رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الرابع والاربعون 44 بقلم ليله عادل


رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الرابع والاربعون 44
بقلم ليله عادل



{أحيانا يبدأ الانتقام برغبة في استرداد الحق، وينتهي بخسارة من لا ذنب لهم! فالانتقام حين يعمي القلب، لا يؤذي العدو وحده، بل قد يجعل صاحبه يخسر نفسه وأغلى ما لديه.}
ليلةعادل✍️🌹 

       الفصل الرابع والأربعون♥️🤫

       [بعنوان: إنتقام لا يعرف الشفقة]

اقترب منه سليم بخطوات بطيئة وثابتة، وعلى شفتيه ابتسامة جانبية باردة، تحمل تهديدا أخطر من أي صراخ، وتخبره أن نهايته اقتربت ولا مفر منها

توقف، وأمال رأسه قليلا، ثم قال بنبرة تبث في قلبه الرعب: هالو يا عمدة، وحشتني.

كان عماد يحدق فيه بصدمة، وكأن الكلمات قد سُحبت من حلقه، بينما راحت دقات قلبه تعلو داخل صدره كمعزوفة جنونية، حتى خُيل إليه أن سليم يستطيع سماعها، وبدأ العرق يتصبب من جبينه رغم برودة المكان، كان يعرف جيدا أنه في موقف لا يُحسد عليه! بل إن الموت الآن ربما أرحم بكثير مما سيفعله به سليم.

اتجه سليم نحوه بخطوات هادئة، ثم توقف أمامه مباشرة، وعلى شفتيه تلك الابتسامة الباردة وهو يمد يده ويزيل اللاصق من على فمه: أكيد أنا كمان وحشتك يا عمدة... صح؟

تلعثم عماد، وحاول جاهدا أن يحافظ على ثبات ملامحه، لكن نبرته خانته: سليم، في إيه يا سليم؟ إيه اللي بيحصل؟

اتسعت ابتسامته وقال باستخفاف: لا يا عمده أوعى، إحنا مش هنبدأها من الأول! اللعبة خلصت، وأنت خلاص وصلت للنهاية.

انعقد حاجبي عماد، وهو مازال يحاول تصنع عدم الفهم: نهاية إيه؟

تنهد سليم بهدوء، وأبعد عينيه عنه للحظات، قبل أن يعيدهما إليه مرة أخري بنبرة مخيفه هادئه: إنت ليه مصر تكذب؟! عموما، أنا عرفت إنك كنت بتحط لصافيناز حبوب هلوسة! قولي كنت عايز توصل لإيه؟

ساد الصمت.

ظل عماد ينظر إليه، محاولا استيعاب ما يعرفه سليم، بينما أكمل الأخير بنبرة أكثر هدوءا: أحسنلك تتكلم، ووفر على نفسك الوقت، الكذب مش هيفيدك.

ابتلع ريقه ورد سريعا: أنا محطتش حاجة! وهي أصلا كانت بتاخد حبوب مهدئة بعد اللي حصلها علشان مقدرتش تستحمل..

ضحك سليم ضحكة قصيرة خالية من أي مرح: هو إنت لسه فيك حيل تكذب وتألف؟

مال عليه ونظر داخل عينيه ببرود مخيف: أجيبهالك من الآخر؟ أنا عرفت كل حاجة!

تجمد عماد في مكانه وابتلع ريقه، بينما تابع سليم بنبرة تؤثر الرعب داخله: عرفت إن أنت اللي كنت بتحط الحبوب المهلوسة لصافيناز عشان تدمن، وتوصل في الآخر لمرحلة تنتحر فيها، وساعتها، الورث كله يروح للولاد..

اقترب أكثر، حتى لم يعد يفصل بينهما سوى مسافة ضئيلة: لإنك طبعا الوصي الوحيد على الولاد، وأبوهم في شهادة الميلاد، يعني ضمنت إن كل حاجة تفضل تحت إيدك، وفي نفس الوقت تحمي نفسك مننا..

صمت لحظة، ثم ابتسم بسخرية وانتصب جسده: خطة ذكية ما يعملهاش غير شيطان زيك..

رفع حاجبه، استرسل: بس لما حسيت إن الأرض بدأت تضيق عليك! رحت اترميت في حضن تيمو، وديته كل الأسهم اللي قعدت تسع سنين بتحيك في المؤامرات عشان توصل لها، عشان تضمن حياتك وحياة ولادك من سارة.

ظل عماد صامتا، عاجزا عن ابتلاع ريقه، وقد جف حلقه كأرض تشققت من شدة العطش، بينما كانت كلمات سليم تتردد في رأسه كحكم صدر وانتهى الأمر..

كاد أن ينطق، لكن سليم لم يمنحه فرصة واصل وهو يشير بيدة: عارف يا عماد؟ إنت مش عدو سهل..

توقفت ابتسامته، وحل محلها شيء أكثر قسوة تابع هو يهز رأسه: إنت عرفت تختفي صح، عرفت تعمل كل حاجة من تحت الترابيزة، من غير ما تخليني لا أنا ولا حد من العيلة يشم ريحتك، أو يشك فيك؟!

مد وجهه وهو يواصل بإعجاب: ورحت حاطط إيدك في إيد إريك! واتفقتوا على الحادثة وإحنا مانعرفش، ده غير بقى قضية الزنا اللي فكرت تدبرها لمراتي، واتفاقك مع محمود عبد القادر زمان! ده غير اللي عملته في رشدي وتمساح وعثمان...

توقف للحظة، ثم ابتسم ابتسامة باردة قال بمزاح لازع: ما كانتش رصاصة يا عمدة، اللي تخليك تعمل كل ده...

ثم مال برأسه بتحية، وقال بسخرية: بس عارف؟ أنا بقدملك خالص تحياتي يا عماد على ذكائك الخارق ده..

ثم اقترب منه، وقال بهدوء: طبعا يا عماد، أنا مش عايز أفاجئك وأقول لك إنك جاي هنا علشان تدفع تمن كل اللي عملته فيا وفي مراتي.

ثبت عينيه عليه، وأضاف بعينين لا تعرف الرحمة: وهخليك تتمنى الموت، تتمنى إن العذاب ينتهي وأرحمك بس أنا مش هرحمك...

تغيرت ملامح عماد، وقال بسرعة: إنت مش عايز تعرف أنا ليه عملت كده؟

أومأ برأسه نافيا، وقال ببرود: تؤ، إنت الوحيد اللي مافكرتش أسأل نفسي: هو ليه عمل كده؟ لإن الإجابة واضحة، إنت عملت كده لإنك خسيس وواطي، وعايز توصل بسهولة، فبتتسلق على أكتاف غيرك..

تابع باحتقار:
واحد طماع وانتهازي، عنده استعداد يعمل أي حاجة وكل حاجة عشان يوصل لأطماعه.

صمت عماد للحظة، ثم قال بسرعة: إنت ماينفعش تقتلني، لإنك لو موتني، هتخسر كل حاجة، أنا عندي سر... سر أنا الوحيد اللي أعرفه.

رفع سليم حاجبه بدهشة مصطنعة، بينما تابع عماد: لو عرفته هتبوس إيدي علشان أقول لك هو إيه.

ضحك سليم بسخرية، وأخذ يتصنع الرعشة وهو يتحرك بالمكان، مرددا بتهكم ساخر: لا يا عماد، قول والنبي، قول، لا لا، أنا هموت من الفضول.

ضحك عماد نصف ضحكة، ظانا أن اللعبة ما زالت في يده: بنتك اتولدت عايشة، يلا كمل ضحك.

توقفت ضحكت سليم تماما، واتسعت عيناه بصدمة: إيه اللي إنت بتقوله ده؟

عماد، وكأنه يستعيد خيوط اللعبة من جديد، قال بابتسامة تملأ عينه: أيوه، اتولدت عايشة، وأنا الوحيد اللي أعرف هي فين؟! لو قتلتني، مش هتعرف عنها أي حاجة.

ظل سليم صامتا للحظات يحدق بعماد متصنعا الصدمة، بينما ارتسمت على شفتي عماد ابتسامة جانبية بإنتصار 

وفجأة وضع سليم يده على فمه: لا، ما تقولش! بنتي حبيبتي اتولدت عايشة؟ يا نهار أبيض! إزاي قول كلام غير ده؟

ظل عماد، يحدق فيه بعدم فهم، ثم قال بنفاذ صبر: هو إنت مش مصدق ولا إيه؟ أقسم بالله بنتك اتولدت عايشة، وكانت شبه أمها كمان.

سليم، وما زالت ابتسامته الساخرة على وجهه: وأنا مصدقك، أنا ما كذبتكش..

ضحك مرة أخرى، ثم اقترب منه حتى وقف أمامه مباشرة: المشكلة يا عمدة إنك لسه فاكر إن عندك ورقة تلعب بيها..

فجأة دون أي مقدمات، أخرج سليم مسدسه وأطلق رصاصة مباشرة في فخذ عماد، صرخ عماد صرخة ألم مدوية.

فانقض عليه سليم في الحال ووضع يده على فمه ليكتم صرخاته، ثم قال بنبرة مرعبة: صوتك عالي، بتصرخ ليه؟ ده إحنا لسة في البداية، أنا قلت لك هخليك تتمنى الموت ومش هتطولوا.

كان عماد يحاول التقاط أنفاسه بصعوبة، والدم يسيل من فخذه، اقترب سليم من أذنه وهمس: وبنتي اللي إنت عايز تلاعبني بيها أنا وصلت لها خلاص.

اتسعت عينا عماد بذهول ورعب، أومأ سليم برأسه إيجابا، تابع بنبرة أشد رعبا: أيوة، سواقك ماقتلهاش، وهي بقت في حضني دلوقتي، يعني ببساطة مابقاش عندك أي حاجة تساومني بيها.

استقام سليم، ونظر إليه طويلا قائلا بثقة وهو يفتح ذراعيه: واللعبة المرة دي في إيدي أنا، إنت انتهيت يا عماد..

وفجأة، انقضّ عليه سليم كالأسد الذي ينقض على فريسته، وأخذ ينهال عليه باللكمات المتتالية، كانت كل لكمة تحمل معها غضب سنوات، وهو يصيح بكل ضربة: دي عشان المؤامرات إللي عملتها على مراتي!

ثم لكمه مرة أخرى بعنف أكبر: ودي علشان اتفاقك مع إريك!

ثم هبط عليه بعدها بلكمتين متتاليتين كادت أن تحطم فكه: ودول بقى علشان الفكرة القذرة اللي فكرت فيها عشان تأذي مراتي يا واطي.

ولم يكتفي بذلك، بل بدا كأن شياطين الماضي كلها حضرت، فانهال عليه بوابل من اللكمات على وجهه ورأسه بعنف جنوني، حتى لم يعد يُسمع سوى صوت ارتطام قبضته بعظامه.

كان عماد مربوطا بإحكام على المقعد، لا يقوى على الحركة ولا على الدفاع عن نفسه، لا يملك سوى الصراخ المكتوم والتلوي من شدة الألم، حتى بدأت عيناه تزوغ ويفقد وعيه شيئا فشيئا من شدة الضرب.

ثم ابتعد عنه سليم قليلا وهو يلتقط أنفاسه، ونظر إليه بازدراء: إيه يا عماد، هيغمى عليك ولا إيه؟

صاح بخشونه: فوقوه.

أشار لأحد حراسه، فأتى الحارس بخرطوم مياه وبدأ يرش الماء بقوة على وجهه الذي كان يسيل دما.

اقترب سليم منه مرة أخرى وقال ساخرا: فوق كدة يا حبيبي إحنا لسة في أول طلعة.

قال عماد من بين أنفاسه المتقطعة المتعبة، والدم يملأ فمه، وصوته بالكاد يُسمع: أوعى تفكر إني لوحدي، أنا مش لوحدي! أنا معايا تيمو، هو هيخلصني من هنا، وساعتها هتدفع التمن يا سليم..

أخذ نفسا و واصل بتنبيه يملئه التهديد: أحسنلك أهرب وسيبني أمشي من هنا، ونسى كل اللي فات، بنتك بقت في حضنك، انتقامه هيندمك وبس، بلاش تخليها بحر دم.

مال سليم بشفتيه وهو يقول باستهزاء: خفت أنا كده؟

أضاف بلا مبالاة: تيمو؟ إنت لسه فاكر إن تيمو هينفعك؟ تيمو اللي أنت بتتكلم عنه ده زمانه دلوقتي بيتحاسب هو كمان.. ولا إنت فاكرني هسيب حد منكم؟

ثم تغيرت ملامحه فجأة، وعادت تلك النبرة المرعبة بعينين تحمل خطراً، نظر إلى رجاله وأمرهم ببرود: علقوه على الرمانة.

اتسعت عينا عماد برهبة، فور إن قال سليم تلك الكلمة، وصرخ قائلا: لا.. لا.

وبالفعل، قام الحراس بفك وثاقه من المقعد، ثم ربطوه من قدميه وعلقوه رأسا على عقب أحضروا برميلا مملوءاً بالماء وبدأوا يغمرون رأسه فيه، يتركونه حتى تكاد أنفاسه تنقطع، ثم يشدون الحبل يرفعونه ليتنفس للحظات، ويعيدون غمره مرة تلو الأخرى.

كان سليم جالسا على مقعده، واضعا ساقا فوق الأخرى، يشاهد ما يحدث ببرود تام، وعيناه لا تفارقان عماد للحظة واحدة.

ثم نهض واقترب من عماد الذي كان يلتقط أنفاسه بصعوبة بالغة قال بسخرية لازعة: مالك يا عماد؟ تعبت، إنت بتدوق نفس إللي أنا دقته..

عماد بصوت متقطع بتهديد: هتدفع التمن يا سليم.. صدقني هتدفعه.

ابتسم سليم بسخرية ونظر حوله: إنت شايف إن ده المكان اللي تقدر تقول فيه جملة زي دي؟ إنت مش شايف إنت فين وأنا فين؟ شكلك لسة قادر تهدد.. ماتكسرتش.. بس أنا هكسرك.

وفجأة تحرك سليم، أمسك الكرسي الخشبي واقترب منه، وظل يهوي به على ساقه المعلقة ضربة تلو الأخرى، وعماد يصرخ حتى سُمع صوت كسر إحدى قدميه، وعماد لا يتوقف عن الصراخ.

ثم وضع سليم يده على فمه ليكتم صوت صراخه وقال: لسه.. لسه إحنا في الأول، وفر صراخك..

ثم وقعت عيناه على زرّادية موضوعة على الطاولة، فأمسك بها، اقترب مرة أخرى أمسك بأصابع عماد، هو ينظر إليه بنظرات مستوحشة، وفجأة ضغط عليها بقوة.

صرخ عماد صرخة قوية جهورية اهتزت لها جدران المكان.

ثم قال سليم ببرود: لأ لأ.. مش هيبقى صباع بس، هتبقى إيد كاملة، هات السكينة.

اقترب أحد الحراس وأعطاه سكينا، أمسكها سليم وسحب يد عماد هم بقطعها لكن.. تردد صوت ماسة داخل رأسه: سليم أوعى انتقامك يخليك شبههم، خليهم هما اللي يخلصوا على بعض، أوعى انتقامك يعميك ويخليك تتحول يا سليم، إنت مش كدة..

بدأت عيناه تعودان إلى طبيعتهما، واهتز داخله للحظة، لكنه سرعان ما ابتلع ريقه وهز رأسه، محاولا ألا يركز في الأمر. هم بوضع السكين على يده مرة أخرى ليجرحها، لكن صوت ماسة عاد يتردد في أذنيه:
"انتقام ربنا أقوى، صدقني... ما تلوثش إيدك بدم."
ظل قابضا على السكين حتى ابيضت مفاصله، وعيناه غارقتان في السواد، وهو ينظر إلى عماد؛ الرجل الذي نهش عرض زوجته، ودمر حياته لسنوات، وكان سببا في أن يرى الموت بعينيه، وأن يخسر ابنته لخمس سنوات.
ظل يضغط على السكين، لكن صوت ماسة كان أقوى من نار الانتقام المتأججة في صدره، حتى وهنت قواه ولم يعد قادرا على فعلها.

زفر بضجر، ثم ألقى السكين من يده وتحرك مبتعدا.

اقترب منه مكي ووقف أمامه سأله بتعجب: في إيه؟

أومأ سليم باختناق: مش قادر.. كل ما أمسك إيده عشان أقطعها أسمع صوت ماسة وهي بتقول لي أوعى تبقى زيهم.

مكي بنظرة شرسة: خلاص سيبهولي أنا.

كاد مكي أن يتحرك امسكه سليم من معصمه: لأ يا مكي.. هو خلاص بقى في عداد الموتى..
صمت للحظه ثم أضاف: بص.. فيه شوية ورق ماسكهم عليه هو وأبوه، ومتأكد إن الباشا ماسك عليهم ورق تاني.. هسلمه للنيابة العامة ويتحبس ويعفن في السجن.

أومأ مكي بإيجاب بصمت.

ثم ألتفت إلى الحراس، وتبدلت نبرته إلى أمر حاد لا يقبل النقاش: خدوه.. حطوه في أوضة ضلمة ما يشوفش فيها إيده، بس هاتوا له دكتور، مش عايزه يموت

وبالفعل، بدأ الحراس في فك قيود عماد، فقال بين ألمه وبغضه: صدقني يا سليم، موتي هيفتح الحرب عليك!

لكن سليم لم يهتم بما يقوله، وكأنه غير موجود.

قلب مكي عينيه بغضب: إنت كمان بتهدد؟ ده إنت شكلك لسه عايز تتعلم الأدب!

كاد أن يتحرك نحوه، لكن سليم أمسكه من كتفه: سيبك منه، ولا كأنك سامعه.

مكي بضيق: ده مستفز!

ابتسم سليم بسخرية: حلاوة روح، تعالى بس، خلينا نخرج من هنا.

تحرك سليم ومكي معا إلى الخارج.

سأل مكي: هنعمل إيه دلوقتي؟

أجابه بهدوء: هنروح على الفيلا، لازم اظبطت ورقي اليومين دول، وأشوف الورق اللي مع الباشا،الباشا دلوقتي متعاون معانا، فلازم نستغل ده قبل مايقلب عليا.

أومأ مكي بإيجاب، ثم صعدا إلى السيارتين.

في نفس اللحظة، جر الحراس عماد إلى إحدى الغرف المظلمة ألقوه في الداخل بعنف، وقال أحدهم بصوت رخيم: اتلقح هنا لحد ما نجيبلك الدكتور.

ثم أُغلق الباب.

انغلق كل شيء بعده.. الضوء، والصوت، والأمل.
♥️___________بقلمي_ليلةعادل
فيلا ماسة وسليم5م

الحديقة
كانت حور تلهو في كل مكان بضحكات عالية، بينما جلست ماسة بجوار سعدية ومجاهد أسفل المظلة يتحدثون بهدوء.

في تلك اللحظة، دخل سليم من الباب الزجاجي واقترب منهم.

ما إن لمحته حور، حتى تركت الأرجوحة وركضت إليه بكل قوتها، وارتمت في حضنه.

حور بسعادة: بابااا.

حملها وقبلها من خدها: عاملة إيه يا قلب بابا؟

ردت: كويسة.

توقفت ماسة واقتربت منهما، مسحت على شعر حور قائلة: إحنا قلنا لما حد يسلم علينا نقوله إيه؟

ابتسمت حور: الحمد لله.

ابتسم سليم وقبّلها على خدها: شاطرة.

ثم أنزل حور على الأرض، ونظر إلى ماسة قائلا: عشقي تعالي، عايزك في حاجة.

نظرت إليه للحظة بقلق، فشعرت أن هناك شيء يشغل باله، أومأت برأسها، ثم نظرت إلى حور: أميرتي، خليكي هنا مع تيتة وجدو وخالو أنا هتكلم مع بابا فوق وآجي على طول.

هزت حور رأسها بإيجاب: ماشي ماتتأخريش علشان نعمل كيكة سوا.

ابتسمت ماسة ومسحت على شعرها: حاضر.

وبالفعل، تحركا معا وصعدا إلى الغرفة. 

دخل سليم أولا، ودخلت ماسة خلفه وأغلقت الباب، ثم اقتربت منه بقلق واهتمام: خير يا حبيبي مالك؟
فجأة، اقترب منها وسحبها بين أحضانه، ليستعيد هدوءه ويعود إلى اتزانه. أخذت تربت على ظهره بحنان لدقائق، ثم ابتعدت قليلًا ونظرت إليه: بقيت أحسن؟

سكت للحظة، ثم قال على مضض: عارفة أنا كنت فين؟

 سألته بهدوء: كنت فين؟

تنهد: كنت مع عماد.

سكتت للحظة، وشعر أن هناك شيء، قالت بهدوء: وبعدين.

أجاب من بين أسنانه بضيق: ضربته كنت عايز أقتله بإيدي، كنت عايز أتفنن في تعذيبه، بس ماقدرتش..

قبض على يده بغضب من نفسه وهو يتابع بنبرةٍ مخنوقة: صوتك كان بيطاردني، كأنه الحاجة الوحيدة إللي بترجعني للواقع، الشعرة إللي بتقولي: أوعى تقع أوعى تتحول من مظلوم لظالم، مع إن إللي عمله فيا كتير.

رمشت بعينيها تفهم اضطرابه، بينما تابع سليم بثبات قاطع: ربنا قال: «ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب» يعني ليا حق أقتله...

مالت شفتيه وهو يهز رأسه: بس سبته، سبته لإني ماقدرتش أخلف عن وعدي ليكي، عشان مكنش النسخة اللي إنتِ خايفة منها..

نظرت له متأثرة، تعرف كم هذا صعب عليه، بينما سليم بتوضيح: أنا ماسك عليه شوية ورق كده، وهقدمهم للنيابة العامة وقتها يتحبس ويتعفن بسجن، وأكيد إريك مش هايسيبه.

اقتربت منه ماسة وأمسكت يده بحنان، وضغطت عليها برفق وهي تركز النظر في ملامحه قالت بعقلانية ممزوجة بنبرة حنونة: روحي اللي عملته هو ده الصح، انتقامك منه مش هيريحك بشكل اللي متصوره، والدم مش بيجيب غير الدم، انتقام ربنا أقوى بكتير صدقني، كفاية حسبي الله ونعم الوكيل، وشوف بقى ربنا هيعمل فيهم إيه! وأنا متأكدة إنك «هتشوف فيهم ٱية»... بس إنت أصبر..

نظر إليها سليم، وقد بدا الألم واضحا في عينيه، وانعقد حاجباه بغضب مكتوم، قال بقلب محروق وصوته يختنق: قلبي محروق أوي يا ماسة، عماد آذاني كتير، كان هيتسبب في موتي وموتك وموت حور، ولولا إن عاطف كان عنده شوية شفقة كان ممكن يقتلها، وبسببه فضلت عاجز عن المشي والخلفة سنين، حياتي كانت على المحك بسبب الرصاصة اللي في ضهري، دمر حياتي وحياتك، طعن في شرفك وكان بيفتخر بقذراته... 

تابع من بين أسنانه، بعينتين تحملان: أنا مش عارف إزاي سبته! إزاي اكتفيت باللي عملته بس؟!
كان لازم أعمل فيه أكتر من كده..

ابتسمت له بحنان وربتت على يده، تحاول أن تهدئ النار المشتعلة في صدره، قالت بصدق: صدقني، ربنا هيجيبلك حقك، وحقي.

لم يقتنع تحديثها فتنهدت وسألته: طب قولي إنت عملت فيه إيه بالظبط؟

سكت للحظة، وشد على قبضته، ثم زفر بضيق وأجاب وهو ينظر بعيدا كأنه لا يريد مواجهة عينيها: كسرت رجله، وشلت ضوافر إيده، وغرقته في مية لحد ما كان خلاص هيموت، وبعدين سبته في أوضة ضلمة لوحده، وكنت على وشك إني اقطع إيده، بس تراجعت.

اتسعت عيناها بصدمة، وتراجعت يدها لا إراديا من فوق يده، من قسوة ما فعل من وجهه نظرها.

فهم نظراتها فقطب جبينه، رد بحدة موضحا: اللي أنا عملته فيه ولا حاجة جنب اللي عمله فيكي، خصوصا الفكرة القذرة اللي عملها معاكي، هو إنتِ فاكرة إن فكرة إنه ياخدك ينيمك جنب مصطفى ويصورك ويخلي رجالته تقلعك دي حاجة عادية؟ أنا المفروض اقتلة.

هزت رأسها وردت بهدوء عقلاني: بس اللي أنت عملته فيه برضوا كتير، سيبه لربنا وهو هيوريك هيعمل فيه إيه؟!

أخذت نفسا عميقا تحاول أن تتمالك نفسها وأكملت وصوتها يرتجف: وبعدين هو ماكانش لوحده، أختك هي اللي قلعتني مش عماد، وباباك إللي جاب الرجالة، ومامتك إللي عجبتها فكرة عماد وايددتها، عماد كان مجرد فكرة اتقالت، لكن هما اللي نفذوا كل حاجة.

مدت يدها مرة أخرى وأمسكت يده برفق، ونظرت في عينيه موضحه بهدوء: ومش معنى كلامي إني بقولك روح أعمل كده في باباك ومامتك، علشان أنا أول واحدة همنعك عن أذيتهم، مهما كان دول الأب والأم، أنا بس عايزاك تفهم إن كفاية إللي عملته، ما تفضلش حاسس بالغضب ده.

ثم وضعت يدها على قلبه، واقتربت منه أكثر وقالت برجاء: سليم أرجوك كفاية، أنا مش عايزة انتقام تاني، أسجنه زي ماقولت، وكفاية لحد كده.

هز رأسه بعناد، وعيناه تلمعان بالقهر: أنا ماعملتش فيه ربع إللي اتعمل فينا.

ربتت على صدره بحنان وقالت وهي تحاول أن تزرع الطمأنينة في قلبه: عارفة، إنت سايبها لربنا والله يا سليم، أنا متأكدة إن ربنا هيورينا فيهم أكبر مما نتخيل، علشان خاطري كفاية.. 

توسعت ابتسامتها: خلينا نفرح وننبسط بحور والبيبي إللي جاي، نجهز لجواز سلوى ومكي، نخرج ونسافر نستمتع بحياتنا اللي اتحرمنها منها.

تنهد بعمق وأومأ لها، ثم قال بصوت منخفض: حاضر يا ماسة، بس فاضل بس حاجة واحدة.

سألته بقلق: إيه؟

أجاب بثبات: أسجن عماد وعزت، وإريك ياخد جازه، 
عشان أحس إن قلبي ارتاح.

شهقت بدهشة: هتسجن أبوك؟

رد دون تردد: آه، ده أقل عقاب.

نظرت إليه للحظة، تعلم أن الحديث مع سليم الآن لن يُجدي نفعا، فشعرت أنه من الأفضل تأجيل الحديث قليلا، ثم سألته: قولي صح، عرف نتيجة التحليل؟

أومأ سليم: آه. اتأكد إن البنت بنتنا، ومن الحمل كمان. 

اتسعت عيناها بتوتر: طب عمل إيه؟

تنهد وهو يتحرك، ثم جلس على الفوتيه وقال موضحا وهو يخلع حذائه: لسه مش فاهم الحكاية حصلت إزاي؟! إزاي حور بنتنا وأنا مابخلفش؟

صمت للحظة، ثم تابع بتوضيح: وماقالش لفايزة أي حاجة، وهددها إنها لو حاولت تعمل أي حاجة هو اللي هيقفلها، ده غير إنه طلب من حد يحمينا.

تهللت أساريرها وقالت وهي تجلس بجواره: طب حلو ده، أهو أثبت إنه قد الثقة اللي أنت اديتهاله، يعني مش محتاج إنك تسجنه سليم ده باباك.

نظر إليها بغضب دون أن رد، فتنهدت وأمسكت بيده وقالت بعقلانية: بص يا سليم هي مش طيبة مني، بس أنا دايما بشوف إنه مهما الأب والأم عملوا ماينفعش نأذيهم، سيبهم لربنا، لكن إنك تأذيهم أو تشارك في أذاهم ماينفعش، حرام، إنت خسرت باباك فلوس كتير، ولسه هيخسر تاني، ومامتك لما تلاقي كل حاجة حواليها بقت فاضية والقصر فضي عليها هيكون أكبر عقاب ليها.

ثم تشبثت بذراعه برجاء: أسمع كلامي وجرب، إنت مش بتثق فيا؟ كمل الخطة على تفكيري أنا مش هتخسر حاجة.

مالت شفتيه بابتسامة متهكمة ساخرة: ماهو على تفكيرك إنتِ، مافيش خطة هتم..

أخذ نفس نفسا عميقا قال بقرار: عموما يا ماسة، أنا هعملك إللي إنتِ عايزاه، بس هسجن عزت..

كادت أن تنطق، لكنه قاطعها وهو يشير بيده: وده قرار..

أضاف بتوضيح عملي: وأوعي تكوني فاكرة إن بعد مايعرف اللي عملته فيه، وموضوع المقبرة، هيبقى عادي معايا! تبقي طيبة أوي، اللي يفكر ويوافق يطعن في شرف مرات ابنه مايستاهلش السماح، وبعدين أنا شايف إن ده عقاب بسيط أوي، وأوعي تكوني فاكرة إنه هيتعامل معاملة المساجين العاديين، ده هيتعامل VIP.

قطبت جبينها وقالت باستنكار: بس اسمه سجن.

نظر لها نظرة أخيرة حاسمة: هو ده إللي أنا هعمله.

صمت للحظه، ثم عادت خصلات شعرها إلى الخلف وقالت بابتسامة: ماشي يا سليم، طب يلا غير هدومك بقى وأنا هنزل أعمل كيك مع حور لإني وعدتها.

أومأ بإيجاب، بينما خرجت ماسة إلى الخارج.

روما/ قصر التابيلو5م

في إحدى الغرف الجانبية، كان إريك يلعب البلياردو بهدوء مستفز، وتيمو يراقبه، بينما انتشر الحراس في صمت.

وفجأة، انفتح الباب ودخل ذراعه الأيمن مسرعا يلهث بتوتر واضح قال: سيدي إريك، لقد وصل سليم إلى عماد.

توقف إريك عن اللعب في منتصف الضربة، ثم التفت إلى الرجل وعيناه متسعتان قال بصدمة: بهذه السرعة؟

أومأ الرجل: يبدو أن سليم كان يتحرك في الخفاء منذ فترة.

تدخل تيمو موضحا بضجر: قلتلك إريك، عماد جاء إليّ وأخبرني، لكنني لم أصدقه!

جز إريك على أسنانه، وقال بعتاب حاد: كان عليك أن تخبرني يومها، لقد أخطأت تيمو.

خفض تيمو عينيه في صمت، بينما مسح إريك على شعره بتوتر، ثم اقترب من ذراعه الأيمن متسائلا: هل تحدث عماد؟

ضم الرجل شفتيه في حيرة: لا نعرف بعد، لكنه لا يزال معه.

ضرب إريك الكرة بعنف، فارتطمت بالكرات الأخرى وتبعثرت في كل مكان، وهو يهتف بضجر كمجنون: كيف وصل سليم إليه قبلنا؟ وكيف استطاع أن يرسله إلى مصر بهذه السرعة؟

تيمو بتفكير: من الواضح أن هناك من يساعده من داخل روما.

نظر إريك إليه، ثم قال وكأنه وجدها: لا يوجد سواه ماركو، صديقه المقرب.

أومأ تيمو بنظرة حاسمة: إذن يجب أن نقتل سليم قبل أن يقتلك انتقاما لما فعلته به في الماضي.

هز إريك رأسه رافضا: قلت لك من قبل، أنا لا أريد قتل سليم الآن، إذا قتلته فسأشعل الحرب مع عائلة الراوي بأكملها.

ضيق تيمو عينيه، ثم سأل: وماذا عن صافيناز؟ قلت إنك ستقتلها؟

اعتدل إريك، وألقى عصا البلياردو على الطاولة، ثم قال ببرود: كنت سأقتل صافيناز لو لم يكن سليم قد وصل إلى عماد بعد.

سأله تيمو: وما الذي تغير الآن؟

تحرك إريك قليلا، ثم قال موضحا: كنت سأفعل، لكن اختفاءها يعني أن سليم سبقنا إليها وأخفاها، لن يتركها حية إذا عرف أنها تواطأت مع عماد.

ضيق تيمو عينيه متسائلا: وماذا ستفعل بهم؟

تحرك إريك في الغرفة مفكرا، ثم التفت إليهما وقال بمكر: عماد لن يعترف بسهولة؛ لأنه يعلم أن كلامه سيقوده إلى الهاوية، لذلك سآخذ أبناءه..

ابتسم ابتسامة شريرة، ثم تابع: سواء تكلم أم لم يتكلم، سآخذ سارة وأبناءها. ليست رسالة إلى عماد فحسب، بل إعلان حرب على سليم؛ فإذا فكر في إيذائي، فستدفع عائلته الثمن، وفي الوقت نفسه، ستكون رسالة إلى عزت بأنني ما زلت قويا، وأنني لا أريد الحرب، لكنني مستعد لها.

نظر إليه تيمو بعدم فهم: لا أفهم طريقة تفكيرك.

أومأ إريك باستنكار: ليس من المهم أن تفهمني راقب فقط، والتزم الصمت.

ثم نظر إلى ذراعه الأيمن بصرامة وقال: أريد سارة وأبناءها، حتى نرى ماذا سيفعل عماد.

أومأ الرجل بإيجاب، ثم تحرك إلى الخارج، بينما كانت في عيني إريك نظرة متوحشة شيطانية.

فيلا سليم وماسة،5ونصف.

كانت رائحة الفانيليا قد بدأت تملأ المكان، وكانت ماسة واقفة في المطبخ ببيجامة قطنية بسيطة، ترفع شعرها في كعكة عشوائية، وبجانبها حور تقف على كرسيها الخشبي الصغير.

وفجأة، انفتح باب المطبخ ودخل سليم، كان يرتدي تيشيرت وبنطال منزلي، توقف عند الباب وعقد ذراعيه، ورسم على وجهه ملامح الصدمة المصطنعة.

سليم: أوعوا تكونوا بدأتوا من غيري!

التفتت إليه ماسة وحور في نفس اللحظة.

ضحكت ماسة ثم أشارت إلى حور التي كان فمها لا يزال ملطخا بالجبنة: لا يا حبيبي مابدأناش حاجة لسه، رورو كانت جعانة، أكلتها الأول ولسه هنبدأ أهو.

حور ببراءة: أنا ماكلتش كتير يا بابا، دي ماما اللي أكلت ساندوتشين!

ماسة شهقت: أنا ماشي يا حور..

ضحك سليم ثم اقترب منهما، وخلع ساعته ووضعها جانبا قال بحماس: طيب يلا بينا نعملها سوا.

فتحت ماسة الخزانة وأخرجت الدقيق، وفتح سليم الثلاجة ليُخرج البيض والحليب، ربطت ماسة شعر حور وقالت: مهمتك يا شيف حور، أن تكسري البيض، اتفقنا؟

أجابتها بحماس شديد: اتفقنا!

اقترب سليم منها وهمس: وأنا مهمتي إيه يا شيف ماسة؟

نظرت إليه بطرف عينها وقالت بدلال: مهمتك إنك ماتبوظش المطبخ زي كل مرة.

ضحك وقال: حرام عليكي، ده أنا أحسن واحد بيعمل كيك في العيلة دي.

أخرجت لسانها له بمداعبة، ثم وضعت ماسة الدقيق، وبدأت تعلم حور كيف تكسر البيض، أمسكت بيدها الصغيرة فوق البيضة وقالت : بصي يا حور، براحة... تك... كده.

كسرت حور البيضة، فسقط جزء من القشر داخل الوعاء
وضعت حور يدها: كده باظت!

ألتقط سليم بسرعة القشرة بطرف إصبعه بمهارة قائلا: ولا باظت ولا حاجة عادي، إنتِ شاطرة يا قلب بابا، المرة جاية متأكد إنك هتاخدي بالك.

نظرت له ماسة بحب، فهو دائما يجعل حور تشعر أنها بطلة، حتى في أخطائها.

تبسمت حور، وبدأت بالفعل تكسر البيض ولم تُخطئ.

في حين بدأ سليم يصب الحليب، كانت ماسة تقلب الخليط، تأخذ المقادير وتضعها واحدا تلو الآخر، ثم أضافت الشوكولاتة وبدأت تخفق.

وفجأة، ومن دون أي مقدمات، غمست حور إصبعها الصغير في الخليط وتذوقته.

صاحت ماسة: يا حور! لسة ني!

حور وهي تفتح عينيها بدهشة: الله! طعمه حلو أوي!

ضحك سليم ثم غمس إصبعه هو الآخر وتذوق، ونظر إلى ماسة بتحدي: عندها حق، حلو فعلا.

ماسة بشدة لطيفة: إنت كمان!

سليم بابتسامة: أصلها حلوة فعلا يا قطعة السكر.

تبسمت ماسة بحماس وراحت هي الأخرى تغمس إصبعها وتتذوقه، فأنفجر ثلاثتهم ضاحكين.

رفعت ماسة حاجبها متظاهرة بالغضب وقالت: آه.. بتضحكوا عليا؟ طيب.

وما هي إلا لحظة حتى أخذت ماسة حفنة من الدقيق ونثرتها برفق على وجه سليم وحور.

صرخت حور: ماما!

وفجأة انقلب المطبخ إلى ساحة معركة بيضاء، أمسكوا بالدقيق وأخذوا يرشون بعضهم بعضا وهم يضحكون.

صاحت حور وهي تقفز على كرسيها: يلا يا بابا نحدف على ماما!

وتحالف الأثنان معا عليها.

غمر الدقيق وجوههم وثيابهم، فصاروا كثلاثة تماثيل بيضاء.

وفجأة أخذ ينظر سليم إليهما طويلا بابتسامة، وشعر في تلك اللحظة أن كل انتقامه، وكل حربه مع العائلة والمافيا، كان لأجل هذه اللحظة تحديدا، لأجل أن تبقى هذه السعادة.

أشارت ماسة بيدها محاولة إيقاف الحرب: خلاص يا حور كفاية، إنتو كسبتو، سليم قولها كفاية، عشان العجينة ماتبوظش..

عاد سليم من شروده، وهو يقول بإبتسامة: خلاص كفاية يا حور...

ثم تابع بسعادة غمرت صوته: تعرفي أنا بقالي سنين ماضحكتش الضحكة دي من قلبي.

لمعت عينا ماسة بابتسامة: أن شاء الله كل اللي جاي سعادة وبس.

تبادل النظرات لوهلة بصمت عاشق، فجأة، اقترب سليم منها بعينين لا ترمش، مثبتة عليها بنظرة ثقيلة تخطف الأنفاس، نظرة رجل عاد من حرب، ولا يريد من الدنيا سوى هذه اللحظة.

كانت حور منشغلة بلعق الملعقة، تضحك وتدندن، لا تدري أن أبويها على وشك أن ينسيا وجودها.

مد سليم يده ببطء، كانت أصابعه لا تزال ملطخة بقليل من الدقيق، ومسح بطرف إبهامه بقعة صغيرة من الشوكولاتة كانت قد استقرت على زاوية شفتي ماسة.

تجمدت ماسة في مكانها، كانت أنفاسه قريبة، قريبة جدا، حتى شعرت بحرارة جسده، ورأت انعكاسها في سواد عينيه.

همس لها بصوت خافت، خشن، بالكاد سُمع: طعم الشوكولاتة من على شفايفك أحلى من أي حاجة دوقتها في حياتي.

ثم وضع قبلة صغيرة ساخنة على طرف شفتيها، ارتجفت شفتا ماسة، واحمرت وجنتاها فورا، رغم كل سنوات زواجهما، لا تزال نظرة واحدة منه قادرة على إرباكها كمراهقة.

أخفضت عينيها بخجل، وعضت على شفتها السفلية.

ماسة بصوت مبحوح: سليم... حور واقفة بس.

ابتسم سليم ابتسامة جانبية، تلك الابتسامة التي تعرفها جيدا، ابتسامة لا تظهر إلا لها.

ولم يبتعد، بل ظل قريبا، وإبهامه لا يزال يلامس طرف شفتها، ثم قال بنبرة أهدأ وأخطر: ما هي مشغولة بالكيكة..

تابع بمداعبة وهو يغمز لها: وبعدين أنا بشيل شوكولاتة من على شفايف مراتي، فيها إيه؟

شردت ماسة في نظراته لوهلة، ونسيت العالم من حولها. تبادلا النظرات في صمت، واقتربا من بعضهما، حتى بدا وكأن العالم كله قد اختفى من حولهما اقتربا أكثر كان على وشك تبادل قبلة..

لكن حور رفعت رأسها والملعقة في فمها: بتعملوا إيه؟

ارتبكت ماسة وتراجعت خطوة للخلف بسرعة، وهي تمسح فمها: مافيش يا روح ماما، بابا... بابا كان بيشيل الشوكولاتة، عشان لازقت فيا!

ضحك سليم ضحكة قصيرة، وعينه لا تزال على ماسة بنبرة ذات مغزى: آه، كانت لازقة... ولازقة أوي كمان، بس أنا عارف هشيلها إزاي؟!

ضربته ماسة على كتفه بخفة، وكانت لا تزال حمراء الوجه من الخجل، ثم حركت شفتيها دون صوت، بكلمة واحدة: بطل.

قرأها سليم وابتسم أكثر، تلك الابتسامة المستفزة التي تشعل جنونه.

في تلك اللحظة، كانت حور تراقبهما بعينيها الواسعتين، والملعقة لا تزال في فمها، لم تفهم شيئا
مما يدور.

ضحكت حور وعلقت: إنتو بتقولوا إيه؟!

ارتبكت ماسة أكثر، بينما تبسم سليم وفي حركة واحدة سريعة، انحنى وحملها عاليا فوق رأسه، فصرخت حور بفرحة وضحكة عالية ملأت المطبخ كله.

سليم وهو يلف بها: بنقول إن أحلى كيكة في الدنيا هتعملها أحلى حور!

ضحكت حور عاليا، بينما وضعت ماسة الخليط أخيرا في القالب، وطرقت عليه طرقتين خفيفتين لتخرج الهواء منه، ثم وضعته في الفرن بحذر.

أغلقت باب الفرن، واشتعل الضوء البرتقالي من الداخل.

ثم جلست ماسة وسليم على أرضية المطبخ الباردة، وكانت حور بينهما.

أسندت حور ظهرها الصغير إلى صدر سليم، ورأسها إلى كتف ماسة، وعيناها معلقتان بزجاج الفرن، تراقبان الكعكة وهي ترتفع ببطء.

كان سليم ينظر إلى انعكاسهم الثلاثة في زجاج الفرن، رأى نفسه، لم يرى رجل الأعمال القاسي، ولا المنتقم الذي كان يعذب عماد منذ ساعات، رأى فقط رجلا يجلس على الأرض، بجانب زوجته وابنته، وكأنه نسي كل شيء، نسي إريك، والعائلة، وعماد، والانتقام، نسي كل الخيوط التي كان يحيكها.

هو الآن يعيش الحياة التي أرادها، الحياة التي حارب لأجلها أكثر من عشر سنوات كاملة.

مد سليم يده دون أن ينظر، وبحث عن يد ماسة على الأرض، فوجدها، فتشابكت أصابعهما بقوة.

ماسة بصوت خافض، وهي تنظر على حور التي بدأت تغفو: شايف يا سليم؟

نظر لها وهو يقول بصوت رجولي حنون: شايف إيه يا عشقي؟

بعينين تلمع بالحياة والسعادة: شايف إحنا كنا فين وبقينا فين؟! أنا كنت فاكرة عمري ما هشوفك كده تاني، بتضحك من قلبك ومطمن.

ضم سليم حور إليه أكثر، وقبل رأس ماسة بحب ثم قال: أنا بعمل كل ده عشان نفضل عايشين اللحظة دي، وطول ما إنتِ وقلب بابا جنبي، أنا مش عايز حاجة تانية من الدنيا وهضحك من قلبي.

تبسمت ماسة بحب: ربنا يخليك لينا ومايحرمناش منك أبدا.

قالت حور بصوت نعسان، وعيناها تثقلان شيئا فشيئا: ريحة الكيكة حلوة أوي يا ماما...

ضحكت ماسة وملست على شعرها: نامي يا روح ماما، لما تستوي هصحيكي تاكلي أول حتة.

أمالت حور رأسها ونامت بالفعل على كتفهما، بينما بقيت الكيكة تنتفخ في الفرن، ورائحة الفانيليا تملأ المطبخ، وتملأ قلبيهما معها.

الفيلا التي يمكث بها مصطفى6م

نرى مصطفى وآلاء ونبيلة وأنهار يجلسون حول مائدة الطعام، يتناولون طعامهم في صمت. كانت آلاء تجلس في مواجهة مصطفى، تحاول أن تجمع شتات ما تبقى من علاقتهما.

قطعت هي الصمت أولا، بصوت حاولت أن تجعله مرحا: إيه رأيك؟ أنا اللي عاملة المكرونة النهاردة والفراخ.

رفع مصطفى رأسه للحظة، قائلا باقتضاب: تسلم إيدك.

لم تكن تلك الإجابة التي انتظرتها، فابتلعت ريقها حاولت مرة أخرى: عارف، أنا راجعت الامتحان تاني، ولقيت إني ماغلطتش.

هز كتفيه، وعاد ينظر في طبقه: طب كويس.

كان يجيب باقتضاب غريب، وكأن كل كلمة تخرج منه عبء ثقيل،حتى شعرت آلاء بأنها تتحدث إلى حائط.

وفي تلك اللحظة، رن هاتفه.

نظر إلى الشاشة، وفجأة تغير وجهه تماما، رد: أيوة يا دكتورة سمر؟ عاملة إيه؟ طمنيني عليكي.

اعتدل في جلسته وقال بابتسامة لم ترها آلاء منذ أسابيع: لا اتفضلي، أنا فاضي.

ثم نهض من على السفرة، وابتعد قليلا، وبدأ يتحدث ويضحك، ضحكة عالية صافية.

تجمدت آلاء في مكانها، والملعقة في يدها.

لم تشعر إلا بنفسها وهي تقوم ببطء، توقفت خلفه مباشرة، تنظر إليه وهو يضحك بغيره.

كان لا يزال يتحدث: آه، لا، ابعتيلي الحالة على الواتساب وأنا هبص عليها...لا مافيش حاجة، بس بلاش سندوتشات تونة.. ههههه ماشي. 

ألتفت للخلف، فتفاجأ بها واقفة في وجهه، وجهها أحمر وعيناها تلمعان بالغيرة.

أنهى المكالمة سريعا: طيب هكلمك تاني يا دكتور.

اغلق مكالمة ثم سألها متعجبا واقفة هنا ليه؟

أجابت بصوت يرتجف تحاول أن تسيطر عليه: هي مين سمر دي؟

رفع حاجبه متعجبا: نعم؟

قالت بغيرة تلقائيه: بقالي كذا مرة أشوفك بتكلمها، لدرجة إنك قمت من على الأكل عشانها!

مصطفى ببرود: مش فاهم السؤال.

آلاء وقد انفجرت: يعني إيه مش فاهم! بقولك قمت من على الأكل عشان تكلمها! هي مين دي عشان تقوملها بالشكل ده!

دقق مصطفى في ملامحها، شعر بغيرتها بوضوح، هو ناضج كفاية ليفهم، لكنه تجاهل قال باقضتاب: دكتورة معايا في القسم، إنتِ بتسألي ليه أصلا؟

ابتلعت ريقها وقالت بتوتر وهي تعبث بطرف اسدالها: بسأل لأنك قمت من على الأكل، ماينفعش تقوم مهما حصل.

نظر لها طويلا، ثم قال بنفس البرود الذي يقتلها: لا والله؟ طيب أنا راجع تاني للأكل.

وتركها واقفة، وعاد ليجلس على السفرة أمام أطباق المكرونة الباردة، بينما بقيت هي واقفة مكانها، تشعر لأول مرة أن الغيرة أوجع من الخصام نفسه.
♥️_____________بقلمي_ليلةعادل 
فيلا ياسين ولوجين الجديدة7م.

وصل ياسين وهبة ونالا أولا إلى الاستراحة، وضع الحراس الحقائب وخرجوا.

التفت ياسين من حوله: ها إيه رأيك يا هبة؟ فرشتها على ذوقك، لو فيه حاجة ناقصة قوليلي.

أومأت هبة: كويسة.

هز ياسين برأسه: طب تعالوا أفرجكم على الأوض.

دخلوا غرفة نالا، كانت باللون الأوف وايت، مليئة بالرسومات والألعاب التي تحبها.

ياسين بحماس: إيه رأيك يا نالا؟

تبسمت نالا: أيوة حلوة اوي.

ياسين: جبتلك كل حاجاتك من القصر.

هنا سكتت نالا لحظة، وعينها راحت على الطرقة الطويلة قالت فجأة: أنا عايزة أشوف أوضة النونو.

عقد ياسين حاجبيه: اشمعنى؟

نالا: كدة.

أومأ وأخذوها إلى غرفة الطفل بالفيلا، كان السرير جديدا، والألعاب لا تزال داخل أكياسها، وكأن الغرفة أُعدت للتو ولم تُستخدم من قبل.

هنا انفجرت نالا: حلوة اوي.. كل حاجة فيها جديدة! هو ليه كل حاجاته جديدة وأنا عندي حاجات قديمة؟ أنا عايزة كل حاجة جديدة زيه!

ياسين بهدوء: يا حبيبتي مش أنا قولت لإنه ماعندوش حاجة خالص، أنا جبتلك اللي بتحبيه.

نالا بغيرة ودموع محبوسة: لأ، إنت مش بقيت تحبني، بقيت بتحب النونو الجديد بس!

اتسعت عينا ياسين بصدمة تبادل النظرة هو وهبه باستغراب، ثم جلس على ركبتيه حتى أصبح في مستواها، ومسح على شعرها: إزاي تقولي كده؟ إنتِ بنتي حبيبتي.. ليه تقولي كده؟

مدت نالا شفتيها بحزن: علشان إنت زعقتلي لما زقيت جوجا وكمان مابقيتش تجيبلي حاجات كتير، بتجيب للنونو.

تنهد ياسين، وسارعت هبة إلى ضمها قبل أن تبكي، وقالت وهي تحتضنها وتربت عليها بعقلانية: لا يا قلب ماما، مين قال كده؟ إحنا اتفقنا إن النونو ده لسه صغير وماعندوش أي حاجة، علشان كده بيجيب له، لكن إنتِ أوضتك دي بتاعة الأميرة نالا وبس، وماحدش هياخد مكانك أبدا، إنتِ فاهمة؟

أومأ ياسين بتأييد وهو يمسح على شعرها: أكيد، ولما زعقتلك عشان لوجين، أنا كنت خايف عليها علشان بطنها فيها نونو، زي ما هخاف عليكي بالظبط لو حد زقك.

نظرت نالا لياسين بدموع: يعني إنت لسة بتحبني زي الأول؟

أومأ ياسين وهو يقبلها من خدها: طبعا زي الأول وأكتر كمان.

تابع بنبرة مرحة: وبعدين تعالي هنا، إنتي الكبيرة، مين هايساعدني ياخد باله من النونو الجديد ويلعب معاه؟

ابتسمت نالا وهي تمسح دموعها: أنا!

تبسمت هبه بتوسع: شطورة يا نالا، يلا نروح أوضتك ونلعب فيها، وأنا عارفة إن بابا عاملك أوضة أحلى من النونو، صح يا بابا؟

توقف ياسين وقال: طبعا.

أخذتها هبة من يدها برفق وأجلستها وسط ألعابها في غرفتها بالفيلا وقالت: يلا أقعدي ألعبي هنا يا ملاكي هكلمك بابا واجيلك.

خرجت هبة وأغلقت الباب بهدوء، فوجدت ياسين أمامها.

ياسين بصوت خافض: أنا عايز أفهم إيه إللي بيحصل ده؟

هبة موضحة: ولا حاجة، البنت غيرانة وخايفة، طبيعي.

ياسين معارضا: لا مش طبيعي، مش أول مرة، يعني هي مش محرومة من حاجة عشان تغير!

سكتت هبة قليلا ثم قالت: خلاص، ممكن نروح لثيرابيست.

أومأ بتأييد: تمام، بس المهم ماتكونيش إنتِ ورا إللي بيحصل ده.

نظرت له من أعلى لأسفل بإختناق وقالت: أنا مش هرد عليك، أنا لو كنت عايزة أعمل كده ماكنتش حاولت جوة الصلح الموقف، ياسين قولتلك كانت غلطة مني وانتهت، خلاص بقى.

في تلك اللحظة، اقتربت لوجين، لكنها توقفت للحظة، وكأن منظرهما معا أثار في داخلها شيئا من الغيرة لكن سرعان ما أخذت نفسا عميقا وتقدمت نحوهما قائلة بابتسامة: إنتوا هنا؟

نظر إليها ياسين في الحال، ثم اقترب منها ومسح على خدها بحنان: آه، بقيتي كويسة؟ لسه دايخة؟

أومأت برأسها، ثم قالت: لا، خلاص، نالا عجبتها الأوضة؟

هز رأسه بإيجاب: آه، عجبتها.

هبة، وهي تهم بالتحرك: طب أنا هروح الاستراحة.

تحركت هبة مبتعدة، لكنها توقفت للحظة عندما سمعت صوت ياسين خلفها.

ياسين باهتمام وهو يمسك يد لوجين: شكلك لسة تعبان.

لوجين، بإبتسامة: ده طبيعي، علشان لسه في الأول.

وفجأة، حملها ياسين بين ذراعيه وقال بحنان: طب تعالي يا روحي، ارتاحي.

توقفت هبة للحظة، وشعرت بانقباض غريب في قلبها، لم تفهم سبب تلك الغيرة التي باغتتها، ولا لماذا أثّر فيها المشهد إلى هذا الحد، لكنها أخذت نفسا عميقا، ثم تابعت طريقها دون أن تلتفت.

الفيلا التي يمكث بها مصطفى7م
كانت آلاء تجلس في غرفتها، منهمكة في المذاكرة، تحاول التركيز في أوراقها، لكن ذهنها كان يتشتت بين الحين والآخر.

وبعد دقائق، دخلت أنهار وهي تحمل بين يديها كوب من الليمون.

رفعت آلاء عينيها إليها، وما إن رأتها حتى ابتسمت.
أنهار بحنان وهي تقترب: عملتلك كوباية ليمون علشان تروقي دمك وتساعدك على المذاكرة.

أخذت آلاء الكوب بسرعة، ووضعته على الطاولة أمامها: تسلم إيدك، بس تعبتي نفسك، تعالي أقعدي وأرتاحي.

ابتسمت أنهار وجلست على جانبها، ثم نظرت حولها براحة: والله يا آلاء أنا مرتاحة الحمد لله، القعدة هنا مريحة يا بنتي، كفاية لما نفتح الشباك نشوف الزرع قدامنا والريحة الحلوة دي، ربنا يا رب يكرمنا ويوسع رزقنا ونقعد في بيت حلو كده ويكون ملكنا.

ضحكت آلاء بمزاح: شكلك مش عايزة تمشي يا أنهار.

أنهار بابتسامة: بصراحة آه! حد يسيب مكان حلو زي ده ويرجع للبيت اللي كنا فيه؟ بس أهم حاجة عندي راحتك.

تبسمت آلاء وهي تضع يدها على فخذها: وأنا كمان حاسة والله إن صحتك ردت على العيشة الحلوة هنا.

نظرت إليها أنهار باهتمام وسألتها: طب قوليلي بقى إيه اللي غير رأيك؟ إنتِ كنتي معاندة ومبوظة الدنيا.

آلاء سألتها: قصدك على موضوع مصطفى؟

أومأت أنهار بتأييد: هو فيه غيره؟

تنهدت آلاء، وتركت القلم من يدها، ثم قالت: بعد مالبست وروحت علشان أتكلم معاه، لقيته بيقول لمامته إنه بيحبني، وإنه مش عارف يقولي، وخايف لأحسن أصده، وإن معاملتي معاه في الفترة الأخيرة والجفاء اللي كنت فيه قتلت كل أمل كان جواه.

سكتت لحظة، ثم تابعت بحزن: فساعتها حسيت إني كنت غبية أوي...

واصلت، وهي تعبث بأصابعها في طرف الورق، قبل أن ترفع عينيها إلى أنهار من جديد:
كان المفروض أبقى عارفة إنه راجل ناضج، مش عيل تصرفاته بتكون محسوبه، بس صدقيني يا أمي، أنا كل اللي كنت عايزاه إني أبقى مطمنة، كل اللي كنت عايزاه إنه يصرخ في وشي ويقول لي: بطلي غباء، أنا بحبك!

ابتسمت بحزن وهي تهز رأسها: يمكن أنا حسبتها غلط، يمكن كنت عايزة حاجة من شخص مش دي شخصيته، مش معنى إنه كبير وناضج إنه لازم يتصرف بالطريقة اللي أنا متخيلاها، بس أنا كنت محتاجة ده يا ماما..

انخفض صوتها، وكأنها للمرة الأولى تعترف لنفسها قبل أن تعترف لأمها بما كان يؤلمها حقا أضافت: أنا ماتجوزتش مصطفى بطريقة طبيعية، كنت محتاجة أحس إنه اختارني بإرادته، وإنه عايز يتجوزني فعلا، ولما حصل اللي حصل في الساحل، أنا اتكسفت، لما جريت منه ودخلت الحمام، كنت مكسوفة يا ماما، كان نفسي يفهمني، كان نفسي يقف شوية ويقولي إنه عمل كده عشان بيحبني، وإنه نفسه جوازنا يكون حقيقي..

تنهدت وأكملت بضجر، وعيناها تلمعان بالدموع: كل مرة كنت بقوله طلقني، وكل مرة كنت بقوله أنا همشي، كان نفسي يمسك إيدي ويقولي: ماتمشيش، أنا بحبك، أنا عايزك، كان نفسي أطمن بس، أنا لا نكدية ولا بكبر الموضوع، أنا بس كنت عايزة أحس بكرامتي كزوجة، وأحس إني مرغوبة من جوزي.

سكتت أنهار للحظات، ونظرت إلى ابنتها بحنان، وكأنها أدركت أخيرا حجم ما كانت تخفيه خلف عنادها، تنهدت، ومدت يدها تمسك يدها بحنان: أنا فاهماكي يا آلاء، بس مش كل الناس يا حبيبتي بيعملوا اللي إحنا عايزينه، خصوصا الرجالة، مش كلهم بيفهموا إن لما الست تقول: أنا عايزة أمشي، يبقى قصدها أوقات إنها عايزة تفضل، بس عايزة تسمع منه إنه عايزها تفضل ويتمسك بيها وتعرف غلاوتها عنده، بس إنتِ غلطي يا آلاء.

نظرت إليها آلاء باهتمام، بينما تابعت أنهار بعقلانية: إنتِ ومصطفى لسه ماعرفتوش بعض كويس علشان تعرفي هو بيفكر إزاي وبيعمل إيه؟! الرجالة مش زي بعض، هو راجل محترم وجدع، وده اللي إحنا عرفناه عنه، لكن الحاجات التانية دي هتعرفيها لما تعاشريه..

ثم ابتسمت وقالت: وإنتِ عرفتي خلاص إن الراجل كان بيحبك، وهو كمان كل ما كان يحاول يفهمك، كان بيلاقي منك وش مكشر وجفاء، فكان بيتراجع ويخاف يقرب أكتر..

ضغطت على يدها برفق، وتابعت: إنتوا الأتنين مش فاهمين بعض، ولازم تفهموا بعض.

تنهدت آلاء وسألتها بتوتر: طب يا ماما، دلوقتي أعمل إيه؟ أنا خايفة أضيعه مني، أنا غيرت أوي عليه لما جه يتكلم مع اللي اسمها سمر دي، وبعدين أنا مش عارفة هو ماله... رايح جاي مع أي واحدة!

اتسعت ابتسامة أنهار، وكأنها كانت تنتظر منها هذه الجملة تحديدا قالت: ما إنتِ بقى توبيه عن الكلام ده وغيريه!

زمت شفتيها بحيرة: طب أعمل إيه؟

ربتت أنهار على كتفها: الموضوع لسة في إيدك إنتِ، بس زودي الجرعة وفكيها شوية.

آلاء باستغراب: شوية إزاي؟

تبسمت بمكر وقالت: يعني أنا شايفاكي أربع وعشرين ساعة لابسة له إسدال، وأخوه مش بييجي كتير، بيروح الشغل أكتر مابيقعد هنا، طول ما إيهاب مش موجود... ألبسي براحتك.

اتسعت عينا آلاء: براحتي إزاي يعني؟

أنهار مفسرة، وهي تحرك يدها بحماس: يعني ألبسي فستان شكله حلو أو بيجاما، وسيبي شعرك، وهزري معاه، أعملي نفسك بتقعي، وقوليله: رجلي وجعاني أوي، مش عارفة وجعاني ليه تعال بص عليها،
فيه حاجة شبكت في شعري ممكن تشلهالي، تعالى أفتح لي البرطمان، مش عارفة أفتحه، حسسيه إنك محتاجاه،  واهتمي بيه، مثلا روحيله وقوليله: حسيت إنك مصدع، عملتلك شاي، لو شوفتيه بقاله كتير ما بيكلش، أعمليله ساندوتش. اسأليه: عملت إيه النهاردة؟ بتكلم مين؟ بتكلمها ليه؟ عايزة منك إيه؟

ثم ضحكت وهي تشير إليها: وابقي رفعي صوتك، أضحكي، هزري معاه، لو عملتي كده هتلاقي الراجل أتحرك.

سكتت آلاء للحظات، وهي تحدق في أمها بعدم تصديق، ثم انفجرت ضاحكة: إنتِ طلعتِ مش سهلة يا ماما. 
ضحكت أنهار وربتت على يدها: أتعلمي يا بنتي،

ثم قالت بحكمه: بصي يا بنتي، طول ما هو بيحبك وعايزك فإحنا كده في الأمان، أي حاجة بعد كده سهلة.

اتسعت ابتسامة آلاء، وقد تبدل شيء كبير في قلبها، وعاد إليها الأمل من جديد بأن تعيش مع مصطفى الحياة التي لطالما تمنتها

في فيلا ماسة وسليم7م.

الحديقة
كان المساء جميلا؛ نسيم الهواء يداعب الأشجار، ورائحة الورد تمتزج برائحة الفانيليا المنبعثة من الكعكة، جلست عائلة ماسة بأكملها أمام النيل، يستمعون إلى أغنية قديمة لأم كلثوم، بينما وضع الشاي على السبرتاية، كان «مكي» شاركهم جلستهم.

توقفت حور أمامهم بفخر وقالت: إيه رأيكم بقى؟ أنا إللي عاملة الكيكة دي كلها لوحدي!

تذوقت سعدية قطعة منها، ثم ابتسمت: حلوة يا حور، جميلة أوي، تسلم إيدك يا قلب تيتة.

زمت حور شفتيها بملل، ونظرت حولها: هو مفيش عيال صغننين قدي خالص هنا عشان ألعب معاهم؟

عبست ماسة وجهها قليلا، وقالت: لا، مافيش يا قلبي.

تنهدت حور بحزن: وأنا عند تيتة كنت بلعب مع صحابي في الشارع، كانوا بييجوا عندي وأنا بروح ألعب معاهم، أنا هنا ماعنديش حد، أنا عايزة أروح الحضانة وعايزة يبقى عندي صحاب!

ابتسم سليم، وسحبها من كتفها لتقف بين قدميه، ثم قبّل خدها بحنان: يا أميرتي، إحنا هنروح الحضانة وهيبقى عندك صحاب كتير، بس لما المدرسة تبتدي، دلوقتي مفيش مدارس استنى شوية.

زفرت حور بضجر: يعني لسه هستنى؟

مسح سليم على شعرها وقال: معلش يا حبيبتي، وبعدين إنتِ عندك لعب كتير هنا، وماما بتلعب معاكي، وأنا ويوسف وعمار وسلوى موجودين.

فكرت ماسة قليلا، ثم قالت: هو إحنا مينفعش نجيب لها صحابها هنا؟

صمتت لوهلة، وكأنها وجدت الحل، ثم تابعت: بقولك إيه... طب ماتجيب «نالا» تلعب معاها؟ هما قد بعض، وبينهم كام شهر بس.

سألت حور بفضول: مين نالا دي؟

ابتسم سليم وقرص خدها برفق: دي بنت عمو ياسين، أخويا.

اتسعت عينا حور بدهشة: هو إنت عندك إخوات؟

أومأ بابتسامة: آه، عندي إخوات كتير، وكلهم عندهم أولاد، عندي ياسين وفريدة...

صمت لوهلة، ثم نظر بعيدا، وكأنه يجبر نفسه على الحديث، قبل أن يتابع: ورشدي وطه وصافيناز...

أخرج نفسا عميقا، ثم قال: بس عمتو صافيناز ماتت، وعندها ولاد، بس هما كبار، ونالا هي الوحيدة الصغيرة.

تبسمت حور بحماس: هتها تلعب معايا وحياتي يا بابا.

ضحك سليم وهو يحرك أصابعه على خدها: حاضر يا نور عيني، هجيبها تلعب معاكي، يلا روحي ألعبي باللعب بتاعتك.

نظرت إليه حور بحزن، ثم قالت: هو رشدي مش بيجي ليه؟ أنا عايزة أشوفه! هو قالي إنه هييجي وماجاش، أنا زعلانة منه وهخاصمه يوم ويوم ويوم! وبعدين... هو صاحبك ولا أخوك؟

نظر سليم إلى ماسة للحظة، رمش بعينه وكأنه يفكر هل يقول لها الحقيقة أم لا، ثم أخرج نفسا طويلا ثم نظر لها وقال: عمو رشدي مسافر، وهو أخويا مش صاحبي.

سألته حور باستغراب: أمال هو ليه كان بيقول إنه صاحبك وصاحب ماما؟

أجاب سليم موضحا: كان عاملك مفاجأة، يلا روحي ألعبي.

ثم نظر إلى إحدى الخادمات وقال: خلي بالك منها.

ابتعدت الخادمة مع حور، بينما اقتربت ماسة قليلا من سليم وسألته بصوت منخفض: بقولك إيه؟ هو إنت هتقول لهم إن البنت موجودة؟

أومأ سليم بتأكيد: مش بالظبط هقول لياسين بس، وهسيبهم فاكراني متبنيها لحد ما هشوف هيحصل إيه؟.

وجه مجاهد حديثه إلى سليم: قولي يا ابني، إنت كده خلاص ولا لسة؟

فهم سليم مقصده، فقال موضحا: يعني مش بالظبط، فيه شوية حاجات كده، بس اعتبرنا خلاص.

سعدية بتحذير: أهم حاجة تاخد بالك من نفسك، ودايما تحط في دماغك إنك مابقيتش لوحدك.

قاطعتهم ماسة بفرحة: بقولكم إيه؟ إحنا مش عايزين نتكلم في أي حاجة تضايق، عايزين نتكلم في حاجة مفرحة...

نظرت بعينيها نحو مكي وسلوى، اللذين كانا يجلسان إلى جوار بعضهما، ثم قالت وهي تشير بيدها:
الأتنين إللي هناك دول لازم يتجوزوا قريب..

نظرت الى سليم وسألته بحماس: إيه رأيك يا سليم ناخدلهم فيلا جنبنا هنا؟ ولو مافيش، ممكن نبنيلهم واحدة في الجنينة الخلفيه، مساحتها كبيرة.

ابتسم سليم وهو يحتسي الشاي: بس كده، هما بس يوافقوا.

رفعت ماسة حاجبها بشدة، وأشارت بيدها نحوهما:
هو حد فيهم يقدر يعترض ولا يفتح بقه؟ والله العظيم كنت دبحته!

أنفجر الجميع بالضحك.

ثم تابعت وهي تفكر: وممكن برضوا يقعدوا معانا لحد ما الفيلا تجهز نسيب لهم الدور التاني من الناحية الشمال دي، وخلي يوسف وعمار يقعدوا تحت.

ضحك سليم: إنتِ عمالة تاخدي عنهم قرارات وهم قاعدين يتفرجوا بس!

ماسة بتهكم ساخر: ما هو إحنا لازم ناخد عنهم القرارات، لو ماخدناش قرارات، هيفضلوا قاعدين كده.

نظر مجاهد لسلوى متسائلا: إنتِ إيه رأيك يا سلوى؟!

تبسمت سلوى بخجل: أنا موافقة، أنا مع ماسة.

ضحك سليم ونظر إلى مكي: شكلهم متفقين مع بعض.

أجاب مكي: أنا بقول كده برضو.

مجاهد وهو يتناول ما في الشوكة: طب ما دمتوا متفقين يا ولاد، ما تتجوزوا على طول!

أجاب مكي بعقلانية: والله أنا ماعنديش مانع، أنا عندي استعداد أتجوزها حالا، بس الفكرة إن الفترة دي أنا مشغول مع سليم وهسيبها كتير، وأنا بصراحة محتاج آخد أجازة طويلة عشان أعوضها، كمان هي من حقها تسافر، وإني أبقى موجود معاها.

سعدية بتأييد: الراجل عنده حق يا أبو عمار. يعني يتجوزها النهاردة وبعد بكرة يسافر؟ وأنا عارفة إنه مش هيسيب سليم حتى لو سليم قاله خليك.

ماسة بحماس: خلاص، هو سليم قرّب يخلص الحوارات إللي وراه، نحضر بقى من دلوقتي، نختار شكل الفيلا والعفش والفستان والكلام ده..

نظرت لسلوى:إيه رأيك يا سلوى؟

ابتسمت سلوى: ماشي.

ألتفتت ماسة إلى سعدية وقالت بحماس: ما تسمعينا زغرودة يا سعدية!

أطلقت سعدية زغرودة عالية، فضحك الجميع، وعادوا إلى تناول الكعك وشرب الشاي، بينما أستمر صوت أم كلثوم في الخلفية، واكتملت أجواء السهرة العائلية الدافئة.

وبعد قليل، أخذ مكي سلوى وابتعدا قليلا، وجلسا معا على الأرض أمام النيل.

سألها مكي هامسا: إنتِ هتتضايقي لو إحنا فعلا اتجوزنا وقعدنا شوية معاهم لحد ما الفيلا بتاعتنا تجهز؟

هزت سلوى رأسها نافية بحماس: بالعكس خالص، ماعنديش أي مشكلة، ما إحنا كلنا قاعدين معاهم، وعلى الأقل هكون قاعدة مع ماما وماسة لما تكون مشغول مع سليم، ممكن نفضل معاهم لحد ما نبني فيلا صغيرة على قدنا في الجنينة زي ما ماسة قالت، أنا مش عايزة حاجة كبيرة أوي.

مكي موضحا: بس عقبال ماتتبني هتاخد وقت.

نظرت إليه سلوى وضيقت عينيها بمكر: شكلك إنت اللي مش حابب إننا نقعد كلنا مع بعض.

ضحك مكي وهو يؤمي برأسه: يعني مش بالظبط، بس ماعنديش مشكلة نقعد جنبهم، بس نبقى مستقلين، إحنا هنبقى لسه عرسان جداد، عايزين نبقى براحتنا..

ثم مال نحوها قليلا وتابع ممازحا وهو يغمزولها: عايز أبقى براحتنا، مثلا أجري وراكي، ألعب معاكي، وأديكي بوسة كده...حضن كده

اتسعت عيناها بدهشة قالت: إيه ده؟ إنت أخلاقك اتغيرت خالص! فين مكي أبو ورد في الشنطة والكلمة إللي بتطلع منه بالعافية؟ وبيقولها وعينه بالأرض، بوسة مرة واحدة 

ضحك مكي ثم قال بغزل: لا، أنا لسه بجيب ورد في الشنطة عادي، بس ممكن اقول كلام حلو برضوا

ضحكت سلوى: شوف إنت عايز إيه وأنا معاك؟ أنا بصراحة عايزة أتجوز بسرعة.

ابتسم مكي ثم قال بهدوء: بصي، هو إحنا فعلا خلاص، أنا تقريبا بدأنا نخلص كل حاجة، مسألة شهر أو شهرين.

ثم تابع بجدية: فأنا هتأكد لو فيه فيلا جنبنا هاخدها. لو مافيش، نقعد في الاستراحة، الاستراحة كبيرة جدا نقعد فيها لحد ما الفيلا تتبني، كمان أنا ناوي ناخد شهرين تلاتة هاني مون، أنا محتاج أجازة طويلة المدى.

ابتسمت سلوى بحماس: تمام، ولحد ما إنت تخلص إنت وسليم الحاجة، أنا هبدأ أختار شكل الفيلا والديكورات والفستان والفرح، أنا بجد متحمسة أوي!

ابتسم مكي وهو ينظر إليها، ثم أمسك يدها برفق و ضع قبله ثم وقال: من النهاردة نبدأ نحضر لحياتنا سوا.

ابتسمت سلوى بخجل، وأسندت رأسها إلى كتفه، بينما ظلت أنظار الأثنين معلقة بمياه النيل، وكأنهما يتخيلان الأيام القادمة التي ستجمعهما.
♥️___________بقلمي_ليلةعادل 
قصر الراوي8م

كانت غرفة طه غارقة في الظلام، لا يضيئها سوى ضوء خافت يتسلل من خارج النافذة، امتلأت الطاولة أمامه بأعقاب السجائر وأكواب القهوة، وإلى جوارها زجاجة خمر لم يبقى منها إلا النصف تقريبا.
كان طه جالسا وحده، شاردا، يبدو وكأنه شاخ مئة عام في أيام قليلة.

لم يستطع حتى الآن أن يخرج من صدمة ما فعلته منى، ولا أن يستوعب أن المرأة التي أحبها طوال تلك السنوات كانت بتلك القذارة 

بعد قليل، طرق الباب، ثم فُتح، ودخل مراد، ابنه الأكبر، وخلفه تيم الذي مد يده وأشعل النور.

مراد بهدوء: بابا، إحنا عايزين نتكلم معاك أنا وتيم.

مسح طه دموعه سريعا قبل أن يراهما، ثم أشاح بوجهه وقال بضيق: مش عايز أتكلم مع حد..

اقترب مراد منه أكثر: إحنا عايزين نعرف ماما فين؟

طه بحدة: قلتلكم اتخانقنا مع بعض وهي مشيت، كلموها واسألوها هي فين.

تبادل مراد وتيم نظرة قصيرة، ثم قال تيم بهدوء:
طب وحضرتك بتزعق ليه؟

رفع طه صوته: أطلعوا بره! أنا عايز أبقى لوحدي.

وفي تلك اللحظة، ظهر عزت عند الباب، قال بصرامة: مراد، تيم... سيبونا لوحدنا.

نظر الأثنان إلى والدهما للحظة، ثم أومآ برأسيهما وخرجا.

أغلق عزت الباب خلفهما، ثم اقترب من طه وجلس أمامه، ألقى نظرة على الطاولة المليئة بالسجائر والخمر، ثم زفر بضيق وقال باستياء: إيه اللي إنت عامله في نفسك ده؟ دي واحدة تتنسي يا طه، وتكمل حياتك كأنها ما كانتش موجودة..

رفع طه عينيه إليه، وكانت الدموع لا تزال عالقة بهما، ثم قال بمرارة: الكلام ده عندك إنت والهانم، المشاعر عندكم ملهاش قيمة، بتنسوا كل حاجة في لحظة وكأنها ماحصلتش.

هز عزت رأسه ببطء ثم قال بعقلانية: لأ، إحنا عندنا مشاعر، بس بنعرف نتحكم فيها عشان ما تتحكمش هي فينا، لأنك لو خليت مشاعرك هي إللي تتحكم فيك، هتدفع تمنها طول عمرك، سليم حكلي كل حاجة فاللي زي منى دي يداس..

اقترب قليلا منه، وتابع بنبرة خاليه من أي عطف: أنا يمكن بعد السنين دي كلها، أكتر حاجة بشكر عليها جدك وجدتك إنهم عرفونا ازاي نقدر نتحكم في عواطفنا..

صمت طه، فتابع عزت بنطق فلسفي: الحب عندنا دايما نقطة ضعف، وإحنا اتعلمنا نخبي نقطة الضعف دي..

تنهد، ثم تابع بمرارة: حبك لمراتك خلاك تتغاضى عن أذاها وتسـامحها مرة ورا مرة، لحد ما خانتك مع أخوك الصغير، ووصل الأمر بأختك إنها تتفق مع جوزها على قتل أخوك.

خفض طه عينيه أكمل عزت وهو يزم شفتيه: وخلى سليم نفسه يبقى فريسة في إيد أعدائه، عشان الكل أصبح عارف إن ماسة نقطة ضعفه..

ثم نظر إليه مباشرة وقال بحسم: الحب نقمة على إللي زينا يا طه...

رفع طه عينيه إليه تابع عزت بصوت أكثر هدوءا، بحكمه: الناس العادية ممكن تحب من غير حساب لأنها لا تملك غيره! إنما إحنا؟ عندنا فلوس وسلطة واسم ونفوذ، ودايما هتفضل تسأل نفسك: اللي حواليك بيحبوك إنت، ولا بيحبوا اللي عندك؟

سكت لحظة، ثم أضاف: وحتى لو اتنين حبوا بعض بجد زي ماسة وسليم، دايمًا بيظهر اللي يخرب عليهم، عداوة، مؤامرة، طمع، انتقام...

ابتسم ابتسامة باهتة واصل: الحب للي زينا عمره مابييجي لوحده، دايما بييجي ومعاه تمن.

ظل طه صامتا للحظات، ينظر إلى زجاجة الخمر أمامه، ثم قال بصوت منكسر: يا ريتني كنت زيكم..

رفع عزت حاجبه أكمل طه وهو يمسح وجهه بيده:
يمكن كنت أعرف أنسى، وماكنتش أبقى بالشكل ده.

ثم ابتسم بسخرية موجوعة واضاف: بس إنت عندك حق يا بابا... الحب في عيلتنا لعنة، يمكن عشان أنت وماما ما حبيتوش بعض، واللي بينكم كان مصلحة، قدرتوا تحافظوا على علاقتكم طول السنين دي.

رفع عزت عينيه إليه، وقال بحسم: يبقي خلاص، فوق بقى، لو عايز تقتلها، اقتلها، مكالمة واحدة وتنهي كل حاجة.

ابتسم طه بمرارة، وهز رأسه بيأس: يا ريتني أقدر أعمل كدة!

ضيق عزت عينه متعجبا: ومتقدرش ليه؟

رد بصوت مخنوق: عشان ولادي. مش هينفع أشوه صورتها في عينهم، دول شباب وحاجة زي دي ممكن تأثر عليهم نفسيا.

عزت باقتراح: خليها تموت موتة طبيعية، حادثة مثلا، ووقتها الولاد هيفضلوا طول عمرهم يدعوا لها بالرحمة، من غير مايعرفوا إنها كانت خاينة.

أومأ طه بعدم معرفة باختناق: مش عارف يا بابا مش عارف آخد قرار، أنا بجد قلبي وجعني.

عزت بحسم: خد قرار، وأنا معاك.

ظل طه صامتا، وعيناه غارقتان في شرود ثقيل، بينما تابع عزت بصرامة: المهم فوق لنفسك، احلق دقنك، خدلك حمام، كل حاجة فيك بتقول إنك انهرت..

ثم أمسك كتفه ونظر إليه مباشرة: إنت ابن عزت الراوي، ماينفعش تبقى ضعيف كده.

سكت لحظة، ثم قال ببرود قاس: مني؟ دي مجرد حشرة، وإحنا بندوس على الحشرات بجزمتنا.

نظر إليه طه بعينين مثقلتين بالحسرة، ثم ألقى بنفسه بين أحضان عزت وبكى. ربت عزت على ظهره بحنان أبوي، وهو يشعر بالغضب لأجله..

فيلا سليم وماسة11م

كانت ماسة تجلس على الفراش، بينما جلس سليم خلفها يدلك رقبتها بهدوء، فشعرت بالاسترخاء والراحة.
اقترب منها وقال بنبرة دافئة: ها، أحسن؟

أومأت ماسة بإيجاب، ثم أمسكت يده وقبّلتها قائلة بابتسامة: تسلم إيديك يا حبيبي.

ابتسم سليم، ثم استلقى بجانبها وجذبها إلى حضنه، متشابكا أصابعه بأصابعها قال بحماس: متحمس أوي إني أعرف نوع البيبي بكرة، يا ترى هيكون إيه؟

ابتسمت: وأنا كمان متحمسة جدا.

نظر إليها وقال مازحا: على فكرة، الدكتورة بكرة لو ماقالتليش إدأنت خلصت اجازتك هلعب معاها لعبة الصياد.

قالت بمشاكسة ودلال: ده أنت حالتك بقت صعبة خالص يا كرملتي.

أومأ: آه والله، صعب اوي، بذمتك ماوحشكش المساج بتاعي؟

ابتسمت بمداعية: ما أنت لسه عاملهولي.

عمو لها: اقصد التاني.

ضحكت قائلة: وحشني بصراحة.

وفجأة انفتح الباب، وظهرت حور وهي تحمل ارنوبها.
أنا هنام جنبكم.

 سليم باستغراب: مش هتنامي في أوضتك ليه؟

اقتربت منه وقالت: عايزة أنام في حضنك يا بابا.

ابتسم:  طيب تعالي.

صعدت حور إلى السرير واستقرت بينهما، ثم دفعت ماسة قليلا وهي تقول بجدية طفولية: أوعى! بابا بتاعي أنا بس.

رفعت ماسة حاجبها وقالت ممازحة: لا، وحياتك! بابا ده بتاعي أنا قبلك.

نظرت إليها حور بغيرة طفولية، ثم احتضنت سليم بتملك: بابا احضني أنا، مش تحضن ماسة.

اتسعت عينا ماسة: على فكرة ده جوزي.

ضيقت حور عينيها وقالت: وبابايا! اكتر منك

نظر سليم إليهما وظل يضحك دون أن يتدخل.

رفعت ماسة حاجبيها وهي تنظر إليه بتهكم:  إنت بتضحك ومبسوط وإحنا بنتخانق عليك؟

ابتسم سليم: مافيش راجل مايتبسطش من اللحظة دي.

مدت ماسة وجهها وقالت بنبرة ذات مغزى: طب خليها تنفعك.

اتسعت عينا: لا عيب كله إلا ده.

ضحكت ماسة وأخرجت لسانها بمشاكسة

حور وهي تقبله: سيبها يا بابا يلا ننام.

ضحك وقال: طب يلا ناموا.

احتضن حور وضمها إليه، بينما استقرت ماسة بجانبهما لكنها كانت تمسك يد سليم.

 حور وهي تسحب يده من ماسة: بابا، ابعد ايدك عنها؟

زمت ماسة وجهها ثم التفتت بظهرها وهي تقول: اشبعي بيه.

ضحك سليم، ثم احتضن حور بحنان وقال: يلا يا وردتي، نامي.

وبعد لحظات، مد يده الأخرى نحو ماسة، ليظل قريبا منها أيضا؛ فكانت دائما طفلته الأولى وحب حياته، وكأن وجودهما معا أكثر ما يشعره بالراحة والامتنان.

مزرعة عائلة منى،11ص

في حديقة المزرعة، جلست منى أمام أحد الرجال الذين يبدو من هيئته إنه بلطجي، بينما كان يحدق فيها منتظرا أوامرها.

أخرجت ظرفا أبيض ووضعته أمامه، ثم قالت ببرود: خليك محتفظ بالمبلغ ده معاك، أنا عايزة بكرة بالكتير كل حاجة تكون بدأت، تدخل لرشدي من غير ما يحس، ومن غير ما حد ياخد باله.

تناول الرجل الظرف، ثم قال بثقة: اعتبريه حصل يا ست هانم، أنا اتفقت مع واحد من الممرضين هناك، هايزود له جرعة المخدر في الدوا، بس كل شهر لازم ياخذ 10000جنيه. 

هزت راسها وقالت: مش مهم الفلوس أهم حاجة أن رشدي ما يخفش. 

أومأ بإيجاب، بينما نظرت إليه منى للحظات، ثم سألته: طب وبالنسبة لسليم؟

هز الرجل رأسه: سليم بيه موضوعه أصعب. حراسته قوية، والراجل أللي ظهر معاه آخر مرة كان شغال في القوات الخاصة، بياخدوا بالهم من أي حد يراقبهم..

منى ببرود بعينين تحمل كراهية: أنا عايزة أعرف بيروح إمتى المجموعة, مش عايزة أعرف حاجة ثانية.

أومأ بابتسامة: لو ده كل اللي عايزاه سهله، أقعدلك حد قصاد باب الشركة أول ما يطب، يكلمك ويديكي ألو.

ساد الصمت للحظات، قبل أن تقول بحسم: وفيه حاجة تانية..

رفع عينيه إليها بدهشة، فتابعت هي تنظر له بعينتين تحملان شرا شيطانيا: بقولك إيه! عايزة نوع سم، لو حد خده واتشرح، مايبانش هو مات من إيه؟!

ابتسم ابتسامة غامضة: اديني يومين، وأنا هتصرف.

أجابته بحسم: مش أكتر من يومين.

أومأ وهو ينهض حاملا الظرف معه: اتفقنا.

ظلت منى تتابعه بعينيها حتى ابتعد، ثم عادت بنظرها إلى الحديقة، وارتسمت على وجهها ابتسامة باردة، وكأنها كانت قد بدأت بالفعل تحرك أول قطعة في خطتها.



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة