
١٠- سقوط السيد الضخم..
سمع صوتها عاليًا، على ما يبدو أن أمرًا ما قد أخرجها من طورها على غير العادة، ما حثه على ترك موضعه المعتاد في قاعة المقهى، وتوقف بالقرب من المطبخ، مادا رأسه مستفسرًا في هدوء حتى لا يلاحظه أحد..
كانت تتحدث عن غلو الأسعار وجشع الموردين لمستلزمات المقهى، تبحث بكفها وهي منغمسة بحديثها الثائر عن شيء ما أدركه من فوره.. دخل المطبخ في تؤدة وهي توليه ظهرها، واقترب من مكانها واضعًا جوارها ما كانت تبحث عنه يدها، وخاصة عندما تغضب.. تفاحة..
هتفت زافرة وهي تنهي شكواها: استغفر الله العظيم..
التقطت التفاحة التي طالتها كفها أخيرا، وقضمتها في عنف تخرج فيها غيظها، إلا أن التفاحة انفجرت بوجهها ودفعت بعصيرها على خدها وملابسها.. هنا انفجر يوسف مقهقهًا، وانتبهت هناء لوجوده ملتفتة إلى غفران مستفسرة عما يحدث، لتقهقه بدورها على حال غفران المغطاة بعصير الطماطم التي قضمتها معتقدة أنها إحدى التفاحات المسكينات التي تفرغ فيها غلها..
وقفت غفران في ثبات منتظرة انتهاء مزاحهما، فهتف يوسف بدوره: ما رأيك يا هناء! أليست هكذا أفضل! بعض من عصير الطماطم على ذاك الوجه الثائر يعطيه بعضًا من..
قاطعته غفران ساخرة: من السخافة..
قهقه كلاهما على رد غفران الغاضب.. والتي بدأت في إزالة آثار الطماطم المنتشرة على وجهها وملابسها..
ليستطرد يوسف ممعنًا في إغاظتها: بعض من الفلفل الأسود والملح سيكون رائعًا لتكتمل مقادير السخافة..
علت قهقهات هناء ولم تعقب، بينما نظرت غفران في ضيق لذاك المنشرح لما فعله بها، وقررت أن ترد له الصاع صاعين.. والبادئ أظلم..
تظاهرت بالانشغال من جديد، وتوجهت حيث يقف في اعتداد، مدعية تجاهلها لمزاحه في خيلاء، وسكبت بعض الزيت في طريق عودته، وانتظرت لثوانٍ حتى تنال ثأرها.
خطوة وآخرى خطاها مبتعدًا حتى يخرج لقاعة المقهى، إلا أن ذاك السائل الزلق جعله يفقد توازنه ليبدأ السقوط الكبير.. سقوط السيد الضخم..
كانت في قمة نشوتها وهو تراه يجاهد لكي يظل على ثباته، إلا أن محاولاته كلها باءت بالفشل وسقط بالفعل سقوطًا مدويًا..
انفجرت كلتاهما ضاحكة على ذاك الممدد أرضًا ينظر إليهما شذرًا.. لتهتف هناء باسمّة: هذا حق ما فعلته بغفران.. تحمل وانهض يا بطل..
تحركت هناء في حرص بعيدًا عن موضع سقوطه وهي تحمل بعض طلبات الطعام لتقديمها..
ظل ممددًا بلا حراك ينظر إليها وهي توليه ظهرها، لكنه يستشعر فرحتها ويدرك ضحكاتها التي تكتمها من جراء اهتزاز جسدها في محاولة للسيطرة عليها..
هتف في صوت واهن: يبدو أن قدمي قد أصيبت بسوء.. أنا لا أستطيع النهوض..
انتفضت من موضعها مستديرة إلى موضع سقوطه، مندفعة في ذعر، تنحني لتتأكد بنفسها مما يزعم، متسائلة: هل أصيبت قدمك حقًا!
أكد في إيماءة مستكينة: يبدو ذلك.. لكن لا عليكِ.. أحتاج فقط للنهوض من هذا الموضع الذلق كي أتصرف..
مدت كفها بشكل عفوي تحاول أن تمد يد العون، وقد بدأ شعور بالذنب يكتنفها؛ فهي المتسبب في ذلك على كل حال.. في لحظة تهور منها رغبت في نيل ثأرها، وهي التي ما كان ذاك طبعها أبدًا؛ فدومًا هي المتسامحة التي تقدم الغفران مهما كان الخطأ، لكن معه لا تعرف ما الذي دفعها لارتكاب فعلتها تلك!..
نظر هو إلى كفها الممدودة إليه في أريحية لم يعتدها، وشعر أنها ليست في وعيها لتفعل ذلك؛ فالتلامس معه بأي طريقة خط أحمر بالنسبة إليها لا يجب تجاوزه مهما كانت الظروف، ويشهد على ذلك ذعرها حين أنقذها من عصبة الكلاب التي كادت أن تفتك بها، ألم تصرخ بوجهه أمرة في جملة صريحة: "لا تلمسني مجددًا". ابتسم رغمًا عنه؛ ففعلتها العفوية تلك تعني له الكثير. مد كفه بدوره متشبثًا بكفها الرقيق محاولًا النهوض، على الرغم من عدم اعتماده كليا على ثبات قدميها بعيدا عن موضع الحادث، وتشبثها بجانب من ضلفة أحد الأبواب كداعم، إلا أن الأمر لم يكن بتلك البساطة أبدا، فلزوجة الأرض كانت شديدة، وهي كانت ضعيفة كفاية حتى لا تتحمل محاولة جذبه بكل هذا الجسد الضخم، لتكون النتيجة الطبيعية سقوطها هي مندفعة إلى أحضانه..
لحظات فارقة من الزمن مرت على كليهما، ونظرات كل منهما معلقة بأحداق الآخر، كأنما كلاهما قد أعاد اكتشاف صاحبه، وأدرك أن نوافذ روحه تلك التي يتطلع إليها تحمل الكثير من الأسرار والخبايا..
شعر بقربها أن ذاك الإيمان الذي افتقده قد عادت جذوته المنطفئة في الاشتعال من جديد، وأحست هي أن ذاك الأمان الذي افتقدته دهرًا حتى ظنت أن وجوده ضرب من خيال.. فأضحى الخيال حقيقة ملموسة الآن..
انتفضت حين أدركت أن ما يحدث لا منطقي ولا يعقل حدوثه من الأساس.. مؤنبة نفسها في غضب داخلي مكتوم حاولت ألا تظهره على محياها، وبدأت في الانسحاب من جواره مبتعدة عن موضع سقوطه في حرص حذر كلفها المزيد من الثبات الداخلي، وما أن تأكدت من أن خطواتها راسية كفاية حتى صعدت إلى الأعلى تختبئ بعيدًا.. بعيدًا جدا عنه، وعن تلك المشاعر التي يوقظها بها كلما ظهر بالصورة أو حتى غاب..
وصلت غرفتها وأغلقت خلفها بابها، جلست لبرهة أرضا شاردة في تيه، ثم شهقت باكية فجأة تستغفر في تضرع، تقبض هذه الكف التي مدتها إليه دون وعي منها، تنظر إليها في تيه أمام وجهها، تود لو قطعتها أو ربما احتضنتها.. وما بين تناقض الرغبات المهلك ذاك ظلت روحها عالقة تتأرجح كبندول ساعة لا يهدأ..
★★★★
شعرت بحركة مريبة تحدث بالأسفل فأقشعر بدنها خوفًا، فكرت أن توقظ الجميع لاستطلاع الأمر.. لحظات مرت قبل أن تتخذ قرارها وتنهض من فوق مصلاها بعد أدائها صلاة الفجر، ارتدت مئزرها على عجالة وفتحت الباب في حذر. وما أن همت بطرق الباب على غرفة منير وهناء حتى تنبهت أن باب غرفة يوسف مفتوح، وذاك الظل الضخم الذي يتجه للأسفل بالتأكيد هو ظله.. لابد أنه استمع للجلبة التي حدثت بالأسفل ونهض يستطلع الأمر بدوره..
قررت الذهاب خلفه، وهبطت الدرج في تؤدة تتلمس خطواتها حتى وصلت للمطبخ حيث يظهر الصوت الآن أكثر وضوحًا.. تنحت جانبًا تختبئ حين ظهر ذاك الظل الغريب الواقف أمام المبرد يستطلع ما بداخله ويخرج بعض ما فيه، وأخيرًا ظهر يوسف من أحد الأركان منقضًا عليه.. لم يكن ذاك الظل الغريب ضخمًا مقارنة بيوسف، لذا استطاع يوسف السيطرة عليه بسهولة وإخضاعه، وما إن دفع به نحو أحد الأركان حتى استطاعت استيضاح اللص الذي لم يكن إلا شابًا صغيرًا لم يتعد الثامنة عشرة من عمره.. والذي هتف في ذعر محاولًا تجنب أي ضربات قد يتلقاها من يوسف بكفه التي يرفعها موجها لوجهه: أنا لم أفعل شيئًا ولم آخذ شيئًا.. صدقني أنا لست لصًا..
انحنى يوسف مواجهًا له، جازًّا على أسنانه وهو يهتف في غيظ: إذًا ما الذي أتى بك إلى هنا! ضللت طريقك للجحيم أم ماذا!
أكد الشاب متلجلجًا: لا.. أنا فقط كنت جائعًا و..
لم يكمل كلماته وقد بدأت الدموع في الظهور بمآقيه.. ما جعل قلب يوسف يرق له هاتفًا: هل كنت تسرق جوعًا!
أطرق الفتى برأسه خجلًا وهمس بعد لحظات: ليس من أجلي.. أقسم لك، أنا ما فعلت إلا من أجل أمي وأختي الصغرى.. استحيت أن أدخل عليهما وأنا لا أحمل قوتًا يكفيهما..
هتف يوسف في حنق: استحيت منهما ولم تستحِ من إطعامهما من حرام!! استحيت منهما ولم تستحِ من الله!!
كادت أن تشهق في صدمة من كلمات يوسف للفتى.. هل ذكر اسم الله!
تكاد لا تصدق ما سمعته أذناها. وبدأ قلبها يدق في سعادة حتى أنها فكرت في الاندفاع هربًا من موضعها حتى لا تفضحها دقاته التي كادت أن تصم أسماعها.. وتنبهت عندما هتف يوسف بالفتى آمرًا: انهض..
هتف الفتى في ذعر: هل ستسلمني للشرطة! ماذا ستفعل أمي وأختي دوني! أرجوك.. أنا..
هتف يوسف في نفاذ صبر: قلت لك انهض..
ولانت نبرة صوته عندما أدرك ذعر الفتى الذي كان يطل جليًا من نظراته، هاتفًا: ما اسمك!
هتف الفتى متعجلًا وهو ينهض مقابلًا يوسف: رامي...
ربت يوسف على كتفه مطمئنًا وهتف مؤكدًا: يمكنك أخذ ما يكفيك أنت وأمك وأختك.. وأنا سأتكفل بثمنه.. وعِدني ألا تكرر ذاك الحمق مرة آخرى..
هتف الفتى مذهولًا: أحقًا ستتركني أرحل ولن تبلغ الشرطة!
هتف يوسف مازحًا: هل أتحدث الروسية يا فتى! نعم أذهب وعُد مرة آخرى الساعة الواحدة ظهرًا..
هتف الفتى مذعورًا: هل ستسلمني ساعتها للعدالة!
هتف يوسف وهو يضم قبضته غيظًا: ألا تفكر إلا في السوء أيها الأحمق! لو أردت لقضيت عليك دون الحاجة لجلبة إحضار الشرطة.. بل ستعود لأجد لك عملًا تنفق منه على أختك وأمك من الحلال.. أسمعت! بالحلال.. حتى لا تعود لفعلتك الغبية هذه مرة آخرى..
هلل الفتى وانبسط وجهه فرحًا وهتف في سعادة: حقًا!
ابتسم يوسف مؤكدًا: نعم.. هيا أرحل الآن وعُد كما اتفقنا..
أومأ الفتى برأسه موافقًا ودفع له يوسف ببعض الأعراض ليحملها ممتنا، راحلًا لا يصدق أنه نجا وسينال عملًا أيضًا..
تنبهت غفران لتتسلل عائدة لغرفتها قبل أن يفطن يوسف لوجودها، وأغلقت بابها خلفها وهي تفكر فيما رأته بالأسفل..
★★★★
تمددت على فراشها وتعلقت نظراتها بالسقف كالعادة عندما يصيبها السهاد، لكن هذه المرة ما يعتريها هو خليط عجيب من المشاعر لا يمكنها وصفه أو تفسيره.. مزيج من فرحة مخلوطة بسعادة بلهاء يكتنفها بعض الرهبة والقليل من القلق.. لا تعرف كنه ذاك الخليط العجيب، لكن جل ما تدركه تلك اللحظة هو الانشراح والنشوة التي تغمرها كلما استعادت أفعال يوسف أو حواره مع الفتى بالأسفل.. دمعت عيناها في حبور، وابتسمت في امتنان، ورفعت أكفها للسماء شاكرة؛ فقد استشعرت أن يوسف قد بدأ يخطو أولى خطواته في الطريق الصحيح.. طريق الله..
عاد يوسف لحجرته، وقد أربكه ما فعله مع ذاك الفتى.. وتساءل في تعجب لعله يجد إجابة تريح اضطراب خواطره.. لماذا فعل ذلك! لماذا ترك الفتى يرحل دون أن يعاقبه على فعلته! ألم يكن هذا أحد أسباب الخلاف الدائم بينه وبين غفران! هل أضحى دون أن يشعر نسخة منها يتصرف كما تتصرف هي! هل أصبح كذلك بالفعل؟!
نهض يزرع الغرفة جيئة وذهابًا، يخلل أصابعه في توتر بين خصلات شعره ويزفر في ضيق.. لقد أصبح تأثيرها عليه قويًا لدرجة لم يتخيلها، حتى أنه أصبح يتحدث بلسانها هي.. ألم يذكر الله في حديثه مع الصبي! منذ متى يفعل؟! إنه لا يذكر الله إلا ساخطًا غير معترف بربوبيته من الأساس. فكيف به الآن يلوم الفتى على عدم مراعاة الله فيما فعل! إنه يشعر بنزاع رهيب تدور رحاه بين جنباته، وصراع محتدم بين رغباته.. وعليه أن يجد طريقه في ظل هذه العتمة.. لكن إلى أين يتجه! فوجعه على فراق ابنته لا يزال مغروسًا بروحه جذوره متشعبة وممتدة بحشاه، دافعا إياه للثورة والعصيان لحكم القدر، لا يزال سخطه وعدم تسليمه يدفعه بعيدًا عن طريقها.. ذاك الطريق المضيء بالبهجة والطمأنينة القلبية التي يفتقدهما منذ زمن بعيد.. فهل حان الوقت ليستعيد سعادته وإيمانه! أم أن وجعه سيكون الأقوى والمسيطر دائمًا! هو لا يعلم.. يود لو يفعل..
★★★★
يتبع..