
في اليوم التالي...
استيقظت ليان منذ الصباح وهي تشعر بثقل غريب يسيطر على صدرها.
لم تستطع النوم بشكلٍ جيد طوال الليل، وكلما أغمضت عينيها عادت إليها تفاصيل الأمس من جديد...
تميم.
الأوامر التي كان ينفذها.
والشخص الذي يقف خلف تلك الأوامر...
الشخص الذي لم تكن تريد حتى أن تسمع اسمه.
تنهدت ليان وهي تقف أمام المرآة، ثم أخذت حقيبتها وغادرت غرفتها.
كانت تسير بخطوات هادئة، حتى وصلت إلى أسفل الدرج، لتجد سارة تقف هناك.
ابتسمت سارة فور رؤيتها.
ـ سارة: ليان!
توقفت ليان والتفتت إليها.
ـ ليان: صباح الخير.
ـ سارة: بقولك إيه... أنا هاجي معاكي النهارده.
رفعت ليان حاجبها باستغراب.
ـ ليان: معاكي فين؟
ـ سارة: الشركة طبعًا، هو أنا رايحة رحلة مدرسية؟
ضحكت ليان بخفة، لكنها هزت رأسها بالرفض.
ـ ليان: لا معلش يا سارة، بلاش النهارده.
ـ سارة: ليه بقى؟
ـ ليان: عشان هكون مشغولة أوي، عندي كذا اجتماع ومش هكون فاضية
ـ سارة: خلاص خلاص، فهمت.
تنهدت سارة باستسلام.
ـ سارة: روحي شغلك يا ست ليان، وسيبيني أموت من الملل هنا.
ابتسمت ليان.
ـ ليان: باي.
ـ سارة: باي.
تحركت ليان نحو الباب، بينما وقفت سارة تراقبها وهي تتأفف بضيق.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
أمام القصر...
خرجت ليان من الباب الرئيسي، واتجهت مباشرةً نحو سيارتها.
لكنها توقفت عندما رأت تميم يجلس في المقعد الأمامي.
تنهدت بضيق.
فتحت الباب الخلفي وجلست دون أن تنطق بكلمة واحدة.
نظر تميم إليها من خلال المرآة، لكنه لم يجد سوى وجه هادئ يخفي خلفه الكثير.
كانت تنظر من النافذة وكأن وجوده غير مهم بالنسبة لها.
أعاد تميم نظره للطريق، ثم انطلق.
مرّت الدقائق الأولى في صمت تام.
لا صوت سوى محرك السيارة.
ولا شيء آخر.
كان تميم يراقبها من المرآة بين الحين والآخر.
لكنها لم تنظر إليه ولو مرة واحدة.
بدأ الضيق يتسلل إليه.
ضغط على مقود السيارة بقوة، ثم زاد من سرعته.
كانت السيارة تسير بسرعة أكبر من المعتاد.
شعرت ليان فجأة بأن جسدها تحرك للأمام، فأمسكت بالمقعد أمامها حتى لا تفقد توازنها.
نظرت إليه من المرآة.
لكنه كان يتعمد عدم النظر إليها.
استمرت في صمتها.
وهذا الأمر أثار غضبه أكثر.
ضغط على المكابح فجأة.
توقفت السيارة بقوه ، فاصطدمت رأس ليان بالمقعد الذي أمامها.
وضعت يدها على رأسها ونظرت إليه بغضب.
ـ ليان: في إيه؟!
استدار تميم إليها.
كانت عيناه تحملان ضيقًا واضحًا.
ـ تميم: انتي بتتجاهليني ليه؟
رمقته ليان بنظرة باردة.
ـ ليان: اتفضل اطلع بالعربية. عندي شغل.
ـ تميم: جاوبيني.
ـ ليان: على إيه؟
ـ تميم: على إنك من امبارح بتتجاهليني ...
نظرت له للحظات، ثم قالت بهدوء:
ـ ليان: وأنت مستغرب؟
سكت.
ـ ليان: أنت مش عارف أنت عملت إيه؟
ـ تميم: مكانش بإيدي.
ضحكت ليان ضحكة قصيرة خالية من المرح.
ـ ليان: مكانش بإيدك؟
ـ تميم: أيوه.
ـ ليان: يعني لما تكذب عليا وتفهمني إنك مش عارف حاجة، وفي الآخر أكتشف إنك واخد أوامر من أكتر شخص آذاني في حياتي... ده كمان مكانش بإيدك؟
تغيرت ملامح تميم.
ـ تميم: أنا مكنتش أعرف إيه نوع المشاكل اللي بينك وبينه.
ـ ليان: ومش هتعرف.
صمت تميم.
كانت الكلمات ثقيلة عليه.
للمرة الأولى شعر أن الأمر أكبر مما تخيله.
ـ تميم: أنا آسف.
توقفت أنفاسها للحظة.
نظرت إليه وكأنها لم تسمع الكلمة بشكل صحيح.
آسف؟
تميم؟
الشخص الذي لم تعتد أن تراه يعترف بخطئه؟
نظرت إليه في صمت.
ـ تميم: عارف إن كلمة آسف مش هتغير اللي حصل...
صمت للحظة.
ـ تميم: بس أنا فعلًا آسف.
لم تتحدث.
ـ تميم: مكنتش أعرف إن اللي حصل ممكن يخلي ثقتك فيا تقل بالشكل ده... ومكنتش متخيل إني ممكن أسببلك أذى حتى لو من غير قصد.
خفض نظره للحظة، ثم عاد لينظر إليها.
ـ تميم: يمكن غلطت لما منفعتش أسألك، ويمكن كان المفروض أعرف الحقيقة قبل ما أنفذ أي حاجة... بس أنا مكنتش أقصد أأذيكي.
ظلت ليان تنظر إليه.
كانت غاضبة منه...
لكنها لأول مرة شعرت أن اعتذاره حقيقي.
ـ تميم: فـ... آسف.
تنفست ببطء.
ثم قالت:
ـ ليان: أنت...
توقف تميم منتظرًا.
ـ ليان: مش متعود تعتذر، صح؟
ابتسم ابتسامه جانبيه ...
ـ تميم: ولا عمري تقريبًا.
نظرت أمامها.
ثم قالت بهدوء:
ـ ليان: اعتذارك مقبول.
ابتسم تميم .. و
استدار نحو الطريق مرة أخرى، ثم انطلق بالسيارة.
أما ليان، فعادت تنظر من النافذة...
لكن هذه المرة لم يكن الصمت بينهما ثقيلًا كما كان منذ دقائق.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في الشركة...
نزلت ليان من السيارة واتجهت نحو المبنى، بينما تبعها تميم.
دخل الاثنان إلى مكتبها.
وضعت ليان حقيبتها على المكتب، ثم جلست وبدأت في مراجعة بعض الأوراق.
ـ ليان: هنخرج متأخر شوية النهارده.
ـ تميم: ماشي.
ـ ليان: عندي اجتماعين، وبعدهم شوية حاجات لازم أخلصها.
ـ تميم: براحتك.
جلست ليان تعمل بهدوء.
كان تميم يقف بالقرب من الباب، يراقب المكان من حوله.
وفجأة...
طرق أحدهم الباب.
رفعت ليان رأسها.
ـ ليان: ادخل.
فتح الباب.
دخل شاب طويل، يمتلك بنية قوية، وشعرًا بنيًا فاتحًا، وعينين عسليتين.
خطا إلى الداخل بثقة، وكأنه يعرف المكان جيدًا.
لكن بمجرد أن وقع نظره على ليان...
تجمدت ملامحها.
اتسعت عيناها.
وتوقفت يدها فوق الأوراق.
همست دون وعي:
ـ ليان: حمزة...
سمع تميم الاسم.
نظر إليها.
ثم نظر إلى الشاب.
اقترب حمزة من المكتب، وعلى وجهه ابتسامة لم تجعل ليان تشعر بالراحة.
ـ حمزة: وحشتيني يا ليان.
لم تجبه.
كانت تنظر إليه وكأنها تحاول استيعاب وجوده أمامها.
تنفسها أصبح أسرع.
لاحظ تميم ذلك فورًا.
اقترب خطوة.
وقف أمام حمزة.
ـ تميم: في حاجة؟
نظر حمزة إليه باستغراب.
ـ حمزة: مين أنت؟
ـ تميم: مش مهم.
ـ حمزة: لا، مهم بالنسبالي أعرف مين اللي واقف قدامي.
ـ تميم: وأنا مش شايف إن من حقك تعرف.
نظر حمزة إلى ليان.
ـ حمزة: مين ده يا ليان؟
ابتلعت ليان ريقها.
ثم قالت بوضوح:
ـ ليان: اطلع بره يا حمزة.
اختفت الابتسامة من وجهه.
ـ حمزة: بتطرديني أنا؟
ـ ليان: أيوه.
اقترب خطوة.
ـ حمزة: بعد كل السنين دي؟
رفعت ليان عينيها إليه.
ـ ليان: اطلع.
ساد الصمت.
كادت أن يقترب لكن وضع تميم يده علي صدره ...
نظر حمزة إلى تميم، الذي كان يراقبه ببرود.
ثم عاد ينظر إلى ليان.
ـ حمزة: ماشي يا ليان...
تراجع خطوة.
ـ حمزة: بس إحنا هنتحاسب بعدين.
ثم خرج.
أغلق الباب خلفه.
وما إن اختفى من أمامها حتى وضعت ليان يدها على رأسها وأغمضت عينيها.
ـ ليان: هو ده وقته؟
اقترب تميم منها.
ـ تميم: آنسة ليان...
رفعت رأسها.
ـ تميم: مين ده؟
سكتت.
ـ تميم: وليه أول ما دخل اتغيرتِ بالشكل ده؟
ـ ليان: بعدين هبقى أقولك.
ظل ينظر إليها للحظات.
لم يكن مقتنعًا.
لكنه لم يضغط عليها.
ـ تميم: ماشي.
عاد إلى مكانه.
لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا في ذهنه...
ذلك الرجل لم يكن مجرد شخص من ماضي ليان.
كان هناك شيء آخر.
شيء جعل الخوف يظهر في عينيها لأول مرة منذ عرفها.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
بعد انتهاء العمل...
خرجت ليان من الشركة برفقة تميم.
وبمجرد أن وصلت أمام المبنى، توقفت فجأة.
كانت هناك فتاة تقف بالقرب من السيارة.
ما إن رأتها ليان حتى اتسعت ابتسامتها.
ـ ليان: أبرار!
التفتت الفتاة إليها، ثم أسرعت نحوها.
احتضنتها ليان بقوة.
ـ ليان: وحشتيني أوي!
ـ أبرار: وإنتِ كمان!
ابتعدت ليان عنها وهي تنظر إليها بسعادة.
ـ ليان: عاملة إيه؟ وإنتِ رجعتي إمتى؟
ـ أبرار: من يومين.
ـ ليان: يومين؟ ومقولتيليش؟
ـ أبرار: كنت عايزة أعملهالك مفاجأة.
ضحكت ليان.
ـ ليان: وحشتيني.
ـ أبرار: وإنتِ كمان.
ثم نظرت أبرار خلفها.
كان تميم يقف بعيدًا قليلًا، يعطيهما مساحة للحديث.
ـ أبرار: مين اللي هناك ده؟
نظرت ليان إليه.
ـ ليان: ده تميم.
ـ أبرار: تميم مين؟
ـ ليان: ظابط جاي عشان يحرسني.
اتسعت عينا أبرار.
ـ أبرار: يحرسك؟ ليه؟ إيه اللي حصل؟
تنهدت ليان.
ـ ليان: هبقى أحكيلك.
ـ أبرار: لأ، أنا مش هسيبك غير لما تحكيلي.
ابتسمت ليان.
ـ ليان: بعدين.
هزت أبرار رأسها باستسلام.
ـ أبرار: ماشي، بس أنا هبعتلك اللوكيشن بتاع الحفلة.
ـ ليان: حفلة إيه؟
ابتسمت أبرار.
ـ أبرار: حفلة رجوعي لمصر.
ـ ليان: حمدالله على السلامة يا أبرار.
ـ أبرار: مستنياكي.
ـ ليان: إن شاء الله هاجي.
ـ أبرار: وعد؟
ـ ليان: وعد.
ابتسمت أبرار.
ـ أبرار: خلاص، هبعتلك كل التفاصيل.
ـ ليان: ماشي.
ـ أبرار: باي.
ـ ليان: باي.
ابتعدت أبرار، بينما اقترب تميم.
ـ تميم: يلا؟
نظرت ليان إليه.
ـ ليان: ماشي.
ثم ركبت السيارة.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
بعد وقت...
توقفت السيارة أمام أحد الأماكن.
نزلت ليان.
لكن بمجرد أن دخلت المكان...
توقفت.
تجمدت في مكانها.
تغير وجهها بالكامل.
نظرت حولها، وكأنها تبحث عن طريق للخروج.
تراجعت خطوة إلى الخلف.
لاحظ تميم ذلك.
ـ تميم: آنسة ليان؟
لم تجبه.
كانت أنفاسها غير منتظمة.
يدها ارتجفت قليلًا.
ـ ليان: عايزة أخرج من هنا.
اقترب تميم منها فورًا.
ـ تميم: حاضر يلا ...
لم يسألها عن السبب.
لم يجبرها على البقاء.
فقط وقف بجانبها.
ـ تميم: تعالي.
تحرك معها نحو الخارج.
لكن قبل أن يصل إلى الباب...
جاء صوت من خلفهما.
ـ هيثم: ليان! استني!
توقفت.
لم تلتفت.
اقترب هيثم.
ـ هيثم: ليان...
ظلت ساكنة.
ـ هيثم: تعالي سلمي على حمزة وعلى وفاء.
أغمضت ليان عينيها للحظة.
ثم فتحتها.
لم تتحرك.
كانت تنظر إلى تميم فقط.
وفهم تميم.
هي لا تريد البقاء هنا.
ـ هيثم: مالك؟ تعالي.
وفجأة ظهر حمزة.
وقف أمامها.
ـ حمزة: شكلها مكسوفة يا أونكل هيثم.
لم تجبه.
اقترب أكثر.
ـ حمزة: ليان...
رفعت عينيها إليه.
ـ حمزة: عاملة إيه؟
مد يده نحوها.
وفي اللحظة التي حاول فيها الاقتراب منها أكثر...
تحرك تميم بسرعة.
أمسك بيده وأبعدها عنها، ثم وجه إليه لكمة قوية جعلته يتراجع إلى الخلف..
الفصل الثامن عشر من هنا