رواية آلاء من الله الفصل الثامن 8 بقلم حنين سامي


رواية آلاء من الله الفصل الثامن 8 بقلم حنين سامي

( آلاء)

كنتُ أقطع التفاح إلى أن وصلت رسالة إلى هاتف حبيب .


فقال لي : " شوفي مين يا آلاء ."


نظرتُ فإذا بي أرى عم سيد أرسل له وحشتني!


قلتُ باستغراب : " عم سيد باعتلك وحشتني!! "


ترك الصينية فجأة من يده و هو متألم .


قال لي بألم : " طبعًا لو حلفتلك إن عم سيد ده هشام مش هتصدقي ."


أمسكتُ يده بسرعة و وضعتُها تحت الماء الجاري ، قلتُ له بقلق : " مش تخلي بالك؟"




قال و هو يسحب يده من تحت الماء و يمسكُها باليد الأخرى : " مخدتش بالي ".


كان واضحًا عليه التألم فأخذتُ بيده مرة أخرى و وضعتها تحت الماء .


قال لي : " سيبيها بتوجعني ."


قلت : " معلش عشان متوجعكش أكتر ."




سكت فجأة فنظرتُ له فإذا به ينظر لي و يحملق في وجهي و يقول : " ياريتني أتلسع كل شوية ."


تركتُ يده و أخذتُ صينية الطعام ، و وضعتُ الطعام في الأطباق و جلسنا نأكل .




قلتُ له بشك : " قولتلي بقا إن عم سيد ده هشام صاحبك؟ "


أومأ برأسه و قال : " أصل الخط ده كان بتاع أبوه ؛ و هو خده منه و من ساعتها و أنا كسلت أغيّر الاسم ."


أومأتُ برأسي و قلت : " مين هشام بقا؟ "


قال لي : " هشام ده صاحبي اللي وصلنا بالعربية ."


أومأت و قلت : " اه عرفته ، عندك صحاب تانيين؟ "


قال لي :" اه طبعًا عندي صحاب كتير بس المقربين مني هما هشام و شهاب .. "


ثم قال بنبرة حزينة حاول إخفاؤها : " و كان ليا صديق تاني اسمه عمرو لكن هو سابني .. "


قلتُ له : " ليه؟"


قال : " منا سألته ليه ؛ قالي عشان انا اتغيرت و مبقتش زي الأول ، و قال ايه اتلميت على صحاب مش شبهي و مقضي وقتي معاهم ، و قالي هيضيعوك ؛ لكن محصلش الكلام ده و انا زي الفل هو اللي خسرني ."


قلت له : " قال هيغيروك من ناحية ايه؟ "




قال بسخرية : " كل ده عشان كنت بصلي ، و كنا بنروح نحفظ قرآن سوا و احنا صغيرين ، بس انا كبرت و عايز أعيش حياتي زي باقي الناس ."




قلت له باستفسار : " عايز تعيش حياتك ازاي؟"


قال موضحًا : " يعني أسافر ، أروح ، آجي ، أخرج براحتي كده ."


قلت له بتساؤل : " و هو انت لما كنت بتصلي و بتحفظ قرآن كنت بتقفل على نفسك في البيت؟ "


سكتَ لبرهة ثم قال مغيّرًا الموضوع : " صحيح ، انتي بقا عندك صحاب؟ "




قلتُ له : " اه عندي صديقتي الصدوقة من أيام ابتدائي اسمها غادة ، و الباقي علاقات سطحية يعني ."




قال بابتسامة : " غادة دي اللي كانت واقفة معاكي و بتعيط في الآخر ، و قعدت تبصلي بقرف كده؟"


ضحكتُ و قلت : " هي بصتلك بقرف؟!"


قال يشاركني الضحك : " اه تخيلي ، تدوم ضحكتك يا آلائي ."




خفق قلبي من هذا الاسم و كأني أسمعُ اسمي لأول مرة ، نظرتُ له و كان ينظر لي بابتسامة جميلة و عينه تخبرني بما لا يستطيع قوله ، لكنني فضلتُ التجاهل و قلتُ له و أنا أتثائب : " يلا ننام الوقت اتأخر ."


أومأ برأسه و صعدنا إلى الأعلى ، نمتُ على طرف الفراش ، و بصراحة كنت لا أستطيع النوم فعقلي ما زال مشغول بكلمة " آلائي " مهما حاولتُ التناسي ، و كذلك أنا لا أستطيع النوم بجانب أى شخص ، فأنا منذ صغري أنام وحدي .




قلتُ بعد فترة : " انت نمت؟ "


همهم بصوت ناعس فقلتُ له : " هو انت اتجوزتني ليه؟ و ليه في يوم و ليلة؟ و اشمعنى أنا؟ "


قال لي و هو نصف نائم : " اتجوزتك عشان بحبك ."


قلتُ له بسخرية : " حبتني امتى؟ انا اول مرة اكلمك أصلًا ."


قال لي : " نامي يا آلاء ."




قلتُ له : " طب لما انت بتحبني ؛ اتجوزتني ليه غصب عني؟ "


قال لي : " عشان أمجد ميستحقكيش و كمان هو مش محترم ."




قلتُ له بضيق : " الظاهر إن انت دايما شايفه وحش ."


قال لي : " الظاهر إن انتي الوحيدة اللي مش شايفاه وحش ."




سكتُ و أخذت أفكر لكنني نمتُ دون أن أشعر .




ــــــــــــــــ




في صباح اليوم التالي ، استيقظتُ على صوت زقزقة العصافير و ضوء الغرفة الساطع .


قلتُ بانزعاج و أنت أضع يدي على عيني : " يا ماما هو انا معرفش أنام ساعتين على بعض؟! "




قالت لي أمي : " قومي يا آلاء الساعة ٣ العصر ."


ماذا! صوت من هذا؟!


اااه حبيب ، يا الله لقد نسيت .


فتحتُ عيني فإذا بي أراه يجلس بجانبي على الفراش و يقول لي بابتسامته الساحرة : " صباح الفل يا قمري ."




قلتُ له : " صباح النور ."


قبلني من وجنتي عنوة و قال : " قومي يلا الفطار مستنيكي ."


اتسعت عيناي من هول الصدمة و لم أستطع الرد ، و هو غادر الغرفة ..!




قمتُ من مكاني و دخلت الحمام و توضأت و صليتُ الظهر حتى لا يفوتني .


مشطتُ شعري و نزلتُ إلى المطبخ ..




كان يجلس في الصالة و يتحدث إلى شخص ما في الهاتف و من الواضح أنه غاضب .


أشار لي أن أبدأ في الأكل ؛ لكنني انتظرته حتى إنتهى و جلس بجانبي .


قلتُ له : " شكلك متضايق ."


قال لي : " لا خالص ، سيبك انتي ، محضرلك فطار إنما ايه ."


قلتُ له : " انت لحقت تصحى و تحضر كمان؟ "


قال لي بابتسامة : " لا منا صحيت على المنبه بتاعك ."


تذكرتُ أنني ضبطتُ منبه أمس كي أصلي الظهر .


ابتسمت باحراج و قلت : " معلش و الله ، انا نومي أصلًا خفيف بس مش عارفة مالي اليومين دول ."


ضحك بقوة و قال : " واضح واضح ."




( حبيب )




نظرَت لي نظرة نارية، لكنها لا تعرف أن هذه النظرات زادتها جمالًا فوق جمالها .


توقفتُ عن الضحك و قلت : " احم ، انا عاملك انهاردة بروجرام هايل ."


قالت بابتسامة : " بجد؟ كويس و الله الواحد نفسه يغير جو ، انا واخدة أصلا أجازة من الكلية بالعافية ."


قلتُ لها : " انا واثق انك هتنبسطي ."


قالت لي : " صليت الظهر؟ "


نظرتُ لها بتوتر و قلت : " انا بكلمك في ايه و انتي بتكلميني في ايه! "


قالت لي بحزم : " قوم صلي ؛ ده لو عايزني أخرج معاك ."


قلتُ لها بسرعة : " اكيد عايزك تخرجي ، اومال انا عامل كل ده عشان مين؟ "


أومأت برأسها و قالت بابتسامة : " طب يلا قوم صلي قبل ما العصر يأذن ."


قلتُ بضيق : " خلاص ماشي ، بعد العصر هنلبس و نخرج ."




قالت لي : " صحيح استنى ، انا مش هعرف أخرج ."


قلت لها بتساؤل :" ليه؟!"


قالت بحزن : " انا مجبتش هدوم خروج ."


قلتُ لها و أنا أمثل الحزن : " فعلا ، طب مينفعش تخرجي بالشورت؟ كده كده مغطي ، و تلبسي طرحة الفرح البيضة ."


نظرت لي بازدراء ، و وضعت يديها على خصرها ، و قالت : " تصدق إن انا غلطانة إني بتكلم معاك ."




قامت من على الكرسي و همت بالذهاب لكنني أمسكتُ يدها و قلتُ و انا أضحك : " استني بس ، محدش يهزر معاكي كده أبدًا؟ "


نظرت لي نظرة جانبية و قالت : " انت ظريف أوي ."


قلتُ لها : " طب الظريف ده يا ستي لما صحي الصبح راح البيت جابلك الشنطة التانية و جه ."


و أشرتُ إلى الحقيبة الموضوعة بجانب باب البيت .


نظرت لي بابتسامة جميلة و بعيون فرِحة و قالت : " بجد! شكرًا اوي ، جزاكَ الله خيرًا ."




نظرتُ لها بحب و هي تذهب إلى الحقيبة و تفتحها لتنظر إلى ما بداخلها ، لكني لم أكمل تأملها حتى قالت لي و هي تبحث في محتويات الحقيبة : " صليت الضهر؟ "


قلبتُ عيناي و قلت : " طالع طالع ."




( آلاء)




صعد حبيب كي يصلي و أخذتُ أفكر ماذا أرتدي .


أنا لا أصدق أنه رجع كل هذا الطريق كي يُحضِر لي ملابسي ، و كيف أنه فكر في هذا و أنا حتى لم أقُل له!




أخرجتُ فستان زهري اللون و خماري الأبيض و الحذاء الأبيض و صعدتُ إلى الأعلى .


وجدتُ حبيب يُخرِج ملابسه ، قلتُ له : " ممكن تبقى تطلع الشنطة من تحت عشان هي تقيلة؟"


قال لي بابتسامة : " ده انا عيوني ليكي يا آلائي ."




أنا لا أعرف لماذا يُصر على إحراجي على الدوام؟!


و لماذا قلبي يخفق بهذه الطريقة؟!




قال لي عندما لم أرد : " آلاء البسي حاجة تقيلة عشان الجو بيسقع بليل ."


قلتُ : " حاضر ."




صلينا العصر معًا بعد إلحاحي عليه أن يصلي ، و إقناعي له بأن هذه الحجة " كده كده هنلحق نصلي يا آلاء ، مش هنتأخر بره ." خاطئة فالصلاة لها وقتها و يجب الإلتزام به .




ارتدينا ملابسنا و يا للصدف ارتدى مثلي تمامًا ..!


قلتُ له و أنا أضبط خماري : " لو كنت أعرف انك هتلبس كده كنت غيرت ."


قال لي و هو يمشط شعره : " أنا قاصد أصلًا ، حتى لو كنتي غيرتي كنت هغير تاني ، و هفضل أتغير لغاية ما تحبيني ."


ابتسمت بداخلي و قلت : " أنا جاهزة ."


قال : " و انا كمان ، يلا ."




نزلنا و ركبنا السيارة بعد أن فتح لي الباب في مشهد رومانسي ؛ و كأنني أهتم!


قال لي بابتسامة : " تحبي تسمعي ايه؟ "


قلتُ له بنفس الابتسامة : " في الأوقات اللي زي دي أحب اسمع الصمت جدًا ."


قال باستغراب و قد بدأ يقود السيارة : " انتي مش بتحبي الأغاني؟ "


قلتُ له : " لا مليش فيها ."


قال لي بذهول : " ازاي في حد مش بيحب الأغاني؟!"


قلتُ له : " للأسف زمان كنت بسمعها لكن دلوقتي الحمد لله بطلتها ."


قال لي : " انتي محسساني انها حاجة حرام!"


قلتُ مؤكدة : " مهي حرام فعلًا ."




قال لي : " ايوا بس صعب إن الواحد يبطلها يعني ، و بعدين أنا مش بسمع دايما ، و مش فاهم أصلًا هو ايه الحرام في كده ."


نظرتُ له و قلت : " أولًا : مش صعب إنها تتبطل و لا حاجة ؛ عامةً مفيش حاجة صعبة تتغير لو انت عندك إرادة و استعنت بالله ، ثانيًا : مش معنى إن الحاجة مش بتعملها دايما كده متبقاش حرام ، ثالثًا بقا : هي بتحرك المشاعر و الأغاني معظمها بيكون مش محترم ، و كده كده الموسيقى ده موضوع مفروغ منه ."


قال باستغراب : " بتحرك المشاعر إزاي يعني ، منا زي الفل اهو ."


قلتُ له : " يعني إنت لما بتسمع أغنية حزينة مثلًا مش بتتأثر و بتزعل تلقائيًا؟ طب بلاش دي ، لما تسمع أغاني حب مش بتكون نفسك تحب و تتحب؟ "


أومأ برأسه و قال : " طب انتي عرفتي تبطليها ازاي؟ "


قلتُ له : " أول حاجة أستعنت بالله ، تاني حاجة مسحت كل الأغاني اللي كانت عندي على الفون ، تالت و أهم حاجة بدلت كل وقتي اللي كنت بوفره للأغاني لقرآن و حقيقي مفيش راحة بعد كده ."


قال بعد تفكير : " فعلًا القرآن جميل و بيحفظ الواحد ."


أومأت برأسي و أخذتُ أنظر إلى المناظر في الخارج و إلى الناس الذين يمشون و يتسوقون ، و إلى المحلات التجارية الضخمة ؛ و الصغير منها أيضًا .




( حبيب )




كانت تنظر إلى الخارج و تظهر عليها الفرحة ، فقررتُ عدم إزعاج تأملها .


وصلنا إلى الملاهي ، فقلتُ لها : " وصلنا يا روحي ."


قالت لي بتفاجؤ : " متقولش ."


قلت لها بابتسامة : " مقولش ايه؟ "


قالت لي بفرحة : " احنا هنروح الملاهي؟ "




أومأت لها بابتسامة ، فقالت : " احنا هنركب كل الألعاب الخطيرة ."


قلتُ بتساؤل : " اشمعنى؟ "


قالت لي : " لإن بابا كان دايما بيخاف علينا و مش بيخلينا نركبها ، آخرنا الدودة ."




ضحكتُ بقوة على كلامها ، و قلت : " لا متقلقيش هركبك الصاروخ ؛ و اتفرج أنا عليكي ."


نزلنا من السيارة ، قالت : " يعني ايه هركب لوحدي؟ انت بتخاف؟ "


قلتُ لها بابتسامة جانبية : " مين ده اللي يخاف؟ انا حبيب يا بنتي ."


قالت لي بسخرية : " هنشوف ."




ركبنا لُعبة الصاروخ كما و عدتُها ، و عندما بدأت اللعبة بالصعود أخذت تصرخ و هي تضحك ، و عندما هبطت اللعبة فجأة ، أمسكت بيدي و صرخت بأعلى صوت لها .


كنت أراقبها و أضحك عليها ، فشكلها مضحك و خاصة عندما قالت و هي تصرخ : " نزلوني ، انا آسفة يا باباااا ."




و عندما انتهت اللعبة ، أخذَت يدي بحماس و ذهبنا و قالت : " عايزة أدخل بيت الرعب ."


قلتُ لها بمرح : " ما بلاش ."


قالت لي بإصرار : " عايزة ادخله ، مدخلتوش قبل كده ."


أومأت و قلتُ بنبرة لعوبة : " طب امسكي ايدي بقا ، عشان مفيش حاجة تاكلك ."


نظرت لي بحدة و قالت : " هأ ، انت فاكر انك هتخوفني؟! أنا بضحك في وش المخاطر ، يلا يلا تعالى ورايا ."




ضحكتُ و بالفعل دخلنا إليه ..




( آلاء )




دخلنا إلى بيت الرعب ، و كانت لا توجد به إضاءة عدا لون أحمر خافت .


مشينا فإذا بخفاش يظهر فجأة و يطير نحونا .


صرخت و وضعتُ يدي على وجهي .


قال لي حبيب بدفء : " متخافيش أنا معاكي ."


أومأت برأسي و قلتُ بهمس : " انت شايف حاجة؟!"


قال لي يبادلني الهمس : " انتي موطية صوتك ليه؟"


كدت أرد ، لكنني شعرتُ بشيء يلدغني في رقبتي فصرخت و عانقتُ حبيب ...




( حبيب )




كنا نسير في هذا الممر و فجأة صرخت آلاء و عانقتني ..!


اتسعت عيني و بدأ قلبي يخفق حتى شعرتُ به سيخرج من مكانه .


بادلتها العناق و أنا أقول بهمسٍ قلِق : " في ايه يا آلاء؟"


قالت لي : " في حاجة قرصتني ."


أخرجتُ هاتفي من جيبي و أضأتُ الكشاف و بالفعل وجدتُ علامة حمراء!




قلتُ لها : " متخافيش يا قلبي ، تلاقيها من اللعبة ، لو عايزانا نرجع تعالي."


هزت رأسها بالنفي و قالت : " لا تعالى نكمل ."


عندما أدركَت أنها بين ذراعيّ ، نظرَت إليَّ و قالت : " حضنك دافي ."




ابتعَدت عني و هي تقول : " مينفعش تفضل مشغل الكشاف؟ "


نظرتُ لها ، و كنتُ في عالمٍ آخر ، و صوتها يتردد في أذني ب " حضنك دافي "


قالت لي بخوف : " ايه في حاجة ورايا؟!"




قلتُ لها بهيام : " انا وراكي و في ضهرك دايما متخافيش من حاجة ، هاتي ايدك ."


مددتُ لها ذراعي ، فنظرَت إليّ و كان يبدو عليها التردد ، لكن في النهاية أمسكت بيدي ، و مشينا مرة أخرى .




شعرتُ بشيء زلق على رقبتي ، و نظرتُ إلى آلاء التي تشبثت بذراعي و قالت بارتعاش : " السائل ده جاي من فوق ."


بلعتُ ريقي فلا يجب عليّ إظهار خوفي ، قلتُ لها : " انا معايا الكشاف ، تيجي نشوف ."


قالت لي بخوف : " لا تعالى نعمل كإننا مش واخدين بالنا ."




سمعنا صوت زمجرة من أمامنا ، فتحركنا للخلف ؛ فسمعنا أيضًا نفس الصوت من خلفنا ، و المفاجأة أن هذا السائل يزيد من فوقنا ..!


قالت آلاء بذعر : " حبيب خرجني من هنا ."




ماذا! هل تركَت كل الأوقات و جاءت الآن في هذه اللحظة لكي تنطق اسمي لأول مرة!!




أنا لا أعرف صراحةً قلبي الآن يخفق من أجل هذا الصوت الرقيق أم من هذه الزمجرة ، لكن ما أعرفه أنني أريد إخراجها بأي طريقة .




قلت لها بهدوء : " آلاء متخافيش احنا في لعبة . هيعملوا ايه يعني اكيد مش هيموتونا!"


قالت لي : " مهو ده اللي بصبر بيه نفسي ."




كانت تتشبث بذراعي ، فرفعتُ الكشاف أمامنا فإذا بي أرى ذئب!!! و من خلفي ذئبين!!


كنت أتوقع أنه يوجد في السقف ذئب آخر ففضلتُ عدم النظر ، كانوا ينظرون لنا بنظرة مفترسة .


قالت لي بصوت باكي : " هنعمل ايه دلوقتي يا حبيب؟ "




أغمضتُ عيني لأفكر ، و عندما فتحتها وجدتُ قطعة خشب طويلة على الأرض في الجهة المقابلة لنا .




قلت لآلاء : " سيبيني هروح أجيب الخشبة من هناك ."


قالت لي بخوف : " لا طبعًا رجلي على رجلك ."


قلتُ لها بهمس : " يا آلاء متتحركيش و خليكي ثابتة هنا عشان محدش ييجي ناحيتك ، و انا هجيب الخشبة و آجي ."


أخذَت تفكر فقلتُ لها : " مفيش وقت للتفكير ."




سحبتُ ذراعي منها و تحركتُ ببطء باتجاه قطعة الخشب ، و لكن ما لم يكن في الحسبان أن بمجرد تركي لآلاء وجدت الذئاب تتحرك نحوها!!!




صرخت بأعلى صوتها : " حبيب ."


أخذت الخشبة بسرعة و ضربتُ كل ذئب على رأسه فأختفوا في لمح البصر!!




كانت تجلس على الأرض مغمضة العينين و تهمس بكلمات لا أسمعها بوضوح ، أقتربتُ منها و جلست بجانبها و قلت : " آلاء انتي كويسة؟ ده طلعوا مجسمات خيالية ."




فتحت عينها و فوجئت بأنها ممتلئة بالدموع و قالت : " شكرًا إنك أنقذتني ."




عانقتُها بلطف و قلت بمرح : " ده واجبي يا آلائي ، ده انا كل يوم هجيبك بيت الرعب ، ده أنا كده طالع بحضنين ، ممكن لو استنيت شوية أطلع ببوسة؟ "




كنتُ أحاول إخراجها من خوفها ؛ لكن ما لا تعرفه أنني مِتُّ رعبًا عندما نطقت باسمي تستنجد بي .




نظرَت لي بحدة و نهضَت من على الأرض و جففت دموعها و قالت : " وسع يا حبيب ."


قلت لها بسخرية : " دلوقتي وسع يا حبيب ، بقا كده تاخديني لحم و ترميني عضم؟ ."


ضحِكَت و قالت : " يلا نخرج من هنا ، عشان أعصابي مبقتش مستحملة ."




سِرنا خطوتين ، فإذا بنا نخرج من اللعبة لأنها انتهت .




تنهدَت و قالت : " الحمد لله ."


قلتُ و أنا أقلدها و أقول بصوت رفيع : " هأ ، انت فاكر انك هتخوفني؟! أنا بضحك في وش المخاطر .."


قلتُ لها بسخرية : " ده انا صدقتك ، قلت خلاص هتخش تاكل العفاريت جوه ."


ضحكَت و قالت : " على فكرة أنا مكنتش خايفة ، أنا كنت بحاول أعمل لك مود عشان تحس باللعبة ."


قلتُ لها و أنا أقلب عيني : " ايوا طبعًا شكرا على الصصبينس اللي حصل ."




أمسكتُ يدها و جلسنا على المقاعد التي في الحديقة و قلتُ لها : " استنيني هنا ."


أومأت ، فذهبتُ إلى بائع " الآيس كريم " و أحضرتُ لها طعم الشوكولاتة الذي تحبه .




رجعتُ لها مرة أخرى و أعطيتُها خاصتها ، و جلست بجانبها .


قالت لي بتفاجؤ : " انت عرفت منين إني بحب الشوكولاتة؟ "


قلتُ لها بتفاخر : " يا بنتي أنا اعرف عنك حاجات كتير ."


أخذَت قضمة و قالت لي بابتسامة : " زي ايه؟"


بادلتُها الابتسامة و قلت : " زي إنك بتحبي الفراولة ، و أكتر أكلة بتحبيها هي محشي ورق العنب ، و حاجات كتير اوي سعادتك ."


ضحكَت و قالت : " ده انت مخابرات بقا ."


ضحكتُ و قلت لها : " اه مشروع مخابرات صغير كده على قدي ."


ضحكَت و أخرجت هاتفها و قالت لي : " تعالى نتصور ."


انفرجت شفتاي في ابتسامة عريضة لا أستطيع كبحها و قلتُ : " ده انا يشرفني ."


أخذنا بعض الصور منها الجميل ، و منها بوضعيات مضحكة .




( آلاء )




أخذ الهاتف من يدي ، و وجه الكاميرا تجاه القمر لكنه أنزله مرة واحدة و التقط لي صورة!




قال بابتسامته الجميلة التي اعتدتُ عليها : " آسف اتلغبطت بينك و بين القمر ."


أحمررت خجلًا و قلتُ له : " الله يسعدك ."


ضحك و قال : " طب قومي أقفي عشان اصورك بالفستان الجميل ده ."


فرِحتُ من كل قلبي فهو عرض عليّ من نفسه ، و ما زاد فرحي أنه يستطيع التصوير باحترافية .




عندما انتهينا جلس بجانبي مرة أخرى ، قلتُ له : " هنروح البيت؟ "


قال لي : " لا ناقص حاجة أخيرة ."


كدتُ أرد عليه لكن رائحة دخان السجائر التي انبعتث من جانبنا أوقفتي ، و أخذتُ أسعل لأنني لا أحتمل رائحتها .




قال لي بقلق : " مالك يا آلاء؟"


لوحت بيدي في الهواء كي يذهب الدخان ، أشعر كأني أختنق .


لم أصدِّق ما حدث فقد ذهب و تركني .




نظرتُ إليه ؛ فإذا به يتحدث إلى الرجل بجانبنا و يقول له : " لو سمحت اطفي السيجارة دي ."


قال له بفظاظة : " و انت مالك؟ انا حر ."


قال حبيب بضيق : " لا انت مش حر ، انت في مكان عام دلوقتي ، و في أطفال في المكان ذنبهم ايه انك بتشرب سجاير؟ "


نظر له الرجل بلامبالاة و قال : " انا بدخن في المكان اللي يريحني ، و يلا امشي من هنا ."


ابتسم حبيب و أخذ السيجارة من يده بحركة سريعة و ألقاها على الأرض و دهس عليها بحذاءه ..!


لقد تعجبت حقًا من شجاعته..!




( حبيب )




بعدما دهستُ هذه السيجارة قلتُ له ببرود : " ابقى اشرب في بيتك يا بيه ."


تركته يشتعل غضبًا و اتجهت إلى زوجتي التي كانت تنظر لي بفخر!


قالت لي : " انت شُجاع اوي ."


خفق قلبي للمرة المليون بهذا اليوم ، فابتسمت لها بحب و قلتُ : " عشانك أعمل أى حاجة ، حتى لو قولتيلي ارمي نفسك في البحر ."


ابتسمَت بخجل ، فقلتُ لها : " يلا نمشي عشان منتأخرش ."


أومأت لي و سارت بجانبي .




( آلاء )




نظرتُ إلى الساعة ، فإذا بها السابعة!


قلتُ لحبيب : " هو مفيش مسجد هنا؟ "


قال لي : " لا في هناك ."


أشار لي ناحية اليمين ، فقلتُ له : " الظاهر ان المغرب أذن و احنا في بيت الموت ده ، تعالى نصليه في الجامع قبل ما نمشي ."


نظر لي و قال بكسل : " احنا مروحين أهو يا ستي ، خلينا لما نروح ."




قلتُ : " مش انت بتقول إننا هنروح في مكان تاني؟ "


أومأ ، فقلت : " طيب كده عقبال ما نوصل المكان أصلًا هتكون العشاء أذنت ؛ و المغرب هيروح علينا ، يبقى ليه من الأول؟ "




نظر لي و قال : " هو مفيش مهرب منك أبدًا؟ "


قلتُ ببراءة : " تؤ تؤ ."


ابتسم ، و أخذني إلى المسجد و صلى هو في مصلى الرجال ؛ و أنا في النساء .




خرجتُ من المسجد فوجدته في انتظاري ، و هو يقلب في الهاتف ، و عندما اقتربتُ منه كان ينظر إلى الصور خاصتنا ، و يبتسم حتى ظهرت أسنانه .




نعم لقد أخذ الصور من هاتفي عندما انتهينا .


قلتُ له كي يتنبه : " انا خلصت ."


نظر لي و أغلق الهاتف بسرعة ، قلتُ له بسخرية : " بتخبي ايه؟ انا بقالي ساعة واقفة ."


قال بتعجب :" بجد؟! محستش بيكي خالص ."




وقفت و أمسك بيدي ، و ذهبنا إلى موقف السيارات ، و ركبنا السيارة و قاد إلى وجهتنا التالية .




قال لي : " آلاء ممكن أسألك سؤال؟"


أومأت و قلت : " اكيد ."


قال لي : " انتي كنتي بتقولي ايه هناك و انتي قاعدة على الأرض ."


قلتُ له بابتسامة : " كنت بحوقل .."


قلتُ موضحة : " كنت بقول لا حول و لا قوة إلا بالله ، بنية إن ربنا يخرجنا من هنا سالمين ، و الحمد لله خرجنا زي الفل ."


نظر لي و ابتسم، ثم قال : " انتي جميلة اوي يا آلاء ."


ابتسمت بخجل و قلت : " بص قدامك يا حبيب عشان العربيات ."


ضحك و أكملنا الطريق .




وقف أمام الشاطئ و أخرج شريطة ستان من جيبه و قال لي : " غمضي عينك."


قلتُ له : " ليه؟ "


قال بتذمر : " اسمعي الكلام يا آلاء ."


أخذتُ الشريطة من يده و لففتُها حول رأسي كي تغطي عيني .


أمسك يدي و أخرجني من السيارة ، و هو يرشدني إلى الطريق .


وقف فجأة و تركني ، قلتُ : " انت روحت فين؟ افتَّح؟ "


لكن لم يأتيني رد ، قلتُ منادية له : " حبيب ."


أزلتُ الشريطة من على عيني فإذا بي أرى منظر أسرني و أسر فؤادي ...


( يتبع ) .......


                  الفصل التاسع من هنا 

           لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة