
رواية جحيم آل مارينتوس الفصل التاسع عشر 19 بقلم سارة بركات
" كنت أتمنى أن ينهار عالمي مُقابل أن لا ترحلي"
كان سايلِس يسير بشوارع روسيا مُمسكًا بيد سيلفانا، والتي كانت شاردة قليلاً في أمر صديقتها، ولكنها استفاقت على صوته:
- كما سمعتِ الطبيب قبل قليل، ممنوعٌ الكحول وتناولي أدويتكِ بشكلٍ مُستمر.
أومأت بهدوء وعادت إلى شرودها من جديد؛ ليضغط سايلِس على يدها برفقٍ قائلا:
- ما بكِ؟
أردفت سيلفانا بتشتت:
- لا أدري، إن جوداء لا تُجيب؛ فأنا منذ الصباح أحاول الإتصال بها عبر وسائل التواصل الإجتماعي .. مكالماتي لا تصلُ إليها، كما أنني أرسل لها الرسائل منذ أن ذهبت للهند منذ يومين ورسائلي لا تصل إليها أيضًا.
أردف سايلِس بهدوء:
- من الممكن أن يكون المكان الذي هي به لا يوجد به وسيلة انترنت عزيزتي .. لا تقلقي.
زفرت ببطء كأنها تحاول أن تطمئن بكلماته تلك .. توقفت حينما توقفت سايلِس هو الآخر، ليجذبها نحوه حتى تنعدم المسافة بينهما؛ ليقول بدفء وهو يمرر يده ببطء على وجنتها:
- إهدأي عزيزتي، دعينا نستمتع بوجودنا هُنا في روسيا.
قال تلك الكلمات وهو ينظر في عمقِ عينيها .. لتقول سيلفانا بقلق:
- أعتذر حقًا سايلِس لأنني أُشغلكَ بحياتي وأمور صديقتي .. ولكنني قلقة عليها حقًا.
ابتسم سايلِس بهدوء ليقول:
- لا تقلقي، إن السيد ديميتري مارينتوس معها.
عقدت سيلفانا حاجبيها بعدم فهم .. ليقول سايلِس مُوضحًا:
- أجل، كما سمعتي! .. لقد قام السيد ديميتري مارينتوس بإلغاء جميع اجتماعاته مع الشركات المُستثمرة في مشروعه الجديد لأجل ذهابه للهند.
عقد سايلِس حاجبيه بتفكير ليستأنف:
- كان عُذره أنه قد تم دعوته إلى زفاف أحدهم.
هدأت ملامح سيلفانا قليلاً وانتبه سايلِس على ذلك، ثم ابتسمت قائلة بهدوء:
- حقًا؟ ذهبا سويًا؟!
- أعتقد ذلك.
زفرت بارتياح، ليرفع سايلِس أحد حاجبيه بحيرة ليقول:
- ماذا؟ هل هُناك شيءٌ بينهما؟
نفت برأسها قائلةً:
- لا يوجد شيءٌ بينهما، ولكنني أتمنى السعادة لجوداء بأي شكلٍ يَكُن.
رمقها سايلِس بهدوء ثم أردف قائلاً:
- هيا بنا، نسير قليلاً.
أومأت بابتسامة هادئة، ليسيرا سويًا حتى توقفا أمام متجرٍ فاخرٍ للملابس .. رمقته سيلفانا بعدم فهم؛ بينما تحدث سايلِس بتوضيح:
- أردتُ أن أشتري لكِ بعض الثياب.
أردفت باعتراض:
- لا، لقد اشتريت لي الكثير من الملابس في الآونة الأخيرة، هذا كثيرٌ حقًا.
قربها نحوه بهدوء قائلاً:
- هذا لا شيء، سيلفانا .. ثم أريدُكِ أن تعلمي أنني إذا علمتُ أنكِ تريدين نجوم السماء بأكملها لآتيت بها إليكِ.
ظللا ينظران لبعضهما لتلمع عينا سيلفانا بتأثر وسألته بصوتٍ خافت:
- لماذا تفعل ذلك، سايلِس؟
صمت سايلِس لثوانٍ ثم أردف بصوتٍ خفيض:
- ربما لأنكِ مختلفةٌ عن الجميع، سيلفانا .. أنتِ لستِ مثل غيركِ من النساء.
ترددت قليلاً قبل أن تسأله:
- كيف تراني؟
زفر سايلِس ببطء وظل ينظر في عمق عينيها كأنه يبحث عن إجابة:
- لا أدري، ولكن كل ما أعلمه أنني أريدُ أن أٌسعدَكِ .. أريد أن أرى ابتسامتكِ تلك.
وما أن أنهى كلماته حتى ارتسمت ابتسامة عفوية على شفتيها ليبتسم هو الآخر دون أن يشعر، ثم قال وهو يشير إلى المتجر:
- هيا بنا لندخل، واختاري كل مايُعجبكِ .. ولو أردتِ مني أن أشتري لكِ المتجر بأكمله سأفعل؛ فهذا لا شيء مُقابل ابتسامةٍ منكِ.
التمعت عينيها بدفء، وانعدمت المسافة بينهما حينما اندفعت سيلفانا إلى أحضانه وأسندت رأسها إلى صدره، ثم قالت بصدق:
- أحبك كثيرًا سايلِس.
تلك المرة قالت كلماتها وهي في كامل وعيها وأغمضت عينيها بابتسامةٍ دافئة، بينما ظل سايلِس واقفا في مكانه مُتشنج الجسد للحظات ولكن مرت ثوانٍ فقط وأرخى كتفيه ببطء وزفر طويلاً قبل أن يُحيطها بذراعيه بقوة وكأن عناقه ذلك هو الرد الوحيد الذي يستطيع أن يمحنها إياه مُقابل اعترافها له، وبقي صامتًا وعيناه معلقتين في الفراغ لم يكن يعرف مالذي يريده منها تحديدًا .. ولكن كل ما يعرفه أن فضوله نحوها قد طال أكثر مما ينبغي، لأنه منذ اللحظة الأولى التي تقابلا بها غموضها جذبه نحوها .. كانت قوية وشغوفة ومازالت .. حتى بعدما أخبرته سرها .. هُناك شيءٌ بداخلها مازال يجذبه نحوها لا يدري ما هو؛ فهو لا يتعلق بالنساء .. هو فقط يرميهن بعد أن ينال مُراده منهن، أما هي فقد كانت مُختلفة .. هل هي حقًا تهمه؟ شعرت سيلفانا به يشد ذراعيه حولها أكثر .. حتى خُيِّلَ لها أن ذلك العناق يحمل اعترافًا صامتًا بمشاعره .. أما سايلِس ظل يسأل نفسه عن مشاعره نحو سيلفانا .. ولماذا يضُمها بين ذراعيه؟ .. ولماذا كان لطيفًا ومتفهمًا معها بالصباح وأيضًا ليلة أمس؟ هل هو يريدُ ذلك حقًا؟ أم أنه أراد أن يعرف إلى أي مدى يمكن لإمرأة مثل سيلفانا أن تصبح متعلقةً به؟ وعند التفكير الأخير أظلمت عيناه بقسوة.
ابتعدت عنه سيلفانا قائلةً بابتسامة:
- هيا بنا.
ابتسم سايلِس بهدوء وشدد على يدها وجذبها خلفه داخل متجر الملابس ..
في إيطاليا:
كان ستيفانو يسير جوار جلوريا وهو ممسكٌ بيدها، حريصًا على أن يكون هادئًا في سيره لكي لا تصطدم بشيء ..
- لما لم تذهب لعملك ستيفانو؟
استفاق ستيفانو من شروده على سؤالها، في البداية عقد حاجبيه قليلاً بعدم فهم لتستأنف جلوريا وهي عاقدةً حاجبيها:
- هل أخذت أجازةً لأجلي؟
حمحم ستيفانو بسرعة ليقول:
- أجل حبيبتي، أردتُ البقاء بجانبكِ.
نفت جلوريا برأسها قائلة:
- لا ستيفانو من فضلك، لا تهدم مستقبلكَ لأجلي .. سأكون بخير، ولكن أنت يجب أن تعمل لأجل المال.
توقف ستيفانو لتتوقف هي الأُخرى وهي تنظر للفراغ ولكنه قربها نحوه بحذر ليقول بابتسامةٍ هادئة:
- لا تقلقي، سأعود هُناك بالغد.
زفرت جلوريا بارتياح لتقول:
- جيد، أريدكَ أن تصطحبني معك بالغد، أريد أن أتناول فطوري هُناك.
عقد ستيفانو حاجبيه بحيرة ليقول:
- سآتي لكِ أنا بطعام الفطور من المتجر.
هزت رأسها نافية لتقول بتوضيح:
- لا، فأنا أحب رائحة المخبوزات الشهية.
ثم احمرَّت وجنتيها خجلاً واستأنفت:
- حينما تكون مُختلطةً برائحة عطرك.
اتسعت ابتسامة ستيفانو ليرفع يدها التي يُمسكها نحو فمه ليُقبلها بدفءٍ ..
- حسنًا، ما رأيكِ بأن أصطبحكِ هُناك طوال اليوم؟ تجلسين فقط وتستنشقين الرائحة التي تحبينها؟
ارتجفت شفتيها وازداد خجلها ولم تستطع أن تقول شيئًا .. أكملا سيرهما بشوارع روما ليُشغلها ستيفانو قليلا بالحديث وذلك لأنها كانت قلقة مثل الآخرين على جوداء ..
في المساء:
كانت طائرة ديميتري تشق سماء إيطاليا، بينما ظل ديميتري غافيًا طوال الرحلة إلى جوار جوداء، وأصابعه متشابكة بأصابعها، لم يشعر ديميتري بأصابعها التي ضغطت على أصابعه برفق، ولا بجفنيها اللذان أخذا يرفان بتكاسل، بينما كانت جوداء تستعيد وعيها شيئًا فشيئًا وذلك دون أن تسحب يدها من يده، فتحت جوداء عينيها ببطء وظلت للحظات تحدق في السقف وكأنها تحاول أن تتذكر أين هي .. وبالفعل أخذ عقلها يستعيد تلك الأحداث السابقة شيئًا فشيئًا .. تذكرت الألم الشديد الذي كان ينهش جسدها، وكيف كان السيد ديميتري يقف خلفها محاولاً التحدث إليها، وبينما كانت تتمسك جيدًا بالسور محاولة تحمل ألمها لمحت شعاعٌ ضوئي صغير لونه أحمر ظهر من العدم ومر بمحاذاتها في اتجاه ديميتري، تجمدت أنفاسها للحظة، لم تفهم ما الذي رأته ولم تمنح نفسها فرصة للتفكير، كل ماتذكرته بعد ذلك أنها استدارت نحوه على الفور وفي ذلك الوقت كانت تفكر في شيءٍ واحد فقط .. "ديميتري" .. ولم تشعر بنفسها سوى وهي بين ذراعيه مُصابةً بطلقٍ ناري ولكن ألم الرصاصة لم يُضاهِ الألم الشديد الذي كان ينهش جسدها منذ البداية، ثم فقدت وعيها من هول الصدمة مما يحدث لها، ثم استفاقت في منتصف الطريق لتجد ديميتري يركض بها بين ذراعيه، وأنفاسه المُتسارعة تختلط بصوت خطواته فوق الطريق حدقت فيه للحظات بعدم استيعاب قبل أن تدرك مايحدث لها؛ لتصرخ بسبب ذلك الألم من جديد والذي أصبح شديدًا بشكلٍ مُبالغٍ فيه.
زفرت ببطء والتفتت بعينيها نحو الجهاز القريب منها والذي كان يصدر صفيرًا منتظمًا بينما أحاط قناع الأكسجين بفكها وشعرت بثقلٍ غريبٍ في جسدها جعلها عاجزة عن الحركة، حاولت أن تتذكر ماحدث بعد أن ركض ديميتري بها، لكن رأسها كان مُثقلا وذكرياتها متقطعة؛ حاولت تحريك أصابعها، فوجدت إحدى يديها متصلة بعدة أجهزة، بينما كانت الأخرى مُقيدةٌ بشيءٍ أحكم حركتها، فلم تستطع تحريكها سوى بقدرٍ ضئيلٍ، التفتت بعينيها في تلك الجهة لتتسع عينيها حينما رأت ديميتري مُستلقيًا إلى جوارها، واضعًا رأسه على فراشها، بينما ظل جسده مستندًا إلى كُرسية وكأنه غلبه النوم، توقفت أنفاسها للحظة وهي تتأمله بصمت ثم انخفض بصرها نحو أصابعهما المتشابكة، التمعت عينيها وانهمرت عبراتها وهزت رأسها نافيةً ببطء، حاولت سحب يدها بصعوبة ولكن ما أن حركت أصابعها حتى اشتدت أصابع ديميتري حولها بصورة عفوية، توقفت جوداء عن الحركة .. وأخذت تبحث بعينيها عن طريقة ما ليبتعد عنها، حتى وقع بصرها على زرٍ صغيرٍ بجانبها .. عقدت حاجبيها ثم حركت يدها الموصولة بالأحهزة بصعوبة وضغطت بخنصرها على ذلك الزر، صدر صوتٌ مُفاجئ جعل ديميتري ينتفض في نومته ورفع رأسه عن فراشها سريعًا خوفًأ من أن هناك خطرٌ ما قد أصابها، بينما بقيت أصابعهما مُتشابكة للحظات .. تقابلت نظراتهما .. عينيها الباكيتان وعينيه القلقتان .. ليقول ديميتري بصوتٍ أجش غلبه النعاس:
- جوداء، هل تشعرين بشيء؟
لم تُجيبه بل ظلت ترمُقه بهدوء، ولكن في اللحظة ذاتها اندفع داخل الغرفة الأطباء ليتراجع ديميتري ويترك يدها بتلقائية مانحًا إياهم المساحة لمتابعة عملهم، بينما ظل واقفًا إلى جوارها، يتابع حركتهم بعينين قلقتين .. قامت إحدى الممرضات بنزع قناع الأكسجين عن فكها، بعدما اطمأنت على استقرار تنفسها:
- هل أنتِ بخير، سيدتي؟
حركت جوداء شفتيها ببطء كأنها تحاول استعادة قدرتها على الحديث لتقول بصوتٍ خفيض:
- أجل، أريدُ الماء.
تحرك ديميتري فورًا نحو إحدى زجاجات المياة ليصُب الماء داخل الكوب ثم عاد إليها واقترب من فراشها، كاد أن يمُدَّ يده الأخرى نحوها ليرفع رأسها، إلا أنها أردفت بصوتٍ خفيض:
- ليس أنت، من فضلك.
تجمدت يد ديميتري في الهواء ظل للحظات ينظر إليها دون أن يتحدث قبل أن يتذكر الوضع بينهما .. أنزل يده ببطء وتراجع خطوة ثم ناول الُممرضة الكوب لكي تُساعدها على شُرب الماء، بينما ظلت عينيها معلقتان عليها وهي تشرب المياة ببطء ..
- ديميتري.
التفت للخلف لينتبه على دييجو الواقف بالقرب من الباب، اقترب نحوه ليتحدث دييجو بهدوء ..
- من أن أصبحنا نُحَلِق بسماء إيطاليا، لم يتوقف هاتفها عن إرسال الإشعارات.
قال تلك الكلمات وهو يُعطي الهاتف لديميتري، أومأ ديميتري بهدوء ثم استأنف دييجو حديثه:
- تبقى فقط دقائق قليله وسنهبط في مطار روما؛ كما أن هُناك سيارة إسعافات تنتظر عند مهبط الطائرة لكي نقوم بنقل الآنسة جوداء للمستشفى.
أومأ ديميتري بهدوء ولم يتحدث بكلمة ثم التفت برأسه نحو الداخل ليجد أن عينا جوداء لم تُفارقهً تمامًا، كانت تراقبه منذ أن كان إلى جوارها .. وكأن ديميتري قد فهم نظراتها تلك؛ ليعقد حاجبيه ثم التفت وخرج من الغرفة.
مر الوقت واستقرت جوداء بسريرها بالمستشفى الموجودة في قلب روما؛ بينما بقي ديميتري خارج غرفتها يتحدث مع دييجو ..
- ماذا ستفعل مع سايلِس أخي؟
صمت ديميتري لبُرهة وهو يحدق بدييجو قليلاً ثم أردف عاقدًا حاجبيه:
- ليس الآن، دييجو .. إن سايلِس هو كل مايشغل عقلي حاليَا، أفكر في عذابٍ يليق بما فعله .. ولكن ليس الآن.
زفر دييجو ببطء:
- حسنًا، سأتركك الآن مع الآنسة جوداء، ثم إن متعلقاتها الشخصية موجودةٌ هُنا بالمستشفى، هل تحتاجني أن أرسلها لمنزلها؟
هز ديميتري رأسه نافيًا ليقول بهدوء:
- لا، ابقى هُنا دييجو سأحتاجُك.
عقد دييجو حاجبيه بعدم فهم ولكنه هز رأسه ببطء .. عاد ديميتري لداخل الغُرفة ليسحب كُرسي ويجلس جوار جوداء النائمة بفعل المُسكن القوي الذي تم حقنه بجسدها، لكي لا تشعر بألم الجراحتين ..
- آنسة جوداء.
فتحت عينيها بنُعاس لتتقابل مع خاصتيه، ابتسم ديميتري قائلاً بهدوء:
- حمدًا لله على سلامتكِ.
أردفت بصوتٍ خفيض:
- شكرًا لك.
- لا تتحدثي كثيرًا، ارتاحي .. أردتُ الإطمئنان عليكِ قبل أن أرحل.
عقدت حاجبيها تحدق به بعدم فهم، بينما ظل ديميتري مبتسمًا بهدوء:
- شكرًا لكِ على إنقاذكِ لي، أنا مدينٌ لكِ بحياتي .. اطلبي أي شيءٍ مني وسوف أُلَبِّيهِ لكِ.
ابتلعت جوداء ريقها بصعوبة وهي ترمقه بهدوء بينما كان دييجو جالسًا خارج الغرفة مُنصتًا لحديثهما المسموع بالنسبة إليه..
- أمي.
عقد ديميتري حاجبيه بحيرة من حديثها ذلك ولكنها أردفت بتوضيح ..
- من فضلك أريد أن أتحدث مع أمي، أشعر أنها ستموت من القلق عليّ.
وقعت عينيه على هاتفها الموضوع جانبها، مد ذراعه نحوه ثم قربه نحوها ولكنها أردفت:
- افتحه ببصمة وجهي، وابحث في تطبيق ال**** على اسم يُدعى "زوزو".
عقد ديميتري حاجبيه بذهول .. ليقول:
- ماذا؟
- "زوزو" .. هذا اسم حساب والدتي على وسائل التواصل الإجتماعي.
عقد ديميتري حاجبيه ثم قرب الهاتف من وجهها ليُفتح أمامه اخذ يبحث في التطبيق عن ذلك الإسم ولكن الأسامي الموجودة أمامه مكتوبة بلغة أُخرى ولكنها صعبة .. كما أن هُناك الكثير من الدردشات الغير مفتوحة لم يعلم أيٌ منهما "زوزو" .... استفاق على صوتها:
- قرب الهاتف نحوي.
أراها شاشة الهاتف وأخذت تبحث بعينيها بين الدردشات لتبتسم:
- إنها المحادثة الرابعة في القائمة .. قُم بمهاتفتها من فضلك ولكن دون صورة.
أومأ ديميتري بهدوء وأخذ يتصل بوالدتها وقام بفتح مكبر الصوت، أجابت والدتها بقلق:
- جوداء! حبيبتي فينك قلقتيني عليكِ يا روح ماما.
ابتسمت جوداء بهدوء وحاولت أن تجعل صوتها يبدو طبيعيًا:
- أنا كويسة الحمدلله ياماما، مفيش حاجة.
عقدت والدتها حاجبيها بتعجب:
- مفيش حاجة!! أنا بقالي يومين بحاول أوصلك يا بنت!!
ابتسمت جوداء بهدوء:
- يا حبيبتي مكنش في شبكة في الهند، والمكان اللي روحته معرفتش أتصل بالواي فاي هناك، فقولت خلاص لما أرجع إيطاليا هكلمك.
أردفت والدتها بتوجس:
- طب انتِ كويسة؟ ماله صوتك؟ حساكِ مش تمام؟
- متقلقيش أنا كويسة الحمدلله، ولسه صاحية من النوم .. بابا فين؟ وفين عروستنا؟ وحشوني.
زفرت والدتها ببطء:
- كانوا هيموتوا من القلق عليكِ، بس أبوكِ أخدها ونزلوا عشان في حالة وفاة عندنا وأنا مقدرتش أنزل.
- لا حول ولا قوة إلا بالله، خير يا ماما؟ مين توفى؟
صمت والدتها لبُرهة من الوقت لتتعجب جوداء من صمتها ذلك:
- سكتِ ليه؟
زفرت ببطء لتقول:
- أبو عادل خطيبكِ القديم اتوفى، وأبوكِ وأختِك راحوا يعزوه، مانتِ عارفة إن أخته تبقى صاحبة أختك الأنتيم.
ابتسمت جوداء بهدوء ثم أردفت:
- البقاء لله يا حبيبتي، لما يرجعوا ابعتيلهم سلامي وقوليلهم هكلمهم بكرة، تمام؟
- ماشي يا حبيبتي، إنتِ بس خدي بالك من نفسك.
- إن شاء الله.
ثم تقابلت عينيها مع عيني ديميتري الذي يحدق بها بعدم فهم .. ابتسمت جوداء لتقول بصوتٍ خفيض ومُتعب:
- لقد انتهت المكالمة سيد ديميتري.
عقد ديميتري حاجبيه ثم أغلق هاتفها وعاد ينظر إليها من جديد ليقول بهدوء:
- لم تُجيبيني يا آنسة جوداء.
أردفت جوداء بإرهاق:
- ولكنني أجبتُكَ حقًا وفعلتَ ما أُريد .. هذا يكفيني.
حدق بها ديميتري بهدوء قليلاً ثم أردف:
- أنا أقصد ما تشائين من أموال .. سيارات .. أي شيء.
زفرت جوداء ببطء قائلة:
- أنا أخذتُ ما أُريد؛ لذلك لا تقلق، أنتَ لست مدينًا لي بحياتِكَ بعد الآن سيد ديميتري .. يمكنكَ أن تطمئن.
ظل ديميتري يرمُقُها بهدوء ثم اتسعت ابتسامته قائلاً:
- كما تُريدين، آنسة جوداء.
اعتدل ديميتري من الكُرسي ثم أردف بهدوء:
- قبل ان نُقلِعَ من مطار الهند، أرسلت أخي لمالك وزوجته ليطمئنهما عليكِ، لأنهما كانا قلقين من اختفاءك المُفاجئ؛ كما أنه قام بأخذ أمتعتكِ من هُناك .. وإذا أردتِ أن أرسلهم لمنزلكِ سأفعل.
أردفت جوداء بامتنان:
- شكرًا لك .. ولكن اتركهم هُنا.
زفر ديميتري بهدوء وبقي واقفًا أمامها للحظات يحدق بها بصمت، فابتعدت عين جوداء عنه لأنها شعرت بالذنب حينما أطالت النظر به .. ساد الصمت بينهما للحظات قبل أن يقول ديميتري بنبرةٍ هادئة:
- كنتُ سأموتُ قلقًا عليكِ حينما حدث كل ذلك، لا أدري ما السبب .. ولكن كُل ما أعرفه أنه في تلك اللحظة كنت أتمنى أن ينهار عالمي مُقابل أن لا ترحلي .. لأن الأهم هو سلامتُكِ بالطبع ..
رمقته جوداء من جديد ولكن بعدم فهمٍ من كلامه؛ ليستأنف ديميتري حديثه بابتسامةٍ هادئة:
- وحينما حدث كل ذلك فهمتُ أيضًا أننا لا يُمكن أن نجتمع سويًا في مكانٍ واحد مُجددًا .. لذلك اهتمي لنفسكِ جيدًأ آنسة جوداء .. سررتُ بمعرفتكِ كثيرًا.
عقدت حاجبيها بعدم فهم من كلماته الأخيرة .. هل يودعها؟؟ .. التفت ديميتري وأعطاها ظهره بينما تلاشت ابتسامته شيئًا فشيئًا ثم خرج من الغرفة .. أما بالنسبة لجوداء فقد كانت غير مستوعبةً تمامًا ما قاله، ولم تشعر بعبراتها التي انهمرت بسبب ألم قلبها الذي شعرت به بمجرد رحيله من أمامها .. توقف ديميتري أمام دييجو الذي رفع رأسه بحزن بعدما سمع كلماته الأخيرة؛ فقال ديميتري بنبرةٍ باردة قليلاً وقد عاد وجهه إلى جموده المُعتاد:
- لن أستطيع أن أأتمن عليها شخصًا آخر؛ لذلك كُن معها من فضلك دييجو حتى تخرج من المستشفى.
أومأ دييجو بهدوء ليتحرك ديميتري من أمامه بروحٍ خالية من الحياة .. وفي الجهة الأُخرى من الممر، كان هُناك من رأي كل ماحدث وسمع فقط كلمات ديميتري الأخيرة لدييجو .. ولم تكن سوى الصغيرة روزالين التي كانت تحدق في ظهر ديميتري بدهشة وحينما اختفى من مجال بصرها وقعت عينيها على العم دييجو لتقول بهمسٍ خفيض:
- عن ماذا كانا يتحدثان؟ ومن بتلك الغرفة يهم العم ديميتري لتلك الدرجة؟
انتبهت عندما اعتدل دييجو من مقعده وطرق طرقاتٍ بسيطة على غرفة جوداء المفتوحُ بابها قبل أن يدلف بهدوءٍ للداخل في نفس الثانية التي كانت جوداء تمسح عبراتها بقهر .. لم يرفع دييجو عينيه نحوها ولكنه كان يحدق بالأرض قائلاً بهدوء:
- مساء الخير آنسة جوداء، أنا أكون ابن عم السيد ديميتري مارينتوس .. أنا أُدعَى دييجو مارينتوس .. لقد تقابلنا من قبل مرتين على ما أعتقد .. سأكون موجودًا هنا حتى تنتهي فترة رعايتك وعندما أطمئن أنكِ بخير وأنكِ استقريتي بمنزلك، صدقيني لن تريني بعدها مُجددًا.
رمقته جوداء بعينينٍ حمراءٍ من البكاء، ماذا يعني ما قاله هذا؟ هل ما خمنته صحيح؟ هل رحل ديميتري من حياتها حقًا؟ .. هل لن تراهُ مُجددًا؟ .. لم يترك دييجو لها الفرصة في التفكير أو الحديث .. ليقول مُجددًا ..
- قبل أن أخرج من الغرفة هل تريدين أي شيء؟ هل أنتِ جائعة؟ أي شيء.
ارتعشت شفتيها وأردفت بغصةٍ قوية:
- لا، أشكرُك.
أومأ دييجو بهدوء لينسحب خارجًا من الغُرفة ثم أغلق الباب خلفه .. ثم انتبه على رجال ديميتري الذين انتشروا بممر المستشفى أمامه ليتنهد بهدوء:
- بالطبع، لن يتركها دون حراسة.
تحرك صوب الكافيتريا الخاصة بالمستشفى ليأتي ببعض القهوة لنفسه .. بينما كانت روزالين ترمُقُ الرجال الذين انتشروا فجأة داخل الممر الذي هي به، كادت أن تبتعد وتتجاهل الرغبة المُلِحة بداخلها لمعرفة من بالداخل ولكنها استسلمت لفضولها وتابعت بعينيها أحد الأطباء وهو يدخل إلى إحدى الغرف، ثم خرج منها بعد لحظات .. عقدت حاجبيها وظلت تراقبه للحظات قبل أن تتجه نحو الغرفة ذاتها ودخلتها دون أن ينتبه إليها الرجال وبعد دقائق خرجت منها وهي ترتدي رداءًا طبيًا وقد وضعت قناعًا طبيًا أخفى نصف وجهها ثم تحركت بخطواتٍ هادئة نحو الغرفة التي كان بها العم ديميتري قبل قليل، سمح لها الرجال بالدخول على اعتقادهم أنها طبيبة، دخلت الغرفة وأغلقت الباب خلفها .. كانت عبرات جوداء تنهمر بصمتٍ من مُقلتيها ولكنها في ذاتِ الوقت كانت تحاول أن تتماسك لأن هذا هو الأصلح لها .. تحمدُ الله أنه قد أخذ تلك الخطوة قبلها لأنها كانت خائفة من أن تجرح مشاعره .. استفاقت من موجة بكائها تلك حينما انتبهت على وجودِ طبيبةٍ بالغرفة .. مسحت عبراتها بصعوبة وأخذت نفسًا عميقًا وحدقت بالطبيبة بهدوء ولكن سُرعان ما أنزلت الطبيبة القناع الطبي من فوق وجهها لترى أمامها فتاةً صغيرة أو في بداية العشرينيات .. لم تفهم جوداء ماذا تفعل تلك الفتاة هُنا، ولكن وسعت عينا جوداء بصدمة حينما تفوهت تلك الفتاة بذهول:
- إذًا أنتِ حبيبة العم ديميتري.
.......................................
طلب دييجو طلبه من الشاب الذي يقوم بتحضير القهوة داخل المُستشفى لتتوقف بجانبه إيلينا وطلبت قهوتها المُعتادة .. لم تنتبه لوجوده بجانبها في البداية ولكن حين رمقته يقف بجانبها لم تتحدث بل ظلت تحدق أمامها .. كان دييجو أيضًا مثلها كان يتجاهلها تمامًا كأنها غير موجودة .. يبدو أنه سيقابلها كثيرًا تلك الأيام وخاصة أنه سيبقى في المستشفى تلك المرة! .. زفر دييجو ببطء وابتسم بهدوء حينما مد الفتى قهوته له:
- تفضل سيدي.
ابتسمت دييجو بهدوء:
- شكرًا لك.
حمل قهوته ثم ابتعد بهدوءٍ وعاد ليسير نحو ممر الغرفة التي توجد بها جوداء؛ أما إيلينا فقد ازدردت ريقها بصعوبة .. تحاول أن تستوعب ما يفعله هذا الدييجو أليس من المُفترض أن يطلُبَ منها السمَاح؟ أليس هو قاتل والدها؟ استفاقت عندما أعطاها الفتى قهوتها ..
- تفضلي يا آنسة.
أومأت لتسير بهدوءٍ ولكن تلك المرة لغرفة مكتبها هي .. حيث كان الممر مختلفًا تمامًا عن الممر الذي سار به دييجو.
- ماذا؟
ذلك ماقالته جوداء بذهول وعدم استيعاب .. بينما اقتربت الفتاة بحماسٍ نحوها لتجلس على الكرسي المُقابل لفراشها:
- لا تندهشي هكذا .. لقد رأيتُ العم ديميتري يخرُجُ من تلك الغرفة كان شاردًا وأشعر أنكِ أخبرتيه بشيءٍ جعله حزينًا.
عقدت جوداء حاجبيها بعدم فهمٍ من تلك الفتاة وأردفت بحيرة:
- عُذرًا، ولكن من أنتِ؟ وكيف دخلتِ إلى غرفتي؟
رمشت روزالين قليلا تحاول استيعاب الموقف التي هي به لتقول بملل:
- أنا أُدعى روزالين .. قريبة العم ديميتري مارينتوس .. الامر به تفاصيلٌ كبيرة للشرح ولكن هذا المُلخص المُفيد .. دخلتُ إلى غرفتكِ كما رأيتني الآن.
رمشت جوداء بدهشة من جُرأتها تلك لتقول بصوتٍ مُتعَب:
- حسنًا يا آنسة روزالين .. ماذا تُريدين مني؟
عقدت روزالين حاجبيها بإصرار:
- ما الشيء الذي بينكِ وبين العم ديميتري؟
عقدت جوداء حاجبيها بسبب هذا السؤال:
- لا يوجد شيء.
عقدت روزالين حاجبيها كما أنها أردفت بعدم اقتناع:
- لا شيء، هاه؟ لا تخدعيني يا آنسة .. لماذا كُنتِ تبكين إذًا؟؟
قالت جوداء بضيق:
- ما شأنكِ أنتِ يا فتاة؟ دعيني وشأني.
كادت روزالين أن تتحدث ولكن فُتِحَ الباب لتلتفت عينا جوداء و روزالين نحو الباب لتقعا على دييجو الذي دخل خلف أحد الأطباء ليرمُقهما بذهولٍ في المُقابل ..
- روزالين ألبيرتي! ماذا تفعلين هُنا؟
ازدردت روزالين ريقها بتوتر لتقول:
- لا شيء .. الآنسة كانت تحتاج مساعدة وكنتُ أساعدها.
رمقتها جوداء بحيرة، بينما وقعت عينا دييجو على الرداء الطبي الذي ترتديه روزالين ليقول باستفهام:
- ولماذا ترتدين هذا الرداء؟ لماذا أنتِ هُنا في المستشفى من الأساس؟
توترت روزالين كثيرًا وأخذت ترتعش كأنها طفلٌ صغير يتم معاقبته ..
- مررتُ على صديقتي هُنا لأن والدتها تكون طبيبة بالمستشفى .. ثم أخذتُ أتمشى قليلاَ في الممر ولكنني رأيتك أنت والعم ديميتري.
هز دييجو رأسه بيأس .. والتفت نحو الطبيب قائلاً:
- أعتذر سيدي، ولكن قريبتي مجنونة قليلاً .. من الأفضل أن تستمر بعملك.
رمقها الطبيب بهدوء ثم اقترب نحو جوداء ليطمئن عليها .. بينما أشار دييجو بعينيه لروزالين لتقف إلى جواره ونفذت أمره ليهمس بهدوء:
- أقسم لو علم عمُكِ ديميتري ما فعلته لن يمر الأمر مرور الكرام.
ابتلعت بخوف ورمقته بهدوء بينما هو كان جادًا للغاية ..
- أنا أعتذر، استسلمت لفضولي عمي دييجو.
اشمئز دييجو بسبب ذلك اللقب ليقول بضيقٍ هامس:
- واللعنة .. أنا صغيرٌ جدًا على هذا اللقب العجيب يا فتاة؛ فأنا لم أتزوج بعد!
أومأت روزالين بهدوء وبعدما انتهى الطبيب من فحص جوداء أردف بهدوء:
- حمدًا لله على سلامتكِ يا آنسة .. أنتِ تحتاجين للراحة فقط في الأيام القادمة وبعدها سنرى هل متاحٌ لكِ وقتها الخروج من المشفى أم لا.
أومأت جوداء بامتنان:
- شكرًا لك أيها الطبيب.
خرج الطبيب من الغرفة بينما بقيت روزالين تقف بجانب دييجو تشعر بالإحراج .. زفرت جوداء ببطء حينما وقعت عينيها على تلك الصغيرة والتي ذكرتها كثيرًا بأختها الصغيرة .. أردفت بابتسامة هادئة:
- اقتربي.
رفعت روزالين رأسها نحوها بتعجب .. ولكن ابتسامة جوداء جعلتها تقترب أكثر ... ليقول دييجو بعتذار:
- أعتذر يا آنسة جوداء بسبب ماحدث .. إن.......
قاطعته جوداء بإرهاق:
- لا بأس، إنها لطيفة .. أريدُ أن أتعرف عليها .. من فضلك اترُكنا سيد دييجو ولا تُخبر السيد ديميتري بشيء.
أومأ دييجو بهدوء ليخرج من الغرفة .. بينما اقتربت روزالين بتردد نحوها، أردفت جوداء بابتسامة لطيفة وهي تمد يدها ببطء لها لتُصافحها:
- تشرفتُ بكِ يا آنسة روزالين .. أنا أُدعى جوداء ويمكنكِ تلقيبي بجود إذا كان إسمي ثقيلٌ عليكِ.
رمشت روزالين بسرعة ولكنها قدمت يدها نحوها في المُقابل وأردفت:
- شكرًا لكِ على مساعدتي .. وعلى إخباركِ العم دييجو بألا يخبر عمي ديميتري.
اتسعت ابتسامة جوداء ثم تركت يدها وعادت لتستقر فوق بطنها وأردفت بهدوء:
- لا داعي للشُكر عزيزتي ... شعرتُ أنكِ بحاجة للإنقاذ فأنقذتكِ.
رمقتها روزالين بتأنيب ضميرٍ قليلاً:
- أنا آسفة على تسلُلِي لغرفتكِ هكذا.
قهقهت جوداء بهدوء وأردفت:
- على العكسِ تمامًا، لقد سعِدتُ بفعلتكِ تلك .. ذكرتِني برواية قرأتُها سابقًا أعجبتُ بشجاعتكِ يا فتاة.
رمشت روزالين بسرعة وأردفت بحيرة:
- أنا حقًا اقتبستُ فعلتي تلك من رواية قرأتها أيضًا .. من فضلك هل تُخبرينني من الكاتب؟؟ يبدو أن هُناك أحدٌ قد سرق جُهد عزيزي أليكساندر.
عقدت جوداء حاجبيها بذهولٍ من تلك الفتاة ولكن ابتسامتها اتسعت بسبب سذاجتها تلك لتقول جوداء بتوضيح وهي ترى الغضب مُنتشرًا بملامحها، وأردفت بصوتٍ مُرهَق:
- لا تقلقي، إنه الكاتب ذاته.
هدأت ملامح روزالين ورمقتها بدهشة:
- هل تقرأين لأليكساندر ميخاييل؟
أردفت جوداء بابتسامة هادئة:
- أجل، قرأت جميع رواياته.
اتسعت ابتسامة روزالين وأردفت بسعادة:
- أنا سعيدةٌ حقًا .. يجب أن يعلم أليكساندر أن هُناك الكثير يقرأون له ولكنني أشعر أنه لا يثق بذاته كثيرًا.
ظلت جوداء تُحدق بها بهدوء وأردفت:
- ستُثبتُ له الأيام ذلك.
تأوهت جوداء لتتوتر روزالين قائلة:
- ماذا بكِ؟ هل أنتِ بخير؟
نفت جوداء برأسها لتقول:
- لا، فقط أريدُ أن أعتدل ولكن حينما تحركت آلمني الجرح.
تحدثت روزالين بتلقائية:
- دعيني أساعدكِ.
ابتسمت جوداء لها بهدوء لتُساعدها روزالين وبعد أن انتهت من مُساعدتها، أغمضت جوداء عينيها بإرهاق بينما كانت عينيها ترمُقان روزالين بهدوء .. حتى غفَت.
أردفت روزالين بشفقة:
- يا إلهي، ماذا حدث لها؟ إنها مسكينةٌ حقًا.
استفاقت حينما آتاها إتصالٌ هاتفي وأجابت ..
- أين أنتِ يا فتاة؟ سنتحرك أنا وأمي من أمام المستشفى الآن؟
رمقت روزالين جوداء النائمة قليلاً ثم أردفت بهدوء:
- أعتذر ولكنني تفاجأت بوجود صديقةٍ لي هُنا، سأبقى معها الليلة.
عقدت صديقتها حاجبيها قائلةً بحيرة:
- هل أخبرتِ والدتكِ يا فتاة؟
- سأُخبرها الآن.
أغلقت روزالين المُكالمة ثم أخذت تتصل بوالدتها والتي أجابتها بانشغال:
- ماذا روزالين؟
- لدي صديقتي مريضةٌ للغاية أمي، وهي بالمستشفى .. هل يُمكنني البقاء معها؟
أردفت ريبيكا بهدوء:
- روزالين، حبيبتي حاول أن تعودي للمنزل الآن .. لن تبقي عند أحد.
ولكن روزالين أردفت بإصرار:
- يا أمي، أنا أخبركِ أنها مريضة بالمستشفى .. من فضلك أريدُ البقاء بجانبها.
زفرت والدتها بضيق لتقول:
- افعلي ماتشائين.
ثم أغلقت الهاتف بوجهها بسبب انشغالها التام، بينما رمقت روزالين الهاتف بشرودٍ لثوانٍ ولكنها عادت تنظر إلى جوداء من جديد بابتسامة هادئة .. انتبهت على طرقات هادئة على باب الغرفة ليفتح دييجو الباب:
- متى سترحلين، روزالين؟
التفتت روزالين برأسها نحوه وأردفت:
- أريد أن أبقى الليلة بجوار جود ..
عقد دييجو حاجبيه بضيق وكاد أن يتحدث، قاطعته روزالين برجاء:
- من فضلك عم دييجو، أريدُ أن أبقى بجانبها الليلة .. هي تحتاجُنِي .. أرجوك.
رمقها دييجو للحظة ثم عاد يرمُق جوداء النائمة ثم هز رأسه بيأس وأردف بتحذير:
- حسنًا، الليلة فقط .. تستطيعين النوم على الأريكة بالغرفة.
أومأت بابتسامة هادئة ثم أغلق دييجو الباب لتتنهد روزالين بابتسامة ..
- سعيدةٌ بمعرفتكِ حقًا جود.
في صباح اليوم التالي:
كانت جوداء تُحدق بسقف الغرفة بشرود تُعيد ذكرياتِ الأمس حينما ودعها ديميتري .. يؤلمها قلبها كثيرًا حقًا في كل مرة تفكرُ بما حدث .. تحاول إنكار تمامًا أنها تشتاق إلى رؤيته ولكن الأمر بينهما مُستحيلٌ حقًا .. وجيدٌ ما فعله .. أما في الأسفل .. توقفت روزالين داخل الكافيتيريا لتطلب قهوة بينما كانت تقف بجانبها طبيبةٌ تعمل بالمشفى، أخذت تحدقُ بها فقد كانت جميلةً حقًا .. انتبهت عندما ابتسمت الطبيبة بهدوء للفتى وأخذت قهوتها ولكن أوقفتها روزالين بسرعة:
- صباحُ الخير، مرحبًا.
التفتت نحوها إيلينا بابتسامة عملية:
- صباح الخير، أهلا يا صغيرة.
عقدت روزالين حاجبيها بسبب ذلك اللقب وأردفت بهدوء:
- هل من الممكن أن تُرَشِحِي لي نوع قهوةٍ مُفضل؟
ابتسمت إيلينا بهدوء وأشارت لها نحو القائمة الموضوعة أمامها ..
- هذا النوع جيد للغاية.
ابتسمت روزالين بامتنان:
- شكرًا لكِ.
كادت أن تتحرك إيلينا ولكن أوقفتها روزالين:
- بالمُناسبة أنا أُدعى روزالين، ولدي صديقتي هُنا مريضة وأنا أبقى معها.
ابتسمت إيلينا ابتسامة لطيفة:
- وأنا إيلينا .. أعمل طبيبة هُنا.
ابتسمت روزالين وأردفت بتلقائية:
- هل لديكِ حبيب؟
عقدت إيلينا حاجبيها بسبب سؤالها الغريب ذلك ولكن روزالين رفعت يدها باستسلام لتقول بتوضيح:
- أعتذر على سؤالي الفظ هذا، ولكن عمي هُنا وهو لم يتزوج بعد .. لذلك كنتُ أريدُ أن أقترحكِ عليه.
رمشت إيلينا بعدم استيعاب ولكن سُرعان ما قهقهت بسبب تلك الفتاة الغريبة في تصرفها، شعرت روزالين بالإحراج لتقول:
- هل هُناك شيء؟
هزت إيلينا رأسها بنفي وأردفت بتوضيح:
- لا شيء، ولكنكِ ذكرتني بأمي كثيرًا كل اهتمامها يذهب نحو البحث عن زوج حينما تراني.
رمقتها روزالين بدهشة:
- حقًا؟
أومأت إيلينا بابتسامة .. انتبهت روزالين للفتى ينتظر طلبها:
- سآخذ هذا، سُكر مُعتدل.
وأشارت نحو النوع الذي اقترحته عليها إيلينا قبل قليل ... ثم عادت تنظر نحو الأُخرى بابتسامة مرحة:
- ماذا كُنا نقول؟
اتسعت ابتسامة إيلينا تحاول كبت ضحكاتها بينما استأنفت روزالين حديثها تدردش معها قليلاً حتى تنتهي قهوتها ..
في قصر آل مارينتوس:
كان ديميتري جالسًا في مكتبه وكان يبدو على هيئته أنه لم ينم منذ أن عاد من المشفى، حيث كان شعره مبعثرًا وأيضًا الهالات الداكنة استقرت أسفل عينيه، كان هُناك كأسٌ من الشراب إلى جواره .. بينما تناثرت أمامه الصور التي وصلته للتو .. لم تكن الصور سوى لسايلِس وسيلفانا وهما يسيران سويًا في شوارع روسيا .. ظل يحدق بصمت في تلك الصور وعيناه تحملان مزيجًا من الحزن والغضب؛ حزنًا لم يُغادره منذ أن ترك جوداء خلفه، وغضبًا اشتغل داخله كالجحيم كلما وقعت عيناه على وجه سايلِس السعيد ..
أمسك إحدى الصور، وظل يتأملها طويلاَ ثم رفع الكاس الموضوع إلى جواره وأبقاه بين اصابعه وعيناه لا تزالان معلقتين بصورة سايلِس، ظهرت على شفتيه ابتسامة باهتة وقال بصوتٍ خافت:
- سعيدٌ جدا، أليس كذلك؟
صمت للحظات قبل أن يضيف بنبرة هادئة بينما كان الغضب يشتعل في عينيه:
- أقسم أن أمحو سعادتك تلك، سايلِس .. أقسم أنك وقتها لن ترى الشمس في حياتك مُطلقًا بعدها .. سيكون الظلام الدامس هو كُل ما يُحيطُ بك.
ارتشف القليل من مشروبه ثم وضع الكأس بقوة على الطاولة ثم قبض على الصورة بين أصابعه:
- سأكسر ابتسامتك تلك .. وأمحوها من وجهك تمامًا.
ظل صامتًا للحظات وعيناه غارقتان في ذلك المزيج القاتم من الحزن والغضب، ثم ابتسم ابتسامة باردة:
- فقط انتظر .. سيحين وقتك قريبًا.
الفصل العشرون من هنا