
رواية أنا هبقى مرات حضرته ج2 الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم نور إسماعيل
كانت خطواتهما هادئة في ظاهرها، لكن ما بينهما لم يكن يحمل شيئًا من الهدوء. كانت مي تمشي إلى جواره وهي تخفي خلف صمتها عاصفة كاملة، بينما كان وسام لا يزال مثقلًا بما عاشه في الأيام الماضية، ولم يكن يدرك أن هذه الدقائق القليلة ستدفع كل شيء بينهما إلى حافة جديدة.
وقبل أن تغادر، توقفت مي.
بدت للحظة وكأنها تتردد بين أن ترحل بما في قلبها، أو أن تواجهه بما ظل يحرقها منذ اللحظة التي رأته فيها مع دنيا. كانت عيناها تحملان شيئًا من الانكسار، لكن خلف ذلك الانكسار كان هناك غضب متراكم، وشعور بأنها لم تعد قادرة على ابتلاع المزيد.
مى: هو انا مقولتلكش؟
وسام: ايه؟
خرج السؤال منه عاديًا، دون أن يعرف ما الذي تخبئه له تلك الوقفة المفاجئة. أما هي، فكانت قد وصلت إلى الجملة التي ظلت تتردد في رأسها منذ رأتهما معًا.
مى: طلقنى !!!!
هبطت الكلمة بينهما كأنها شيء ثقيل سقط فجأة في مساحة الصمت.
لم تكن مي تقولها لأنها لا تزال هادئة، بل لأنها وصلت إلى أقصى ما تستطيع احتماله. كان كل ما حدث، وكل ما سمعته، وكل ما رأته، وكل ما قيل لها، قد تراكم داخلها حتى لم يعد لديها سوى هذه الكلمة لتدفع بها عن نفسها ذلك الوجع.
أما وسام، فبدا للحظة وكأنه لم يفهم.
ثم جاءت ردة فعله محملة بتعب الأيام، وبالضغط الذي يحيط به من كل جانب، وبحالة نفسية لم تعد تحتمل صراعًا جديدًا.
وسام: اطلقك! ده حوار جديد بقى يامى
بقولك ايه (بيعد ع صوابعه) انا تعبان
ومخنوق
وفضغط
واحوالى م يعلم بيها الا ربنا
ف مش ناقص حوراتك يامى
لم تكن كلماته بالنسبة إلى مي مجرد رد غاضب؛ كانت بالنسبة إليها صفعة أخرى فوق جرح مفتوح. فقد جاءت في اللحظة التي كانت تحتاج فيها إلى أن يشعر بها، أن يسألها لماذا قالت ذلك، وأن يحاول فهم ما الذي أوصلها إلى هذه النقطة.
لكنها لم تجد سوى رجل منهك يطلب منها ألا تزيد أعباءه.
الام: لا ازاى ، لازم تنكد عليك مهما حصل وتتنطط وتعمل فيها زعلانة عشان تجرى ع بوزك وتصالحها
كانت كلمات الأم تزيد النار اشتعالًا، وكأن مي لم تكن بحاجة إلى المزيد من القسوة. كان وجودها في البيت، ومكانتها التي كانت تتمنى أن تكون آمنة، قد تحولا في هذه اللحظة إلى مساحة تشعر فيها بأنها مرفوضة ومهانة.
مى: لو سمحتى ياطنط!
انتى اهنتينى بما فيه الكفايه، وانا فبيتك
وقلت زى مامتى واتخرست وحطيت جزمة فبوقى
كان صوتها يحمل غضبًا مكبوتًا منذ وقت طويل. لقد تحملت كلام الأم من قبل، وصمتت مراعاةً لوسام ولظروفه، لكنها الآن شعرت أن صمتها لم يعد يحمي أحدًا، وأن كرامتها هي الأخرى أصبحت بحاجة إلى أن تدافع عنها.
ليلى: طب والنبى صلو عالنبى .. تعالى ادخلى يامى متتكلموش عالباب
حاولت ليلى أن تمنع المواجهة من أن تتسع أكثر، وأن تسحب الجميع بعيدًا عن الباب وعن لحظة قد تخرج فيها الكلمات عن السيطرة. كانت ترى مي أمامها في حالة انهيار، وترى وسام مثقلًا بما يكفي، وتعرف أن أي كلمة أخرى قد تجعل الأمور أكثر سوءًا.
وسام: انا عايز افهم فيه ايه ؟
كان السؤال هذه المرة يحمل حيرة حقيقية. فقد شعر أن وراء طلبها بالطلاق شيئًا لا يعرفه، وأن غضبها لم يأتِ من فراغ، لكنه لم يكن قد وصل بعد إلى الحقيقة التي وصلت إليها هي.
مى: الكلام عندك انت مش عندى
انت الى تفهمنى ليه كده
عملتلك ايه
ده شريف الكلب صاحبك لما عملها انت بهدلته وبعدت عنه
تقوم انت الى تعمل كده معايا
كانت تحاول أن تجعله يرى الصورة من مكانها هي؛ أن يفهم كيف بدا الأمر في عينيها، وكيف أصبحت تشعر بأنها تعاقب على شيء لم تفعله، بينما الشخص الذي أحبته وتغيرت من أجله هو نفسه من جعلها تقف الآن أمامه مكسورة.
وسام: شريف ايه وزيه ايه انا مش فاهم حاجة
مى: هو انت ليه بتحسسنى بدور البرئ ده كتير
ع فكرة
انا بطلت جنان من زمان
لانى لو كنت لسه مجنونة.. كنت جبت السنيوريتا الى كانت معاك من شعرها ومسحت بيها الارض
عشان المفروض انك راجل متجوز
وكان زماننا فبيت واحد لولا الى حصل
كانت الكلمات تخرج منها بعنف، لكن خلف هذا العنف كانت تختبئ غيرة موجعة وشعور بالخيانة. هي لم تكن ترى أمامها مجرد امرأة جلس معها؛ كانت ترى المرأة التي كانت يومًا جزءًا من ماضيه، وترى نفسها في الجهة الأخرى، تحاول أن تفهم لماذا أصبحت هي الآن خارج الصورة.
وسام: (هز راسه عرف) اه، انتى عرفتى انى كنت مع دنيا
مى: انا شوفت!!
طلبت ابطل جنان وبطلت.. كل حاجة طلبتها انا عملتها
بقيت نسخه من كائن انت عايزه بالظبط
غيرتنى وانا الى طول عمرى بتمشينى دماغى مش حد تانى
مكنتش عايزه ارتبط
جيت انت
وحنيت عليا
وكنت الايد الى بتطبطب فالوقت الى انا كنت فيه لوحدى
حبيتك.. اوى
(بتعيط وهى بتتكلم)
انفلتت دموعها وهي تتحدث، وكأنها لم تعد قادرة على حمل الكلمات داخلها أكثر من ذلك. كانت تستعيد أمامه كل ما فعلته من أجله، وكل مرة تخلت فيها عن عنادها، وكل مرة اختارت أن تتغير لأنها أرادت أن تكون المرأة التي يحبها.
لم تكن تريد أن تقول له إنها تغيرت فحسب؛ كانت تريد أن يفهم أنها سلمته قلبها وهي تثق بأنه لن يؤذيها، وأن أكثر ما يؤلمها الآن أن اليد التي كانت تطبطب عليها في وحدتها أصبحت، في نظرها، اليد التي تدفعها بعيدًا.
وسام: يوووووووووووه يا مى
خلاص
سمعت كل ده
شكرآ للتضحية ياستى
بس ع فكرة انا مكنتش بخونك
انا كنت بحاول افهم موقف ليه سنين
ع واحدة فضلتنى ع نفسها وسعادتها وراحتها
فضلتنى ع انها تعيش طول عمرها مبسوطة مع حد بتحبه.. بس عشان متتعبوش معاها
كان وسام يتحدث من موقع آخر تمامًا؛ موقع رجل يحمل في داخله ارتباكًا بين ما عاشه مع مي وما اكتشفه عن دنيا. بالنسبة إليه لم تكن المقابلة خيانة، بل محاولة لفهم ماضٍ ظل مغلقًا لسنوات.
لكن مي لم تكن قادرة على رؤية كل ذلك.
كانت ترى النتيجة فقط، وترى نفسها واقفة أمام رجل اختار أن يجلس مع امرأة أخرى، بينما هي التي كانت تنتظر صوته وحضوره.
مى: والله برافو! حقيقى برافو
هى فين اروح ارقعلها زغرودة، ولا ارقصلها 10 بلدى يمكن ينفع
تقديرآ لجهود حضرتها
محدش قلها تعمل كده
دلوقتى بقت دنيا حلوة
ومى زفت ونيلة وقطران
وفين بقى كلامك.. وانتى بس الى رجعتينى اضحك تانى وانتى الدنيا
وانتى الوجود
وبعدك مافيش ناس
ولا انت زى صاحبك
الكلام عندك مش بفلوس
كانت سخريتها تخفي وراءها ألمًا حقيقيًا. كل جملة قالتها كانت تستدعي وعدًا قديمًا أو كلمة قالها لها من قبل، وكأنها تحاول أن تواجهه بكل ما جعلها تصدق أن مكانتها عنده لا يمكن أن تتغير.
كانت تشعر أنها لم تخسر رجلًا فقط، بل خسرت الصورة التي بنتها عنه في قلبها؛ صورة الرجل الذي قال لها إنها عادت تضحك بسببه، وإنها الدنيا والوجود، ثم وجدته الآن يتحدث عن امرأة أخرى وكأن كل ما كان بينهما أصبح قابلًا للمحو.
وسام:مى! عايزة ايه من الاخر
مى: تطلقنى
كانت الإجابة واضحة، بلا التفاف هذه المرة. فقد وصلت إلى النقطة التي لم يعد فيها العتاب قادرًا على التعبير عما بداخلها، ولم تعد تملك سوى طلب واحد، ظنت أنه سيضع حدًا للألم الذي تعيشه.
وسام: اوك.. روقة طلاقك هتوصلك ف اقرب وقت
دخل غرفته وتركها عند الباب، غير أن ما حدث لم يكن بالنسبة إلى مي نهاية عادية لمشادة بين اثنين.
وقفت للحظات، مذهولة من سرعة استجابته، ومن برودة رد فعله كما رأته، ومن أنه لم يحاول إيقافها، ولم يسألها أن تتراجع، ولم يمنحها حتى المساحة التي كانت تتوقع أن يمنحها لها رجل أحبها يومًا.
شعرت أنها بيعت بسهولة.
وأن كل ما بذلته، وكل ما غيرته في نفسها، وكل ما احتملته، لم يكن كافيًا لأن يجعله يتمسك بها في تلك اللحظة.
نظرت إليها أمه من أعلى إلى أسفل، ثم تحركت وغادرت دون أن تقول شيئًا.
أما ليلى، فجاءت إليها تحاول أن تطبطب عليها، ربما لتمنحها شيئًا من الحنان في لحظة لم تعد مي تحتمل فيها المزيد.
لكن مي أبعدت يدها بعنف.
ثم مضت وهي تبكي.
كانت تبكي وهي تشعر أن الجميع تركها وحدها في لحظة كانت تحتاج فيها إلى يد تمتد إليها، وإلى كلمة تقول لها إن ما يحدث ليس نهاية كل شيء.
لكنها لم تسمع شيئًا.
#بقلم_نوراسماعيل
=========•••==========
لكن دنيا، حين عادت إلى البيت، لم يكن في أذنيها شيء سوى كلمات وسام، وبالأخص...
"معرفتش ابطل احبك .. غير لما حسستينى انى مش مهم فحياتك
بس طلعت فاهم غلط"
ظلت كلماته تدور في رأسها، وكأنها أعادت فتح باب كانت قد أغلقته منذ سنوات. شعرت بفرحة لم تستطع منعها، وهي تغيّر ملابسها، وكانت تلك الفرحة نابعة من حقيقة واحدة: أن ما ظنته يومًا انتهى، ربما لم ينتهِ كما اعتقدت.
لكنها، في لحظة صفاء قاسية مع نفسها، أفاقت على حقيقة أخرى.
هي لن تستطيع أن تكمل معه.
نظرت إلى نفسها أمام المرآة.
وكان انعكاسها كافيًا ليعيدها إلى واقعها؛ امرأة مريضة بالسرطان، شعرها يتساقط، وملامحها تحمل أثر الإحباط والانكسار.
كانت ترى نفسها هكذا.
مريضة.
متعبة.
ومحبطة.
ورغم الفرحة التي ملأت قلبها منذ لحظات، بقيت الحقيقة أمام عينيها، وبقي إيمانها بأن إرادة الله فوق كل شيء.
لم تستطع أن تهرب من واقعها، حتى وهي تحمل في قلبها أثر كلماته.
========•••==========
تكسير...
وخبط...
وصويت...
وعيااااااااااااط!
كانت أصوات الفوضى تملأ المكان، بينما كانت محاولة مستميتة تجري لتهدئة مي وإيقاف انهيارها. كانت المشاعر قد خرجت عن قدرتها على السيطرة، فتحول الألم إلى صراخ، والغضب إلى تكسير، والانكسار إلى رغبة في تمزيق كل ما يذكّرها بما حدث.
كانت مرات بابا مي تحاول تهدئتها، بينما اتصل والدها بأختها، طالبًا منها أن تأتي، ومعها أحد من أصدقائها.
الاب: ايوة يابنتى
امنية: فيه ايه ياعمو .. ايه الصويت ده
دى مى ؟!
الاب: تعالى بسرعة ارجوكى يابنتى.. رجعت من برة مش شايفه قدامها
امنية: حاضر حاضر
دخلت أمنية إلى المشهد، بينما كان والد مي يحاول أن يستوعب ما أصاب ابنته. لم تكن تلك مي التي يعرفونها؛ كانت في حالة انهيار جعلتها عاجزة عن رؤية ما حولها، وكأن الصدمة حجبت عنها كل شيء.
مرات بااباها: يامى خلاص (ماسكاها)
مى: لااااااااااااااا (بتتنطط وبتقطع الفستان بالمقص) بقولة طلقنى راح قالى حاضر
قالى حااااااااااااااضر
كانت تردد الكلمة وكأنها لا تزال غير مصدقة أنها خرجت منه بهذه السهولة. لم يكن ما يؤلمها طلب الطلاق وحده، بل الطريقة التي وافق بها، وكأنها لم تكن بالنسبة إليه شيئًا يستحق أن يحاول من أجله.
مرات باباها: طب اهدى عشان نفهم الحكاية
مى: ده مصدق يبعنى عشان الحيوانه دى (نبرة صوتها عاليه ومتغيره)
الاب: طب اهدى عشان نفهم طيب(بيحاول يشد الفستان)
مرات باباها: طب والفستان ذنبة ايه يابنتى ، ان شاء الله تلبسيه ع خير
مى: مش هلبسه.. مش هتجوز اساسآآآآآآآآآآ يارب كل الرجالة يموتو
يارب
خرجت كلماتها من قلب موجوع لم يعد يرى في الزواج سوى الألم الذي انتهى إليه. كان الفستان أمامها يحمل معنى كانت تحلم به، ثم أصبح فجأة شاهدًا على لحظة انكسارها.
الاب: طيب يابنتى الله يسامحك
مى: اوعى سيبينى (بتقص فالفستان)
مرات باباها: يابنتى هاتى المقص ده
مى: طب اهو ...
الاب: مى!!
وبينما كان الجميع يحاولون إيقافها، كانت مي غارقة في موجة من الانهيار لم تستطع الخروج منها. لم تكن ترى أمامها سوى صورة وسام وكلمته القصيرة، وكأن "حاضر" ظلت تتردد داخلها أكثر من أي شيء آخر.
#بقلم_نوراسماعيل
==========••===========
كانت ليلى تدخل إلى غرفة وسام، وعلى وجهها حزن واضح، تحمل في قلبها غضبًا عليه وشفقة على مي في الوقت نفسه.
ليلى: مينفعش الى انت عملته مع مى ده .. انت غلطان
كان صوتها يحمل عتابًا صريحًا، فهي لم تعد قادرة على الوقوف متفرجة أمام ما حدث. كانت تعرف أن وسام يمر بظروف قاسية، لكنها رأت أن مي أيضًا لم تعد تحتمل، وأن ما فعله معها ترك أثرًا لا يمكن تجاهله.
وسام: بعد اذنك ياليلى.. عايز انام
كان صوته مغلقًا، كأنه لا يريد أن يسمح لأي حديث جديد بأن يدخل إلى رأسه. لم يكن مستعدًا للمواجهة، ولا للنقاش، وربما كان الهروب إلى النوم أسهل من النظر في كل ما حدث.
ليلى: ايه التغيير المفاجئ ده يا وسام؟!
ليه كده
وسام: اظن قلت بعد اذنك ..لو سمحتى
شعرت ليلى أن الباب أُغلق في وجهها، لا باب الغرفة فقط، بل باب الحديث نفسه. لذلك لم تضغط عليه أكثر.
ليلى: حاضر همشى.. بس يكون فعلمك
طنط هزقتها هنا قبل م انت تيجى.. وانت جيت وكملت
والبنت دى بجد صعبانه عليا
مشيت وردت الباب وراها.
خرجت ليلى وهي تحمل ضيقًا شديدًا مما حدث، وظل في داخلها شعور بأن مي لم تكن تستحق أن تصل الأمور معها إلى هذا الحد.
========•••=========
شاش...
كان الطبيب يربط الجرح، بينما كانت مي راقدة في نوم عميق، وقد أنهكها الانهيار حتى لم يعد جسدها قادرًا على مقاومة شيء آخر.
الدكتور: اتطمنو .. يدوب خدش موصلش للوريد
انا اديتها مهدئ هينيمها 9 سعات متواصله
لحالة الانهيار الى عندها دى .. بس لازم حد يتابعها
كان الطبيب يحاول أن يطمئن الجميع، لكن كلماته في الوقت نفسه حملت مسؤولية واضحة؛ مي تحتاج إلى من يراقبها، لأن حالتها لم تكن مجرد حزن عابر، وإنما انهيار شديد استنزفها جسديًا ونفسيًا.
الاب: حاضر يا دكتور.. اتفضل
سهر: نفسى اعرف حصل ايه بس معاها
مرات باباها: من ساعه م جت وهى بتصرخ وبتكسر فحاجتها وقطعت فستان فرحها
امنية: (قاعده جمب مى بتمشى ايدها ع شعرها) اكيد اتخانقت هى ووسام
بصراحة مى عصبية ومش بتستحمل..وقولتلها قبل كده ان وسام تعبان اليومين دول وهى مش مقدره ده
كانت أمنية تحاول أن تفسر ما حدث من خلال ما تعرفه عن مي، لكنها لم تكن تعرف الصورة كاملة. كانت تنظر إليها وهي نائمة، وتشعر بالشفقة عليها، بينما تحاول في الوقت نفسه أن تجد تفسيرًا لهذا الانهيار المفاجئ.
مرات: لا بس كانت بتقول وهى بتصرخ قولتله طلقنى وهو وافق
سهر وامنية بصو لبعض: وافق !
تبادلت سهر وأمنية النظرات في صدمة؛ فحتى هما لم تتوقعا أن تكون النهاية بهذه السرعة، وأن يتحول طلب قيل في لحظة غضب إلى إجابة قاطعة بهذه الصورة.
#بقلم_نوراسماعيل
===========••-============
تانى يوم الصبح...
استيقظ وسام، وذهب إلى عمله عاااااادى خالص، بمنتهى اللامبالاة وعدم الاهتمام.
كان يتحرك وكأن شيئًا لم يحدث، أو كأنه قرر أن يغلق على نفسه كل باب يمكن أن يقوده إلى التفكير في مي. لم يسأل عنها، ولم يحاول أن يعرف ماذا حدث لها، وكأن الاتفاق الذي خرج من بينهما بالأمس أصبح بالنسبة إليه أمرًا انتهى.
ومضى اليوم.
لكن وسام بدا واحدًا آخر، شخصًا لم يعد أحد يعرف كيف يصل إليه، ولا ماذا يدور خلف ذلك الهدوء البارد الذي يحيط به.
وبعد يوم الشغل م خلص.. راح مع شريف البلياردو!!
بردو عادى.
وكأن الحياة تسير بصورة طبيعية تمامًا.
لكن هناك، لم يعد قادرًا على الاحتفاظ بكل شيء داخله.
حكى لشريف عن كل ما حدث.
كان يحتاج، ولو للحظات، إلى أن يضع ما في رأسه أمام شخص آخر، حتى يسمع أفكاره وهي تخرج من فمه.
شريف: عايز تسيب مى ؟!
وسام: مش قصدى كده، انا مبقتش احب مى زى الاول
حاسس ان كل الى بيحصل ده وشقلبه حياتى بسببها.. من اول م ظهرت فيها يعنى
شريف: لا وانت الصادق، ده هى اتعدلت لما هى ظهرت
انت ناسى انت كنت ازاى ، كآبةوحزن وضارب بوز
ده هى خلتك انسان بمعنى الكلمة
بتضحك.. ومبسوط وجننتك وعودتك ع حجات عمرك معملتها
هو انا الى هقولك يا وسام
وسام: مش عارف.. تايه
كانت كلمة "تايه" تختصر حالة كاملة؛ فوسام لم يكن يقف على أرض ثابتة. بين مي التي يشعر أن علاقته بها أصبحت مرتبطة بالفوضى التي اجتاحت حياته، وبين دنيا التي اكتشف فجأة سبب رحيلها، ظل قلبه وعقله في اتجاهين مختلفين.
شريف: فاهمك..عين فالجنة وعين فالنار
عايز مى بس مش طايق اليومين دول
وصعبانه عليك دنيا عشان عرفت سبب انفصالكم ايه.. لانك متأثر اوى بحالتها عشان زى باباك الله يرحمه
كانت كلمات شريف تضع يده على الصراع الذي لم يستطع وسام نفسه أن يصفه. فهو لا يزال يريد مي، لكنه في الوقت ذاته يحمل ألمًا جديدًا تجاه دنيا، بعدما عرف ما عاشته وحدها.
وسام: بس بجد مينفعش استندل تانى مع دنيا زى الاول
شريف: بقولك ايه! انا عملت بالمثل الى بيقول الى اتلسع من الشوربة ينفخ فالزبادى
وانا اتلسعت لما اتشوهت من الدنيا دى
كنت غبى الاول وبعرف بنات ع نفسى
وبعدين ربنا هدانى وحبيت امنية وخطبتها
وبعدين رجعت حمار تانى واستغبيت..وعرفت شرينوسيبت امنية فلحظة غباء متتوصفش
وبعدين انخدعت فشرين
بينى وبينك
كنت عايز اضرب نفسى طلقه عشان ارتاح
ضيعت امنية.. وجريت ورا واحدة متسواش 3 مليم!
كان شريف يتحدث من تجربته، ويحاول أن يجعل وسام يرى الأمور من زاوية مختلفة، بينما كان وسام يستمع إليه دون أن يقاطعه.
وسام سمع كــــــــــل كلام شريف.. وهز راسه
ورجع يلعب عادى
لكن خلف ذلك الهدوء، كان شيء ما يتحرك في داخله.
ما الذي كان يدور في رأسه؟
الله أعلم.
#بقلم_نوراسماعيل
========•••=========
فتحت مي عينيها ببطء...
كانت العودة إلى الوعي ثقيلة، وكأن النوم لم يكن راحة بقدر ما كان هروبًا مؤقتًا من كل ما حدث. كانت ملامحها مرهقة، وجسدها لا يزال يحمل أثر الانهيار، بينما كان قلبها قد استيقظ قبل أن تستوعب عيناها أين هي.
سهر: صباح الفل ياقمر
مى: سهر
سهر: (قامت حضنتها) ياحبيبتى
مالك يامى مالك
بمجرد أن وجدت مي سهر إلى جوارها، بدا أن شيئًا في داخلها لم يعد قادرًا على التماسك. فبعد ساعات من النوم، عادت الذكريات دفعة واحدة، وعاد معها الوجع الذي حاول جسدها أن يهرب منه.
مى: انا تعبانة يا سهر، تعبانة اوى (بدأت تعيط
سهر: ف ايه بس فهمينى، ايه الى حصل
وليه عملتى كده فنفسك
عايزة تموتى نفسك ياميوش؟
ونجيب منين ميوش زيك تانى بقى
كانت سهر تحاول أن تحتضنها بالكلمات كما احتضنتها بذراعيها، تحاول أن تنتزع منها سبب هذا الانهيار، وفي الوقت نفسه تحاول أن تذكّرها بقيمتها ومكانتها عند من يحبونها.
مى: انا مش عايزة اقعد فالدنيا دى تانى، انا بكره كل حاجة فيها
كانت الكلمات تخرج من مي محملة بيأس شديد، وكأن العالم كله فقد معناه في عينيها بعد أن انهارت الصورة التي كانت تبني عليها أحلامها.
سهر: طيب ليه ؟
مى: وسام بيخوننى يا سهر(بتعيط فحضنها)
كان اتهامها يخرج من قلب موجوع، وهي لا تملك الآن سوى الصورة التي رأتها بعينيها.
سهر: بيخونك! ماقولتلك 100 مرة ماتسمعيش من حد قبل م تتحقى من الكلام ده مظبوط ولا مش مظبوط
مى: انا شوفته! شوفت ايده وهى حاضنه ايدها
شوفت عيونه وهى بيبصلها بحب
شوفته بعينى والله ومقدرتش انطق ولا اتكلم
كانت تستعيد المشهد أمام سهر وكأنها تراه من جديد؛ اليد التي احتضنت يد دنيا، والنظرة التي رأتها في عيني وسام، وكل التفاصيل التي تحولت في لحظتها إلى دليل قاطع في قلبها.
سهر: شوفتيه مع مين
مى: مع دنيا، خطيبته القديمة.. هتجنن وهيحصلى حاجة
طب انا عملتله ايه
طب كان عمال يبعد عنى ليه وميردش ع فوناتى
وليه مامته تسمعنى كلام زى السم
كانت الأسئلة تتدافع من داخلها، لا تجد طريقًا إلى إجابة. لم تكن تريد فقط أن تعرف لماذا كان مع دنيا؛ كانت تريد أن تفهم لماذا تغير، ولماذا ابتعد، ولماذا سمحت أمه لنفسها بأن تجرحها بهذه الطريقة.
سهر: مامته قالتلك ايه ؟
مى: قالتلى انى بومة ووشى يقطع الخميرة من البيت
وانى قدمى نحس عليهم
وانى السبب فموت باباه
وانى منفعلوش ودنيا احسن منى وهى موافقه ع كده وهو فعلا عايز يسيبنى ويخطب دنيا
كانت الكلمات التي سمعتها من أمه لا تزال حاضرة في رأسها، وكأنها لم تكن مجرد جمل قيلت وانتهت، بل طعنات ظلت عالقة داخلها. كان اتهامها بأنها السبب في موت أبيه من أقسى ما سمعته، ثم جاء ذكر دنيا ليضاعف شعورها بأنها تُدفع خارج حياته.
سهر: ايه!!! هى الست دى اتجننت ولا ايه
ولا جرى فعلقها حاجة لما جوزها مات
هو انتى كنتى الى موتتيه؟! دى ست مش بتفهم والله
لولا ان عندهم حالة وفاة وحالتهم صعبه..كنت عرفتها مين الى نحس ع مين بقى
كان الغضب في صوت سهر دفاعًا عن مي، وهي ترى صديقتها أمامها منهارة من كلام لم تكن تستحقه في رأيها.
مى: جيت ع نفسى ، وصبرت وقلت اسمعه
واول م جه مسكت نفسى وواجهته
بهدلنى ووضحلى اكتر انها احسن منى مليون مرة وانى منفعش انول شرف جوازه منى
عادت مي إلى اللحظة التي واجهته فيها، وإلى كل ما فهمته من كلماته ورد فعله. كانت تشعر أنها حاولت أن تصبر، وأن تمنحه فرصة للكلام، لكنها خرجت من المواجهة وهي أكثر انكسارًا مما دخلت.
سهر: ف ستين داهية ، وانا الى كنت باجى عليكى عشانه
خليه يروح لحاله فستين داهية وربنا هيكرمك بالى احسن منه
الواطى بتاع مامته ده
كانت سهر ترى أمامها صديقتها التي تحاول أن تجمع ما تبقى منها، فاختارت أن تكون إلى جوارها، وأن تغضب لأجلها، وأن تمنحها في تلك اللحظة شيئًا من القوة التي فقدتها.
مى: باعنى ومشترنيش ياسهر.. باعنى ومشترنييييييييش
انفجرت مي في البكاء من جديد.
كانت هذه الجملة هي خلاصة كل ما يؤلمها؛ لم يكن وجعها فقط أنه وافق على الطلاق، بل أنها شعرت أنه لم يتمسك بها، ولم يحاول أن يستبقيها، وكأنها لم تكن يومًا بالقدر الذي ظنته في قلبه.
سهر: ولا يهمك.. والله لاجيبلك حقك تالت ومتلت !
ماشى يا وسام..