
رواية خارج القانون الفصل العشرون 20 بقلم نور الهادى
قرب منها وهو مش مصدق إنه شايفها، قال بصوت مبحوح مرهق:
— رغد...
لكن كملت طريقها، لم تقف، لم تنصدم، لم تلتفت له بعينيها حتى، كأنها لم تره. لم تنصدم، لم يصيبها فزع أو ضيق إنها تغادر، كأنه شبح لا وجود له. تغادر كأنها لم تره، كأنه شخص لم ولن يكن شيئًا في حياتها قط.
التفت أدهم معها وهو مصدوم من عدم ردة فعلها، مصدوم منها. يعلم إنها لا تطيقه، لكن ليس لدرجة إنها تغادر وتتركه وكأنه شيئًا لم يكن، بعدما وجدها أخيرًا، بعدما أمسك بها من هروبها منه.
مشى أدهم وراها فورًا، والغضب من كتر شوقه ليها في عينه.
كانت تقف على الرصيف لم تخطو خطوة أكثر. خرج أدهم من الكافيه فورًا وراح لها، بصله عمر بشدة.
كانت رغد تقف بكل هدوئها. سمعت صوت العربية، لفت، اتخبطت في أدهم وسكبت العصير عليه. اتخضت وقالت:
— أ.. أنا.. أنا آسفة.
بصلها أدهم بشدة. إنها تعتذر منه! بدأ يغضب، بدأ يغضب من ادعاء عدم معرفتها به. الجهل هو أكثر من البكاء والغضب. الجهل، كأنه لم يكن شيئًا في حياتها، هو أكثر شيء مؤلم.
قالت رغد:
— بعتذر.
حتى إنها كانت بتتكلم معاه بالإنجليزي، مش بلغتهم المصرية. خرجت شنطتها وهي بتحرك أناملها بحركة عشوائية. بصلها أدهم، عينيها مش بتتحرك، أعينها ثابتة، حتى موطتش تبص في الشنطة، بتحسس عليها وهي بتفتحها وتخرج منديل.
مسكها أدهم من دراعها وسحبها ليه، قال:
— بتعملي إيه؟
قالت رغد:
— ا.. انت..انت مصرى
نظر اايها باستغراب الا تعلمه خرجت منديل_ اتفضل، أنا حقيقي آسفة.
بصلها أدهم، كانت بتبصله وعينيها ثابتة في مكان واحد، مش بتتحرك. بعدت رغد إيدها عنه وقالت:
— مسمحلكش تمسكني كده.
أدهم قرب منها، رفع إيده على عينها وبيحركها، لكنها ثابتة كما هي، إنها لا تراه.
حس بصاعقة، بل صدمة تنهار فوق راسه.
مشت رغد، وعين أدهم تكاد تخرج من مقلتيه من صدمته. يريد أن يلحق بها، لكن لا يعلم من تكون هذه، من تلك المرأة؟
كانت تسير بهدوء، تسير وهي تلمس الحائط بيدها اليسرى من جانبها، لا تستخدم عينيها، بل حاستها وأناملها.
قال عمر:
— أدهم...
قال أدهم:
— شوفتها...
رفع إيده وافتكر أما مسكها، قال:
— لمستها... كانت هي... هي رغد.
بصله عمر، قال أدهم:
— أنا لقيتها يا عمر... لقيتها، بس مبصتليش.
قال عمر:
— اهدى.
قال أدهم:
— شايفني مجنون؟ بقولك شوفتها... دي رغغغد... رغد! أقدر أميزها عن بعد ميت واحدة... مش مجرد واحدة شبهها، دي هي.
افتكر إزاي تصرفت، قال:
— كأنها متعرفنيش! ليه عملت كده؟ عارف إنها مش طيقاني... عدى سنة... سنة مهديتش مني... معاها حق، بس مش تنكر معرفتها بيا دي... كأنها مش شايفاني... كأنها مش شايفة بجد يا عمر.
افتكرها وهي بتسير، وهي بتخرجله المنديل.
قال عمر:
— شوفتها، اتصدمت زيك.
قال أدهم:
— يعني أنا مبتوهمش... دي رغد.
قال عمر:
— أيوه، بس إنت بتقول...
قال أدهم:
— مش مهم اللي بقوله، المهم إنها هي.
خرجت نادلة من الكافيه، قالت:
— الزبونة مشيت، حد شافها مشيت من أنهي اتجاه عشان ألحقها؟ نسيت محفظتها.
بصلها أدهم، خد منها المحفظة. بصتله بشدة.
قال عمر بحرج:
— إحنا عارفينها، متقلقيش.
أدهم شاف بطاقة رغد، اسمها الثلاثي اللي عارفه كويس. قبض على إيده، وادّى عمر المحفظة بعد ما خد البطاقة اللي أكدتله هويتها، قال:
— اعرفلي مكانها النهارده قبل بكرة.
مشي وسابه، فبصت النادلة ليهم بشك مريب، وفي إيدها تليفونها وعلى رقم البوليس. تنهد عمر بضيق، فهذا المتوقع بعد اللي عمله أدهم.
───
أدهم بيكون قاعد في الفندق، مش قادر ينسى رغد، ولا إنه شافها. مش قادر ينسى وجهها اللي أخيرًا شافه، وعايز يروحلها بأي شكل، عايز يشبع منها، مش مصدق إنه أخيرًا شافها بعد رحلة بحثه الطويلة عنها، اللي عانا فيها كل ليلة وليلة.
كان بيبص في تليفونه كل شوية، مستني رد عمر اللي مستنيه عشان يعرفه الموضوع إيه.
رن الباب، راح فتح. دخل عمر.
قال أدهم:
— عرفت مكانها؟
قال عمر:
— جبت عنوانها.
خده أدهم، فقال عمر:
— بس متروحلهالهاش.
قال أدهم:
— محتاج أروحلها، ممكن تكون أدركت إن تمثيلية إنها مش شايفاني هتمشي عليا.
قال عمر:
— متروحلهاش يا أدهم، هي فعلًا مش شيفاك.
توقف أدهم وبص لعمر، اللي كانت ملامحه مضايقة وحزينه.
قال:
— مش شيفاني إزاي؟
قال عمر:
— رغد فاقدة نظرها...
بصله أدهم بشدة من اللي سمعه. مكنش عمر عايز يقولها، لكن قال:
— رغد عمياء... مكنتش بتمثل إنها متعرفكش، ولا حتى إنها مش شيفاك... مكنتش بتمثل، هي مش شايفة أي حاجة.
قال أدهم، والصدمة في عينه:
— إنت بتقول إيه؟
قال عمر:
— اتصدمت زيك. جبتلك معلومات عنها... اتنقلت لندن من ٨ شهور، عايشة في شقة لوحدها. كانت معاها زميلتها، لكن اتنقلت مؤخرًا، ودلوقتي هي لوحدها.
قال أدهم:
— إزاي... خسرت نظرها؟
افتكر عيونها اللي كانت بتنظر ليه، وحينما تبتسم وتتضايق وتغير عليه، كانت تمتلك عيون لامعة يعشقها.
قال أدهم:
— إيه اللي حصلها؟
قال عمر:
— اتعرضت لحادثة خسرت عينها... حاليًا دي المعلومات اللي وصلتلها في الزمن اللي حددته إنت... هجيبلك التفاصيل ا.......
مشي أدهم، بصله عمر ومردش. بصله عمر وهو بيفكر: إلى أين يذهب؟ معقول راحلها؟
───
تامر كان بياكل الساندوتش، قال أدهم:
— هات المفتاح.
قال تامر:
— أوصلك لمكان؟
قال أدهم:
— هستلم العربية منك لحد ما عربيتي توصل.
أومأ تامر واداله المفتاح. خد أدهم العربية ومشي.
وصل أدهم ع العنوان، نزل من العربية وبص للعمارة اللي ساكنة فيها رغد. بص، شاف حركة في طيف شقتها، كانت بتفتح النافذة. نظر أدهم إليها وتعلقت عينه بها. بيتقدم، كان عايز يروحلها، مش قادر يمنع نفسه، كان عاوز يحضنها أوي، عاوز يلمسها، بس مقدرش، كأن المواجهة أكبر منه في الوقت الحالي.
بيسكت وبيفضل واقف مكانه عند العربية، باصلها وهي بتتحرك في شقتها. نظر لأناملها اللي بتستخدمهم في لمس الأشياء. حس أدهم بحرقة في عينه وهو باصص لعين رغد، وبيفتكر كلام عمر:
"رغد مش شيفاك يا أدهم... رغد مش بتشوف، خسرت نظرها في حادثة... مكنتش بتمثل، هي فعلًا مش شيفاك ومتعرفتش عليك."
أراحت رغد ظهرها على الكنبة وهي بتاكل وجبة خفيفة. كان الإزاز ظاهرها أمام أعين أدهم، وكأنه بيروي شوقه ليها. اتعدلت في قعدتها وهي بتاكل الوجبة باستمتاع، كل ده وأدهم عينه مش بتفارقها، وكأن النهارده يوم ولادته أو آخر يوم في حياته. يفضل يقف هكذا ويشوفها.
طلع الصباح على أدهم، اللي غفى في سيارته، اللي لم يتحرك أو يذهب لمكان واحد ويبتعد عنها. لقد بقى الليلة كاملة أسفل منزلها.
كانت هناك قطة تصدر صوتًا، صحى أدهم على صوتها. بص في ساعته، شاف رغد بتنزل من العمارة. نزل أدهم فورًا وراحلها.
كانت رغد بتحط أكل للقطة. وقف أدهم قدامها، لكنها لم تلتفت إليه. بصلها، للأكل اللي بتحطه، وللقطة اللي بتاكل منه وتلتصق في قدميها من حبها الشديد لرحمتها بيها.
قرب أدهم منها. التفتت رغد ناحية الصوت، وقفت وقالت:
— في حد هنا؟
حس أدهم بالحزن إنها فعلًا لا تراه.
قال:
— رغد...
استمعت رغد لذلك الصوت، قالت:
— مين؟! إنت تعرفني؟
كبح أدهم غصته وقال:
— عارفك أنا.
جه راجل عجوز، قال:
— إنت جيت بسرعة دي؟
بصله أدهم باستغراب.
قالت رغد:
— مين ده؟!
قال الرجل العجوز:
— مش عارف، ممكن أكون اتلخبطت. مش قولتي في حد جاي لك النهارده؟
صمتت رغد، ابتسمت وقالت:
— آه، آسفة نسيت... إنت جاي من سارة؟
لم يفهم أدهم شيئًا. مشي العجوز وسابهم. اضايق أدهم: ليه بتكلمه بالإنجليزي، مش بلغتهم لسه؟
قالت رغد:
— بس سارة قالتلي إنها هتكون مساعدة بنت، مش... راجل.
بص أدهم لنفسه، إنها أساءت الفهم، كانت بتحسبه بنت مستنياها.
مدت ابدها قالت_ازيك اسمك إيه؟
كان أدهم هيقولها ع اسمه، كان هيقولها إنه أدهم، بس فجأة لسانه تمحور وقال:
— عامر...
ميّعرفش إزاي كذب، بس كان لكذبته أسباب، وكمل وهو بيسلم عليها وايده بتتحك ف ايدها قال
— اسمي عامر.
رغد سحبت ايدها قال
— عمرك قد إيه؟
أدهم كات يقولها عمره بس قال
—١٩
رغد:
— صوتك رجولي، كأنك أكبر.
صمت أدهم وهو بيتأملها أمام عينيه اللي اتحرم منها.
أومأت رغد بابتسامة، قالت:
— عندكو النضج بيختلف. هكلمك زي أخويا الصغير، أنا أكبر منك... اسمعني يا عامر، أنا كنت عايزة مساعدة بنت، لأن زي ما إنت شايف أنا...
تنهدت وكملت:
— أنا مش بشوف، فمحتاجة بنت تكون معايا تساعدني... سارة قالتلي إنها هتبعت مساعدة، مش مساعد. أنا اتفاجأت بيك، مش عارفة إذا كنت هتنفع معايا برضه، لأن...
رجعت تقول:
— أنا آسفة، بس هو تقريبًا حصل سوء فهم. شكرًا ليك.
جت بنت قالت_متنسيش فرح مارى
رغد_ جايه
مشت، لم يوقفها أدهم. كانت رفضته، ففضل يتأملها وهي بتغادر. افتكر إنه كذب عليها وادعى اسم غير اسمه، بس ده كان بسبب خوفه من ردة فعلها... كانت وحشاه جدًا، بس خاف تبعده عنها تاني وتهرب منه... محتاج يحسسها بالأمان تاني وبعدها يطلب المغفرة... إنه أجبن من إنه يقولها هو مين. تنهد أدهم، حتى رفضته على إنه مساعد ليها. قال سن أصغر من سنه عشان متكشفوش أو ترفضه، بس رفضته برضه.
فى كنيسه كان بيتم طقوش الجواز كانت رغد قاعده لا ترى لكنها تسمع
ادهم دخل الكنيسه ادوله طوق اخدها وشكرهم، بيشزف رغد بيعقظ ع الكرسي الى وراها
لحق بيها وجه وراها عشان يكون معاها
كانت قاعده صامته والناس بيصقفو للعروسين وهما بيحضنو بعض، ادهم امتدت انامله لشعرها وهو بيلمسه بحب، اشتاق الى لمسه شعرها ورائحته، لقد كان محروم منها
خلص الفرح وخرجت رغد بتودعهم وبتمشي
. مشي معاها. كانت تسير بهدوء بجانب الحائط، وكانت رؤيتها تصيب قلب أدهم بسكاكين تطعن بها. لم تعد رغد ذاتها اللي بتمشي بثقة.
رغد بتحاول توقف تاكسي لانها متأخرة على شغلها ومفيش تاكسي عارفة توقفه.
وقف أدهم بالعربية، قال:
— اركبي.
استغربت رغد من ذلك الصوت.
قال أدهم:
— أنا عامر.
قالت رغد:
— عارفة، إنت ممشيتش.
قال عامر:
— لا، اتفضلي اركبي، هوصلك للمكان اللي عايزاه.
رغد ركبت معاه، قالت:
— امشي بسرعة بعد إذنك عشان متأخرة.
قال أدهم:
— بتشتغلي؟!
قالت رغد:
— آه، أكيد. شغلي ده أهم حاجة في حياتي دلوقتي.
قال أدهم:
— دلوقتي؟! يعني مكنش كده زمان؟
مردتش رغد عليه.
بيوصلها أدهم ع المدرسة، قال:
— هستناكي لحد ما تخلصي.
قالت رغد:
— الحصة بتطول، تقدر تمشي. متشكرة أوي... بكام؟
قال أدهم:
— كم؟!!
قالت رغد:
— هديك الفلوس اللي كنت هديها في التاكسي؟! معتقدش إنك عملت كده عشاني، وأنا مش هحرمك قبضك. لأنك رفضت الشغل، ع الأقل خليني أديك حق وقتك.
أدهم خاف يرفض، تشك فيه، فقال:
— هستنا أوصلك، تقدري تحاسبيني ع الاتنين في الرجوع. بيبقى أصعب، مش هتلاقي مواصلات.
سكتت، سمعت صوت، لفت ومشيت.
بصلها وهي بتغادر. شاف الطلاب، كان عددهم كبير، لم يعدوا ذلك الأطفال. كانوا بيسلموا عليها، بنات باحترام وابتسامة.
بصلها أدهم، إنها محبوبة في شغلها. فمن ذلك الذي يكره رغد؟ امرأة طيبة، حنينة، تعطي كثيرًا حينما تحب...
ميعرفش لسه إزاي اتنقلت هنا، بس واضح إنها مسافرة في شغلها، بين أجواء الغرب اللي مش لاقية عليها.
.............
رغد خلصت شغلها وهي خارجة مع زميلها، مدرس برضه، قال:
— فاضية النهارده؟ هنتعشى إحنا والفريق سوا.
رغد:
— عندي شغل بليل، مش هعرف أروح معاكم للأسف.
أومأ بتفهم، ومشيت رغد. قرب أدهم منها، قال:
— خلصتي؟
اتخضت رغد منه، قالت:
— أ.. عامر... إنت لسه موجود؟
أدهم:
— قولتلك هستناكي.
رغد:
— إنت صبرك طويل يا عامر، أما قعدت كتير بحسبك نسيت.
أدهم:
— طالما اديتك كلمة، تأكدي إني هعمل بيها.
ابتسمت رغد، قالت:
— وعد رجال... باين عليك شخص مسؤول.
ركبت معاه، ومشي أدهم بالعربية.
رغد:
— مش غريبة معاك عربية، أمال بتشتغل ليه؟
بص أدهم للعربية، قال:
— مأجرها عشان المشاوير، فبحتاجها.
سكتت رغد. بصلها أدهم وهي قاعده جنبه. حتى وإن كانت لا تعرفه، فهو يعلم إن حبيبته أمامه.
أدهم:
— إنتِ منين؟
رغد:
— مصر. إنت كمان كأنك عربي، لغتك كأنها زي...
أدهم:
— آه. ممكن أسألك ليه سيبتي مصر؟
سكتت رغد من سؤاله. بصلها أدهم من سكوتها.
رغد:
— لأني بكره البلد دي.
صمت أدهم من اللي سمعه. افتكر رغد زمان، اللي مكنتش عايزة تهرب من شاهر لبلد بره من حبها لمصر. افتكر لما رفضت تشتغل بره وفضلت تنجح في بلدها. الآن هي تكرهها... تكره بلدها.
كسف كلامها كله. سكت ومبقاش عارف يقول حاجة تاني.
قالت رغد:
— حسابك.
خرجت فلوس. ليه كانت مرتبة فلوس في أماكن محفظتها بحيث تعرف كام تخرج.
قال أدهم:
— ليه رفضتي أشتغل معاكي؟
قالت رغد:
— مش مقتنعة بمساعدة راجل، حتى لو كنت شاب أصغر مني. فالبنت هتفيدني.
قال أدهم:
— ممكن أكون أفيد ليكي من البنت... إنتِ لوحدك، لندن فيها حرامية. أقدر أكون مساعدك وحارس شخصي ليكي.
سكتت رغد عند الجملة دي. بصلها أدهم، هل تذكرته؟
كانت هترفض، بس قال أدهم:
— أنا محتاج الشغل ده.
سكتت من اللي قاله. تنهدت، قالت:
— تعالى معايا يا عامر.
مشت رغد، ومشي أدهم معاها. كان في سُلّم، كان هيحذرها، لكنها صعدت عليه.
قال أدهم:
— عارف الطريق؟
قالت رغد:
— اتنقلت هنا من شهور، حفظت شوية الطريق اللي يرجعني البيت بأمان ع الأقل.
وصلوا ع شقتها. فتحت الباب، دخل معها وبص لشقتها.
قالت رغد:
— أنا عايشة لوحدي. كان معايا زميلتي من مصر برضه... اتنقلنا وقتها في منحة لمدرسة أطفال لهنا، لكني اجتهدت ودخلت مدرسة ثانوية مشتركة... بقيت هي في مدرسة وأنا في مدرسة.
نفسها سارة اللي كلمتك من الشركة اللي بتشتغل فيها، لأني طلبت حد يكون معايا يساعدني، لأن أوقات بكون عالة شوية على نفسي.
اضايق أدهم من الكلمة اللي قالتها.
قالت رغد:
— بنت كانت هتشاركني السكن هنا، أما إنت... زي ما إنت فاهم.
قال أدهم:
— عشان راجل.
أومأت رغد، قالت:
— حتى لو كنت أصغر مني، أنا مش بأمن لرجالة... وأفضل بنت عربية محتفظة بالعادات اللي اتربيت عليها. إنت عربي وفاهم أنا بقول إيه... ممكن تكون معايا خلال يومي وبعد كده ترجع بيتك.
قال أدهم:
— معنديش مشكلة، المهم أكون معاكي.
توقفت رغد عند الجملة باستغراب.
قال أدهم:
— أقصد شغلي.
أومأت رغد بتفهم، وهي حاسة بريبة ناحيته.
قال أدهم:
— إنتِ لوحدك... أقصد عيلتك؟
قالت رغد:
— ماما في مصر، أنا هنا لوحدي... ناوي تخطفني ولا إيه؟ إنت بتوع المافيا؟
قال أدهم:
— لا، مجرد سؤال.
قالت رغد:
— ولو كنت منهم، أنا عشت معاهم، فمش هخاف منك... البيت بيتك يا عامر، استكشفه لأني مش هقدر أوصفلك، المهم متقربش من خصوصياتي.
مشت، نظر لها أدهم وبص للشقة. دخلت رغد أوضتها وهي بتجلس على السرير بعدما لمسته الأول. كان أدهم بينظر إليها.
ليته يستطيع الاقتراب منها أكثر... ليته قادر فقط على ذلك.
───
في الفندق، وصل أدهم ع أوضته، شاف عمر مستنيه.
قال:
— إنت كنت فين؟
قال أدهم:
— جبت العربية اللي قولتلك عليها.
قال عمر:
— آه، جاهزة ليك تحت... إنت روحت لرغد؟
أومأ أدهم إيجابًا.
قال عمر:
— عملت إيه؟! كأنك هادي.
قال أدهم:
— شوفتها... سلمت عليها.
بصله عمر بتفاجؤ، قال:
— سامحتك؟
قال أدهم:
— متعرفنيش. سلمت عليها وعرفتها بيا على إني شخص تاني.
قال عمر:
— ليه؟! مقلتلهاش إنك إنت؟
قال أدهم:
— لأني مضمنش ردة فعلها هتكون إزاي. ممكن مشوفهاش تاني... أنا أذيتها أذية كبيرة، حياتها اتنفت بسببي. خليني جنبها حتى لو... حتى لو إني مش أدهم نفسه. يكفي إني جنبها.
سكت عمر وبص لأدهم، قال:
— مش كده بتكون بتخدعها برضه يا أدهم؟ مش كده بتستغل مرضها عشان تفضل جنبها؟
قال أدهم:
— عندك حل غير ده؟ معنديش حل غيره... اتحرمت منها سنة يا عمر. قلبت عليها مصر، وجيت هنا عشان الشغل، ولما عرفت إنها هنا وافقت وسيبت بلدي وجيت... ربنا حطها قدامي. مقدرتش تتعرف عليا، أروح أنا أقولها أنا أدهم وأبعدها عني بعدما صدقت إني لقيتها؟
قال عمر:
— أنا بس مش عايز يكون في أي معاناة ليك.
قال أدهم:
— معاناتي متجيش حاجه جنب رغد. معاناتي لسه هتبدأ.
كان أدهم مدرك ذلك، وسكت عمر، لأنه يفهم مقدار الذنب والتأنيب اللي عانى فيه خلال السنة. برغم ذلك، لم يتوقف يومًا في البحث عنها، ولم ينساها زي ما قالوله، لأنه الوحيد اللي كان مدرك إنه مش هيقدر ينساها.
...............
رغد الصبح بتكون واقفة في المطبخ، حاطة التوست في الجهاز وبتعمل فطار. رن الجرس، مشت رغد فتحت الباب برفق.
قال أدهم:
— اتأخرت؟
قالت رغد:
— عامر، بتحترم مواعيدك.
بصلها أدهم. إنه شافها أول وش في هذا الصباح. صحى وهو خايف إن امبارح، اليوم اللي كان معاها فيه، يكون كله حلم، لكنه شافها قدامه دلوقتي.
دخلت رغد، دخل أدهم.
قالت رغد:
— فطرت؟
قال أدهم:
— بتعملي فطار؟!
شاف أدهم التوست اتحرق اللي كانت محضراه رغد. بتقرب من الجهاز وهي بتلمسه، اتلسعت. أبعدها أدهم بقلق، قال:
— إنتِ كويسة؟
مسك إيدها وبص فيها، شافها محمرة.
قالت رغد:
— أنا كويسة، عادي، متقلقش.
قال أدهم:
— مش عادي. مش لازم تستخدمي إيدك، ممكن بحته عشان متتحرقيش.
صمتت، سحبت رغد إيدها بهدةء. بصلها أدهم، هل بالغ في اهتمامه قدامها؟
قال:
— اتحرق، مش هينفع تاكليه.
قالت رغد:
— مش مهم، مش عايزة أتأخر على الشغل.
مَسكت التوست، لكنه كان محروق جدًا. تنهدت رغد.
قال أدهم:
— مش هتتأخري. اقعدي خمس دقايق.
سمعت صوت. حط أدهم توست آخر، فتح التلاجة. قعدت رغد على الكرسي.
خرج أدهم جبنة مع قطع خيار وقطعهم. سمعت رغد صوت التقطيع، استغربت، قالت:
— إنت بتقطع؟!!
بعدها سمعت صوت قلي، كان بيقلي بيض أومليت. شمت ريحته، بيعملها سندوتشات. اداها واحد، مسك إيدها. حسّت رغد بإيده الكبيرة الخشنة. نظر أدهم إليها، حط فيها السندوتشات وقال:
— كلي.
أومأت بتفهم. بعد عنها وهو مش عايز يبعد. كلت رغد، ورجعت تاكل القطمات ورا بعضها، وبان إنه عجبها.
قالت:
— كنت هسألك بتعرف تعمل أكل منين، افتكرت شغلك... بس حلو أوي، شكرًا يا عامر.
ابتسم أدهم وهو بينظر إليها وهي بتاكل.
قالت رغد:
— بتاكل، مش كده؟ إنت معملتش ليا بس.
قال أدهم:
— بتقلقي دايمًا ع اللي حواليكي؟
قالت رغد:
— مبحبش أكون لئيمة.
ابتسم أدهم، وابتسمت رغد. حس أدهم إن حياتها رجعتله، اللحظة اللي معاها فيها تساوي عمره بأكمله.
قالت رغد:
— يلا عشان متأخرش.
بتدور على شنطتها، أدهم ادهالها قبل ما تدور. ابتسمت رغد، قالت:
— شكرًا يا عامر.
بصلها. من "شكرًا" يتمنى لو كانت بتشكره كأدهم.
───
وهي بتركب العربية، حسيت بنعومتها وكأنها حديثة. استغربت، قالت:
— إنت غيرت عربيتك؟
قال أدهم:
— زي ما هي.
قالت رغد:
— فعلًا؟!
قال أدهم:
— مش كنتِ متأخرة؟
قالت رغد:
— إنت غريب. أنا مش هضيف مصاريف زيادة ع مرتبك عشان العربية الخاصة. هدفع اللي بدفعه في المواصلات، أنا مش غنية.
ابتسم أدهم، قال:
— مكنتش هضيف رسوم زيادة.
استغربت رغد وقالت:
— والعربية والبنزين؟
قال أدهم:
— بعتبرهم من شغلي.
قالت رغد:
— لازم أديك بوينت في شركتك.
مشيت، وقال أدهم جواه:
"ابتسمي... مش عايز حاجة غير إنك تبتسمي يا رغد."
........................
وصلها ع شغلها، جتله مكالمة من مصر. رد أدهم.
قال توفيق:
— إنت فين؟
قال أدهم:
— نعم؟
قال توفيق:
— معاها؟
قال أدهم:
— آه.
قال توفيق:
— لحد إمتى هقولك متحاولش تدور عليها، وبرغم ذلك موقفتش؟
قال أدهم:
— لأني مش هوقف لحد ما تسامحني وترجعلي.
قال توفيق:
— إنت بتحاول تعيش في وهم يا أدهم.
قال أدهم:
— لو كنت قلتلي ع مكانها، كان زماني وصلت لها... لكنك اتحفظت ع مكانها، وأنا واثق إنك كنت تعرفه كويس، وإنت اللي نقلت شغلها لهنا. عشان كده رفضت أطلع المهمة دي في نفس البلد.
قال توفيق:
— مين قالك إنها هناك؟ طلعت عشانها، مش كده؟
قال أدهم:
— كنت فاكر هاخد وقت إني أدور عليها... الصدف رمتها قدامي.
قال توفيق:
— وبعدين؟! هتعمل إيه بعد كده؟... هترجعها؟
قال أدهم:
— هرجعها.
قال توفيق:
— إزاي وإنت مش قايلها إنك أدهم؟
صمت أدهم. توفيق، جده، عرف.
قال توفيق:
— لو كنت معاها دلوقتي وحاسس براحة لمجرد إنك معاها، لكن تقدر تواجهها؟
قال أدهم:
— هقولها أنا مين بس ف الفرصه المناسبه.
قال توفيق:
— قبل ما تقولها إنت مين يا أدهم، عايزك تسألها عن سبب الحادثة... وليه رغد لحد دلوقتي، ولسنة كاملة، مش بتشوف. اسألها، وبعدها قولها إنت مين، وهتعرف ليه منعتك تعرف مكانها.
صمت أدهم، وقفل تليفونه مع جده.
───
رغد خلصت شغلها، خرجت وقفت عند البوابة. مكنتش عارفة فين عامر ولا واقف فين. فضلت واقفة عند الباب، اتخيلت إنه ممكن يكون ع الطريق.
مشت برفق. كانت شرطة المرور شافها بتعدي، اتصدم، قال:
— مدااام!
رغد حطت رجليها ع الطريق، سمعت صوت زمارة عالية. قلب رغد دق جامد وهي بتفتكر لما كانت في العربية وعملت حادثة. ارتعشت من التذكر وصوت صراخها من الوجع اللي لسه فاكراه لحد دلوقتي.
جت عربية بسرعة، سحبها أحد فورًا. مسكت فيه بأظافرها، كان أدهم اللي مسكها قبل ما العربية تخبطها.
كانت بتاخد أنفاسها.
قال أدهم:
— إنتِ كويسة؟
كانت بتحاول تهدى. خد بإيدها وقعد على الديسك، قال:
— اهدي، خلاص، محصلش حاجة.
لقى إيدها ساقعة وهي ماسكة فيه.
قالت:
— كنت فين؟
قال أدهم:
— كنت بجيب حاجة.
قالت رغد:
— متسبنيش لطريق... بخاف منه.
سكت أدهم، ربت على إيدها.
قال:
— أنا آسف.
شعرت رغد بدفء يده.
قال أدهم:
— اشربي العصير ده.
لمست رغد العصير بأناملها، استغربت منه. هل كان بيحضر لها العصير؟
قال أدهم:
— هنمشي شوية، لأن ركنت العربية بعيد... الظابط قالي الركنة مخالفة هنا.
قالت رغد:
— خدت مخالفة؟
قال أدهم:
— لا، لحقت نفسي.
سكتت رغد، قامت وهي بتبعد إيدها عنه.
قال أدهم بيمنعها:
— خلي إيدك في إيدي عشان الطريق ع الأقل.
قرب أدهم إيده منها، مسكتها رغد بتفهم.
قالت:
— بحسبك مشيت لما ملقتكش.
قال أدهم:
— بعتذر إني اتأخرت.
قالت رغد:
— مفيش مشكلة... إيه مناسبة العصير؟
قال أدهم:
— كنت في السوبر ماركت، لقيت بنت بتاخد العصير ده، قالت إنه طعمه حلو، ففكرت فيكي.
خده منها وفتحه، قربه منها لتشرب. استغربت رغد منه كثيرًا. أدهم حس إنه بالغ.
خدته رغد، قالت:
— إنت لطيف يا عامر وعفوي... حبيبتك مش مضايقة من وجودك معايا؟ فهمها إنك أخويا الصغير... من زمان وأنا كان نفسي يبقى عندي أخ.
صمت أدهم لأنها بتعمله كأبنها وهو أكبر منها.
أدهم:
— عرفتي منين إن عندي حبيبة؟
رغد:
— لابس دبلة، شكلك بتحبها، لأن الذكور بيقلعوا أي دبلة ممكن تظهر إن عندهم حبيبة عشان يكونوا متاحين، فاعتقد هي محظوظة بيك.
أدهم:
— معتقدش،... أنا ليا عيوب، عيوب أكتر من مميزات.
رغد:
— مفيش إنسان خالي من العيوب.
أدهم:
— تفتكري؟
أومأت إيجابًا.
صدر صوت نباح كلب، وقفت رغد مكانها.
قالت:
— كلب.
بص أدهم، لقى كلب ماشي مع صاحبه حر من غير سلسلة.
قال أدهم:
— آه، في إيه؟
تصلبت رغد، بصلها أدهم.
قال:
— في حاجة؟
قالت رغد وهي بتجز على أسنانها بحرج:
— بخاف من الكلاب.
الكلب جه عندها، ارتعشت رغد وهي بتكتم صراخها. أدهم قرب منها وحاوطها بذراعيه وهو بيعانقها من الخلف.
قال:
— متتحركيش، اهدي... بيشم ريحة الخوف.
قالت رغد:
— ابعده.
أدهم:
— هيقرب أكتر، هيفتكرك بتلعبي معاه.
كبتت رغد خوفها وهي حاسة بالكلب عند رجليها بيلف حواليهم. أما أدهم فكان بيعانقها... أخيرًا بيعانقها، وهو يستغل الموقف، يشعر بها، يشعر بدفأها وجسدها الرقيق أمام ذراعيه القوية. إنها بين يديه، إنها في أحضانه، اللي اتحرم منها، وريحتها رجع يشمها تاني، ريحتها اللي اشتاقلها.
قال أدهم بصوت رخيم رجولي:
— اهدي.
تنهد من دقات قلبه السعيدة من قربها.
رغد:
— متوحش.
أدهم:
— آه، لكنه هيمشي طول ما إنتِ هادية... أنيابه كبيرة.
ضاقت ملامح رغد. نادى الرجل ع الكلب:
— روكي!
جرى الكلب عليه وبعد عن رغد وأدهم، لكن أدهم مبعدش عنها.
لم تعد رغد تسمع صوت لهاث الكلب، قالت:
— مشي؟!!!
كان أدهم هائم بيها.
رغد:
— عامر.
بص وعاد لرشده.
قال:
— آه، مشي، لسه ماشي.
صمتت رغد.
قال:
— خلينا نمشي، لسه العربية بعيدة.
أدهم:
— جنبي، اركبي.
فتح لها الباب، دخلت رغد.
قالت:
— أنا نسيت أسألك، إنت من أي بلد؟
سكت أدهم قليلًا.
قال:
— مش عايز أقولك فتكرهيني.
قالت:
— منين؟!
قال أدهم:
— مصر.
سكتت رغد.
أدهم:
— معندكيش مشكلة، صح؟
قالت رغد:
— معنديش مشكلة مع الناس يا عامر، توقعت ده من لهجتك اتكلم مصرى
أدهم حس ان بلهجته المصريه هتعرف صوته قال
— بفضل الانجليزى... انتى ليه بتكرهي بلدك؟
رغد:
— لأني مشفتش حاجة حلوة معاها... بنيت فيها ذكريات مؤلمة، ذكريات سببت ليا أذية كبيرة... كل حاجة في البلد دي أذتني... قررت أخرج منها وأنا عايزة حياة جديدة، حياة بعيدة عن أي حاجة ممكن ترجعني للماضي.
سكت أدهم منها.
رغد:
— زي ما إنت خرجت عشان تشتغل كده وتبني حياتك بره.
كان عاوز يقولها إن تفكيرها غلط، إنه جه عشانها.
───
وصلها أدهم ع بيتها.
رغد:
— شكرًا ع أكل الصبح... هعملك العشا كشكر ع الصبح وإنك أنقذت حياتي.
أدهم بابتسامة:
— معتقدش.
رغد:
— وده ليه؟
أدهم:
— لأنك مبتعرفيش تعملي أكل.
سكتت رغد، قالت:
— وإنت عرفت منين إني مش بعرف أطبخ؟
صمت أدهم. قربت رغد منه.
أدهم:
— شوفت علب الطلبات في الزبالة، كانوا كتير، كأنك بتجيبي أوردرات، بس عرفت إنك مش بتعرفي تطبخي.
أومأت رغد بتفهم، وقعدت ع الكنبة.
قالت:
— اتعلمت وفشلت... ع الأقل بعرف أعمل شغلي.
أدهم:
— إنتِ مدرسة إيه؟
رغد:
— فنون.
أدهم:
— وبتعرفي... ترسمي أو تنفني؟
رغد بابتسامة:
— أي حد زيك بيستغرب... تعالى معايا يا عامر.
قام ومشي معاها. دخل مكتبها، شاف لوحتها، نظر لها.
رغد:
— هربت من اللي كنت فيه برسوماتي هنا... أنا مش بشوف، بس بحس في حاجات في الرسم والفن بتعتمد ع الإحساس... مش كله، لأني برضه بستفيد من ذاكرتي البصرية قبل كده، وبستخدم اللمس... الفن مش بيعتمد ع النظر بس يا عامر... اللمس والإحساس بالمكان والشكل ممكن يكونوا أدوات أساسية.
صمت أدهم، قال بتردد:
— إنتِ... مش بتشوفي من زمان ولا في حاجة حصلت؟ لأنك قولتي ذاكرتك البصرية قبل كده.
سكتت رغد من سؤاله. بصلها أدهم باهتمام كبير.
رغد:
— كنت بشوف.
أدهم:
— إيه اللي حصل؟
قالت رغد:
— عملت حادثة خلتني أخسر عيني.
..........
افتكرت رغد الإزاز اللي دخل في عينها من الحادثة، وهي بتصحى وبتـمسك وشها.
مكنتش شايفة حاجة. كانت بتسمع أصوات إسعافات ودكاترة حواليها وهما بيسعفوها، وهي مش قادرة تتحرك، كأنها بتموت.
افتكرت رغد لما فاقت وهي مش شايفة حاجة.
قال الدكتور وقتها:
— حمدالله ع السلامة.
رغد:
— مين بيتكلم؟
قال الدكتور:
— أنا دكتور، إنتِ في المستشفى، متقلقيش.
رغد:
— في حاجة في عيني؟
سكت الدكتور، بيحط رغد إيدها على عينها. مكنش في شاش ولا أي حاجة.
قالت:
— أنا مش شيفاك، ليه؟
قال الطبيب:
— الحادثة اللي حصلتلك دمرت قرنية عينك.
سكتت رغد. لم تصرخ، لم تفعل كأي حالة تمر عليهم من خسارة حاسة مهمة وكبيرة زي دي.
قالت رغد:
— تمام، شكرًا.
.....................
صمت أدهم، واحمرت عينه من اللي بيسمعه.
قالت رغد:
— كان غلطتي، لأني خرجت وأنا في حالة مش طبيعية بسبب...
بصلها أدهم قال
— بسبب إيه؟
رغد:
— سمعت بخبر... جواز حبيبي من البنت اللي خاني معاها.
دمعت أعين أدهم من اللي سمعه، واتصدم، بل حس بلعنة وحمل كبير بيتحط عليه.
رغد:
— مرجعتش زي ما كنت بعد الحادثة... لكني متقبلة اللي أنا فيه.
دموع أدهم كانت هتنزل. حس بجحيم الإدراك بعد ما عرف الحقيقة. مكنش قادر يستحمل وهو بيبصلها، اللي حصل فيها ده كان بسببه. حس بطعنة كبيرة بتشقه لنصفين، وجع أكبر وهو بيبصلها.
قال أدهم بغصة، وهو بيحاول يتكلم ويخرج صوته:
— م... مفيش عملية؟ محاولتيش تتعالجي ترجعي تشوفي تاني؟
رغد:
— في عملية، قالّي الدكتور عليها، لكني رفضت.
أدهم:
— ليه؟
قالت رغد:
— مش عايزة أرجع أشوف تاني.
بصلها أدهم من اللي قالته.
رغد:
— شوفت خيانة أكتر حد أمنته... شوفت اللي كسرني وقتلني... هرجع أشوف تاني ليه؟! أوقات العمى بيكون رحمة... أنا اخترت أكون كده علطول، لأني مش عايزة أشوف أكتر من اللي شوفته.
سالت دمعة من أدهم. حس بعذاب كالجحيم بيتحط فوقه. خفض راسه وهو بيحاول يكبح صوت بكاه وحزنه، بس ظهرت تنهيدة قاهرة لم تخرج منه يومًا.
سمعتها رغد، قالت:
— عامر؟
سالت دمعة أخرى من عين أدهم. قربت رغد منه، قالت:
— إنت بتعيط؟
أدهم بحزن وانكسار:
— أنا آسف.
كانت عينه مليانة تأنيب ووجع لا يعلمه أحد غيره. نظر لها وقال:
— آسف.
رغد:
— بتتأسف ليه؟ ولا يهمك، أنا مش زعلانة.
أدهم:
— استحملتي كل ده؟
سكتت رغد. قربت أناملها من وشه، قالت:
— معرفش إن قلبك رقيق كده... أنا تمام، صدقني. أنا دلوقتي أفضل.
مسحت دمعته. بصلها أدهم من لمستها، وقلبه دق، رغم إنها متعرفش إنها قاعدة مع أكتر حد أذاها، أكتر حد دمرها.
رغد:
— كأن ملامحك وسيمة يا عامر... رجولية أكتر من سنك.
بتلمسه، وبييجي في ذاكرتها لمستها لذلك الوش والدقن.
قالت رغد:
— عايزة اشوف وشك، لكني مش عارفة.
قربت إيديها الاتنين منه. بصلها أدهم. لمست عينه وحاجباه. أغمضت رغد عينها وهي بتفتكر تفاصيل الوجه دي اللي عارفاها.
قالت:
— الملامح دي...
نظر لها أدهم، وقلبه دق من لمساتها. مسك إيدها وبعدها عنه، وكأنه خاف تتعرف عليه.
قال أدهم:
— آسف إني فكرتك بذكرى وحشة... همشي عشان عندي شغل.
قام وسابها ومشي. وهو بيخرج من شقتها، وسايب لعنته وراه، سايب الذنب والمعصية اللي وراه، وعمره ما هيتمحى في حياته.
───
نزل أدهم من عندها، قابل عمر اللي جه لحد عنده.
عمر:
— أدهم، بتعمل إيه هنا؟
لاحظ عمر تغير ملامح أدهم.
قال:
— إنت كويس؟
أدهم:
— مين قالك تقولها؟
عمر:
— سألتني، مقدرتش أكذب. ولو كنت كذبت، كانت هتعرف... توفيق بيه قالك حاجة ضايقتك؟
أدهم:
— كان معاك حق يا عمر... أنا غلطت لما جيت هنا... أنا غلطت أكبر غلطة بوجودي معاها.
بصله عمر من اللي بيقوله.
........
أدهم كان في الفندق بيعمل مكالمة ومستني الرد.
توفيق:
— ألو يا أدهم.
أدهم ببرود:
— إنت كنت عارف... كنت عارف باللي حصلها ومقولتليش.
توفيق:
— لو قولتلك، هتعمل إيه؟ هتجلد في نفسك؟ اللي حصل حصل.
أدهم:
— وأنا دلوقتي مش بجلد في نفسي... أنا كنت فاكر إني خنتها، بس... أنا أذيّتها، أذيّتها أكبر بكتير... أنا شوهت حياتها... أنا... أنا اللي خليت عينها متشوفش غير السواد.
قال توفيق:
— أدهم...
قفل أدهم الخط، وهو بيفتكر رغد. بيفتكر حياتها وهي مش بتعمل حاجة غير إنها تلمس وتحس الأماكن اللي جنبها، وقبل ما تخطو الخطوة لازم تحذر إنها تقع.
افتكر جملتها:
"أنا عالة ع نفسي."
افتكر إزاي خاف لما لقاها هتتعرف على ملامحه.
قال أدهم:
— جبان...
يا ليته لم يعرف الحقيقة. لو كان ذنبه واحد، فذنبه أعظم... دمرها، خد منها نظرها، خلاها تخاف تعيش وتثق... حتى الابتسامة اللي بترسمها باهتة، مليانة ألف حزن وانكسار وراها... بمجرد ما بتفتكر الماضي اللي عمرها ما نسيته، بتبهت وشها... كل حاجة لسه معلقة معاها.
خسرت نظرها بعد مشهد رؤيتها ليه ولخيانته.
مستحيل تسامحه... مستحيل تنسى اللي عمله... اللي بقى فيه أكبر من اللي تخيله... هو الشخص المؤذي في حياتها.
───
في اليوم التالي، كانت رغد قاعدة في شقتها، مستغربة ليه عامر مجاش لها.
قالت رغد:
— حتى نسيت آخد رقمه بعد كل ده.
خرجت تليفونها، قالت: رقم سارة.
كانت بتستخدم ذكاء اصطناعي للتليفون، جابلها رقم سارة. رنت عليها.
قالت سارة:
— افتكرتيني أخيرًا؟
قالت رغد:
— عاملة إيه يا سارة؟ معاكي رقم عامر أو تقدري تجيبهولي من الشركة؟
قالت سارة:
— عامر مين؟!
قالت رغد:
— المساعد اللي بعتيه.
استغربت سارة، قالت:
— مساعد؟!
قالت رغد:
— في حاجة ولا إيه؟
قالت سارة:
— ها؟ لا، مفيش... كملي.
قالت رغد:
— معلش نسيت أشكرك. الشاب كويس، ساعدني في اليومين اللي فاتوا كتير. كنت مترددة، حتى لو مساعدة جت مكنتش هرتاح معاها.
مكنتش سارة فاهمة.
قالت:
— هحاول أشوفلك رقمه.
قالت رغد:
— هو مش معاكي؟ مش إنتِ اللي بعتاه؟
قالت سارة:
— آه، بس مش أنا اللي اتواصلت معاه، والشركة مش بتدي أرقام موظفينها لحد زي ما إنتِ عارفة.
قفلت رغد بتفهم. سارة استغربت.
قالت:
— مساعد؟! بس الشركة بلغتني إن لسه البنت هتوصلها أول الأسبوع الجاي، ومحدش راحلها... أنا لازم أعرف إيه الحكاية ومين ده.
───
رغد بتسمع خبط الباب. راحت فتحت. كان أدهم. نظر إليها، وطبعًا مقدرش يمنع نفسه ميجيش لها.
قالت رغد:
— عامر؟!
أدهم:
— حصل ظرف أخرني.
قالت رغد:
— مش مشكلة. إنت كويس؟ من امبارح كأنك غريب.
أدهم:
— أنا تمام. جهزتي؟
رغد:
— النهارده إجازة.
قال أدهم:
— فعلًا؟!
قالت رغد:
— كنت نازلة أشتري شوية طلبات، محتاجاك معايا.
أومأ أدهم بتفهم. مدت رغد إيدها على الجزمة. نظر أدهم إليها، خد الجزمة بتاعتها، ونزل على ركبتيه.
استغربت رغد كثيرًا.
قالت:
— بتعمل إيه؟!
مسك رجليها وهو بيلبسها الحذاء برفق.
قال أدهم:
— اسندي عليا.
حطت رغد إيدها على كتفه، وابتسمت بهدوء.
───
في السوبر ماركت، قال أدهم:
— عايشة هنا بقالك كتير؟
قالت رغد:
— لا، شهور زي ما قلتلك. إنت بتنسى كتير ع فكرة.
قال أدهم:
— آسف.
قالت رغد:
— ولا يهمك.
بصولهم بنتين.
قالت فتاة:
— إنه وسيم.
قالت رغد :
— بشفق على حبيبتك من غيرتها عليك. أنا متخلياك وسيم فعلًا، واتأكدت من اللي سمعته دلوقتي.
ابتسم أدهم بهدوء.
أخرجت رغد محفظتها، خدها أدهم وخرج فلوس من جيبه هو وحاسب من فلوسه. بصله المحاسب ابتسم لأنه دفع معاه، وقفل المحفظة زي ما هي.
رغد:
— خلاص؟
قال أدهم:
— آه.
رجعلها محفظتها، واداله المحاسب الشنط، وخدها أدهم ومشي. لقوا الدنيا بتمطر.
رغد رجعت لورا لما سمعت صوت المطر. بصلها أدهم، ظن إنها هتخرج، بس تجنبت المطر زي أي حد.
لفت وهي بتمشي تحت ظلال المحلات.
قال أدهم:
— مش بتحبي المطر؟!
قالت رغد ببرود:
— لا.
سكت أدهم من ردها.
رغد:
— خلينا ندخل في أي مكان لحد ما يخلص.
حس أدهم بحزن، بس دخلها كافيه وهو بيبص من الإزاز للمطر. بيتخيل رغد، حبيبته، وهي تتراقص من أسفله ببراءة وفرحة، وأدهم بيقف جنبها ويشاركها اللحظة، كأن المشهد ده بيتعرض قدامه فعلًا.
لحد ما جت عربية ومحَت ذكرياته.
أدهم:
— محاولتيش تنسي؟
سكتت رغد.
أدهم:
— لو ضايقتك وفكرتك...
رغد:
— منستش عشان أفتكر... النسيان بيبقى صعب ع الإنسان أحيانًا، خارج عن إيده. لو كان بإيد الإنسان ينسى، كان محى كل ذكرياته الوحشة يا عامر.
قال أدهم:
— لو عملت حاجة غلط... عملت ذنب كبير.
قالت رغد:
— إنت؟! زي إيه؟
قال أدهم:
— خونت ثقة حد أنا بحبه... ندمت ومستني الفرصة إن الشخص ده يغفرلي.
قالت رغد:
— إنت شخص كويس لأنك ندمت... اعتذر واعترف بغلطك، والشخص ده هيسامحك.
قال أدهم:
— معترف بيه من زمان، وحاولت أعتذرله بكل الطرق، لكن الأذى ده كان كبير، ومعتقدش إنه ممكن يسامحني.
سكتت رغد، قالت:
— مش عارفة أقولك إيه، بس اعمل اللي عليك... عشان ترضي ضميرك. لو اعتذارك صادق ومن قلبك بجد وندمان، هيسامحك.
قال أدهم بحزن خفي:
— ندمان من زمان... إنتِ شايفة كده؟
سكتت رغد من سؤاله.
قالت:
— أ... آه.
المطر وقف. قامت رغد، قالت:
— يلا نمشي.
بتمشي رغد وهي بتسبقه، خبطت في راجل والعصير بتاعه وقع عليه. اتخضت رغد.
قال الراجل بغضب:
— إنتِ اتجننتي ولا إيه؟
قالت رغد:
— أ.. أنا آسفة... أنا بجد آسفة.
الراجل:
— آسفة إيه وزفت إيه يا عمياء؟ إنتِ عارفة عملتي إيه؟
رغد:
— أنا آسفة، أنا فعلًا عامية، أنا مكنتش أقصد.
أدهم قال:
— هي مين دي اللي عامية؟ يروح أمك!
ومسكه واداله بروسية. اترن الراجل، بص بصدمة. مسكه أدهم ونزل بوكس جامد ع وشه، وقع ع الترابيزة. والكافيه كله حاول يبعد أدهم عنه.
رغد اتخضت من الصوت وكانت خايفة، قالت:
— ع.. عامر!
أدهم وهو بيمسكه من هدومه:
— اعتذرلها.
الرجل بألم:
— أنا آسف.
رماه أدهم من إيده، ومسك إيد رغد وخدها ومشي تحت نظرات الكل.
───
في العربية، قال أدهم:
— إنتِ كويسة؟
أومأت رغد إيجابًا.
قال:
— مكنش لازم تعمل كده، ممكن البوليس يخبط عليك النهارده.
قال أدهم:
— أنا مش بخاف من حد، المهم إنتِ كويسة.
كانت صامتة من اللي حصل.
قال أدهم:
— مضايقتيش، صح؟
قالت رغد:
— أنا كويسة، خلينا نرجع البيت.
───
رغد في بيتها بتغسل وشها بالمية. سمعت صوت، خرجت.
قالت:
— عامر اى الصوت العالى ده
كان ف عمال مع ادهم رتبو البيت بيحاسبهم قال
_بكره المكان هيكون فاضى
اومأو بتفهم ومشيو خرجت رغد قالت _عامر ، إنت لسه هنا؟
لمست اغراضها استغربت قالت_رتبت الدنيا اوى
قال ادهم — آه... اقعدي كلي.
كان حاطط أطباق على السفرة.
قالت رغد:
— عملت أكل كمان..سرعتك عاليه و؟ ريحته... جميلة.
قعدت على الكرسي، قالت:
— بحسك إنك إنت الكبير، مش أنا. تصرفاتك رجولية شوية، زي اللي حصل من شوية. بعد كده متعملش حاجة من غير ما تقولي. أنا مش عايزاك تتأذى بسببي.
سكت أدهم. مغلطش، وكان ممكن يعمل أكتر من كده فيه، بس عشان كانت معاه، فلمّ الموضوع.
أدهم:
— رغد...
توقفت رغد عن أكلها من الصوت، وتلك النبرة، وهذا النطق. افتكر أدهم وهو بيناديها قبل كلامه: "رغد".
بصلها أدهم، إنها وقفت أكل.
قال:
— في حاجة؟
رغد:
— ص... صوتك مألوف... لحد أعرفه.
سكت أدهم. بصلها، هل كشفته؟
قال أدهم:
— مين؟
قالت رغد:
— حد مش عايزة أفتكره.
حزن أدهم.
قال لنفسه:
"حبيبك... أنا آسف لو فكرتك بيه."
شربت رغد مية، قالت:
— شكرًا يا عامر ع الأكل. خليك هنا لحد بليل، ممكن البوليس يضايقك شوية لما ترجع.
قال أدهم:
— وجودي مش هيضايقك؟
قالت رغد:
— بقيت أعتبرك فرد عائلي.
صمت أدهم، وأكلت رغد، ونظر لها وهي بتأكل قدامه.
───
كانت رغد نامت على الكنبة غصب عنها.
قرب أدهم منها بهدوء.
قال:
— رغ...
سكت، وكأنه خاف تعرفه من نبرته.
شالها برفق على زراعيه، ودخلها أوضتها بتاعتها، وحطها على السرير براحة.
بيمسك إيدها، بيخرج الخاتم بتاعها اللي لسه معاه لحد دلوقتي. بص لإيدها.
ليته يستطيع أن يعيد خاتمها بين أصابعها.
قرب وشه منها وباس إيدها بحنين وشوق.
قال بصوت ضعيف:
— حقك عليا... يا ريتني أقدر أقولك.
لمس وجهها، بيروي شوقه.
قال:
— وحشتيني يا رغد.
تنهد وهو بيتأملها، ومش عايز يقوم.
غطاها باللحاف وقام.
رن تليفونه، رد على عمر.
قال:
— إنت فين؟
أدهم:
— عندها.
عمر:
— إنت ضربت أجنبي في بلده. البوليس سأل الجهات المختصة عليك.
قال أدهم:
— ضايق رغد، وكان هيتعدى عليها. لو شوفته هضربه هو واللي يقفله.
عمر:
— إنت هتقولها إمتى؟
سكت أدهم، وهو بيبص لرغد اللي نايمة.
عمر:
— قولها إنت، عشان لو عرفت، هي هتضايق أكتر.
أدهم:
— هقولها... بكرة هخلص الموضوع ده.
في اليوم التالي، رغد كانت في مكتب المدرسة، بتلتمس كتب بخطوط بارزة.
جه صوت:
— هالو.
قالت رغد:
— سارة؟
قربت سارة منها بابتسامة، وقالت:
— روحتلك الكلاس بتاعك، قالوا إنك في المكتبة.
رغد:
— بتعملي إيه هنا؟
سارة:
— جاية أشوفك كده، بتستقبلي زميلتك... أمال مساعدك فين؟
رغد:
— وصلني ع الشغل، أوقات بيعمل حاجة ويرجع ياخدني... فرصة تشوفيه.
سارة:
— مستنية أشوفه بردو. احكيلي عنك.
───
أدهم وصل بالعربية، شاف رغد، وكانت معاها سارة، اللي بصتله بصدمة كبيرة.
قالت بهمس:
— الرائد أدهم...
نظرت لرغد، ورجعت تبص لأدهم بصدمة، مش فاهمة إزاي أدهم معاها، بس متأكدة إن رغد متعرفش هو مين.
قالت رغد:
— عامر، دي سارة زميلتي اللي اتواصلت مع الشركة.
قالت سارة:
— عامر؟! أهلًا، عامل إيه؟
لم تكشفه، بل ساورتها الشكوك.
أدهم:
— بخير.
بصتله سارة بشدة.
أدهم:
— خلصتي شغلك؟
رغد:
— آه، نقدر نمشي.
سارة:
— أنا همشي عشان في حاجة نسيتها.
رغد:
— تمشي؟!
سارة:
— تتعوض تاني.
قربت من أدهم، وقالت:
— ممكن نتكلم ع انفراد؟
سكت أدهم، وبص لرغد، ومشي بعيد معاها.
قالت سارة:
— في الأول مكنتش فاهمة رغد بتقولي إيه، ومساعد إيه اللي وصلها... جيت عشان أفهم، بس عمري ما تخيلت إن يكون إنت يا سيادة الرائد.
قال أدهم:
— مقولتلهاش ليه؟
قالت سارة:
— خليها تيجي منك إنت أحسن. أنا مش فاهمة حاجة، وسبب وجودك هنا معاها... لازم أقولها. لازم تعرف. كده هتزعل مني أنا، وهتحس إني متورطة معاك، ورغد بتضايق من أي موضوع متعلق بيك، يعني ممكن أخسرها.
قال أدهم:
— متقوليلهاش.
بصتله سارة.
قال أدهم:
— هقولها أنا مين... مستني الفرصة.
قالت سارة:
— من فضلك عرفها، هي أصلًا شاكّة فيك... كان عندها رغبة إني أشوفك، وكأني عينها... صوتك مميز يا أدهم. ممكن السنة عملت تشويش لذاكرة رغد من صوتك، لكن مع أقرب ذكرى قوية ليها هتفتكر بيك، هتعرف حقيقتك وإنك أدهم، مش عامر المساعد اللي بتعتبره أخوها.
قال أدهم:
— كنتِ معاها في السنة دي؟
قالت سارة:
— آه، كنت معاها وهي بتشتغل، ومعاها وهي بتتعب. كانت بتضيق في الرسم واللوح... مركزة ع شغلها، والمدرسين في المدرسة بيحبوها، وهي في طريقها تتنقل لمدرسة أكبر من دي في لندن.
أدهم:
— معاكي رقم الدكتور اللي بتتابع معاه؟
سكتت سارة، وقالت:
— بتفكر في إيه؟
أدهم:
— عايز رغد تعمل العملية، عايزها ترجع نظرها.
قالت سارة:
— حاولت معاها ورفضت، بتخاف من العمليات زي ما إنت عارف.
أدهم:
— هتوافق.
بصتله سارة من ثقته، وخرجت تليفونها وادته رقم الدكتور.
───
في المساء، رغد كانت قاعدة صامتة، وأدهم كان بينظر ليها وهي بترسم.
مدت إيدها تاخد كاس المية، خبطته وكان هيقع، لكن إيد أدهم كانت أسرع والتقطته.
رغد مسمعتش صوت الوقوع أو الانكسار.
قالت:
— ع... عامر؟! إزاي؟
وقعها أدهم من إيده، وسكبت المية.
استغربت رغد.
قال أدهم:
— معرفتش أمسكها.
رغد:
— ولا يهمك.
كانت مستغربة أوي.
رغد:
— تشرب قهوة؟ بعرف أعملها، متقلقش.
───
بيشربوا القهوة سوا.
قال أدهم:
— معملتيش العملية ليه؟
رغد:
— قولتلك قبل كده.
قال أدهم:
— في حاجات كتير محتاجة تشوفيها... متفقديش الأمل من اللي عيشتيه. إنتِ كده بتأذي نفسك، قفلتي نظرك وبصيرتك على حاجة، ومش عايزة تشوفي غيرها.
رغد:
— بتفتح الموضوع ليه؟
قام أدهم وقعد جنبها.
قال:
— اعملي العملية.
قالت رغد:
— بخاف من الجراحة.
أدهم:
— هكون معاكي... ممكن لما ترجعي تشوفي، وقتها تقدري تشوفيني أنا كمان.
ابتسمت رغد، وقالت:
— عندي فضول أشوف ملامحك.
أدهم:
— إنتِ قوية بطبعك، إصرارك دايمًا كان طبع فيكي.
قالت رغد:
— بتتكلم كأنك عارفني... أنا أجبن مما تتخيل.
أدهم:
— لأنك مصورة لنفسك كده، لكنك أقوى بنت ممكن أشوفها.
صمتت رغد، وقالت:
— قولي يا عامر، في حد أذاك قبل كده؟
أدهم:
— أذيت نفسي... أذيتها جامد.
قالت رغد:
— شكل وجعك أكبر، لكنك طيب... متشوفش الدنيا وحشة، وع قد ما تقدر عيشها.
صمت أدهم.
ابتسمت رغد وهي تريح راسها على الأريكة.
قالت:
— هفكر في اللي قلته.
أدهم:
— اوعديني.
رغد:
— أوعدك، خلاص.
خد أدهم منها الكوباية.
رغد:
— مخلصتش القهوة.
أدهم:
— لازم تنامي.
أخذها بيدها بحنان، وهو بيوديها أوضتها. قعدها على السرير، ونظر إليها ازاح شعرها وهو يربت عليها بعد عنها، وقفل الشباك والستارة.
قالت رغد:
— بحب أنام والشباك مفتوح.
أدهم:
— عارف.
سمعت صوت تقفيل الستائر، والأوضة أصبحت عتمة، مفيش معاها شخص غيره.هما لوحدهم
وقف أدهم قدامها.
قالت رغد:
— ع.. عامر؟
قعد أدهم جنبها.
قال:
— لو احتجتي حاجة، أنا جنبك.
بصلها، وبص لشفتاها. قرب أدهم منها وهو بينحني ليكون مقابلًا لها. شعرت رغد بأنفاسه، لتشعر بتلامس وكسر الحواجز جعل مشاعرها تنتفض.
قرب أدهم إيده من رقبتها، وهو بيلمسها بحب، في لحظه هادئة أخرج بها كل الحب اللي في قلبه، حتى ابتعد وهو لا يزال قريبًا منها.
نظر إليها من صمتها في تلك اللحظة، بعد ما فعله وضعفه.
قالت رغد:
— أدهم...
توقفت نبضات قلب أدهم حينما نطقت باسمه.
قالت رغد بصدمة:
— إنت؟!!!
إنها تعلم الآن من يكون.