رواية أنا هبقى مرات حضرته ج2 الفصل السابع 7 بقلم نور إسماعيل


رواية أنا هبقى مرات حضرته ج2 الفصل السابع 7 بقلم نور إسماعيل


الشبكة...

لا شيء يضاهي بهجة الشبكة.

إنها اللحظة التي تتحول فيها قطعةٌ من الذهب إلى عهدٍ أبدي، وحين يختار قلبان أن يربطا مصيريهما بخيطٍ واحد، فيصبح خاتمٌ صغير شاهدًا على وعدٍ كبير، ووثيقةً صامتة على حبٍّ اختار أن يدوم.


هي... والفستان... والبدلة...


تفاصيل تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في داخلها من الفرح ما تعجز الكلمات عن وصفه.

خرج وسام برفقة مي، ومعهما ليلى، بعدما أصرت مي أن ترافقهما في اختيار الشبكة، بينما انضم إليهم سهر وشريف، واتجه الجميع إلى أحد أشهر محال الذهب، حيث كانت الواجهات تتلألأ ببريق المعدن النفيس، وكأنها تعرض أحلام العشاق قبل أن تعرض الحُلي.

لم تكن الشبكة نفسها تشغل بال مي بقدر ما كانت تشغلها الدبلتان؛ ذلك "الكلبش الأبدي الصغير" كما كانت تُسميه دائمًا، أكثر ما يرمز بالنسبة إليها إلى الزواج والارتباط.

تقدمت نحو البائع بحماس طفولي وقالت:


_لو سمحت عايزة دبل متلبستش .. متجابتش ..حاجة واو الواااو


نظر إليها وسام ضاحكًا، ثم قال وهو يهز رأسه:


_ولما متلبستش ومتجابتش .. هتبقى موجودة ازاى يافالحة




وضعت إصبعها على شفتيها في حركةٍ مرحة، وأجابته بثقة:




_شششش هو فاهم




ابتسم صاحب المحل، وقد بدا معتادًا على مثل هذا الحماس، ثم قال:




_ف دبل ماسى ستايلها جديد جدآآ ..لسه واصلة امبارح، هى بومبيه عادية جدآ بس الاسم بارز من برة ، اسم العريس واسم العروسة




أعجبته الفكرة، لكن وسام قال بهدوء:




_لا بس انا عايزها فضة




عبست مي في دلالٍ طفولي، ثم قالت:




_ومالو لما تلبس دهب يا ويسووو !




ابتسم وسام وهو ينظر إليها بحنان، ثم أجابها:




_الدهب حرام للرجاله يا حبيبت ويسو




ابتسم صاحب المحل بدوره وقال مطمئنًا:




_متخافش ... طلبك موجود


اهم حاجة انتو تبقو مبسوطين ..




غاب الرجل لحظات، ثم عاد يحمل علبةً أنيقة، وما إن فتحها حتى انعكست الدهشة على وجوه الجميع.




كانت الدبلتان في غاية الأناقة، بتصميمٍ غير مألوف، يجمع بين البساطة والفخامة في آنٍ واحد، حتى إن الجميع ظل يتأملهما في انبهار.




قالت ليلى وقد اتسعت عيناها:




_واااااااااااو جنان




وسألت مي بلهفة:




_احنا اول عرسان تلبسهم ؟




ابتسم صاحب المحل وقال بفخر:




_بقول لحضرتك لسه جايين امبارح .. ع فكرة الدهب ماسى عشان غالى مش اى محل بيتعامل معاه




كان وسام يقلب لوحة العرض بين يديه، ويتأمل التصميم بإعجابٍ واضح، ثم قال:




_هما شكلهم قيم فعلا ..




وأومأت سهر برأسها موافقة:




_ذوقهم شيك خالص ، ربنا يسعدكم




ابتسم البائع، ثم سأل:




_ها هتختارو انهى شكل ؟




وقف وسام ومي أمام لوحة الدبل النسائية، وأخذ كلٌّ منهما يتأمل التصميمات في تركيز، وما إن وقع اختيارهما على دبلةٍ واحدة حتى امتدت يداهما إليها في اللحظة نفسها.




تلامست أصابعهما فوقها، فتبادلا نظرةً خاطفة، أعقبتها ضحكةٌ عفوية خرجت منهما في وقتٍ واحد، وكأن القدر يؤكد لهما مرةً أخرى أنهما اختارا الطريق نفسه.




انتقلا بعد ذلك إلى لوحة الدبل الفضية الخاصة بالعريس، وهناك اختلف اختيار كلٍ منهما، لكن رأي مي كان صاحب الكلمة الأخيرة، فابتسم وسام مستسلمًا كعادته لكل ما يسعدها.




قال صاحب المحل وهو يدون البيانات:




_الاسماء هتتبقى بارزة من برة والتاريخ من جوه




أومأ وسام برأسه:




_تمام ..




رفع الرجل القلم وسأل:




_الاسماء ايه




وفي اللحظة نفسها، ومن دون اتفاقٍ مسبق، قال الاثنان معًا:




_وسام ومى !




ساد صمتٌ قصير، أعقبه تبادل نظراتٍ دافئة، ثم مال كلٌ منهما برأسه نحو الآخر، وارتسمت على وجهيهما ابتسامةٌ صغيرة، تحمل من الحب أكثر مما تحمل من الكلام.




بعدها جاء الدور على الشبكة.




اجتمعت سهر وليلى حول مي، تساعدانها في الاختيار، بينما وقف وسام على مقربةٍ منها، يراقبها مبتسمًا، وكلما استشارته في قطعةٍ أجابها بالجملة نفسها:




_الى انتى عايزاه هاتيه ..




هزت مي كتفيها وقالت:




_ممممم مش بحب الدهب اصلا




ضحكت سهر وقالت:




_طب يجيبلك شبكة ايه ؟ خشب !




تعالت ضحكات الجميع، وأضاف شريف مازحًا:




_هههههه لا حلوة يا مدام سهر دى ، انا رائيي تجيبى طقم مثلا يعنى كوليه وخاتم وانسيال




أشارت إليه مي بإصبعها وهي تضحك:




_تصدق ياض ياشريف اول مرة تقول حاجة عدله




وضع شريف يده على صدره متظاهرًا بالصدمة:




_ياض ! الله يحفظك ياختى




واصلت مي البحث بين الأطقم، حتى استوقفها طقمٌ فاخر أعجبها كثيرًا، فأخذت رأي وسام فيه، لكنه لم يتحمس له، إذ وجده مبالغًا في تصميمه، بينما كان يميل بطبعه إلى الأشياء الهادئة والبسيطة.




وبينما كانت تتأمل المعروضات، وقع بصر وسام على عقدٍ أنيق معروض داخل إحدى الواجهات الزجاجية، فأشار إليه قائلًا:




_طب ايه رئيك فالى معروض هناك ده ؟




التفتت مي تبحث بعينيها:




_فين ؟




ابتسم صاحب المحل وقال لأحد العاملين:




_هاته يابنى




أحضره العامل، وساعدها في ارتدائه.




وما إن استقر حول عنقها حتى تبدلت ملامح الجميع.




بدا العقد وكأنه صُنع خصيصًا لها، زادها رقةً، وأبرز جمالها ببساطةٍ آسرة، حتى إن وسام اكتفى بالنظر إليها مبتسمًا، وقد وجد أخيرًا ما كان يبحث عنه.




أما مي، فما إن رأت انعكاس صورتها في المرآة حتى حسمت قرارها، واستقر اختيارها عليه بعد رحلةٍ طويلة من الحيرة والبحث.




بلغ ثمن الشبكة خمسةً وخمسين ألف جنيه، لكن الفرحة التي ارتسمت على وجهها كانت أثمن من كل الأرقام.




وفي أثناء انشغال الجميع بإتمام الإجراءات، ظل هاتف ليلى يرن للمرة التي لا تكاد تنقطع منذ الصباح.




اعتذرت بهدوء، ثم خرجت إلى خارج المحل لتجيب على المكالمة.




كانت دنيا.




_سورى يا دندن مش كنت سامعه




جاءها صوت دنيا هادئًا كعادته:




_ولا يهمك ، انا لاقيت منك مسج قلت اكلمك




ابتسمت ليلى وقالت:




_اه يا حبيبتى مانا عارفه انك كنتى امبارح بتودى اخر اشعاتك للدكتور بتاعك .. ها قالك ايه ؟




تنهدت دنيا، ثم أجابت بصوتٍ امتزج فيه الامتنان بالأمل:




_قالى الحمدلله انى اتحسنت .. وقريب هبطل الكيماوى الحمدلله وانى استمر ع متابعاتى ف المانيا عادى




تهللت أسارير ليلى وقالت بصدق:




_طيب الحمدلله يا حبيبتى




وفي تلك اللحظة، انطلقت زغرودة سهر من داخل المحل، عاليةً ومفعمةً بالفرح، بعدما انتهى اختيار الشبكة.




توقفت دنيا عن الكلام، ثم سألت في دهشة:




_ايه ده ! انتى ففرح ؟!




ارتبكت ليلى للحظة، ولم تعرف كيف تجيب، ثم قالت بتردد:




_ها ! ... لا ده.. ده وسام




ساد الصمت لحظة، قبل أن يأتيها صوت دنيا وقد خفتت نبرته فجأة:




_وسام بيتجوز !!!!




ابتلعت ليلى ريقها، ثم أجابت بهدوء:




_لا ده بيختار شبكته ... كتب كتابه بعد يومين!




تجمدت الكلمات في حلق دنيا.




هبطت دمعةٌ ساخنة على وجنتها دون أن تشعر، وهمست بصعوبة:




_شبكته ! هيكتب كتاب كمان




شعرت ليلى بوخزةٍ في قلبها، فقالت محاولةً التخفيف عنها:




_معلش يا دودى ده نصيب




تنفست دنيا بعمق، وأجبرت نفسها على التماسك، ثم قالت بصوتٍ مكسورٍ حاولت أن تخفيه:




_يا حبيبتى عادى ده حقه ، ربنا يتمله ع خير




ابتسمت ليلى ابتسامةً حزينة، وقالت:




_عقبالك يا دودا




أجابت دنيا بصوتٍ خافت:




_ربنا يخليكى...




ثم توقفت، ولم تستطع إكمال عبارتها، قبل أن تقول سريعًا:




_معلش هقفل يا ليلى بس التشارج هيفصل




_اوك ياقمر .. باى




انتهت المكالمة، وبقيت ليلى تحدق في شاشة هاتفها لحظات، وقد شعرت أن الحقيقة خرجت من فمها على قسوتها من دون قصد، لكنها لم تجد سبيلًا آخر... فقد جاءت هكذا.


لم تكد مي تغادر محل الذهب حتى كانت لا تزال تحدق بين الحين والآخر في الدبلتين، وكأنها تخشى أن يكون ما حدث مجرد حلمٍ عابر. لم تكن قادرة على انتظار يوم الخطبة لتزين يدها بهما، فقد كانتا بالنسبة إليها أكثر من مجرد خاتمين؛ كانتا وعدًا أبديًا، وعلامةً على أن القلب الذي أحبته قد صار نصيبها.




أما وسام، فلم يكن فرحه بالدبلتين أقل من فرحتها، لكنه لم يكن متعلقًا بهما بقدر تعلقه بابتسامتها. كان يراقب ملامحها وهي تتوهج بالسعادة، فيشعر أن الدنيا بأسرها قد اختصرت في تلك الابتسامة، وأنه ربح الحياة يوم اختارت أن تسيرها إلى جواره.




وبعد الانتهاء من الشبكة، اتجه الجميع إلى مريم، التي كانت بانتظارهم منذ الصباح، فقد أوكلت إليها مهمة اختيار كل ما يخص الخطبة؛ فستان مي، وبدلة وسام، وألوان الملابس التي سيرتديها المدعوون، وحتى أدق التفاصيل التي تجعل ذلك اليوم استثنائيًا.




فهي، في النهاية، خطبة وسام ومي.




وبعد رحلةٍ طويلة من التفكير، وتقليب الأفكار، ومشاهدة عشرات التصميمات التي شارك الجميع في اختيارها، حسمت مريم قرارها، ثم قالت بثقة:




_هتلبسى فستان بلو تركى .. وتاج صغنون ملكى ع راسك وميكاب هادى


ولفة الطرحة انا هشرف عليهم بنفسى




ثم التفتت إلى وسام، تتابع حديثها بنبرةٍ عملية:




_العريس بدله ويست وود سودا وقميص ابيض وكرافت بلو هادى ، بما ان العريس لابس نضارة نظر ..




ابتسم وسام بخجلٍ وقال:




_ههه ومش هينفع يقلعها




قهقه شريف، ثم علق ساخرًا:




_اه يضبش ع طول




ابتسمت مي وهي تنظر إلى وسام بعينين يملؤهما الإعجاب، وقالت:




_بس ياض ده احلى حاجة فيه نضارته




هز شريف رأسه في تمثيلٍ مبالغ فيه وقال:




_خلاص متعمليش فيها شادية فصغيرة عالحب




رمقته مي بنظرةٍ مستنكرة، ثم ردت سريعًا:




_شادية فعينك!




تعالت الضحكات، بينما أكملت مريم حديثها وكأنها لم تسمع شيئًا:




_ههههههه خلاص نضارة فريم ابيض .عريض




ابتسم وسام وقال:




_معنديش .. بس اوك




علقت ليلى وهي تبتسم:




_عشان الخطوبة ياعريس




هزت مريم رأسها، ثم أضافت وهي تدون ملاحظاتها:




_الدعوات ع شكل كيوبيد ملاك الحب وهنكتب فالانفتشن ان البنات يلتزمو اللون الفضى والشباب البدل السودا وخصوصآ اصدقاء العروسين




فتح شريف عينيه في دهشة مصطنعة وقال:




_كمان هتلبسونا ع مزاجكم ! ده مش فرح ده




أشارت إليه مي بإصبعها محذرةً:




_مش عاجبك متجيش شششششش




رد شريف وهو يضع يده على صدره:




_ايه ياختى ! ده انا اجى وانتى لا. انا ليا فوسام اكتر منك يا قطة




تدخل وسام ضاحكًا حتى يقطع وصلة المزاح:




_بس بقى خلينا نشوف بقية الترتيبات




أومأت مريم، ثم تابعت شرحها:




_هتملو اسماء المدعويين هنا ، الجيرب بقى يا وسام انت هتجيبه هدية ع ذوقك بس يكون ف ورد ازرقات تمام!




أجابها مباشرة:




_تمام




ثم أكملت وهي تشير إلى الجدول الموضوع أمامها:




_الساعه 12 الضهر هيبتدى الفرح .. هنكون كلنا فاليخت من 10 والعرسان من قبل كده ان امكن عشان التظبيطات




ثم دفعت إليهم صندوقًا صغيرًا، وقالت:




_هتملو التشست ده بالاغانى الى عايزينها




ابتسم شريف بخبث، وقال:




_اكتب اغنية هنروح المولد والنبى يا وسام




نظر إليه وسام ضاحكًا، ثم قال:




_مولد ! حاضر اقعد ساكت بقى




ضحك شريف وهو يهز كتفيه:




_هو انت بتسكت ابن اختك ياض




ألقت مريم عليه نظرةً سريعة، ثم عادت تكمل حديثها:




_هنعمل كام حاجة كده فالفرح بعد بكرة تيجو عشان ادربكم عليها .. يعنى قبل الفرح بيوم




اتسعت عينا شريف في دهشة، وقال:




_تدريب! ده فرح ايه ده ياخواتى




ابتسمت ليلى، ثم أوضحت له:




_يابنى افهم .. فكل البلاد المتقدمة بيبقى الفرح زى كده تدريبات وتحضيرات




لوح شريف بيده مستنكرًا:




_هى مسرحية ! ده انا والبت امنية دخلنا ولعناها ولا اتدربنا ولا حاجة




قهقهت مي، ثم قالت بثقة:




_يابنى احنا حاجة وانتو حاجة ، انت عايز تجيب فرحنا لفرح اى حد




رفع حاجبه وقال في مزاح:




_انتى تطولى يا هبله




لوحت له بيدها وهي تبتسم:




_امشى




أغلقت مريم الملف أمامها، ثم قالت وهي تنظر إليهم جميعًا:




_خلاص اوك عرفتو هتحجزو ايه وهتعملو ايه ؟! عالعموم


هيبقى فرح هايل ان شاء الله Congratulations




ابتسمت مي بسعادة، وقالت:




_ميرسى يا مريوم عقبالك




وأضاف وسام ممتنًا:




_شكرآ يا مريم ليكى




سادت الأجواء حالةٌ من الحماس والبهجة، فقد بدا أن كل تفصيلة أصبحت في موضعها الصحيح، وأن حلمهما الصغير بدأ يتشكل شيئًا فشيئًا، حتى صار أقرب إلى الحقيقة منه إلى الخيال.


❈-❈-❈


ودّعوا مريم بعد أن انتهوا من جميع الترتيبات، ثم انطلقوا إلى محال فساتين الزفاف، حيث كانت مي على موعدٍ مع حلمٍ آخر طالما رسمته في خيالها.




كانت تتنقل بين الفساتين واحدًا تلو الآخر، تقيس هذا، وتتأمل ذاك، ثم تتركه لآخر أجمل منه. أحدها بدا واسعًا، وآخر طويلًا أكثر مما ينبغي، وثالث لم يبدُ كما تخيلته وهي ترتديه.




وكان الجميع يشاركها رحلة البحث؛ ليلى وسهر لا تكفان عن إبداء الرأي، ووسام يراقبها من بعيد بابتسامةٍ هادئة، يكتفي بالنظر إليها وهي تتقلب بين الفساتين، وكأن كل ما يعنيه أن يراها سعيدة.




وأخيرًا...




وجدته.




الفستان الذي توقفت أمامه طويلًا، وكأنها أدركت منذ اللحظة الأولى أنه هو، لا غيره.




كان بلونه الأزرق التركي، تمامًا كما اقترحت مريم، يفيض رقةً وأناقة، ويمنحها هيئةً أقرب إلى الأميرات.




ارتدته، ثم خرجت به إليهم.




ساد الصمت لثوانٍ.




وقف وسام يتأملها مأخوذًا، وقد انعقدت الكلمات في حلقه، بينما تبادلت ليلى وسهر نظرات الإعجاب، ولم تنتظرا كثيرًا قبل أن تنهالا عليها بعبارات الثناء.




التقطت ليلى هاتفها سريعًا، وبدأت تلتقط لها الصور من كل زاوية، بينما كانت سهر تعدل الفستان بين حينٍ وآخر، حتى خرجت الصور في أبهى صورة.




ولم تستطع مي مقاومة حماسها، فنشرت إحداها على الفور عبر صفحتها، وكتبت أسفلها:




"ده فستانى .. لولولولولولولى!"




انهالت التعليقات والتهاني في دقائق معدودة، وامتلأت الصفحة بقلوبٍ حمراء وكلماتٍ تتمنى لها السعادة.




أما وسام، فقد اتجه بعد ذلك ليختار بدلته.




استقر اختياره على البدلة التي رشحتها مريم، ثم اشترى ربطة العنق، وبعدها مرّ على أحد محال النظارات ليختار إطارًا جديدًا يناسب إطلالته في الخطبة.




وبين متجرٍ وآخر، وضحكةٍ وأخرى، مضى اليوم سريعًا، حتى عاد الجميع إلى منازلهم وهم يحملون قدرًا كبيرًا من السعادة، وكأنهم عاشوا يومًا من تلك الأيام التي تبقى عالقةً في الذاكرة مهما مرّت الأعوام.




لكن...




ورغم كل ما أحاط وسام من فرح، ورغم ابتسامته التي لم تفارق وجهه طوال اليوم، ظل هناك فراغٌ صغير يثقل قلبه.




كان عقله يعود بين الحين والآخر إلى والده.




يتساءل في صمتٍ عن حاله، ويتمنى لو يطمئن عليه، أو يسمع صوته، أو يعرف إن كان بخير.




غير أنه آثر أن يحتفظ بذلك القلق داخل صدره، ولم يشأ أن يُشعر مي بشيءٍ منه، حتى لا يعكر صفو يومٍ طالما انتظرته، أو يسرق من عينيها تلك الفرحة التي استحقت أن تعيشها كاملة.


❈-❈-❈


كان للفرح وجوهٌ متعددة...




وجهٌ يبتسم حتى تدمع عيناه من شدة السعادة، ووجهٌ آخر يبتسم كي يخفي انكسارًا لا يراه أحد.




---




بعد أن أنهت دنيا مكالمتها مع ليلى، بقي الهاتف بين يديها طويلًا، بينما راحت تحدق في الفراغ كأنها لا ترى شيئًا.




كانت الكلمات التي سمعتها قبل قليل تتردد في رأسها بلا رحمة:




وسام بيختار شبكته... كتب كتابه بعد يومين.




عبارةٌ قصيرة، لكنها كانت كفيلة بأن تهدم داخلها أعوامًا كاملة من الذكريات.




مدّت يدها نحو وسادتها الوردية الصغيرة، تلك التي كُتب عليها بخيوطٍ ناعمة:




دنيا & وسام




كانت قد صُنعت لهما أيام خطبتهما، وحين افترقا تركتها دنيا في بيت والدها، ولم تستطع يومًا أن تتخلص منها، وكأنها كانت تتمسك بما تبقى من حلمٍ مات قبل أن يكتمل.




احتضنت الوسادة إلى صدرها، وأغمضت عينيها.




وفي لحظة...




انطلقت الذكريات تتوالى أمامها، كأنها شريطٌ سينمائي يعرض أجمل ما مضى.




صوته...




ضحكته...




كلمةٌ رقيقة قالها في يومٍ عابر...




هديةٌ اشتراها لها دون مناسبة...




موقفٌ صغير كانت تضحك عليه حتى تدمع عيناها...




كل شيءٍ عاد دفعةً واحدة.




أما فكرة أنه أصبح على أعتاب الزواج، فلم تكن بالبساطة التي حاولت أن توهم بها ليلى.




هي نفسها من طلبت الانفصال...




هي نفسها من أصرت عليه...




لكن الحقيقة كانت أقسى من كل التوقعات.




فثمة فارقٌ شاسع بين أن تنطق القرار بلسانك، وبين أن تراه يتحول إلى واقعٍ لا سبيل إلى تغييره.




نهضت ببطء، ثم صعدت فوق مقعدٍ صغير، ومدّت يدها إلى أعلى خزانتها.




في آخر رف، كان يرقد صندوقٌ قديم، لم تفتحه منذ زمن.




أنزلته بحذر، ثم أزاحت غطاءه.




داخل الصندوق كانت ترقد بقايا حياةٍ كاملة.




صور...




أوراق...




تذكارات صغيرة...




وفي إحدى الزوايا، استقرت علبةٌ بالغة الصغر.




فتحتها برفق، فأخرجت منها حافظة بطاقة ذاكرة.




كانت تعلم جيدًا ما بداخلها.




وضعتها في هاتفها، ثم أخذت تتنقل بين الملفات حتى توقفت عند تسجيلٍ صوتي.




مكالمة...




كانت تجمعها بوسام.




اعتادت دنيا، منذ أيام خطبتهما، أن تحتفظ بمكالماتهما الصوتية، وتعود إليها كلما اشتاقت إليه، أو خاصمها، أو شعرت أن المسافات بدأت تكبر بينهما.




كانت تحفظ نبرة صوته كما يُحفظ الدعاء.




وكانت تستمع إلى كلماته مراتٍ لا تُحصى، حتى إنها كادت تحفظها عن ظهر قلب.




أما وسام، فلم يكن يحب فكرة الاحتفاظ بالمكالمات، وكان بطبعه قليل الحديث عبر الهاتف، لا يطيل المكالمات إلا بقدر ما يطمئن عليها، ثم يغلق الخط.




لكن تلك الدقائق القليلة...




كانت بالنسبة إليها تساوي الدنيا وما فيها.




ضغطت على زر التشغيل.




فانساب صوته من سماعة الهاتف، حيًا كما لو أنه يجلس إلى جوارها.




كان يقرأ لها بيتين من الشعر، بعدما استوقفه وجود اسمها بين كلماته:




"يبكى الحبيب فدنيا الحب باكية .. والطير من حزنه تبكى اغانيه


وبان قطر الندى من كل نرجسه كأن الدمع والازهار تواريه"




ثم جاء صوت وسام، مفعمًا بالود:




شايفه فالشعر بيقول دنيا الحب




ابتسمت دنيا داخل التسجيل، وأجابته بخجل:




ايوة ..




قال لها بحنان:




كأنه عارفك انك دنيا الحب .. لفت نظرى قلت اقولهولك




فهمست بسعادةٍ لم تستطع يومها إخفاءها:


ميرسى ليك اوى يا وسام


ضحك بخفة، ثم قال تلك الكلمات التي ما زالت محفورةً في قلبها:


هفضل احب كسوفك ده ع طول لحد م نعجز ونكرمش ونجوز ولادنا .. هفضل احب كسوفك منى


توقفت دنيا عن تشغيل التسجيل.


ساد الصمت.


لم تعد قادرة على الاحتمال.


ضمت الهاتف إلى صدرها، ثم قبلته ببطء، وكأنها تبحث في برودته عن دفءٍ فقدته إلى الأبد.

استلقت على وسادتها، وما إن أغمضت عينيها حتى انزلقت دمعةٌ ساخنة فوق خدها، واستقرت على الوسادة التي ما زالت تحمل اسميهما.


ثم همست بصوتٍ بالكاد سمعته هي نفسها:


"وأنا هفضل طول عمرى أحبك... والله!!"..


                   الفصل الثامن من هنا 

          لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة