
رواية أنا هبقى مرات حضرته ج2 الفصل الثاني عشر 12 بقلم نور إسماعيل
«بابا، أنا متأكد من رحمة ربنا، وهتطلع كويس بمشيئة الله.»
كانت كلمات وسام تلك بلسمًا على قلب والده، قبل أن يدخل غرفة العمليات بدقائق.
سلَّم عليهم، ثم توكل على الله.
كان شريف، وليلى، ووالدة وسام، ووسام...
جميعهم يقفون في انتظار خروج والد وسام من غرفة العمليات.
فالرضا بما يقدره الله هو خير ما يتمسك به الإنسان.
أما وسام، فلم يكن قلقًا، فقد ظل واقفًا يستغفر الله، ويقرأ ما يحفظه من القرآن، يفسره في نفسه.
وأحضر له شريف عصيرًا، له ولوالدته، حتى يهدآ قليلًا.
شريف: والله هيبقى زي الفل، ويقوم زي الحصان. أبوك ده راجل من زمن السمنة البلدي، وشرب اللبن الطازة على الصبح. ناس صحتهم عافية، مش إحنا يا راجل، شوية برد بنترحل على القرافة عدل.
وسام: (ينظر إليه بنصف ابتسامة) الله المستعان.
ليلى: يارب يا خالو تقوم بالسلامة، يارب.
الأم: هو بس يقوم ويدخل شقته تاني ينورها، والله وأنا أعمل اللي ما يتعملش.
وسام: أنا حاسس إن بابا هيبقى كويس، وتعدي على خير... عندي حسن ظن بالله.
الأم: ونعم بالله.
═════•••═════
كان صوت التلفاز يوشوش في أرجاء الشاليه...
ولا أحد مستيقظ ليشاهده!
فقد نامت مى بعد الفجر، وغلبها النوم أمام التلفاز، وتركته يعمل وحده.
أما هاتفها، فظل يرن مرةً تلو الأخرى...
وهي لا تسمع شيئًا.
كأنها غارقة في بحر من النوم.
كانت أمنية تحاول الاتصال بها في أمر ضروري، بعدما اتصلت بها سهر في الليلة الماضية لتعرف ما الذي حدث بينها وبين وسام، فأخبرتها أمنية بكل شيء.
لكن سهر، بعقلانيتها، اتصلت بعد ذلك بوسام تعتذر له عن تصرف أختها السخيف، وحاولت أن تفهم منه سوء التفاهم، والحلقة المفقودة لدى مى.
وبعدما عرفت الحقيقة كاملة، وعلمت أن والد وسام سيدخل العملية صباحًا...
اتصلت بمى أكثر من عشرين مرة...
لكن بلا جدوى.
فاضطرت أن تطلب من زوجها إيهاب أن يوصلها إلى شاليه والدهم في الإسكندرية فورًا.
ظل الجرس يرن...
والباب يُطرق...
ولا...
أي رد فعل.
ازداد قلق سهر.
وبعد محاولات طويلة من الطرق والرنين...
فتحت لها مى الباب.
مى: أيوة... مييييين؟
سهر: افتحي يا مى... إيه ده!
مى: مين؟... سهر؟ (فتحت الباب) ادخلي... ادخلي. (تفرك عينيها وتحاول أن تستيقظ)
سهر: طبعًا نايمة، ولا على بالك.
مى: (ببرود) طيب، الشاليه شاليهك... أنا هدخل أكمل نوم بقى.
سهر: تعالى هنا.
مى: إيييييه يا سهر؟
سهر: نايمة هنا، ومرتاحه وكويسة... وحماكي في أوضة العمليات.
مى: إيه؟!
════════•••════════
خرج الطبيب، وعلى وجهه علامات الاطمئنان.
وسام: إيه يا دكتور... الأخبار؟
شريف: طمنا يا دكتور، الله يطمنك.
الدكتور: الحمد لله، استأصلنا الورم، ووالدك زي الفل، والعملية عدت على خير.
الأم: يا منت كريم يا رب... أحمدك يا رب، وأشكر فضلك.
ليلى: الحمد لله.
وسام: الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهك، ولعظيم سلطانك.
وبعد ربع ساعة...
دخلوا إلى الغرفة التي نُقل إليها والد وسام.
كان جالسًا هادئًا، وعلى وجهه ابتسامة رضا.
وسام: (يقبل يد والده ورأسه) حمد لله على سلامتك يا بابا.
الأب: الحمد لله.
وسام: والله فرحان أوي. (اغرورقت عيناه بالدموع)
الأم: حمد لله على سلامتك يا عاصم... كلنا من غيرك ولا حاجة والله.
ليلى: أيوة يا طنط.
شريف: حمد لله على السلامة يا عم عاصم... شدة وزالت بقى، خلاص.
وأثناء حديثهم...
دخل صوت طقطقة حذاء نسائي...
تحمل باقة ورد...
شيرين.
══════•••══════
مى: (جالسة على الكرسي، مذهولة) أنا معرفش كل ده.
سهر: عشان غبية، ومبتفهميش.
مى: بس هو... هو سابني يا سهر.
سهر: سابك إيه؟! بقولك أبوه كان بيموت... ولاح يتصرف ليكي وليه؟
والطبيعي إنه يحل مشكلة أبوه الأول، وبعدها إنتِ.
ما هو لو مكانش فيه خير في أبوه، مش هيكون فيه خير فيكي.
مى: إيه ده؟! ده أنا طلعت زبالة أوي.
سهر: وخلي بالك... إنتِ لسه في البدايات معاهم.
متخليهمش يكرهوكي.
لازم تبطلي أنانيتك، وحبك لنفسك، وتفكري صح.
مى: (بطفولة) يعني أعمل إيه؟
سهر: تبطلي تسرع وعصبية، وتفهمي اللي قدامك.
إيه فاكرة الجواز إيه؟
حب، وخروج، وكلام حلو، ونحنحة بس؟
لا...
الجواز مسؤولية.
مسؤولية راجل، إنتِ كل حياته، وهو كل حياتك...
تسمعيه، وتقفي جنبه.
مى: بس ده جه امبارح هنا، وقالي كلام وحش أوي.
سهر: حقه!
يتعصب، ويديكي بأقدم شوز عنده، وتبقي مبسوطة.
مى: نعم؟!
سهر: ما هو التخلف في تفكيرك ده لازم يتنضف.
أمال وافقتي تتجوزيه ليه؟
عشان هو واد أمور، وكلهم متغاظين منك، وإنتِ بس اللي هتتجوزيه؟
وابن ناس، وهيخرجك، ومستحمل جنانك؟
لو شايفة إن ده الجواز...
يبقى تسيبوا بعض أحسن.
مى: على فكرة بقى، إنتِ جاية عليا أوي.
سهر: عشان غلطانة يا مى.
مى: تاني هتقولي غلطانة؟
ده بيحن لخطيبته القديمة يا سهر، ولسه بيكلمها.
سهر: عندك دليل على ده؟
مى: أيوة.
سهر: يبقى الأول تقفي جنبه لغاية ما يعدي اللي هو فيه.
وبعدها عاتبيه بحب واحترام، واسمعي وجهة نظره.
لكن اللي بتعمليه ده اسمه عيلة.
مى: (سكتت، ونظرت إلى الأرض، وامتلأت عيناها بالدموع) هو مبقاش بيحبني.
سهر: لا...
لسه بيحبك.
بس وسام مخنوق.
لازم تكوني أول واحدة تقف جنبه.
ميحتاجلكيش وميلاقيكيش.
ومتخليش حد يتكلم عنك وحش.
يلا قومي...
إيهاب قال هيلف لفة ويرجع ياخدنا.
خلينا نلحقه.
══════•••══════
ليلى: تعبتي نفسك يا أستاذة شيرين والله.
شيرين: هو صحيح أنا زميلة جديدة، بس وسام مقداره عندي كبير أوي. (تنظر إليه بحب)
وسام: ربنا يخليكي يا شيرين.
الأب: شكرًا ليكي يا بنتي.
الأم: (تهمس) مجاتش من مرات ابننا.
خرج وسام ليطلب شيئًا لشيرين بعدما سمع همس والدته.
ولحقت به شيرين.
شيرين: وسام.
وسام: نعم؟
شيرين: أنا دفعت باقي حساب المستشفى.
وسام: (تغير وجهه)
شيرين: إيه؟ وشك اتغير كده ليه؟
أولًا إحنا اتفقنا إننا إخوات.
ثانيًا اعتبره من حساب الشقة... وهو كله يجمع في الآخر.
وسام: شيرين... أنا مش عارف...
شيرين: إنت فعلًا مش عارف يا وسام. (نظرة حب)
وسام: مش عارف إيه؟
أنا كنت أقصد إني مش عارف أشكرك إزاي، وإنك وقفتي جنبي.
شيرين: أحم...
ما أنا بقصد كده برضه.
إنك مش هتعرف، لأن الإخوات مش بيشكروا بعض.
خرج شريف، بعدما اشتعلت الغيرة في داخله.
شريف: إيه يا جماعة؟ مالكم واقفين كده ليه؟
شيرين: لا، أنا داخلة جوه عند عمو أهو.
وسام: خليك معاهم يا شريف... أنا هروح أطلب حاجة، وجاي.
بدأت الشكوك تتسلل إلى قلب شريف، وأخذ يضيق بتصرفات شيرين، وبأن وسام بدأ يعاملها بطبيعية، بعدما كان لا يعطيها أي اهتمام.
══════•••══════
كانت مى وسهر في الطريق.
مى: تفتكري أجيب ورد، وأروحله الساعة الفقرية دي... ولا؟
وقبل أن تجيبها سهر...
مى: لا لا لا... مش هجيب غير ورد لعمو... أنا مش عايزة أصالحه أصلًا.
سهر: يووه عليكي يا مى... شكلك هتعميها.
وبحلول الوقت الذي وصلتا فيه...
كانت شيرين قد غادرت.
وبدأ بعض زملاء وسام في العمل يأتون لزيارة والده.
وسام: والله ما كان ليه لزوم اللي إنتوا عاملينه ده كله.
زميل 1: يا ابني، أصلًا إنت مبتتكلمش.
نعرف بالصدفة إنك أخدت النهارده إجازة عشان عمي هيعمل عملية.
زميل 2: ده واد ندل... متعبروش.
شريف: لا، كان جاب ميكروفون وقال: يا ولاد الحلال، أبويا هيعمل عملية، فاللي يقدر يكرمش خمسينية، يبقى الله يكرمه بصراحة.
زميل 1: هههههههههه.
زميل 2: مانت ندل برضه زيه... عارف، ومقولتش.
يقول إيه دلوقتي؟ مبنعرفش في الواجب.
كان والد وسام يسمع حديثهم، ويبتسم في تعب.
شريف: بقولك إيه يا عم إنت وهو... وقتكم خلص.
يلا، شربتوا العصير؟ غوروا بقى.
ليلى: بس يا شريف. هههههه.
زميل 1: طب بالعند فيك، لأ.
على فكرة يا وسام... بقية الزملا جايين بكرة لما عمو يروح البيت.
دخلت الممرضة عليهم.
الممرضة: لو سمحتم، كل الموجودين يتفضلوا بره، عشان يرتاح المريض.
خرج الجميع.
وبعدما استمع وسام إلى تعليمات الطبيب، وعلم أن والده سيبقى الليلة مع المرافق، وسيخرج غدًا...
أخبر ليلى ألا تذهب إلى صديقتها، وأن تبيت في شقتهم، بينما سيذهب هو للمبيت عند شريف.
صعد شريف إلى منزله.
أما وسام، فقال إنه سيمر أولًا على شقته، ثم يذهب إليه.
في ذلك الوقت...
كانت مى قد وصلت إلى القاهرة.
واتصلت بشريف.
مى: إنت لما حصل ده كله مع وسام، مقولتليش ليه؟
شريف: هو إنتِ اديتي فرصة لحد؟
داخلة زي المترليوس... وررك وررك ورا بعض.
مى: طيب، إنتوا فين دلوقتي؟
شريف: أنا روحت، ووسام روح ينام. (ولم يخبرها أنه سيبيت عنده)
مى: وعمو عاصم؟
شريف: كويس الحمد لله، عمل العملية، بس الدكتور منع الزيارة، ومعاه طنط بس.
خلاص، استريحتي؟ عايزة حاجة تاني؟
مى: خلاص... روح إنت.
استدارت مى إلى سهر.
مى: ممنوعة الزيارة.
سهر: هاتي بوكيه ورد، واكتبي اسمك عليه، وسيبيه يدخل لعمو.
بس اسمك... عملتي الأصول.
مى: طويب.
اشترتا باقة ورد، وذهبتا إلى المستشفى، وسلمتها للممرضة لتضعها في غرفة المريض.
الأم: ده من مى... مرات ابنك.
الأب: (بصوت متعب) فيها الخير.
الأم: فيها الخير إيه؟
اللي مجتش تسأل عنك، ولا وقفت مع ابنك في شدته؟
يا خويا، بلا خيبة.
الأب: إنتِ متعرفيش إيه اللي حاصل بينهم يا ستي.
الأم: طيب، خليك إنت دايمًا مدافع عنها كده، وجاي على ابنك.
الأب: ابنك بيحبها.
متتكلميش عنها كده قدامه، عشان ميتضايقش.
الأم: طب والله أنا حاسة إن ابنك فايض بيه منها.
الأب: ربنا يهدي سرهم، ويهديهم لبعض.
═════•••═════
وسام...
بعد تعب، وإرهاق، وأعصاب متوترة...
قرر أن ينام...
ويغلق هاتفه قليلًا، بعيدًا عن الصداع والضغط العصبي.
ومن حقه...
فقد مضت ثلاثة أيام لم يذق فيها طعم النوم.
هيأ له شريف الجو، وتركه وحده في الغرفة.
أما مى...
فعادت إلى شقتها، ثم قررت أن تذهب وتطرق باب وسام؛ لأنها تذكرت أنه وليلى وحدهما في الشقة.
ليلى: أيوة... جاية.
مى: (أيوة يا أختي، تعالى افتحي يا عينك يا جبايرك.)
ليلى: مى... تعالى.
مى: فين وسام لو سمحتي؟
ليلى: وسام مش هنا.
مى: والله؟
شريف قالي إنه هنا.
يا وسام!
ليلى: إيه ده؟ فيه إيه؟
والله مش هنا.
كان هنا، ومشي يبات عند شريف.
مى: إنتوا هتلاعبوني ولا إيه؟
ليلى: نلاعبك إيه؟
مالك بتتكلمي كده ليه يا مى؟
مى: والله بعد كده، كل واحد هيتعامل المعاملة اللي تناسبه.
ليلى: مش فاهمة حاجة.
مى: يستحسن بعدين تفهمي.
بس أحب أهنيكي...
إن مخططك ماشي مظبوط، ونجحتي، والحمد لله.
يلا، زغردي، وفرقي الشربات.
ليلى: مخطط إيه؟
إيه اللي إنتِ بتقوليه ده؟
إنتِ سخنة ولا حاجة؟
مى: لا، مش سخنة يا ليلى.
وعيب أوي الحركات دي.
إنتِ مترضيش حد يعمل معاكي كده.
ولو بتحبي حد، وخلاص اتخطبتوا...
مش هترضي أبدًا حد يفرق بينكم بالطريقة الرخيصة دي.
ليلى: طب ممكن تدخلي نتكلم جوه؟
أنا قاعدة وحدي...
وتفهميني في إيه؟
مى: أوك... هدخل.
دخلت مى...
وأول ما وقعت عيناها على الدبدوب...
توقفت.
فهي لا تعرف أنه دبدوبها.
مى: هي كلمة واحدة...
لما هو لسه بيحبها...
خطبني أنا ليه؟
وسابها ليه من الأول؟
ليلى: اللي هي مين طيب؟
مى: دنيا!
هو في غيرها؟
ليلى: دنيا؟
مين قال كده؟
وهو لو عايز يسيبك، ويتجوزها هي...
كان عمل ده كله ليه؟
مى: وهو إيه اللي عمله...
غير إنه سابني في عز محنتي، عشان بيتلككلي.
(تنظر إلى الدبدوب)
وتلاقيه جايبلها الدبدوب ده هدية صلح بعد الفراق.
ليلى: هههههههههه...
الدبدوب ده بتاعك يا هبلة.
مى: إيه؟!
فجأة...
تغير وجهها.
وارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيها.
ثم جرت نحو الدبدوب، واحتضنته، وأخذت تقبله.
ليلى: (تنظر إليها باستغراب)
فعلًا...
وسام اتجوز طفلة...
مش أكتر!.