إنت كنت بتعاقبني أنا ليه؟ ليه مارحتش عاقبتهم هما؟

أشار بيده نحوه بعينين تلمع بدموع تأبى أن تهبط: ليه فضلت تعاقبني على تربيتهم ليك وحقدهم عليك؟ وأنا زي زيك.

صمت لحظة، ثم قال بصوت أثقل: ولا إنت فاكر إني عشت في نعيم عيلة الراوي، ودقت حضنهم! واتمتعت بالحنان؟

ابتسم بسخرية مريرة و اغرورقت عينه بالدموع واصل بصوت متهدج: أنا كنت عايش في خوف.

نظر رشدي إليه باهتمام، بينما تابع هو بقهر: أنا كان بيعدي عليا أيام مابدوقش فيها طعم النوم، ولا بخرج حتى من أوضتي، كنت بفضل أذاكر وأفكر إزاي أحل المشكلة اللي الباشا قالى حلها، وانتم كلكم كنتوا بتخرجوا وتروحوا الملاهي، وتلعبوا وأنا محبوس في أوضتي.

خفض عينيه للحظة، وكأنه يرى طفلاً صغيراً أمامه:
كنت بحبس نفسي في الأوضة عشان أذاكر، عشان كنت خايف أتعاقب زيك.. كنت دايماً خايف لو سقطت، لو اتأخرت هتعاقب، كنت بحرم نفسي من الخروج لأني خايف.. أفشل

رمش رشدي بعينيه، حاول ألا يهتز تحت وطأة تلك الكلمات، بينما مال سليم برأسه قليلا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة موجوعة: انت كنت عايش معاهم سنين يا رشدي، لكن أنا، من وأنا عندي حداشر سنة سافروني ورموني في أمريكا لوحدي..

ابتلع غصته المرة، ثم أكمل: وفي كل زيارة كانوا بيقولولى  لو فشلت هتبقى زي رشدي، هنحرمك من عفت ومكي، هتفضل لوحدك، فضل الخوف جوايا حتى وأنا هناك لوحدي.. 

هز رأسه وهو يمسح دمعة سقطت رغما عنه: أنا عشت حياتك، بس بشكل مختلف.

رفع عينيه إليه بوجع قطع نياط قلبه: هما كانوا بيكسروك بنجاحي وأنا كانوا بيقتلوني بفشلك،

ساد الصمت للحظات، صمت بدا مختلفا هذه المرة.

سليم يتحدث للمرة الأولى عن أشياء ظل يحملها داخله لسنوات، أشياء لم يحكها لأحد، وربما لم يسمح لنفسه حتى بالاعتراف بحجم الوجع الذي تركته بداخله.

أما رشدي، فكان يستمع إليه للمرة الأولى دون أن يقاطعه أو يحاول الدفاع عن نفسه.

ظل ينظر إليه في صمت، وقد بدأت ملامحه تفقد شيئا من حدتها، كان يعرف أن الوقت قد حان للعتاب وقت أن يقول كلا منهما ما أخفاه طويلا في قلبه من وجع، وخوف، وحقد، ومن أحلام حُطمت قبل أن ترى النور.

ووسط كل ذلك، كانت هناك حقيقة واحدة تجمعهما رغم كل شيء.. 

أن عزت وفايزة لم يكونا مجرد جزء من ماضيهما، بل كانا سببا كبيرا في أن يصبح الاثنان مشوهين إلى هذا الحد

كلا منهما خرج من البيت نفسه لكن بجراح مختلفة..
سليم حمل خوفا..ورشدي حمل غضبا

وفي النهاية، بدلا من أن يواجه أي منهما من تسبب في كسرهما..وقف كل واحد منهما يكسر الآخر.

ثم قال بوضوح موجع معاتب: بس عمري ما فكرت أقتلك. عمري ما فكرت أؤذيك يا خويا.

ضحك رشدي بمرارة ساخطه: إنت ما أذتنيش، إنت اكتر واحد أذتني، لما كنت بتذلني وتمد إيدك عليا؟ بدل ماتاخدني في حضنك وتفهمني غلطتي

رفع عينيه إليه معارضابحدة: على أساس إن اغلاطك كانت عادية! 

انفجر غضبه واصل: إنت كنت بتغتصب يا رشدي! كنت بتقتل! بسببك واحدة اتجوزت واحد من رجالتنا وعايشة حياة بائسة، والتانية انتحرت!

ارتفعت نبرته أكثر: وصلت إن واحدة تنتحر بسبب اللي إنت عملته فيها!

أشار إليه بعصبية: شوهت ناس، قتلت مستقبل شباب في أول مستقبلهم، دي كانت عمايل طبيعية؟ مطلوب فيها اني اتعامل عادي؟!

تنفس بعنف، ثم أضاف: وبعدين أنا كنت بعمل فيك إيه؟ بزعقلك؟ بضربك قلم؟ كسرت صباعك؟

قالها بشجن مقهور: دي ولا حاجة قصاد اللي إنت عملته فيا..

ثبت عينيه بعينه، اضاف بصوت خرج مثقلا بكل ما تراكم داخله: لو أنا اذيتك قيراط فأنت آذتني الف..

اقترب منه أكثر، وكانت عيناه تحترقان بالألم، وكأن كل كلمة تخرج منه تنتزع جرحا قديما من مكانه.

رفع يده، وضرب بها على صدره: كنت بتتفنن في وجعي كنت بتقعد تفكر وتخطط إزاي تأذي سليم وتخرب حياته..

ضحك ضحكة موجوعة بلا فرحة: لو كنت حطيت كل المجهود اللي حطيته في تدميري في إنك تحسن من نفسك؟! كنت هتبقى أحسن مني..

ظل رشدي صامتا كحجر، يأبى أن يعترف بأنه ظلمه، وأنه حتى إن كان قد قسى على سليم، فما فعله سليم به كان أكبر، بينما تابع سليم بعتاب: كام مرة؟
كام مرة جيتلك يا رشدي بعد الحادثة وقولتلك: أنا مستعد أقعدك على الكرسي مكاني؟ وإنت ما رضيتش.

ثم قال بمرارة: كملت في جحودك، وفضلت تذلني إني مابخلفش، وتعايرني بالعجز اللي كان في رجلي.

هز رأسه، وكأنه يحاول فعلا أن يتذكر شيئا جيدا: يا أخي أنا بحاول والله أفتكرلك حاجة كويسة عملتها معايا مش فاكرلك..

ثم تابع بصوت أكثر ألما: ده أنا وقفت قصاد الرصاص عشان أدافع عنك، ما فكرتش مرتين وأنا باخدها مكانك كل اللي فكرت فيه وقتها أنك أخويا.

اقترب خطوة أخرى قائلا بسخط: ويا ريتك كنت دمرتني أنا بس..

تغيرت ملامح رشدي عقد حاجبيه متعجبا، تابع بصوت متهدج: إنت دمرت إنسانة تانية مالهاش أي ذنب غير إنها مراتي.

سكت للحظات، وكأنه يعجز عن إخراج ما تبقى من الكلام: إنت ما تعرفش هي عانت إزاي؟! وماتعرفش أنا عملت فيها إيه؟!

رد عليه وكأنه يحاول إقناع نفسه قبل أن يقنع سليم، قال بجمود دون أن ينظر نحوه: كل حرب لازم يكون ليها ضحايا.. وهي كانت ضحية.

تنفس سليم بعمق، ثم قال باستفزاز ممزوج بالوجع:
ضحايا؟ تمام، عندي سؤال.. ما دام انت جامد كده، بتعرف تاخد حقك وتقعد وتخطط وترسم مافكرتش ليه تاخد حقك من فايزة وعزت؟ السبب الأساسي في تدميرنا..

اقترب منه هو يركز النظر في عينه متسائلا: كنت عاقبهم هما على إهمالهم وعدم حبهم ليك، وعلى كل اللي كسروك بيه.

استمع رشدي إليه بصمت غريب لم يقاطعه، لم يسخر لم يدافع عن نفسه كان يعرف أن أخطاءه كانت كبيرة... لكنه كان يرى في كلمات سليم شيئا يشبه وجعه هو أيضا.

اقترب سليم أكثر، حتى أصبح أمامه مباشرة، كانت عيناه محمرتين، ممتلئتين بالدموع، لكن صوته خرج واهناً هذه المرة، لا غاضبا.. صوت أخ يحاول للمرة الأخيرة أن يفهم لماذا فعل شقيقه كل ذلك به، رغم أنه ذاق الأهوال مثله..
رد عليا.. قولي ليه؟

سقطت دمعة على خده لكنه لم يهتم، بل هجم عليه وأمسكه من قميصه، صاح به وهو يهزه بغضب:
ليه ما عاقبتهمش زي ما عاقبتني؟!

نظر له رشدي للحظة بعينين تلمعان بالدموع، ثم خفض عينيه وظل صامتا طويلا،وكأن الإجابة نفسها كانت أكثر شيء يخشاه أن يقوله.

وبعد لحظات، خرج صوته خافتا: كان عندي هاجس...

قطب سليم وجهه متعجبا، بينما تنفس رشدي ببطء بعينين تلمعان بالدموع وتابع: لو انت مابقيتش موجود كنت هتشاف..

ابتلع تلك الغصة المره التي تكونت في حلقة تابع بقهر وهو يشير لنفسه: كنت بدور على نظرة حب،
نظرة احترام، إن حد يحس بوجودي، عارف إن أخطائي كانت كبيرة أوي..

توقف لحظة، ثم تابع بقهر بنبرة مهتزة: بس أنا ماتعلمتش غير كده...

نظر له بعينين مشتعلتين بضجر ⁦  كنت عايزني أعمل معاك إيه؟ إيه اللي كان ممكن أعمله بعد كل اللي اتعلمته منهم؟ إنت عارف يعني إيه ما تبقاش متشاف؟ وتفضل طول عمرك مستني لحظة واحدة بس... لحظة تحس فيها إنك بني آدم؟! 

ارتجف صوته: أنا كمان كنت خايف وموجوع، عشت سنين نفسي ألاقي حد يحبني.

ابتسم ابتسامة باهتة: بس ما لقتش.

ثم أشار إليه بغيرة تلقائيه: على الأقل إنت كان عندك ياسين... فريدة... مكي... عفت... وبعدها ماسة وأهلها.

توقفت أنفاسه قليلا: لكن أنا؟ لا.

مسح دموعه موضحا بوجع عصف قلبه: أنا لو أذيتك! فأذيتك لأني ما تعلمتش غير كده، ماتعلمتش أحبك، ولا أحب حد، ماتعلمتش غير إني أكرهك، وإني لو اتخلصت منك بالطريقة دي! ممكن أشوف في عينيهم... ولو مرة واحدة نظره حب واحترام.

كان سليم يستمع إليه بصمت، لم يهتز لحديثه.. فما فعله رشدي كان أكبر من أن يجعل سليم يلين.

بينما ماسة كانت تستمع وهي تشعر بالوجع من أجلهما.. كلا منهما فعل بالآخر ما فعله من أجل وجعه. نعم، رشدي تعدى حدود العقل، لكنها شعرت بأسبابه ووجعه.

بينما مكي كان يستمع بصمت، لم يظهر عليه أي شيء..

رفع رشدي رأسه فجأة، وكأنه يعترف بشيء كان يخجل منه: أنا ندمت بعد الحادثة، كنت بحس بمرارة كل مرة تيجي تقولى: تعالى نفتح صفحة جديدة. وأنا عارف جوايا إن خلاص ما بقاش ينفع..

ثم هز رأسه بحيرة: وصدقني، مش عارف أنا ليه عملت كده في ماسة.

ارتعشت نبرته: شيطاني كان مسيطر عليا.

ساد الصمت.

مالت شفتا سليم بمرارة وهو يقول: عملت كل ده عشان يشوفوك؟! بس صدقني ما كانوش هيشوفوك.

رفع رشدي عينيه إليه تابع سليم: كانوا هيشوفوا ياسين، كنت هتفضل مهمش، ولا كنت برضوا هتتفنن في أذى ياسين؟!

ظل رشدي صامتا، وكأن الجملة أصابت شيئا بداخله.

وبعد لحظات، أومأ برأسه ببطء: عندك حق ما كانوش هيشوفني..

ثم رفع عينيه إليه من جديد، وقال بمرارة: بس قبل ماتعاقبني... كنت عاقب فايزة هي كمان..

تجمدت ملامح سليم، وظلت عيناه معلقتين به.
تابع رشدي بصوت يحمل مرارة واضحة: قعدت معايا على نفس الترابيزة، ووافقت على قتلك إنت ومراتك وبنتك

صمت لحظة، ثم قال بسخط: تفتكر لما أم تقبل تعمل كده في ابنها، وتقعد تفكر معايا إزاي تأذيك وتوجعك بمراتك وتخرب حياتك! أنا مش هوافق لها وأبصم بالعشرة.. لازم تعاقبهم زي ما عاقبتني لاني ما اذيتكش لوحدي ياسليم 

هبطت دمعة وحيدة على وجهه، لكنه لم يمسحها.
بدا الألم وكأنه وصل إلى مكان أعمق من أن يخفيه، حتى غص قلبه: إنت عندك حق، لو أم عملت كده في ابنها، طبيعي اي حد ممكن يعمل كده؟!

فرفع وجهه قليلا وقال إبتسامة لها معنى:
بس مين قال لك إني ما عاقبتهمش؟

رفع رشدي عينيه إليه، وضيقهما باستغراب، لم يجبه سليم مباشرة.

اكتفى بنظرة طويلة، تبادل النظرات بصمت، فجأة اتسعت عينا رشدي للحظة، ثم ضحك ضحكة قصيرة مشوبة بالصدمة فقد فهم قال: إنت؟ إنت اللي كنت بتعمل كل ده؟

ضحك مرة أخرى، ولكن هذه المرة بسخرية:
كان لازم أفهم... إزاي كنت غبي كده؟

مرر يده على وجهه: طبيعي كل الكوارث دي ماتحصلش، وإنت ما تعملش حاجة. كان لازم تكون وراها. بس والله برافو عليك لعبتها صح خبيث برضو انت يا سليم..

صمت لوهلة ومد وجهه بحزن ثم نظر إليه بعتاب: بس إنت برضوا ما كانش ينفع تعمل فيا كده يا سليم؟! كنت سيبها لي ما كانش عندي غيرها لكن انت عندك كثير..

رفع عينيه إليه موضحا: أنا ما عملتش حاجة، أنا رحت قولت لمراتك الحقيقة، مش أكتر من الحقيقة.

تابع بلا مبالاة: هي بقى تختار تسامح أو ما تسامحش ده قرارها.

أومأ رأسه بغضب وهو يرد: مش هتسامح، لكن انت ماسة سامحتك..

ابتسمت نصف ابتسامة ساخرة على وجه سليم قائلا إنت بتقول: إن ماسة سامحتني؟

ضحك بمرارة: أنا حياتي أنا وماسة فضلت خمس سنين خراب بسببكم. وسنتين كاملين وأنا بتذلل لها عشان تسامحني على حاجة أنا أصلا ما كنتش أعرفها..

نظر إليه مباشرة: أنا بس كنت عايز أخليك تدوق اللي أنا دوقته، مش أكتر.

ثم تغيرت نبرته، وأصبحت أكثر حسما: دلوقتي أنا كمان عرفت إنك كنت عارف مكان بنتي فبقى حسابك حسابين واحد منهم اخدته رغم انه ما دواش قلبي بس يكفي ان انا شايفك دلوقتي واقف قصادي مذلول مكسور لكن موضوع بنتي اللي انا اكتشفته دلوقتي ده..

أخذ نفسا عميقا: مش هاحسبك عليه، هكرمك وهخليك تمشي من هنا حي عشان بنتي بتحبك.

صمت قليلا، ثم أضاف: زي ما قولت، يمكن لولا الموقف اللي إنت عملته، كانت ماتت..

ثم ثبّت عينيه عليه بنظره شرسة بعينين تحمل كرها: لكن غير كده يا رشدي، اللي بينا فعلا بقى بحر دم.

وأشار بيده نحو الباب: يلا امشي.

وأضاف بنبرة تهديد هادئة: عشان صدقني، أنا مش عارف بعد شوية شيطاني ممكن يخليني أعمل إيه.

لكن رشدي صاح خلفه: وأنا بقولك اقتلني يا سليم!

توقف سليم، لكنه لم يلتفت. تابع رشدي بصوت أكثر انفعالا: عشان لو خرجت من هنا حي، هقتلك. هقعد أفكر وأتفنن في حاجة تكسرك تاني.

استدار سليم ببطء بنبرة حازمة: امشي يا رشدي بقولك..

رفع رشدي صوته بحزم: وأنا بقولك اقتلني! أحسنلك!

وفجأة، اندفع رشدي نحو المسدس المُلقى على الأرض والتقطه.

لم يكن أحد يستوعب ما يحدث، بينما تحرك مكي بسرعة ووقف أمام سليم كدرعٍ يحميه، رغم الضربة التي تلقاها في رأسه. ثم أخرج مسدسه وصوّبه نحو رشدي، وصاح في وجهه وهو يشهر سلاحه: أنزل سلاحك يا رشدي! إياك أن تطلق النار!

وضعت ماسة يدها على خدها برعب وهي تصرخ: سليم!

أما سليم، فلم يهتز له جفن، مد يده بهدوء وأمسك كتف مكي من الخلف، وأعاده خطوة إلى الوراء، وقال بنبرة هادئة مسيطرة: مكي... ارجع. محدش يتدخل 

نظر له باعتراض: هو ايه ده.

سليم بحسم: قولت محدش يدخل.

تردد مكي للحظة، وعيناه معلقتان بالمسدس الذي في يد رشدي، لكنه انصاع لأمر سليم وتراجع خطوة إلى الخلف وهو لا يزال مصوبًا سلاحه نحوه.

عاد رشدي إليه مسرعا، أمسك يد سليم، ووضع المسدس داخلها، ثم رفعها ووضع فوهته فوق رأسه.
اقتلني. 

ظل سليم ثابتا، لا يرتجف، نظر في عينيه طويلا، ثم ابتسم ابتسامة باردة، وبحركة واحدة مفاجئة فتح خزنة المسدس ونثر الرصاص كله على الأرض.
تناثر الرصاص على الرخام.

ثم رمى المسدس الفارغ في وجه رشدي وقال بهدوء: إنت عارف إني مش هعمل كدة.. أنت عارف القانون.. القتل راحة، سيب عدوك عايش متعذب

ارتعشت ملامح رشدي بغضب وهو يجز على أسنانه، بينما ظل مكي واقفا أمامه، يحمي سليم بجسده.

تابع سليم متعمدا استفزاز ه: مش هقتلك، إنت هتفضل عايش شايل ذنبك وذنب مي؟! زي ما أنا شلت ذنب بنتي خمس سنين وأنا فاكر إنها ماتت بسببي..

قبض على ذراع رشدي بقوة، واقترب منه حتى أصبح وجهه أمام وجهه، ثم همس بفحيح:
بس قبل ما تمشي هتصلح اللي هببته.

ارتعشت ملامح رشدي قليلا متعجبا، بينما تابع سليم:
أنا هطلع أجيب حور، وانت هتقول لها إننا ما كناش بنضرب بعض وإننا وقعنا وقعة كبيرة وإحنا بنلعب و بنهزر.

صمت رشدي للحظات، ثم قال بابتسامة مستفزة: وأنا ليه أعمل كده! ما أسيبك تتعذب شوية خليها فاكرة إنك مزعلني منك.

حدق به سليم باحتقار، ثم قال: مش هقولك غير كلمة واحدة، اعمل حاجة واحدة كويسة في حياتك.

صمت لحظة، ثم قال بصوت خافض موجوع:
مش عشاني، على الأقل عشان البنت، اديك إ.. شفت كانت مبسوطة إزاي؟ خليها تفضل فرحانة.

ظل رشدي صامتا لبعض الوقت، يفكر في كلامه، ثم تنهد وقال: ماشي.

رفع سليم عينيه إلى ماسة، وقال: ماسة... روحي هاتي حور.

أومأت ماسة وتحركت إلى الخارج.

نظر رشدي إلى سليم، ثم قال بنبرة تهديدية ممزوجة بالسخرية، وكأنه يذكره أن الحرب لم تنتهِ بعد:
أنا هعتذر للبنت وهفهمها كل حاجة، بس أنا مش هسيبك.

اقترب خطوة وهو ينظر نحو مكي: يمكن أبدأ بحبيب القلب وأخليك تبكي عليه.

رفع سليم عينيه إليه، وكانت نظرته حادة لا تحمل ذرة خوف: جرّب،شوف سليم ممكن يعمل ايه اوعى تنسى بقى عندك ال  تخاف عليه

وقبل أن يرد رشدي، سمعا خطوات صغيرة تقترب.

التفت الجميع نحو الباب ظهرت ماسة، وكانت تمسك بيد حور وما إن وقعت عينا الصغيرة على رشدي حتى أشرقت ملامحها، وتركت يد ماسة وركضت نحوه: رشدددد ي!

سحب مكي المسدس ووضعوه في خصره مسرعا، اما سليم دفع  المسدس الملقى أرضا بقدمه بعيدا، بينما انحنى رشدي سريعا وفتح ذراعيه لها، فاندفعت إلى حضنه. احتضنها بقوة، ثم حملها بين ذراعيه وهو يبتسم: عاملة إيه يا جنتي؟

ضحكت الصغيرة: كويسة... إنت وحشتني خالص!

ضمها إليه أكثر: وإنتِ كمان وحشتيني أوي.

ابتعدت قليلا وهي تمسك بوجهه: تعالى أوريك أنا وسوستا عملنا إيه! عملنا أسورة وخاتم حلوين أوي.

رفع رشدي حاجبه: سوسته مين؟

ضحكت: سلوى.

ابتسم رشدي: سوسكا أم نمش؟

ضحكت حور، ثم عقدت حاجبيها فجأة وقالت: أنا زعلانة منك.

تغيرت ملامحه: ليه يا حبيبتي؟

مدت شفتيها بطفولة: عشان إنت ما قولتليش إن عندي خالتو حلوة وخالو وتيتة... وإن عندي ناس كتير.

ابتسم رشدي بحزن: يا حبيبتي، ما هم كانوا مسافرين مع بابا وماما..

ثم حاول تغيير الموضوع: بصي، أنا همشي دلوقتي عشان عندي مشوار.

تشبثت برقبته بسرعة: لأ! إنت وحشتني اقعد العب معايا وبات معايا.

نظر رشدي إلى سليم للحظة، ثم عاد إليها: هروح المشوار ده وهاجي أبات معاكي.

ابتسمت الصغيرة بسعادة: بجد؟

أومأ بجد.

ثم تذكر ما اتفق عليه مع سليم، فقال: بس أنا كنت عايز أقولك على حاجة أنا وبابا ما كناش بنضرب بعض.

نظرت حور إلى سليم ثم عادت إليه: أمال

أومأ بتفسير: آه. أنا وبابا إخوات وبنحب بعض خالص..
ثم أشار إلى المكتب المحطم: كنا بنلعب ووقعنا جامد..

نظرت حور حولها إلى الفوضى، واتسعت عيناها: وقعتوا إزاي؟!

ضحك رشدي: كنا بنلعب بوكس.

قالت بدهشة: بوكس؟!

التفتت ماسة إلى حور وقالت بلطف: شفتي بقى يا حوري؟ انتِ زعلتي من بابا، وزعلتيه منك لما قولتي له كلام ما ينفعش يتقال وهو ما عملش اي حاجه لرشدي.

هزت حور رأسها، ثم نظرت إلى سليم بعتذار: بابا؟ ما تزعلش مني أنا اسفة.

ارتسمت على وجهه ابتسامة موجوعة: مش زعلان، يا قلبي.

رفعت ذراعيها نحوه، فاقترب منها حملها واحتضنها، بينما ظل رشدي واقفا يراقبهما في صمت.

وفي عينيه، للمرة الأولى منذ سنوات، لم يكن هناك غضب، كان هناك شيءٌ من الوعيد.

رشدي بتهديد: أنا ماشي بس راجعلك تاني.

ثم تحرك للخارج بصمت.

مكي باستهجان قائلاً بالانجليزيه: أنا غير مطمئن لخروج رشدي هكذا، هو لم يهدئ ولم ينسَ ولم يغفر.

تابع بغضب بالعربي: أنا هروح أجيبه وأحطه في المخزن جنب أخته؟

أومأ سليم برفض: لا ضعه تحت المراقبة فقط اريدة بالخارج.

رد باستهجان غاضب: وإنت عايزه بره ليه؟ ماخلاص كل حاجة انتهت خلينا نربيه على اللي عمله.

أجابه بالانجليزيه: ليس من أجله بل من أجل حور

ماسة بتاكيد: بالظبط كده يا مكي، مش هينفع، كفايه لحد كده مشاكل وانتقام. 

مكي بضجر: بس هو مش هيسكت 

سليم بهدوء: خلينا نستنى ونشوف هيعمل ايه؟! كده كده خلاص بقينا وخدين حذرنا.

حور تساءلت: انتوا بتقولوا ايه؟!.

تبسم سليم وهو يقبلها: بسأله هيخلص الاوضه امتى؟!

تصنع مكي الابتسامه: ما انا قولتلكم باقى يومين. 

نظرت ماسة حولها باختناق وهي تقول: تعالوا نخرج من الأوضة دي، مش عايزة أقعد فيها.

أومأوا بإيجاب وتحركوا



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة