
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الخامس والاربعون 45 ج 2 بقلم ليله عادل
خلال أيام...
لم يستطع سليم الخروج من الحالة التي يعيشها؛ كان شعور الذنب يجتاحه بشدة غريبة، لم يغادر الفيلا، وكان يقضي معظم وقته جالسا بمفرده في غرفته، رغم محاولات ماسة وحور والجميع إخراجه من عزلته إلا أنه ظل كما هو..
أما طه، فلم تتغير حالته كثيرا؛ ظل جسده ساكنا، وعيناه معلقتين بشيء لا يراه سواه، وكأن روحه وعقله قد انطفآ منذ اللحظة التي رأى فيها ابنه جثة هامدة..
بينما رشدي، فقد بدأ يتلقى علاجه بصورة طبيعية، من دون مقاومة هذه المرة، وكان لديه حافز كبير للتعافي، أما الممرض، فقد توقف عن إعطائه الجرعات الزائدة من المخدر، بعدما لم يحصل على المال الذي كان يريده وبعد أن أخبره الرجل أن منى ماتت، وأن الاتفاق انتهى.
جلس على الفراش، وفتح حسابه على إنستجرام، ثم اتجه مباشرة إلى حساب مي. ظل يتصفح صورها واحدة تلو الأخرى، يتأملها في صمت، وكأن كل صورة تعيد إليه ذكرى لم يعد يعرف كيف يتعامل معها.
أما قصر الراوي، فقد بدت الأمور فيه هادئة من الخارج، لكن الحزن والصمت خيّما على أرجائه أكثر من أي وقت مضى.
لم يعد هناك أحد تقريبًا سوى فايزة وعزت؛ أما فريدة، فقد أخذت زين ومريم وتيم معها إلى فيلتها. وبدأ القصر الكبير يفرغ شيئا فشيئا، وكأن كل رحيل يأخذ معه جزءا من الحياة التي كانت تملأه.
أما آلاء ومصطفى، فلم تتغير العلاقة بينهما كثيرا. كان مصطفى يفهم ما تحاول فعله، لكنه لم يكن مستعدا لاتخاذ أي خطوة تجاهها بعد.
وفي المقابل، ظلت آلاء تحاول االتقرب منه، لكن امتحاناتها ومذاكرتها استحوذتا على معظم وقتها، فلم تعد قادرة على منحه الاهتمام الذي كانت تخطط له
♥️_____________بقلمي_ليلةعادل
فيلا سليم وماسة،10ص
وقفت ماسة أمام باب غرفة سليم، وإلى جوارها حور، وانحنت قليلا نحوها تتحدث معها بصوت خافت، بينما كانت تنظر إلى باب الغرفة بين لحظة وأخرى.
ماسة بتنبيه: بصي يا حور، أدخلي لبابا كده، وقوليله إنك وحشتيه وإنك عايزة تقعدي معاه شوية.
هزت حور رأسها بحماس، ثم سألتها: طب لو قاللي إنه عايز يقعد لوحده؟
ابتسمت ماسة: قوليله إنك مش هتزعجيه، وإنك بس عايزة تقعدي جنبه وإنه واحشك أوي
أومأت: حاضر.
ربتت ماسة على شعرها بحنان، ثم أشارت إلى الباب: يلا يا حبيبتي، أدخلي بس أوعي تقوليله إني قولتلك.
هزت رأسها ماتخافيش ده سر يا ماما.
ثم فتحت الباب ودخلت إلى الغرفة، فوجدت سليم جالسا على السرير، شارد الذهن، يحدق في السقف بصمت.
اقتربت منه وقالت بحب: بابا... إنت وحشتني.
نظر إليها، ثم ابتسم ابتسامة خافتة، وإنحنى ليقبّل خدها: وإنتِ كمان وحشتيني يا حبيبتي.
حور وهي تمسك يده: أنا هقعد معاك.
زم شفتيه بأسف: حبيبتي، أنا عايز أبقى لوحدي شوية.
هزت رأسها برفض: لا، أنا عايزة أقعد معاك.
تنهد بتعب، ثم نادى ببحة رجولية: ماسة!
فتحت ماسة الباب ودخلت وهي تمثل الاستغراب:
أيوة؟
نظر إليها وقال: ماسة، خدي البنت أنا عايز أبقى لوحدي.
تدخلت حور بسرعة وهي تتشبث به: لا، أنا هقعد معاك. إنت وحشتني يا بابا.
نظر إليها سليم للحظات، ثم قال بهدوء: ماينفعش يا حور.
عبست الصغيرة وقالت: إنت بقالك كذا يوم مش بتيجي تقعد معانا، ولا بتلعب معايا... إنت زعلان مني؟
هز رأسه بسرعة وهو يمسح على خدها: لا، لا، أنا مش زعلان يا روح قلبي، بس تعبان شوية، والدكتور قاللي لازم أقعد لوحدي عشان ما أعديكيش. يلا أطلعي مع ماما، وأنا أول ما أبقى كويس هاتلاقيني قاعد معاكي كتير.
ثم قبل خدها وقال بابتسامة خافتة: ماشي؟ يلا.
تنهدت ماسة بتعب وقالت: هتفضل كده كتير؟ إنت بقالك أكتر من أسبوع على الحال ده.
نظر إليها سليم بجدية هادئة، وقال وهو يشير بطرف عينيه نحو حور: ماسة، لو سمحتي، أنا مش قادر أتكلم دلوقتي.
فهمت أنه لا يريد الحديث أمام حور، فنظرت إليها وقالت: طب يا حور، استنيني برة وأنا جاية لك.
أومأت برأسها: حاضر.
خرجت حور وأغلقت الباب خلفها، فتقدمت ماسة من سليم، ثم قالت: وبعدها معاك؟! أنا عايزة أفهم، هتفضل كده لحد إمتى؟
نظر إليها بضيق خافت: هو أنا مالي يا ماسة؟ إنتِ مكبرة الموضوع أوي، أنا محتاج أبقى لوحدي.
اقتربت خطوة سألته بضجر ناعم: تبقى لوحدك ليه؟ إنت بقالك كذا يوم على الحال ده، بتاكل معانا كأنك مش موجود. وثلاث تربع الوقت قاعد في أوضتك لوحدك ولو قعدت معانا، بتضحك بتمثيل، هو أنا مش عارفاك يا سليم؟
صمتت للحظة، ثم تابعت بنبرة أكثر حزنا: هتفضل كده لحد إمتى؟ حتى بنتك مابقتش تقعد معاها زي الأول.
تنهد وقال بهدوء: شوية وهبقى كويس لو سمحتي، سيبيني لوحدي.
اقتربت خطوة وأمسكت يده: شاركني حزنك طيب.
رفع عينيه إليها مفسرا: أنا مش حزين، أنا بحاول أستوعب إللي حصل.
تنهدت ماسة، ثم أعادت شعرها إلى الخلف وقالت بإصرار: ماشي بس أنا مش هسيبك كده.
قالت كلماتها تلك وخرج وأغلقت الباب خلفها، ثم أمسكت حور من يدها، وخرجت معها إلى الحديقة، حيث كانت عائلتها ومكي يجلسون هناك
بينما ظل سليم وحده في غرفته، غارقا في صمته.
نظرت إلى حور: يلا يا حبيبتي، روحي ألعبي.
جلست ماسة قالت بضيق: أنا مش عارفة أعمل له إيه؟! مخنوق ومش عايز يتكلم ماتقولي أتصرف إزاي يا مكي؟!
ابتسم مكي معلقا: يعني إنتِ بجلالة قدرك ماقدرتيش عليه، أنا هقدر عليه؟
ضحكت سعدية: إنت راجل يا ابني وصاحبه، يمكن تقدر تعمل حاجة.
هز رأسه وقال بجدية: صدقيني، بدل ما ماسة وحور ما عرفوش يفكوا، أنا مش هعرف أفكه، بعدين ما أنا حاولت قصادكم وماعرفتش، هو حاسس إنه السبب في موت مراد.
إسعاد تساءلت على حرج: ما تاخذونيش يا جماعة بس هو ماله سليم؟
سعدية: أصل ابن أخوه مات وهو زعلان عشانه .
إسعاد: الله يرحمه يا رب.
عمار بقلق: يعني هنسيبه كده؟
أجابه يوسف: أكيد فيه حل يا جماعة، لازم نفكر.
سلوى: أنا والله حاولت أكلمه رفض حتى يسمعني
ظلت ماسة شاردة للحظات، وكأنها تبحث في ذهنها عن فكرة، ثم رفعت عينيها إليهم وقالت: أنا جات لي فكرة... بس إنتوا هاتساعدوني فيها، وبالأخص إنت يا مكي، نظر إليها مكي باهتمام: تمام، بس مش هاينفع نخرج برة الفيلا. الفترة دي الدنيا متلبشة
ابتسمت ماسة بثقة: لا، هانفضل في الفيلا. ما تقلقش.
أومأ مكي برأسه، ثم بدأت ماسة تسرد لهم ما ستفعله.
إيطاليا،12 ظهرا
في أحد القصور الكلاسيكية العتيقة، اجتمعت مجموعة من الرجال والسيدات حول طاولة طويلة، جميعهم يرتدون الأسود. كان من بينهم تيمو، بينما ترأس الأجتماع رجل في السبعينيات، تفرض ملامحه الصارمة هيبته على الجميع.
رفع الرجل نظره إلى الحاضرين وقال بحسم: لقد انتهى الماضي، وعلينا التفكير في المستقبل وأعمالنا التي تعطلت منذ أيام، اتخذت قراري... لن نفعل شيئا، ولن نحارب.
نظر إليه تيمو بغضب: أتريدني أن أتنازل عن دم أخي؟
أجابه بهدوء: ومن ستقتل؟ أبناء باولو؟ لقد قُتل باولو وانتهى الأمر.
ضرب تيمو يده على الطاولة: لم يكن باولو هو من قتل أخي!
تدخلت إحدى السيدات قائلة: ومن قتله إذن يا تيمو؟ عليك أن تصدق أن باولو علم بخيانة إريك وقتله، لقد حذرت إريك كثيرا من تلك المرأة، لكنه لم يستمع، وها هو دفع ثمن عناده.
تيمو بإصرار: هناك شخص أخبر باولو، وهو من قتله... وأنا أعرف من هو! سليم. إنه الوحيد الذي أراد قتل أخي بعدما علم بما فعله به في الماضي، وموافقته على طلب إريك لم تكن سوى خدعة، ليُوهم الجميع بأنه تخلى عن الانتقام، بينما كان يخطط لضربته في الخفاء.
هز الرجل السبعيني رأسه: لقد تحدثت مع ماركو، وأكد لي أن سليم لم يفعل شيئا، ولم يكن يريد الحرب من الأساس.
ثم مال إلى الأمام وقال بصرامة: وحتى إن كان سليم هو الفاعل، فلن نحاربه، أنت لا تحارب سليم وحده، بل تحارب خمس عشائر تجلس هنا، لقد خسرنا رجالا، وسنحزن عليهم، لكننا لن نخسر المزيد من الأرواح والأموال بدافع عاطفتك..
ثم نظر إلى الجميع: من معي؟
رفع الجميع أيديهم بالموافقة، بينما جز تيمو على أسنانه بضيق، ثم نهض وغادر القاعة، يتبعه حراسه.
وبمجرد خروجه، سأله أحدهم: ماذا سنفعل يا سيدي؟
ابتسم تيمو بخبث: سننتظر حتى يهدأ الجميع وينسوا ما حدث، ويظنوا أن اللعبة قد انتهت وحينها، سنثأر لدم أخي.
في الداخل، قال أحد الرجال: تيمو متهور، ولن ينسى. أخشى أن يتظاهر بالهدوء ثم يحاول قتل سليم.
أجابه آخر بحزم: حينها سأقتله بيدي. سأتحدث مع الرئيس وأخبره بقرارنا.
إحدى السيدات: ولن تبحثوا عن قاتل باولو؟
أجاب الرجل السبعيني: لا يهمني من قتل باولو. ما يهمني أننا علمنا أنه قتل إريك، ومن الواضح أن شخصا استغل الفرصة وتخلص منه بعد مقتل إريك..
صمت لحظة، ثم أضاف: لدي شعور بأن الأمر يتعلق بذلك الإنجليزي كريس ومارسيلو... فقد كان يريد ذلك المقعد منذ البداية..
ثم ألتفت إلى شاب في أوائل الثلاثينيات: جوليانو، أستعد، ستكون النائب الخاص لتيمو، وستتولى المسؤوليات إلى جانبه.
ابتسم جوليانو بهدوء، وأومأ برأسه دون كلمة.
أحد المستشفيات الخاصة،2م
نرى آلاء تتوقف أمام مكتب مصطفى، طرقت الباب طرقا خفيفا، ثم دخلت.
رفع مصطفى عينيه إليها، وقال بنبرة مازحة: إنتِ خدتي على إنك تيجي المستشفى؟
ابتسمت وهي تتقدم إلى الداخل: وإيه المشكلة يعني لما أجيلك؟
نظر إليها بجدية مصطنعة: عندك أمتحانات يا لولو، لازم تركزي فيها عشان تحققي الحلم إللي إنتِ نفسك فيها.
أومأت بثقة: إن شاء الله ها أحققه.
سألها بتهكم ساخر: ويا ترى جاية علشان أعزمك على الغدا برضه؟
ابتسمت آلاء: يعني... زهقت من الأمتحانات والمذاكرة، وبما إن لسه أسبوع على الامتحان، قلت أجي أفصل شوية، نتمشى على الكورنيش وتشربني عصير وتأكلني طبق كشري، علشان إحنا آخر الشهر.
هز رأسه، وقال بنبرة ساخرة: أممم... لا، إذا كان كده أفصلي. ويا ستي ما تقلقيش، هجيبلك بيتزا الجيب لسه عمران، ولعلمك دي أكتر أكلة بحبها، ولو ما أكلتش منها مرتين تلاتة في الأسبوع بيحصل لي حاجة..
مالت نحوه قليلا، وهي تقول بابتسامة: تعرف إن دي أول مرة أعرف المعلومة دي؟ ويا ترى بتحبها بطعم إيه؟
أجابها دون تردد: الرانش والتركي.
ابتسمت وهي تقول: وأنا بحبها فراخ وتركي.
تبادلا النظرات للحظة، وفي أثناء حديثهما، فُتح الباب ودخل أحد الأطباء.
قال بعفوية: بقولك إيه يا صاصا، نظامك إيه بكرة؟!
وقبل أن يكمل حديثه، وقعت عيناه على آلاء، فتغيرت ملامحه إلى ابتسامة واسعة: الله! آلاء! إزيك؟
التفتت إليه آلاء بابتسامة: دكتور حسن! إزي حضرتك؟ عامل إيه؟
أومأ: الحمد لله، وحشتيني، فينك كده؟
ابتسمت آلاء: أنا مشيت يا دكتور من المستشفى خلاص.
رفع حاجبيه بأسف مصطنع: خسارة يا لولو! ده أنا مفتقد قهوتك.
ثم التفت إلى مصطفى، تابع بمزاح: آلاء كان عليها فنجان قهوة من الآخر بيظبط معايا السهر.
ظل مصطفى ينظر إليهما باستغراب، وقد تسللت إلى ملامحه القليل من الغيرة، لمحت آلاء نظراته بطرف عينيها، وشعرت أن الفرصة جاءت في وقتها تماما.
ابتسمت وقالت بعفوية متعمدة: والله حتى إنت وحشتني يا دكتور، وحشتني السندوتشات إللي كنت بتجيبها لنا في السهر.
رفع مصطفى حاجبه قليلا بتهكم، وظلت عيناه معلقتين بهما، بينما أخفت آلاء ابتسامتها بصعوبة، فقد بدأت تلاحظ أن غيرته ظهرت أخيرا.
تابعت آلاء: هو حضرتك بتشتغل فين غير المستشفى العرة إللي إحنا كنا فيها؟ بصراحة أنا بحب شغلك جدا وها أجيلك.
حسن بابتسامة: خلصي امتحانات واظبطلك الشغل، وألاقي حد يعملي فنجان القهوة إللي بحبها.
ابتسمت: بس كده عيني يا دكتور، أحلى قهوة على الريحة لأحسن دكتور جراحة في مصر.
كان مصطفى يجز على أسنانه بغيرة وضجر، محاولا أن يتمالك نفسه، بينما يتابع حديثهما بنظرات متضايقة.
ثم نظر حسن إلى مصطفى وقال بعفوية: حقيقي يا صاصا، آلاء من أحسن الممرضات إللي اتعاملت معاهم، محترمة جدا، والمفروض كانت دخلت طب.
تصنعت آلاء الخجل: شهادة اعتز بها يا دكتور حضرتك اللي من أفضل الدكاترة إللي اتعاملت معاهم.
ابتسم حسن: اتخرجتي ولا لسه؟
أجابته: أنا برابعة.
حسن بمزاح: يعني هاتجيلنا السنة الجاية امتياز؟
ضحكت: ما تفكرنيش.
لم يتحمل مصطفى أكثر، وقد بدأ الضيق والغيرة يظهران بوضوح في نبرته، فقال بحدة: طب إيه؟ هانفضل نفتكر الذكريات ونشكر في بعض كتير؟ ما تخلونا نخلص، الدكتور كان داخل يقوللي حاجة!
لاحظ حسن نبرة مصطفى، لكنه لم يهتم كثيرا، وأكتفى بابتسامة خفيفة قبل أن يكمل حديثه: آه، كنت بقولك بكرة تاخد مكاني، عشان أنا عندي فرح.
أجابه مصطفى باقتضاب: مش عارف والله يا حسن، هشوف كده وأكلمك بالليل، هرد عليك.
أومأ حسن بإيجاب: طيب، يلا على إذنكم مبسوط إني شفتك يا آلاء.
ابتسمت: وأنا كمان يا دكتور.
خرج حسن من المكتب، بينما كانت السعادة واضحة على وجه آلاء، من نظرات مصطفى وغيرته.
ظل مصطفى يراقبها للحظات، ثم قال بغيظ: هو فيه إيه؟
رفعت حاجبها ببراءة: فيه إيه في إيه؟
رد بشدة: إيه الهزار ده؟ ينفع تهزري مع راجل غريب كده؟
أجابت بتصنع: هزار إيه؟ أنا كنت بتعامل معاه عادي.
نهض مصطفى من مكانه، وتوقف أمامها، ثم قال بنبرة تحمل غيرته بوضوح: وإنتِ شايفة إللي حصل ده عادي؟
ابتسمت بلا مبالاة، وهي تحاول إشعال جنونه أكثر: أنا مش شايفة إني عملت أي حاجة زيادة، ده دكتور بحترمه وبس، كمان أعرفه من قبلك.
جز على أسنانه: ماتستفزنيش.
ثم قطب حاجبيه وتابع: وإيه بقى حكاية القهوةوالسندوتشات دي؟
ضحكت موضحة: كنت بعمل له قهوة في السهر، وهو كان بيجيبلنا سندوتشات.
رد بحدة ممزوجة بالغيرة: وتعملي له قهوة ليه؟ هو مافيش حد غيرك في المستشفى يعمل له قهوة؟
ردت بهدوء متعمد: عادي يا مصطفى، هو دكتور محترم.
رد بسرعة: احترام إيه إللي يخليكي فاكرة هو بيحب قهوته إزاي؟!
تابع مقلدا لها: أحلى كوباية قهوة على الريحة أحسن دكتور بمصر ده دكتور ممل.
ابتسمت آلاء، وقد بدأت تستمتع بغيرته: إنت مالك مركز مع الموضوع أوي كده؟
سكت مصطفى للحظة، ثم قال متضايقا: أنا مش مركز ولا حاجة... بس المنظر كان مستفز.
علقت: مستفز ليه؟
نظر إليها بضيق، ثم أشاح بوجهه وقال:ما أعرفش، بس مش عاجبني.
ابتسمت بخبث: مش عاجبك إيه بالظبط؟
ألتفت إليها مصطفى، وقال بنبرة متعصبة حاول أن يخفي خلفها غيرته: بقول لك إيه؟ روحي، أنا النهاردة سهران ومش هخرج حد، ومش هغدي حد عندك عائشة يلا أمشي.
نظرت إليه باستغراب، ثم قالت بهدوء: أنا مش عارفة إنت متعصب ليه، بس عموما أنا استكفيت أوي بالحبة اللي أنا قعدتهم معاك، بالنسبالي كده أنا تمام أوي.
نظر إليها بتدقيق: تقصدي إيه؟
ابتسمت بخفة، وقالت وهي تتجه نحو الباب: ولا حاجة يا دكتور... باي باي هستناك على العشا سلام.
خرجت آلاء بسعادة، فقد أدركت أنها نجحت أخيرا في إثارة غيرة مصطفى، رغم أنها لم تأتِ من الأساس من أجل ذلك.
أما مصطفى، فظل جالسا في مكانه، يضرب بيده على ذراع المقعد بضجر، محاولا كتم مشاعره الحقيقية والتظاهر بأن الأمر لا يعنيه... بينما غيرته كانت تفضحه أكثر مما كان يتخيل.
♥️____________بقلمي_ليلةعادل
المصحة3م
غرفة رشدي
بعد أن أعطى الطبيب رشدي الدواء، جلس إلى جواره، ثم نظر إليه بهدوء وبدأ يتحدث معه:
على فكرة، من بكرة هاتبدأ تعمل جلسات نفسية، وده هيساعدك كتير في التعافي من الإدمان.
رشدي بضيق:طب يا دكتور، هو أنا هفضل محبوس كده؟ أنا زهقت.
الطبيب بابتسامة خفيفة: بصراحة، الفترة إللي فاتت فاجأتني، كنت قوي وقادر تواجه أعراض الإنسحاب بشكل كويس، وده شيء إيجابي، علشان كده هسمح لك من النهاردة تخرج وتقعد في الجنينة، وكمان هنسمح بالزيارات.
رفع رشدي رأسه بسرعة، وقد بدت عليه السعادة:
بجد؟ هتسمح بالزيارات؟
أومأ الطبيب: أيوه، بس طبعا في حدود معينة وتحت متابعة.
ابتسم رشدي بحماس: طب من فضلك، أتصل بيهم وعرفهم.
أومأ بإيجاب: بالتأكيد
ثم وقف الطبيب، وأشار إليه برفق: وممكن النهاردة تخرج تقعد في الجنينة لمدة ساعة.
ابتسم رشدي براحة: شكرا يا دكتور.
♥️_________بقلمي ليلةعادل
فيلا سليم وماسة2م
وقفت ماسة أمام المرآة تتأمل إطلالتها، ارتدت فستانا أنيقا، منحها الفستان مظهرا رقيقا، كانت جميلة بشكل يصعب وصفه، تعطرت بعطرها الذي يعشقه سليم، بينما انسدل شعرها على ظهرها، ثبتت وردة صغيرة بين خصلاته، واكتفت بمكياج هادئ أبرز ملامحها وزرقة عينيها. ابتسمت برضا، ثم خرجت من الغرفة.
نزلت الدرج، فكانت الفيلا هادئة على غير عادتها
شغلت موسيقى هادئة يحبها سليم، ثم اتجهت إلى غرفة الطعام.
توقفت أمام المائدة، فوجدت الطعام مرتبا بعناية، والورود والشموع تزين المكان، فابتسمت برضا.
كانت سحر تقف إلى جوار المائدة، تضع اللمسات الأخيرة على كل شيء. ألتفتت إليها ماسة:
خلاص يا ماما سحر، روحي إنتِ اعتبري نفسك أجازة لحد بكرة.
ابتسمت وأومأت برأسها: حاضر يا هانم.
غادرت سحر المكان، فأخرجت ماسة هاتفها، وأتصلت بسليم.
ما إن أجاب حتى قالت بصوت متصنع:
يا سليم، تعالى بسرعه؟ بطني وجعاني اوي ودايخة.
ثم أغلقت الهاتف، وما إن فعلت حتى انفجرت في ضحكة صغيرة ثم تحركت نحو المكتب.
وبعد لحظات، فُتح باب المكتب وخرج سليم، كانت لحيته أكثر كثافة قليلا من المعتاد، وكان يرتدي ملابس منزلية.
وما إن رفع عينيه حتى توقف مكانه.
وقفت ماسة أمامه بإطلالة خطفت أنفاسه، فتوقف سليم للحظات يتأملها، عاجزا عن إخفاء انبهاره بها؛ بدت له أجمل من المعتاد، وزادت ابتسامتها الصغيرة ملامحها سحرا.
انتظرت ماسة أن ينطق، لكنه ظل صامتا، يحدق بها وكأنه ما زال يحاول استيعاب ما يراه.
اقتربت منه خطوة، وقالت بدلال: مالك يا سليم؟ نسيت الكلام؟
مرر عينيه عليها من أعلى إلى أسفل، دون أن يطرف له جفن: لا... بس مش فاهم، مش إنتِ تعبانة؟
هزت رأسها بدلال: تؤ، أنا مش تعبانة، كنت بدلع عليك بس، عشان عاملة لك مفاجأة.
ثم مدت ذراعيها وأحاطته بهما، وقالت بمكر: مش إنت بس اللي بتعمل مفاجآت، ماسة كمان بتعرف تعمل مفاجآت.
ثم نظرت إلى ملابسه وضحكت: وأخيرا! إنت بالبيجامة وأنا بالفستان!
ظل سليم ينظر إليها دون أن ينطق، فابتسمت له، وحين شعرت أنه ما زال غير قادر على استيعاب الأمر، اقتربت منه وقبلته قبلة في البداية ظل سليم ساكنًا من شدة المفاجأة، ثم بدأ يبادلها القبلة بعشق جارف وعميق.
وحينما شعر أن تلك القبلة أصبحت أكثر سخونة وأكثر عشقا، أبتعد قليلا وهو يأخذ أنفاسه وساند جبينه على جبينها، وقال وهو ينظر حوله:إحنا على اللايف
ضحكت وقالت بمشاكسة: ما هو أنا سربتهملك!
ضيق عينيه، فردت موضحة: قولتلهم يروحوا يقعدوا في أي مكان..
عضو اسفل شفتيها بأنوثة: النهارده بتاعنا أنا وإنت وبس، ماحدش هيكون معانا، بقالنا كتير ماقعدناش مع بعض ونقضي وقت حلو زي ده.
ضمته إليها وقالت بحنان: بصراحة، أنا مش هقدر أستحمل أشوفك قاعد زعلان وحزين أكتر من كده فالنهاردة هتفك... يعني هتفك، ومافيش اختيار.
تبسّم سليم مازحها بمشاكسه: قول الحقيقة... إنتِ عايزة تنتقمي مني وتاخدي حقك؟ عشان تبقي إنتِ بالفستان وأنا بالبيجامة؟ مش قادرة تنسي إن كل مرة بعملك فيها مفاجأة، بتكوني إنتِ بالبيجامة وأنا لابس بدلة! قلبك أسود أوي.
ضحكت وهي تقرصه من أنفه: ده أنا قلبي أسود منقط بلاك... مخطّط أسمر.
أنفجر الأثنان بالضحك، وشعرت ماسة أن ابتسامته وحدها كانت تستحق كل ما فعلته.
مسكت يده، وشدته خلفها وهي تقول:
يلا بقى، تعالى معايا تحركا معا نحو السفر.
سحبت له الكرسي وأشارت إليه برقة: النهاردة إنت السلطان سليم الراوي... وأنا جاريتك.
ألتفت إليها، وأحاط خصرها بذراعيه، وقال وهو ينظر داخل عينيها: تعرفي إنتِ إيه يا ماسة؟"
ابتسمت: إيه؟
دقق النظر في عينيها الزرقاوين، وكأنه نسي للحظة كل شيء حوله، ثم قال بصوت هادئ ممتلئ بالعشق: سلطانة قلبي... إنتِ مش بس سلطانة قلبي، إنتِ صاحبة القلب ده من يوم ما عرفك، أنا مستعد أبقى خادم للعيون الزرق دول اللي كل ما أبص فيهم أنسى الدنيا واللي فيها..
لمس بأصابعه شفتيها: والضحكة دي... ضحكتك اللي بتطلع منك من غير ما تحسي، دي قادرة تمسح من قلبي تعب سنين في لحظة،إنتِ عارفة إنتِ بالنسبالي إيه؟ إنتِ الحاجة الوحيدة اللي لما بشوفها بحس إن الدنيا، لسة فيها أمل.
ضحكت وهي ترفع كتفها بدلال: خلاص... إحنا الأتنين سلاطين.
ابتسم وقال: لأ... إحنا اتنين ملوك، بس أنا مملكتي كلها إنتِ.
قرصته من خده بدلال وهي تضحك: طب ممكن كفاية دلع بقى وبطل تعاكسني، ويلا أقعد يا سلطان قلبي.
تبسم لها ثم جلس على المقعد، وجلست بجانبه، ثم قالت بحماس: على فكرة... أنا اللي عاملة الأكل بإيدي. عملتلك كل الأكل اللي بتحبه.
تابعت بتوضيح: كلمت الدكتور وقاللي خلاص، النهاردة مافيش مسلوق تاني.
ألتقطت قطعة من ورق العنب ومدتها إليه:
أفتح بُقك... يا كراملتي.
ضحك وأخذها منها: يلا كلي إنتِ كمان.
ابتسمت وهي تراقبه: شايف؟ بدأت تخرج من المود أهو.
توقف قليلا، ثم نظر إليها وقال: عملتي كل ده ليه؟
أجابته ببساطة: علشان أخرجك من المود اللي إنت عامله ده.
ثم تابعت وهي تتذكر حديثها مع الشيخ: وعلى فكرة، أنا اتصلت بشيخ وسألته عن اللي حصل قاللي إن طول ما إنت ما كنتش ناوي تعمل أذى، فربنا أعلم بحالك، ولو إنت حاسس بالذنب، ممكن تستغفر ربنا وتتصدق وتعمل صدقة جارية ليهم.
تنهدت، ثم قالت: وكلمت ياسر كمان عشان يتكلم معاك.
خفض عينيه: كلمني بس مش قادر أستقبل أي حاجة دلوقتي.
زمت شفتيها بدلال، ثم نهضت من مكانها واقتربت منه، فهم سليم أنها تريد الجلوس على قدمه، فابتسم لها وأزاح المقعد قليلا إلى الخلف، ثم جلست على ساقه وأحاطت عنقه بذراعيها، وقالت بحنان: طيب ممكن تسمعني.
رفع عينيه إليها، فبدأت تتحدث بعقلانية بنبرة هادئة: حتى لو افترضنا إن عليك ذنب... هتفضل تعاقب نفسك لحد إمتى؟ الحزن اللي إنت حابس نفسك فيه ده هل هيصلح حاجة؟ أكيد لأ.
رمش سليم بعينه بصمت، فأكملت على ذات الوتيرة: إللي حصل حصل يا سليم، ومافيش حاجة هتقدر تغيره، إحنا ضيعنا نص عمرنا في خناقات وهروب ومستشفيات، وما ارتحناش، فكمان عايز تضيع الباقي في الإحساس بالذنب؟ هتتفضل بعيد عني وعن حور إللي رجعت لنا بعد سنين لحد امتى؟
ثم ابتسمت له محاولة أن تخفف عنه: أنا مش بقولك ما تزعلش على فراقه، بس ما تخليش الحزن ياخد منك اللي باقي من عمرك، عندك أنا وحور، وعندك حياة لسه بتتفتح قدامك، وأنا عايزاك تعيشها معانا وإنت مبسوط، مش تفضل تعاقب نفسك على حاجة انتهت.
سكت سليم قليلا، ثم قال بصوت خافت: أنا أصلا عندي مشكلة لحد دلوقتي، مش قادر أتصالح مع فكرة إن ربنا سامحني، حاسس إن كل اللي بيحصل ده عشان ربنا لسه ما سامحنيش علي كل اللي عملته زمان.
وضعت يدها على خده، وقالت بحزم حنون: لا ما تقولش كده، استغفر ربنا، ربنا تواب رحيم.
ثم ابتسمت بإشراقة: إنت كنت صادق في توبتك ومارجعتش تاني، ومش كل حاجة وحشة بتحصل لنا معناها إن ربنا بيعاقبنا، ساعات بيكون ابتلاء واختبارات
اقتربت منه أكثر تابعت: وبعدين هنفضل بقى في الحزن ده؟ لأ، أنا مش عايزة كلام حزين..
ثم ضربته بخفة على كتفه وهي تبتسم: أنا عايزة أفرفش وأنبسط وأحب فيك يا أمورتي إنت وبس..
ضحك رغما عنه، فقالت بسرعة: ومش هديك الفرصة تنكد علينا تاني، خلاص أضحك عشان والله هزغزغك!
وفجأة بدأت تدغدغه من رقبته، فضحك سليم وحاول الابتعاد عنها، قبل أن يمسكها ويضمها إليه.
ثم ضم وجهها بين كفيه، ونظر إليها بحب وقال:
أنا بحبك أوي يا ماسة، إنتِ حياتي وعمري كله،
كبريائي وقوتي وضعفي، هوسي وجنوني، عيني ونفسي... إنتِ عشقي وملاذي الوحيد، ومستحيل أتخيل حياتي من غيرك...
إنتِ الوحيدة إللي بتقدري تاخديني من السجن اللي جوايا، من الحزن والقسوة، من الصداع والضجيج اللي عايش في دماغي، كل ده بيختفي أول ما أسمع ضحكتك، ضحكتك بالنسبالي مش مجرد ضحكة! دي دواء، دواء بيرجعني لنفسي.
ابتسمت ماسة بذهول وهي تنظر إليه باستغراب، ثم علقت: طب يعني أنا اللي عاملة لك المفاجأة، وأنا اللي كنت ناوية أقولك كلام حلو، واحب فيك، تروح إنت مفاجئني بالكلام الجامد ده، إنت جاهز على طول كده؟
ابتسم وقال بعشق يخرج من عينه: عشان قلبي هو إللي بيتكلم..
ثم أضاف بشغف: يلا سمعيني، أنا عايز أسمع كلامك الحلو.. واتحب منك
تأملته للحظات بعشق، ثم أخذت نفسا عميقا، وقالت بصوت عاشق: أنا بحبك... ومهما حاولت أوصفلك قد إيه بحبك، هفضل حاسة إن الكلام قليل على اللي جوايا، بحبك رغم مرارة الواقع، ورغم كل الوجع اللي عشنا فيه، ورغم الحقيقة اللي ساعات بتبقى أقسى من قدرتنا على احتمالها، حتى لو هعيش معاك معاك اوقات تحزنني، مش مهم، يكفيني إننا هنكون سوا..
دققت النظر داخل عينيه ورفعت كفها ووضعته على خده تابعت: بحبك رغم كل حاجة، وأي حاجة، إنت مش بس حبيبي، إنت أماني وفرحتي وسط كل البؤس اللي عشناه، والوحيد اللي معاه بحس إن الحياة لها معنى، إنت جنتي على الأرض، وبيتي، وأماني، وكل حاجة حلوة لقيتها في الدنيا
ولو كان ليا أمنية واحدة أطلبها من العمر كله، فهي إني أفضل معاك وجنبك، مهما كانت الدنيا قاسية علينا، وعندي استعداد أدفع أي تمن مقابل ضحكتك... ضحكتك اللي بتخليني أسعد واحدة في الدنيا دي كلها...
كان يتأملها بنظرات عاشقة، وكأن عينيه لا تريان سواها، بينما كان قلبه ينصت إلى كل كلمة تخرج من بين شفتيها بشغف، كانت كلماتها تصل إليه كأنها لحن خاص به، معزوفة ناعمة تعزفها حبيبته وحدها، وكلما تحدثت شعر أن صوتها يلامس قلبه قبل أذنيه، وكأن وجودها بقربه هو أجمل ما يمكن أن تمنحه له الحياة، ثم علق عليها بنبرة حانية: بس إنتِ دعيتي إننا نبعد.
أومأت والدموع تلمع في عينيها: أيوه... لإني وصلت لدرجة من حبي ليك إني عندي استعداد أستحمل مرارة الوجع ووحشية الوحدة في بُعدك، ما دام إنت هتكون سعيد..
أخذت تحرك أصابعها على لحيته وهي تدقق النظر داخل عيناه: الحب مش معناه إني أخليك جنبي رغم أي حاجة وحشة!.. اللي بيحب بجد بيتمنى السعادة لحبيبه، حتى لو مش معاه، وأنا هاطكون سعيدة لمجرد إني شايفاك مبسوط وبتضحك... هعوذ إيه أكتر من كده؟ سليم، حبيبي، سلطان قلبي وعقلي وعمري، بيضحك ومرتاح أنا مش عايزة غير كدة.
اقترب بوجهه منها أكثر، وقال بنبرة صادقة:
تأكدي إن مافيش راحة في بُعدك يا ماسة، أنا الضحكة بتخاصمني طول ما إنتِ مش جنبي، الحياة من غيرك مالهاش طعم ولا معنى ولا لازمة في عيني، بالنسبالي فاضية، تأكدي إن سر وجودنا وسعادتنا وإحنا الأتنين سوا، لأننا ما نقدرش نعيش من غير بعض إحنا اتخلقنا لبعض، وعلشان نكون مع بعض...
أضاف وهو يقرصها من خدها بنعومة: وبدل ما تدعي إننا نبعد مقابل سعادتي وراحتي، أدعي إن كل الحزن يبعد عننا، ونبقى مع بعض، مبسوطين ومرتاحين، ونعيش الحلم الكبير اللي فضلنا سنين نحلم بيه.
ضمت شفتيها بنوع من اليأس، وقالت: يعني دعيتها كتير، بس حسيتها دعوة مؤجلة، أو يمكن دعوة مش خير، مش عارفة، بس قلت أجرب دعوة تانية، يمكن تكون هي اللي فيها الخير.
ابتسم لها وقال بحسم: مافيش خير في بُعدنا عن بعض، إحنا كل ما حاولنا نبعد، الدنيا كانت بتجمعنا تاني، فيه مواقف كتير حصلت وخلتنا نبعد، لكن كل مرة كنا بنرجع أقوى من الأول، وحبنا كان بيطلع أقوى.
نظرت إليه طويلا، ثم ابتسمت باستسلام لطيف وقالت: إنت عندك حق..
ابتسم، وكأنه كان ينتظر منها تلك الجملة: أهو كده، أخيرا سلطانتي اقتنعت.
ابتسمت، وقالت وهي تمسح دموعها: خلاص كفاية حب، يلا ناكل، عشان بعدها عندي مفاجات كتير ومن ضمنهم، هنرقص، وأنا هرقصلك
نظر إليها بدهشة: ترقصيلي وإنتِ كده؟
رفعت حاجبها: إنت تقصد إيه؟ يعني أنا مابقيتش بغريك؟
ضحك: لا، لا، ما أقصدش! إنتِ قمر في كل حالاتك أنا قصدي عشان البيبي، عشان جاسر، يا أم جاسر.
ردت بمشاكسه: ما تبوظش البرنامج، أنا أصلًا غبية وحرقتلك منه حاجتين، فما تتكلمش معايا علشان أنا بَقر وبعترف بسرعة قبل ما تضرب حتى!
ضحك: أنا هسكت خالص... عشان أنبهر وأنا بالبيجامة.
أومأت بايجاب: أيوة.
عادت ماسة إلى مكانها، وتناولا الطعام وسط ضحكاتهما ومشاكستهما، يطعمون بعضهما وكأنهما يستعيدان معا تفاصيل افتقداها طويلا.
سليم وهو يتناول الطعام: أكلك وحشني أوي، بقالك كتير ما بتطبخليش، نبهتك قبل كده وإنتِ ولا هنا؟ خدتي على البرطعة! هقول لسعدية تقرصك من ودانك.
اتسعت عيناها: بلاش سعدية والنبي! أنا هبقى زوجة مؤدبة وهعملك أكل، حاضر.
ضحكا معا، بعد أن انتهيا من الطعام، ابتسمت ماسة وقالت: ألف هنا.
ثم نهضت بحماس ومدت يدها إليه: مستعد للفقرة التانية؟
نظر إليها باستغراب: فقرة تانية؟
ضحكت وهي تسحبه من يده: يلا يلا... تعالى بس.
خرجت به إلى الحديقة، فتوقف سليم عندما رأى بعض الزجاجات موضوعة أمامهما، وبجوارها بندقيتان مخصصتان للرماية.
ابتسمت بفخر وقالت: أنا عارفة إن الرماية لعبتك المفضلة..
قال بدهشة مبتسما:إنتِ مجهزة ده كله؟
أومأت بحماس: طبعا، بس المرة دي أنا وإنت هنلعب سوا.
غمزت له وهي تلقي له البندقية: يلا.
وبالفعل، بدأ الأثنان الرماية، وكانت ماسة تحاول التركيز بكل جدية، بينما كان سليم يصيب أهدافه بسهولة، حتى بدأ يضحك كلما أخطأت هي.
نظرت إليه بضيق مصطنع: إنت بتضحك عليا؟
أومأ بنفي قائلا بمزاح: أبدل، بس واضح إن الصياد الحقيقي لسة موجود.
ضحكت ورفعت يديها باستسلام: خلاص يا سيدي، كسبت.
فجأة تحركت ماسة نحو الطاولة، ثم انحنت أسفلها وأخرجت كرة، وقذفتها بإتجاه.
ألتقطها سليم قال باستغراب: إيه ده؟ أكيد مش هنلعب كورة.
هزت رأسها وهي تبتسم: لا هتلعب بس مش معايا!
رفع حاجبه: أمال؟
رفعت أصابعها إلى فمها وأطلقت صفيرا عاليا، فتوجه إليها بعض الحراس، وكان من بينهم مكي وعشري.
قالت وهي تشير إلى الكرة: هما هيلعبوا معاك وأنا هشجعك.
نظر سليم إليها بدهشة: إنتِ مخططة لكل ده؟
ضحكت: يس.
وبعد لحظات، بدأ سليم يلعب الكرة مع مكي وعشري، وعادت إليه حماسته القديمة، بينما وقفت ماسة تتابعه من بعيد بابتسامة واسعة.
وبعد انتهاء اللعب، اقترب منها سليم وهو يلهث قليلا، وقال بابتسامة صادقة: أنا بقالي كتير أوي ما لعبتش. تقريبا من ثانوي
ابتسمت: بصراحة، أنا سألت مكي وهو اللي ساعدني، قالي ماتش بوكس قولته لا، فقال لي إنك زمان كنت بتحب كرة القدم، بس بطلتها.
اقتربت منه أكثر تابعت: تعرف إن دي أول مرة أعرف إنك بتحب كورة القدم.
أومأ هو يتنهد وكأنه يتذكر: كنت حاجة بحبها، مش موهبة يعني، بس كانت مفضلة عندي، فايزة خلتني أشوفها وقتها كأنها حاجة مالهاش لازمة، وبعدها بطلتها.
ثم ابتسم وهو ينظر إلى الملعب: بس النهاردة انبسطت بجد... شكرًا.
اقترب منها، وقبّل جبينها بحنان، قالت وهي تغمز: لسه ما خلصناش
ثم سحبت سليم معها إلى الداخل، بينما قال لها وهو يضحك: أنا عايز أعرف بس حور وأهلك مع مين؟
أجابته وهي تواصل سيرها: قاعدين في الاستراحة، مش بعيد تعالى.
ظلت تسحبه معها حتى الحمام في الطابق الأول.
ضيق سليم عينه باستغراب: في إيه؟
ابتسمت بمكر: هتاخد شاور، وأنا هعمل لك مساج، وهظبط لك دقنك بالطريقة إللي بتحبها بإيدي يا كراملتي.
رفع يده باستسلام، وقال ضاحكا: أنا مستسلم.
وبالفعل، ساعدته ماسة في الاستحمام، ثم أجرت له المساج كما وعدته، وساعدته على ارتداء ملابسه، ورتبت شعره أمام المرآة، ثم وضعت عطره المفضل.
نظر إليها سليم عبر المرآة: أنا عايز أعرف إيه كل ده!
ابتسمت ماسة وهي تضبط خصلة من شعره:
هو مش إنت كل مرة بتعمل الحاجات اللي أنا بحبها؟ أنا كمان لازم أعملك الحاجات اللي إنت بتحبها. النهاردة ليلتك إنت وبس.
ألتفت إليها وابتسم بحنان، ثم قبّل عينيها، وقال: ربنا يخليكي ليا.
أمسكت يده مرة أخرى وقالت: يلا... لسه البرنامج ماخلصش.
وسحبته معها بإتجاه غرفة المعيشة، بينما كان سليم يضحك وهو يقول: أنا بدأت أشك إن الليلة دي مش هتخلص!
كانت الغرفة مزينة بالورد والشموع والإضاءة الناعمة، وعلى الطاولة بعض المسليات.
شغلت إحدى أغانيه الرومانسية المفضلة، ثم أحاطت عنقه بذراعيها، فرفع سليم رأسه وأحاط خصرها بذراعيه، وبدأ الاثنان يرقصان ببطء وسط ونظراتهما العاشقة، وكأنهما يعيشان لحظتهما بعيدا عن كل ما أثقل قلبيهما.
وفجأة ابتعدت عنه ودفعته بنعومة، نحو الأريكة بابتسامة، ثم شغلت ماسة إحدى الأغاني الصاخبة.
بدأت ماسة تؤدي فقرة الرقص التي وعدته بها بطريقة مرحة تناسب حالتها، بينما ظل سليم محاولا إخفاء ضحكته وبعد قليل توقفت
وهي تضع يدها على خصرها: أنا تعبت... كفاية، !
سليم منتصرا: أنا قولتلك بلاش فقرة الرقص.
جلست بجانبه وضحكت: لا، أنا مش هبوظ البرنامج.
ثم أشارت إلى الشاشة: دلوقتي بقى هانتفرج على فيلم سوا، وبعدها نطلع الأوضة.
اقترب منها قليلا، ثم قال: ثانية، هي مش حور مش هنا؟
أومأت: أيوة ما فيش حد هنا غيري أنا وإنت، والحراس بره، وبس.
ابتسم وهو يخلع تيشيرته بنظرات ذات معنى، اقترب منها: يعني أخيرا أنا وإنتِ لوحدنا
ضحكت وهي تدفعه بعيد عنها من صدره فهي فهمت ما يريد: أيوة... بس الفيلم الأول.
وفجأة أحاط خصرها بذراعيه وقربها منه: وما فيش فيلم انتهى البرنامج نكمله بعدين.
فجأة اقترب منها وقبلها قبلة عميقة تحولت إلى عشق جارف...ووووو
وبعد وقت...
نرى ماسة وسليم يجلسان جانب بعضهما، بينما كان سالم يحيطها بذراعه ويطعمها بيده بعض الفاكهة، كانت ترتدي تشيرته، بينما كان هو عاري الصدر ويرتدي بنطاله فقط، وقد بدت على ملامحهما آثار العشق الذي عاشاه منذ قليل.
عبثت بوجهها بدلال وقالت: بوظتلي البرنامج!
ابتسم وهو يداعب أنفها: معلش أنا عارف إن الفقرة دي إنتِ كنتي حاطاها في الآخر هنعيدها تاني فوق زي ما إنتِ مرتبة.
ضربته على كتفه بخجل: بطل!
ثم مدت يديها، وفتحت الدرج، وأخرجت كوفية تريكو: أنا عملتلك دي بإيدي، عشان أنا مش حس إني بجيبلك هدايا كتير.
أخذها منها بابتسامة: إنتِ كفاية عندي، وإنتِ هديتي تسلم إيدك.
ثم قبل يدها.
أمسكت ماسة جهاز التحكم بتلفاز: طب يلا نتفرج على الفيلم.
جلس الأثنان يشاهدان الفيلم، يتبادلان الضحكات والتعليقات، بينما كان سليم يناولها قطع الفاكهة بين الحين والآخر، في محاولة لإفساد تركيزها.
ولأول مرة منذ وقت طويل، تركا الماضي وكل مايؤلمهما خلفهما، وعاشا تلك الساعات كما لو أن العالم كله توقف من أجلهما... لم يبقى بينهما سوى الحب، وراحة القلب، والضحكة التي ظنا أنها ضاعت إلى الأبد.
في تلك الليلة، كان سليم سليم، وكانت ماسة ماسة... زوجين اختارا أن ينسيا كل شيء، ويعيشا حبهما فقط.
♥️____________بقلمي_ليلةعادل
أمام عمارة مي8م
هبطت مي من بنايتها بفستان سهرة محتشم وحجاب أنيق، وما إن خرجت حتى وجدت شريف في انتظارها.
بمجرد أن وقعت عيناه عليها، ابتسم بإعجاب: إيه الجمال ده؟
ابتسمت برقة: أنا مش عارفة إنت جيت ليه، أنا كنت هاجي لوحدي ،ما ينفعش تسيب أختك في يوم زي ده.
ضحك: أختي في يوم زي ده مش عايزاني أصلا، هي عايزة صاحبتها البنات وإخواتي البنات، وبعدين إخواتي الشباب هناك، ما تقلقيش، يلا بينا.
هزت رأسها بالموافقة، ففتح شريف لها باب السيارة، ثم قاد حتى وصلا إلى قاعة زفاف شقيقته بأحد نوادي القوات المسلحة.
كانت القاعة مزينة والأضواء تملأ المكان، والموسيقى تعلو في الأجواء، دخل شريف برفقة مي، واتجه بها إلى طاولة عائلته، وعرّفها إلى والديه وإخوته، الذين رحبوا بها وبدأوا الحديث معها.
شقيقته: على فكرة شريف ما بيبطلش كلام عليكي يا مي.
شريف مصححا بخجل: هي جيهان بتحب تبالغ بس.
ضحكت مي برقة دون تعليق
وبينما كانت مي تتحدث معهم، اقتربت إحدى خالات شريف من والدته، وقالت بصوت خافت: هو فيه إيه؟! ده الجو الجديد ؟
والدته باستغراب: جو جديد إيه ؟ دي مريضة بيحاول يخرجها من اللي هي فيه؟
الخالة بسخرية: يا سلام؟ هو ابنك بقاله يومين بيشتغل؟ ده بقاله سنين! اشمعنى يعني المرة دي؟ أحنا ما شفناهوش بيجيب حد من المرضى ويعرفها علينا.
والدته بترقب: تقصدي إيه يا فريال؟
أجابتها فريال: اللي إنتِ فهمتيه يا أختي.
نظرت والدة شريف إلى مي قالت معلقة: الصراحة البنت كويسة، بس دي مطلقة، وأنا مستحيل أجوز ابني لواحدة مطلقة، أنا هجوزه واحدة زيه ماسبقلهاش الجواز..
اقترب شريف برأسه الى مي متسائل: إيه رايك في ماما وإخواتي.
تبسمت وقالت: بصراحة لذاذ جدا.
شريف: قولتلك هتنبسطي.
ثم مد شريف يده إليها: طب ما تيجي نروح نرقص شوية؟
ابتسمت: ماشي.
وبالفعل، أخذها شريف إلى مكان الرقص، بينما وقف هو وسط الرجال لبعض الوقت، وكانت مي تقف مع الفتيات وتصفق، قبل أن تشاركهن الرقص وسط أجواء الحفل المرحة.
لكن بعد فترة قصيرة، تغيرت ملامحها فجأة، وشعرت بدوار وضيق في التنفس.
لاحظت شقيقة شريف تغيرها، فاقتربت منها وسألتها بقلق: إنتِ كويسة يا مي؟
وضعت مي يدها على رأسها: اممم بس حسيت فجأة إني دوخت وعايزة أرجع.
ردت عليها باهتمام وهي تمسك كتفها: يمكن من الزحمة، تعالي أرجعك على الترابيزة.
أسندتها وأعادتها إلى الطاولة، ثم ما إن لاحظ شريف ما حدث حتى أتجه إليها بسرعة، وقال باستغراب وقلق: فيكِ إيه؟
أجابته مي: مش عارفة، حسيت إني دوخت وعايزة أرجع، يمكن من الزحمة والجو المكتوم
شريف: طب استني، هجيبلك حاجة تاكليها من البوفيه.
أمسكت يده برفق: لا، لا، مش عايزة حاجة، أنا شربت مية وأنا كويسة روح إنت انبسط.
أومأ برفض: أنا هقعد معاكي شوية أطمن عليكي، وبعدين أبقى أرجعلهم تاني.
ابتسمت مي بهدوء، بينما جلس شريف إلى جوارها، وظلت أصوات الموسيقى والضحكات تتعالى من حولهما، دون أن يعرف أي منهما أن تلك الدوخة المفاجئة قد تكون بداية لشيء سيغير الكثير.
فيلا ياسين ولوجين،9م
كانت لوجين تجلس إلى مائدة العشاء برفقة نهى ونغم، يتبادلن الحديث بهدوء.
ابتسمت لوجين: أيوة، وأول واول متحسن هخدها نجيب واجيب ليها وللبيبي، وتختارهم بنفسها زي ما الدكتور قايل.
نهى بقلق: بس موضوع مبيته هناك ده ما ينفعش.
رفعت لوجين حاجبيها: ماما، إنتِ أكبر من كده؟ هو بينام مع البنت؟
تدخلت نغم: وأنا مش عارفة إزاي قلبك هادي كده! ده بيقعد هناك وقت طويل، وكمان بينام في بيت طليقته.
نهى بهدوء: إحنا مش بنقسيكي بسبب ياسين، بس فيه حاجات ما تنفعش.
تنهدت لوجين: ده وضع مؤقت علشان البنت.
نهى: عموما، ده اختيارك ولازم تبقي قده.
في الجهة الأخرى...غرفة نالا
جلس ياسين إلى جوار نالا، فطلبت نالا من هبة أن تنام معهما، فتمدّدت بجوارها، بينما جلست نالا بينهما.
بدأ ياسين يسرد قصة لها حتى تنام، لكنها تشبثت به: بابا، أنا عايزاك تبات معايا النهاردة.
هز رأسه: مش هينفع يا حبيبتي، إمبارح أنا بت معاكي.
أصرت: والنهاردة كمان، علشان خاطري.
تنهد ياسين: طب خلاص، تعالي نبات عند جوجا، إيه رأيك؟
ابتسمت نالا: ماشي، بس ماما تيجي معانا.
تردد ياسين: مش هينفع يا حبيبتي.
سألته باستغراب: ليه؟
أجابها: مش أنا قلتلك إن أنا وماما مطلقين؟ ماينفعش تنام في أوضة واحدة معايا.
فكرت نالا قليلا: خلاص، نبات هنا، بابا يبات معايا، وماما تقعد لحد ما أنام وبعدها تمشي.
تدخلت هبة بحزم: نالا، لو عايزة بابا ينام معاكي، روحي نامي معاه في الفيلا، أنا مش هروح معاكي، ولو روحت هنام في أوضتي.
نظر إليها ياسين: بالراحة عليها.
ردت بحزم: لا، لازم تسمع الكلام. يلا، اختاري هتعملي إيه.
خفضت نالا رأسها باستسلام: خلاص، هبات هنا، بس بابا يبات معايا، أنا مش عايزة أروح هناك.
نظرت هبة إليه: عندك مشكلة تبات هنا النهاردة كمان؟
أومأ: لا عادي.
ثم أخرج هاتفه واتصل بلوجين.
ياسين: إيه يا حبيبتي؟ أنا هبات النهاردة كمان مع نالا.
لوجين بضيق: ليه؟ النهاردة كمان؟
ياسين معتذرا: معلش، حقك عليا، بس البنت شبطانة فيا.
لوجين: طب ما تجيبها تنام معانا.
ياسين: إنتِ عارفة يا لوجين، ماينفعش حد ينام جنبك، وأنا نفسي مابنامش جنبك.
تنهدت: طيب، ماشي. سلّم لي عليها.
ياسين: حاضر.
أغلق ياسين المكالمة، والتفت إلى نالا: هاروح ألبس وأرجع أقعد جنبك.
أما لوجين، فأغلقت الهاتف وتنهدت بضيق كانت تحاول إقناع نفسها أن مبيته هناك مجرد ظرف مؤقت من أجل ابنته، لكنها لم تستطع منع غيرتها من الظهور، ومع ذلك، قررت ألا تسمح لها أن تهز ثقتها بياسين، فنهضت وهي تحاول طرد تلك الأفكار من رأسها.
أحد الأماكن النائية في صعيد مصر،1ص
وسط الصحراء، كان عدد من العمال والمهندسين يعملون في موقع أثري بعيد عن أعين الناس.
توقفت عدة سيارات نقل بالقرب من الموقع، بينما كان بعض العمال يخرجون من حفرة عميقة، يحملون صناديق خشبية ثقيلة، ويضعونها بعناية داخل السيارات.
وقف أحد المهندسين يراقبهم قائلا: بالراحة يا رجالة الصناديق دي ممنوع تتخبط.
وفجأة، ظهر عدد من الرجال الملثمين، وأطلقوا النار، فتحولت ساحة العمل خلال لحظات إلى فوضى.
اختبأ العمال خلف السيارات، وحاول أفراد الحراسة الرد، وتبادل النيران، وكأنها ساحت معركة، لكن المهاجمين كانوا أكثر عددا وتنظيما، وسرعان ما سيطروا على المكان وأجبروا من تبقى على الاستسلام.
اقترب أحد الملثمين من المهندس وأمسكه من ذراعه: عايز تعيش ولا تموت؟
ارتجف المهندس: أكيد عايز أعيش.
قال الرجل بحدة: يبقى تساعدنا نخرج المقبرة دي... وكل إللي فيها.
نظر المهندس حوله بتوتر: أساعدك، بس إنت قتلت نص العمال إللي هنا!
الرجل ببرود: لو عايز تفضل عايش، يبقى بلاش أسئلة... يلا أتحرك.
ابتلع المهندس خوفه وأومأ: حاضر..
وبدأ المهندس يوجههم إلى الممرات الداخلية، موضحا أماكن الصناديق والمقتنيات.
وبعد وقت،
أمسك أحد الملثمين جهاز اللاسلكي: إحنا بنطلع الصناديق دلوقتي.
جاءه الرد: هاتاخدوا قد إيه؟
نظر إلى المهندس، فأجاب: ٣ ساعات.
نقل الرجل المعلومة، ثم قال: ما تقلقش... إحنا مراقبين كل حاجة.
أغلق الجهاز وأشار إلى رجاله: يلا... مافيش وقت.
وفي التوقيت نفسه، في أحد المخازن التابعة لعائلة الراوي، بمنطقة معزولة وتحت حراسة مشددة.
فجأة، اقتحمت مجموعة أخرى من الرجال الملثمين المكان، واشتبكت مع الحراسة قبل أن تسيطر عليها وتدخل إلى المخزن
كانت الصناديق والتماثيل والقطع الأثرية مصطفة في الداخل.
أشار أحد الرجال إليهم: خدوا كل حاجة.
وخلال دقائق، كانت السيارات قد امتلأت بما حصلوا عليه.
جلس أحد الرجال في المقعد الأمامي واتصل: المخزن خلص.
جاءه الصوت الآخر: متأكد إن ماحدش هايعرف؟
نظر إلى آخر صندوق يتم تحميله وقال: عزت باشا مستحيل يعرف والحاجة خلاص في الطيارة.
تحركت السيارات في اتجاهين مختلفين، واختفت وسط الصحراء، تاركة المكان خلفها خاليا مما كان فيه...
في اليوم التالي...
مجموعة الراوي،1م
جلس عزت داخل مكتبه يتابع بعض الملفات، حين دخل شاكر على عجل، وعلامات التوتر تبدو على وجهه.
رفع عزت عينيه عن الأوراق: فيه إيه؟
اقترب شاكر: عندنا مشكلة كبيرة يا باشا.
قطب عزت حاجبيه: أتكلم.
شاكر بتردد: المقبرة اتسرقت.
توقف عزت عن تقليب الأوراق، ورفع عينيه إليه بحدة: اتسرقت إزاي؟
شاكر بتوضيح: مجموعة مسلحة دخلت الموقع بالليل، وسيطرت على المكان، وخدت كل إللي كان موجود.
اتسعت عيناه بصدمة ثم تساءل: طب والمخازن؟
تردد شاكر قبل أن يجيبه: المخازن كمان اتسرقت.
مد عزت وجهه بحسرة: يعني المقبرة والمخازن اتسرقوا في نفس التوقيت؟
أومأ شاكر: أيوه يا باشا
تابع بتفسير: واضح إن إللي عمل كده ماكانش داخل يسرق وخلاص... ده كان عارف كل حاجة..
سأله عزت: تقصد إيه يا شاكر؟
رفع كتفه مفسرا: أقصد إن حد كان بيراقبنا من فترة، وعارف كل تحركاتنا... حتى مواعيد استخراج القطع، والأذكى إنه سابنا نعمل كل الشغل بنفسنا... حفرنا، ونقلنا، وطلعنا القطع وحطيناها في المخازن، وهو جه في الآخر وأخدها جاهزة.
جلس عزت يمسح على رأسه بعصبية، بينما كان الغضب يغلي بداخله، لكنه ظل صامتا، يحدق أمامه محاولا استيعاب ما حدث.
وفجأة، دخلت فايزة، والغضب يملأ ملامحها
قالت بانفعال: شفت المصيبة إللي حصلت؟ إنت قاعد كده عادي؟
رفع عزت عينيه إليها بهدوء، وقال بنوع من اليأس: عايزاني أعمل إيه؟ بعد كل إللي حصل لنا، تفتكري خبر زي ده هايهزني؟ أنا عشت أسوأ منه.
ضيقت عينيها باستغراب: إيه النظرة، اليأس والبؤس دي؟
أجابها بمنطق: ده مش يأس ولا بؤس، ده تصالح مع الواقع، والسؤال الأهم دلوقتي يا فايزة... مين إللي بيعمل كده؟
فايزة وهي تجلس: طب ما إحنا بقالنا كتير بنحاول نوصل له.
اشتدت عينا عزت بحسم: المرة دي لازم أعرف مين إللي بيعمل كده، حتى لو ها أدفع نص ثروتي علشان أوصله.
تبادلا النظرات في صمت.
فيلا سليم وماسة،12ص
جلس سليم وماسة متقابلين على إحدى طاولات حديقة الفيلا، يتناولان الفطور في أجواء هادئة.
سألته ماسة بابتسامة: ها، يا قلبي، قولي انبسطت؟ أنا بعرف أعمل مفاجآت.
ابتسم وأمسك يدها وقبلها منها: أكيد انبسطت، أحلى مفاجأه إحنا عايزين كل فترة نفصل كده ونسربهم واستفرض بيكي.
هزت رأسها بحماس: موافقة جدا
وفي تلك اللحظة، ركضت حور نحوهما بحماس، وكانت جميع أفراد العائلة خلفها.
حور بسعادة: بابا، ماما! أنا جيت! إنتوا كمان جيتوا!
نظر إليها سليم باستغراب، بينما قال مكي بسرعة:
أيوه جم، وقتلوا الحشرات اللي كانت مالية البيت.
وجه نظره لسليم وهو يغمز له: مش إنت يا سليم كنت بتحارب الحشرات إنت وماسة؟
تفهم سليم وأومأ بإيجاب حمل حور واحتضنها:
أيوه، اتخانقت معاها وضربتهم أنا وماما، عشان الملكة بتاعتي، مافيش حاجة تيجي جنبها.
حور ببراءة: أنا هنام جنبكم النهاردة، علشان إنتوا وحشتوني.
ابتسم سليم: بس كده؟ نامي جنبنا النهاردة وبكرة كمان. هاتي بوسة.
اقتربت حور منه وقبلته في خده، ثم قالت بسعادة:
أنا مبسوطة يا بابا إن إنت خرجت من الأوضة ومابقتش زعلان.
احتضنها سليم: مش هزعل تاني طول ما إنتِ معايا وفي حضني كده وشايف ضحكتك الحلوة دي.
وضعت ماسة يدها على خصرها بمزاح: يا سلام يا سلام! طب وأنا ماوحشتكيش؟
ابتسمت حور، وألقت نفسها في أحضانها: إنتِ كمان وحشتيني قد البحر والسما.
احتضنتها ماسة بحب: قلب ماما.
نظر سليم للعائلة وقال: أقعدوا أفطرو معانا.
سعدية: لا، إحنا سبقناك من بدري.
ابتسم سليم: طب أقعدوا معانا.
جلس الجميع.
إسعاد وهي تجلس سألته باهتمام: عامل إيه دلوقتي يا ابني؟!
تبسم: أنا الحمد لله كويس.
مكي: بقولك يا سليم، تعالى أقولك على حاجة.
نظر إليه سليم باستفهام: في إيه؟
أشار له مكي: تعالى بس.
تحرك سليم مع مكي عدة خطوات بعيدا عنهم، فنظرت ماسة إلى سلوى وسألتها: هو في إيه؟
أجابتها سلوى بالإنجليزية: هناك بعض الأشخاص قاموا بسرقة المقبرة الفرعونية التي يملكها عزت.
اتسعت عينا ماسة فور سماعها الخبر، ثم نظرت إلى إسعاد وقالت: قوليلي يا خالتو لسة حاسة بالحرج؟
ابتسمت إسعاد: لا خلاص، الصراحة أم عمار ما شاء الله عليها، ونِعم الأخت.
سعدية بابتسامة: والله إنتِ إللي جيتيلي نجدة! لاقيت حد اتساير معاه بدل ما أنا قاعدة لوحدي.
ضحكت ماسة: يعني أخيرا مش هاتفضلي ترغي جو وداني بالساعات؟
سعدية بغيظ مصطنع: لا مش علشان سليم هنا هتتدلعي، والله لأقوم أضربك!
ضحكت ماسة: ماتقدريش ثم أخرجت لسانها..
ثم نظرت إلى حور وقالت: تعالي يا روري، أحكيلي عملتي إيه إمبارح مع تيتة وجدو؟
على إتجاه آخر، كان يتوقف سليم ومكي أمام بعضهما يتحدثان.
سليم: ده أكيد كريس هو اللي عمل كده، إنت ناسي أنا اللي كنت مديه كل المعلومات؟
مكي: أنا قلت أعرفك علشان تبقى في الصورة.
سليم بحسم: أنا مش هعمل حاجة تاني يا مكي، أنا زي ما قلتلك، هبعد عن كل حاجة، هفكر إني أنبسط وبس، ونحضر لجوازك، ومن النهاردة لازم نبدأ نرتب لكل حاجة. تعالى معايا.
تحرك الأثنان وعادا إلى الطاولة، ثم جلسا مع الجميع.
قال سليم: بقوللكم إيه يا جماعة؟ إحنا من النهاردة هنبدأ نحضر لجواز سلوى ومكي، زي ما اتفقنا، أنا مش حاسس إن إنتوا عملتوا أي حاجة.
سلوى مفسرة: ما إنت عارف بقى يا سليم، اللي حصل.
سليم بحزم: مالكمش دعوة بأي حاجة تحصل، مافيش حاجة هتوقف حياتنا تاني، يلا من النهارده ابدئي شوفي الموبيليا على الشهر الجاي بالكتير نعمل لكم فرح ونفرح..وتقعدوا بلا استراحه
نظر مكي إلى سلوى، وتبادلا نظرة حماس، ثم قالا معا: موافقين.
المصحة،4م
جلس رشدي في المكان المخصص للزيارات، كانت العائلات تجتمع حوله، بينما جلس هو بمفرده، وعيناه معلقتان بالباب.
كلما انفتح الباب، انتفض قلبه، ورفع رأسه سريعا، ظانا أن القادم سيكون أحد أفراد عائلته.
لكن في كل مرة، كان الأمل يخيب، ويعود إلى مكانه صامتا، يخفي حزنه بصعوبة.
وبينما كان الطبيب يمر من بعيد، انتبه إليه رشدي
فنهض وتحرك نحوه متسائلا: هو حضرتك قولت للعيلة إنك سمحت بالزيارة؟
أومأ الطبيب بهدوء: أه كلمت عزت باشا والهانم، بس للأسف محدش رد، لكن بلغتهم في رسالة، يمكن عندهم شغل النهاردة، ممكن يجوا بكرة، متقلقش، الهانم وعدتني إنها هتيجي.
تردد قليلا قبل أن يسأل: طب معلش كلمهم تاني، هو أنا ينفع يبقى معايا تليفون؟
زم الطبيب شفتيه بأسف: مش دلوقتي، شوية كده لما حالتك تتحسن.
رشدي بضيق: أنت خايف أتصل بحد وأقوله هاتلي مخدرات؟
أومأ الطبيب نافيا بسرعة: أنا مقولتش كده، بس ده نوع من التدريب على الاتزان وبعض السلوكيات المعينة، مش كل حاجة تطلبها لازم تبقى مجابة، وده بناء على كلام الدكتور النفسي.
صمت رشدي لحظة، ثم قال برجاء: طب معلش كلمهم تاني، مش لازم الباشا والهانم، ممكن تتصل بياسين، طه، فريدة..
توقف قليلا، ثم أضاف بصوت أكثر خفوتا: أو ممكن تكلم سليم يقولهم؟
أومأ الطبيب: تمام، عموما لسة ميعاد الزيارة مخلصش، ولسة فاضل وقت كبير، يمكن ييجوا.
نظر رشدي إلى الباب مرة أخرى: أنا مش عايز أصدق إنها كانت بتكذب لما وعدتني.
تبسم الطبيب وربت على كتفه بدعم: أكيد لا، خد بالك، أنت عندك جلسة نفسية بعد الزيارة.
هز رأسه: ماشي.
تحرك الطبيب مبتعدا، بينما عاد رشدي إلى مقعده، وظلت عيناه معلقتين بالباب، ينتظر أن يظهر منه وجه يعرفه.
وفي الجهة الأخرى من الحديقة، توقف الطبيب مع طبيب آخر، وقال بقلق: إحنا لازم نكلم أهله تاني، الموضوع ده هيفرق كتير في حالته النفسية.
الطبيب الثاني: أنا كلمتهم، ومحدش بيرد.
الطبيب الأول: لازم نجرب تاني، أنا خايف يرجع ينتكس، كل التقارير إللي قريتها بتأكد إن نسبة كبيرة من تحسن رشدي مرتبط بشكل قوي بإحساسه إن أهله مش بيحبوه، ولا مهتمين بيه، عموما خلينا نحاول تاني.
مر الوقت وانتهت الزيارة... ولم يأت أحد.
عاد رشدي إلى غرفته، وجلس على سريره في صمت، وبعد قليل دخل الطبيب بابتسامة: عامل إيه يا رشدي النهاردة؟ أنا دكتور علاء، إن شاء الله هنكون مع بعض، في رحلة العلاج النفسي.
أومأ على مضض: أهلا بحضرتك.
جلس علاء أمامه، وسأله بهدوء: لسه زعلان علشان محدش جالك في الزيارة؟
خفض عينيه قليلا: مش بالظبط، بس كان نفسي يجوا النهاردة.
عاد علاء بظهره علي الكرسي وقال بهدوء: ممكن يكون عندهم أسباب كتير منعتهم، أنا اتفقت مع دكتور نوح إنه هيتواصل معاهم، وأكيد بكرة أو بعده هييجوا.
ظل رشدي صامتا، فسأله علاء مجددا: قولي بقى إيه أكتر حاجة بتخاف منها؟
رفع رشدي عينيه إليه وأخذ نفسا عميقا، وبدأت الجلسة.
فيلا سليم وماسة،4م
كان مكي يتجول في أرجاء الفيلا، يتفقد الحراسة ويراجع الأوراق والمكالمات، متابعا كل شيء بدقة كعادته.
بعد قليل، نادته سلوى من بعيد، الاي كانت تجلس تحت الأشجار في الحديقة.
اقترب منها، فابتسمت وقالت: إنت فاضي؟
نظر إليها وارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة.: ولو مش فاضي أفضالك.
جلس بجانبها على الأرض، وأسندا ظهريهما إلى جذع الشجرة الضخمة، كان نسيم الحديقة عليلاً، وصوت العصافير يملأ المكان.
صمت مكي للحظات ثم قال فجأة دون مقدمات:
على فكرة إنتِ وحشتيني، وحشني أملي عيني من النمش الحلو ده.
اتسعت عيناها بدهشة، لم تتوقع منه هذا الاعتراف المباغت علقت: اشمعنا؟
مد يده ببطء، وأمسك بخصلة من شعرها بين أصابعه بنعومة بالغة، ونظر في عينيها: وفيها إيه لما أدلع حبيبتي وأقولها إنك وحشتيني؟
أشاحت بوجهها بعيدا، وقد توردت وجنتاها خجلا: مش واخدة على كده منك بصراحة.. فلما بتقولي كلام حلو على فجأة بتصدم.
دقق النظر في عينيها: ما أنا قولتلك فيه مكي جديد إنسي إللي فات يا سوسكتي.
تبسمت برقة: حبيت ده، بقولك إيه، استنى عايزة أوريك حاجة مهمة، اصل بصراحه اتحمست اوي لما سليم كلمنا الصبح إن احنا نسرع في جوازنا.
أمسكت هاتفها واقتربت منه حتى ألتصق كتفها بكتفه، وفتحت صورة أمامه: بص إيه رأيك في أوضة النوم دي؟
نظر بتركيز قال: حلوة أوي، بس السرير صغير.
ضيقت عينيها باندهاش: صغير إيه يا مكي! حلو والله وعلى قدنا.
أومأ باعتراض: أنا عايز أوضة نوم سريرها أكبر من كده، أو نغير السرير ده.
تساءلت: ليه يعني؟ ما هو أنا وإنت إللي هننام عليه، وبعدين إحنا رفيعين.
ضيقت عينيها بمزاح تابعت: ولا إنت من نوع الناس إللي بتتشقلب على السرير زي يوسف؟
نظر إليها بنصف عين، وارتسمت على وجهه غمزة خبيثة: هو من ناحية الشقلبة ففيه شقلبة.. بس مش من النوم.
قطبت جبينها بعدم فهم: مش فاهمة؟
مال عليها قليلاً وهمس بصوت خافت لم تسمعه سوى هي قال بنبرة ذات معنى: يعني لازم يبقى كبير ومريح علشان نبقى براحتنا يعني.. أنا عامل عليكي والله مش عليا، أنا في أي مكان أنا تمام، حتى على الأرض مافيش مشكلة، برغم إني لازم أجرب حور الأرض برضوا معاكي..
ضيقت عينيها وهي تنظر إليه لوهلة بعدم فهم، ثم فجأة أدركت مقصده، اتسعت عيناها وضربته على كتفه بقوة: تصدق إنت قليل الأدب ومش محترم! أنا غلطانة إني بتكلم مع واحد مش متربي زيك!
نهضت واقفة بسرعة تهم بالرحيل، لكنه كان أسرع منها، وقف أمامها ووضع يده على جذع الشجرة، فحاصرها بجسده، ولم يعد أمامها مفر.
قال بمزاح: إيه بكابروت واتفتح عليا؟!
تابع بهمس: رايحة فين؟
كانت تحاول أن تكتم ضحكتها، ووجهها أحمر من شدة الخجل: همشي علشان إنت بقيت قليل الأدب.
اقترب أكثر حتى لم يعد يفصل بينهما سوى أنفاسهما المتسارعة: حد يتكسف من حبيبه إللي هيبقى جوزه يا سلوتي.
نظرت له وقالت بمشاكسه: اعملك ايه إنت ليه ماعودتنيش على قله الادب دي
تبسم: أنا اللي غلطان يعني
أومأت بايجاب بمشاكسه، تبادل النظرات للحظه بحب، ثم اقترب منها أكثر، حتى حُبست أنفاسها، كان قريبا لدرجة أنها تستطيع أن ترى انعكاسها في عينيه. كانت نظراته تحاصرها أكثر من ذراعه الممدودة على الشجرة.
ساد صمت ثقيل، لا يقطعه سوى صوت أنفاسهما المتسارعة، عيناه تتنقلان بين عينيها وشفتيها، بنظرة جريئة، حماسية، تكاد تنطق بما لا يجرؤ على قوله.
ارتجف جسدها، وحاولت أن تتماسك، لكنها لم تستطع أن تبعد نظرها عنه.
سلوى بصوت مخنوق من الكسوف: مكي.. أبعد بقى.
لم يبتعد، بل مال برأسه قليلاً نحوها، فازداد قربا: مش هبعد غير لما تقوليها تاني.
ابتلعت ريقها: أقول إيه؟
مكي قرب وجهه من أذنها: قولي وحشتني.. زي ماقولتيها من شوية.
عضت على شفتها السفلى بتوتر، ونظرت للأرض تهربًا من عينيه: لا مش هقول.. وأنا ماشية.
حاولت أن تمر من تحت ذراعه، فأوقفها بصوت حازم وناعم في نفس الوقت: سلوى.
توقفت مكانها، دون أن تلتفت. فأكمل هو بنبرة أهدأ: خليكي.. لسه ماقعدناش.
التفتت له نصف التفاتة، وعيناها تلمعان بعناد ودلال. لا عشان إنت بتبصلي بصة غريبة وأنا بتكسف وعمار هنا.
تحركت مبتعدة وهو ينظر لها بإبتسامة واسعة.
وخلال أسبوعين..
كان رشدي ملتزما بجلساته النفسية وعلاجه، وبدأ يظهر تحسنا قويا، بفضل عزيمته وإرادته في التخلص من الإدمان، وبسبب تقدم حالته جعله الطبيب يجلس في غرفة عادية
وفي الوقت نفسه، ظل هناك شيء واحد يؤلمه بشدة...وبنهش إستقراره
كان كل يوم، وفي الموعد نفسه، يجلس على الكرسي في مكان الزيارة طوال الساعتين، وعيناه معلقتان بالباب، ينتظر أن يُفتح، ليرى وجه أي شخص يعرفه!
ورغم عزيمته وقوته في الإقلاع عن الإدمان، كان انتظار الزيارة ينهش قلبه ببطء، كلما انفتح الباب، انتفضت عيناه بالأمل، ثم ما يلبث أن يخفت ذلك الأمل حين يمر شخص آخر لا يعرفه. ومع تكرار الأمر يوما بعد يوم، صار يجلس أمام الباب بصمت، يحدق فيه طويلا، وكأنه ينتظر من خلاله دليلا واحدا فقط على أن أحدا لم ينسه.
ومع الأيام، بدأ شيء ما ينطفئ بداخله، الأمل بدأ يموت بداخله، وانطفأت عيناه شيئا فشيئا، ووجع ثقيل استقر في قلبه
لم يكن أحد يزوره، فالجميع كانوا غارقين في مشكلاتهم وأحداثهم، والأسوأ أنهم لم يكونوا يجيبون على اتصالات المصحة.
أما رشدي، الذي لا يعرف شيئا عما يحدث خارجها، فبدأ يظن أنهم نسوه فعلا.
كبرت الفكرة في رأسه يوما بعد يوم، حتى بدأ يصدقها.
أما سليم، فبدأ يركز أكثر في مشروعه وعمله، ويحاول الخروج من شعور الذنب الذي ظل يطارده، بعدما سأل شيخا وأخرج مبلغا من المال صدقة وتكفيرا عما يشعر أنه أخطأ فيه.
أما آلاء ومصطفى، فظلا كما هما... كالقط والفأر، لا يمر يوم بينهما دون مشادة أو استفزاز من أحدهما للآخر.
وبالطبع، كان ياسين يقضي ليالي كثيرة خارج المنزل بسبب نالا، وهو ما كان يضايق لوجين كثيرا، لكنها لم تكن تعرف ماذا تفعل؛ فهي تعلم أنه مضطر، ومع ذلك كانت تغار كأي امرأة تحب زوجها.
أما عزت، فكان لا يزال يحاول الوصول إلى الشخص الذي سرق المقبرة لم يتمكن من الوصول إلى شيء مؤكد، لكنه توصل إلى معلومات تشير إلى أن كريس هو من قام بسرقتها، دون أن يمتلك أدلة كافية تثبت ذلك.
في المصحة،4م
جلس كعادته في الحديقة وقت الزيارة، ينتظر لكن تلك المرة كانت عيناه منطفئتين بشدة، شعر بالاختناق والغربة، ووضع يديه على خديه بمرارة وحسرة، ينظر حوله؛ الجميع يجلسون مع عائلاتهم، إلا هو.
وما كان يخشاه قد حدث بالفعل...
لم يشعر بنفسه إلا ودموعه تهبط بصمت، وغصة شديدة تخنق قلبه مسح دموعه، ثم نهض وتحرك دون أن ينتظر أكثر، فقد أدرك أنه لا أمل في أن يأتي أحد.
قابله الطبيب علاء سأله: رايح فين يا رشدي؟
رد بيأس: راجع أوضتي.
علاء بقلق: أنا مش عايز أشوف اليأس ده في عينك.
توقف رشدي والتفت إليه، ثم قال بغضب ووجع:
أوعى تقوللي تاني إنهم جايين وتديني أمل كداب. إنت كدبت عليا، زي ما هي كذبت عليا، وزي ما طول عمرها بتكذب عليا، أنا اللي كنت غبي وصدقتها وصدقتك، أنا ماحدش بيحبني، ماحدش عايزني، هما ماصدقوا يتخلصوا مني،
كاد علاء أن ينطق، لكن رشدي أوقفه بنظرة حادة، بعينين تلمعان بالدموع، بينما خرج صوته مهتزًا رغم محاولته أن يبدو حاسمًا: أوعى تقوللي إنهم جايين، وإنهم بيحبوني، أكيد في ظروف مانعتهم! وإن لازم أتمسك بالأمل، الإنسان بيتمسك بالأمل لما يشوف ولو شعاع نور صغير، أي حاجة تخليه يصدق إن لسه فيه سبب يستنى عشانه... بس أنا مش شايف أي حاجة من دي...
ابتلع غصته، وانخفض صوته أكثر: أنا كل يوم بستناهم، وكل يوم الباب بيتفتح، وبيرجع يتقفل من غير ما يدخل حد، أتمسك بإيه تاني يا دكتور؟
لم يستطيع علاء الآن المجادلة فلم يكن ذلك الوقت المناسب لابد أن يتركه يهدى ثم قال بهدوء: صحيح أنا ممكن أديك التليفون النهاردة لمدة ساعة.
رشدي بسخرية ممزوجة بالمرارة: اشمعنا؟ صعبت عليك؟
لم يفضل علاء بمجادلته فأخرج الهاتف ومده إليه: ده تليفونك اتفضل هايكون معاك لمدة ساعة، وأنا هسيبك ترجع لوحدك، وبعدها لينا قعدة مع بعض.
أخذ رشدي الهاتف وتحرك نحو غرفته، دخلها، لكنه نظر إليها هذه المرة بطريقة مختلفة. كأنها لم تعد غرفة، بل سجنا، أو جزيرة منفية لا يوجد فيها أحد سواه.
جلس على الفراش، وفتح حسابه على إنستجرام، ثم إتجه مباشرة إلى حساب مي ظل يتصفح صورها واحدة تلو الأخرى، يتأملها في صمت، وكأن كل صورة تعيد إليه ذكرى لم يعد يعرف كيف يتعامل معها.
ظل ينظر إليها باشتياق، وتمتم: وحشتيني أوي...
لكن فجأة توقفت عيناه عند مجموعة من الصور التي تجمعها بشريف.
اقترب من الشاشة، وأخذ يتأملها واحدة تلو الأخرى.
لم تعد عيناه تريان مجرد صور لطبيب ومريضة
بل شيء أخر
قرأ التعليقات، ورغم أنها كانت عادية، أخذ يفسر كل كلمة بطريقة مختلفة، وكأنها تؤكد له أن مي بدأت تنساه، وأنها بدأت تعيش حياة جديدة بدونه.
ازدادت الغصة في قلبه، وشعر أن كل شيء بداخله ينهار.
رفع عينيه عن الهاتف، وبقي للحظات يحدق أمامه في فراغ بدأ يتحدث بصوت داخلي: أنا هرجع ليه؟ لمين؟!
وفجأة انفتح باب الغرفة، ودخل الممرض يجر عربة الأدوية.
الممرض: يلا يا رشدي، ميعاد الدوا.
رفع رشدي عينيه إليه لوهلة واهنة، ثم سقط بصره على عربة الأدوية، فلمح مشرطا طبيا يلمع فوقها في تلك اللحظة، عبرت بذهنه فكرةٌ مظلمة.
اقترب منه الممرض ومد يده بالحقنة ليحقنه بها، فاستغل رشدي لحظة عدم انتباهه، ومد يده في خفة إلى المشرط، ثم أخفاه بسرعة في ثيابه من الأمام.
انتهى الممرض من حقنه، ثم ناوله قرصا صغيرا.
الممرض: خد البرشامة دي كمان، و10 دقايق وهبعتلك الأكل.
هز رشدي رأسه بالإيجاب بصمت. خرج الممرض وأغلق الباب خلفه.
بقي رشدي وحده أمسك بالمشرط الذي أخفاه، ومر أمام عينيه شريط حياته كلها، بدت له بلا معنى وبلا قيمة شعر بثقل خانق يجثم على صدره، حتى اتخذ قراره.
نظر إلى معصمه، وقرّب المشرط منه في لحظة يأسٍ شديدة قطع شريانه وتدفق الدم من يده بشده