
رواية اسميتها ريحانة ج2 الفصل الثاني عشر 12 ج1 بقلم سلمى جاد
كانت نائمة بعمق على السرير، حتى فتحت عينيها العسليتين بكسل، وكادت أن تحتضن إياد الناعم بجانبها، حتى فجأة فزعت برعب عندما لم تجده بجانبها.
نهضت بسرعة وهي تبحث عنه وتناديه في كل أرجاء المنزل، ولكن بدون فائدة. وضعت يدها على رأسها بعدم تصديق من فكرة أن يكون قد اختُطف، فهي مؤخرًا أصبحت تخاف عليه بشدة بعد ما قاله لها المحامي في آخر مقابلة.
آيات ببكاء: «روحت فين يا إياد؟»
لتتسع عيناها المحمرتان من أثر البكاء فجأة عندما خطرت ببالها فكرة. سحبت إسدال الصلاة ولبسته على مضض، ثم فتحت باب الشقة وتقدمت خطوات معدودة حتى وصلت لباب الشقة المقابلة.
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تدق الباب بتوتر. ثوانٍ، وفُتح الباب ببطء ليظهر من خلفه إياد وهو يبتسم لها بمشاكسة.
تنهدت آيات بفرحة قبل أن تجلس على ركبتها وهي تقول بصوت باكٍ: «إياد حبيبي»
احتضنته بقوة وهي تبكي بحرقة.
إياد ببراءة: «بتعيطي ليه يا مامي؟»
ابتعدت عنه وهي تمسك وجهه الصغير بين يديها: «ينفع كده يا إياد؟ ينفع تقوم من جنب ماما وتخرج من البيت من غير ما تعرفني؟»
مد الصغير شفتيه بأسف: «آسف يا مامي، بس أنا صحيت ولقيتك نايمة، قعدت أصحيكي وإنتي مرضيتيش، وأنا كنت زهقان وعايز ألعب مع حد، فروحت عند أنكل ياسين عشان يلعب معايا.»
آيات وهي تمسح دموعها بابتسامة: «بردو يا ابني، متخضّنيش تاني عشان ماما قلقت عليك أوي.»
إياد بابتسامة: «حاضر يا ماما.»
فجأة جاء صوت ياسين من خلف الباب: «بتكلم مين يا إياد؟»
رفعت آيات نظرها لمصدر الصوت، ثوانٍ وشهقت بخجل بعد أن رأته يقف أمامها بفنلة رمادي أبرزت جسده الرياضي وعضلات كتفه الواضحة.
أما ياسين فحمحم بإحراج، وسرعان ما ارتدى قميصه الذي كان يحمله بين يديه، وبعد ثوانٍ قال بابتسامة: «إزيك يا مدام آيات؟»
نهضت آيات من على الأرض وهي تضم رأس الصغير في حضنها: «أنا كويسة.»
لاحظ ياسين نبرتها الباكية، ووقعت عيناه على وجنتها المبتلة من أثر البكاء، ليسألها بقلق واضح: «إنتي كنتِ بتعيطي؟»
ليجيبه إياد بسرعة: «مامي كانت بتعيط عشان خافت أكون اتخطفت.»
نظر ياسين لها بأسف، قائلًا: «أنا آسف والله، حقك عليّا. أنا أول ما لقيته جايلي، قلت أكيد هتقلقي عليه. يادوب دخلت ألبس عشان أروح العيادة وأعدّي عليكي.»
أومأت آيات برأسها بابتسامة: «خلاص، حصل خير.»
ياسين بتذكر: «صحيح، المحامي اتصل عليّا من شوية وقال لازم نروحله النهاردة بليل عشان فيه أخبار جديدة، وقالي إنها أخبار هتفرحنا.»
ابتسمت آيات برقة لتظهر صف أسنانها العلوي، وتقول بتمني: «يارب تكون أخبار حلوة.»
أومأ ياسين برأسه: «إن شاء الله خير.»
ثم أكمل: «طيب، أنا هتحرك عالعيادة دلوقتي، وعالساعه سبعة اجهزي عشان هاجي أعدي عليكي ونروح للمحامي.»
آيات برقة: «حاضر.»
توجهت نحو شقتها، بينما دخل هو ليحضر هاتفه ومحفظته، ثم خرج ليقفل باب الشقة. وعندما نظر تجاه باب شقتها، وجدها على وشك غلق الباب، ليتهد ويتطلع لها، بينما هي رفعت عينيها بالصدفة لتتقابل عيناها بعينيه قبل أن تغلق الباب.
لنفخ ياسين بضيق، قائلًا وهو يهمس: «يارب بقى، أنا مبقتش قادر أستحمل أكتر من كده.»
ثم ركب الأسانسير، وما كاد أن يغلق الباب حتى رن هاتفه. سحب الهاتف من جيبه ونظر للشاشة لثوانٍ قبل أن يجيب قائلًا: «الواطي اللي مبيسألش.»
ليأتيه الرد من الجهة الأخرى بصوت سليم الجاد، الذي قال بنبرة عادية، كأنه يخبره عن حالة الطقس :
«أنا قراية فتحتي النهاردة.»
ياسين بصدمة: «نعم؟»
_____________________________________________________________
في مكتب المحامي
تحدثت آيات بلهفة: «خير يا أستاذ محمود؟ إيه الأخبار الجديدة اللي حضرتك مرضتش تقولها في التلفون؟»
محمود بابتسامة: «مبروك يا مدام آيات. أستاذ مازن، جوزك، دخل السجن بتهمة إختلاس في شغله، واتحكم عليه بخمس سنين سجن، وطبعًا الخلع بالنسبالك بقى أسهل بكتير، ونقدر ننفذه في أي وقت.»
آيات بعدم تصديق: «بجد؟ أنا مش مصدقة»
أومأ محمود برأسه بتأكيد: «آه، بس طبعًا بما إن الخلع هيحصل، فمش هتعرفي للأسف تاخدي الشقة، ولكن المحكمة هتلزمه يدفع كل شهر نفقة لإياد بما إنه لسه تحت السن، وإنتي اللي بتراعيه.»
آيات بدموع: «أنا مش عايزة منه لا شقة ولا فلوس. أنا هشتغل وأربي ابني، مش عايزة حاجة من حد.»
تحدث ياسين بابتسامة: «طيب، حضرتك مستني إيه؟»
«أنا بالفعل قدمت دعوى الخلع في المحكمة، وفي ظرف كام يوم هتطلع، ووقتها مدام آيات هتكون حرة.»
نظر ياسين لآيات الجالسة أمامه بسعادة. حسنًا، بقى أيام معدودة وسيعترف لها بكل ما يحمله في قلبه من عشق، سيعوضها عن جميع آلامها الماضية. بضع ساعات تفصله عن ضالته.
ليتنهد هامسًا بحرارة: «هانت.»
بعد دقائق، كانا في سيارة ياسين، يقود بهدوء في شوارع القاهرة، ونسمات الهواء تملأ الجو، خصوصًا مع اقتراب قدوم الليل. وآيات بجانبه تنظر من النافذة، والسعادة واضحة على ملامحها. نظر ياسين لها خلسة، ليجد ابتسامة رقيقة مرسومة على وجهها. شعر بارتفاع نبضات قلبه بمجرد رؤيتها. نسمة الهواء تداعب طرف حجابها، فيتحرك بحرية على كتفها، بينما هي تغمض عينيها براحة لم تتصور أنها ستصل لها في يوم من الأيام.
ليقول بابتسامة: «مدام آيات.»
همهمت بهدوء.
«بمناسبة الخبر السعيد ده، ممكن أطلب منك طلب؟»
أومأت برأسها قائلة بحيرة: «طلب إيه؟»
حمحم بخشونة وهو يمسح على خصلات شعره البنية الناعمة: «صاحبي النهارده هيتقدم لعروسة ويقرأ فاتحة.»
آيات بابتسامة: «ربنا يتممله على خير.»
ياسين بتردد: «عندك مانع تيجي معايا؟ أنا المفروض هروح دلوقتي.»
ضمت آيات شفتيها بتوتر: «بس...»
ياسين: «لو عندك مانع خلاص، مش هضغط عليكي.»
لتقول: «مش حكاية مانع، بس هروح بصفتي مين؟»
ياسين فجأة وبدون مقدمات: «بصفتك خطيبتي.»
شهقت آيات بقوة، واتسعت عينيها من الصدمة، بينما ياسين نظر أمامه بصدمة مما قاله، ليظل الصمت مخيمًا على السيارة لدقائق، كلاهما لا يجرؤ على كسره، لتهمس آيات فجأة وتكسر الصمت: «حضرتك بتهزر، صح؟»
نظر ياسين لها بقوة، قبل أن يتنهد وهو ينظر أمامه على الطريق، قائلًا: «إنتي شايفة إيه؟»
آيات بعقلانية: «شايفة إنك أكيد بتهزر. أكيد مش هتفكر في واحدة في ظروفي، على وشك الانفصال ومعاها طفل»
نظر ياسين لها بقوة، وهو يشعر بالضيق من حديثها، ليقول: «أكيد بهزر.»
تنهدت آيات براحة: «خضتني يا دكتور، أنا فكرتك بتتكلم بجد.»
لتكمل بابتسامة: «أنا معنديش مانع، ممكن أجي معاك، بس بشرط منتأخرش عشان إياد معاد نومه قرب، وإحنا سايبينه عند الجيران.»
أومأ ياسين برأسه بهدوء، وابتسم بجانب فمه، ابتسامة لم تصل لعينيه، بينما زاد من سرعة السيارة بشكل ملحوظ، وبداخله بركان حزن بسبب حديثها.
_____________________________________________________________
ليلًا في قصر السويسي
في جناح ريحانة، كانت تجلس أمام التسريحة، ومعها فتون تساعدها في تصفيف شعرها.
ريحانة بحيرة بفكرة: «أسيبه مفرود؟»
قطبت فتون حاجبيها باستغراب: «من إمتى؟ إنتي طول عمرك بتحبي تربطي شعرك ومبتحبيش تسيبيه.»
ابتسمت ريحانة بجانب فمها قائلة بهمس: «أصل سليم بيحبه كده.»
ابتسمت فتون بخبث قبل أن تصفر بصوت عالٍ وتقول: «اوعى يا ريري، عشت وشوفتك بتخططي عشان تعجبي راجل»
ثم صمتت ثوانٍ لتقول بنبرة ماكرة: «إلا قوليلي يا ريحانة، هو إنتي متأكدة إنكم كنتوا بتشتغلوا في أمريكا؟ ده إنتوا مكملتوش أسبوع في البلد وكان طالب إيدك، أومال لو قعدتي شهر كان عمل إيه؟»
لتقاطعها ريحانة بخجل: «بس يا بت، هتفضحينا»
لتتعالى أصوات ضحكاتهما بالغرفة، قبل أن يدوي صوت دق على الباب، يتبعه دخول أدهم.
دخل بابتسامة: «إذيكم يا بنات.»
فتون: «الحمد لله، ألف مبروك لريحانة يخالو، ربنا يتمملها على خير.»
رفع أدهم حاجبه بغيرة: «مبروك على إيه؟ مش لما نقابله الأول؟ مش يمكن محسش إنه يستحق واحدة زي بنتي؟»
حاولت فتون كتم ضحكتها، فقد كان بالكاد يحاول الكذب لإخفاء غيرته.
ليقول أدهم: «طيب يا فتون، من فضلك سيبيني مع ريحانة شوية.»
أومأت برأسها بابتسامة: «حاضر يا خالو، عن إذنكم.»
خرجت فتون وأغلقت الباب خلفها، بينما تقدم أدهم من التسريحة ليقف خلف ريحانة وينظر لانعكاسها في المرآة.
ريحانة بابتسامة ناعمة: «بتبصلي كده ليه يا بابا؟»
تنهد وهو يربت على شعرها قائلًا بتأثر: «مش مصدق إن أميرتي خلاص كبرت. بيتهيألي إني لسه كنت شايلك بين إيديا وبلاعبك وإنتي بتضحكي ببراءة.»
نهضت ريحانة واحتضنت والدها بشدة: «ربنا يخليك ليا يا بابا.»
احتضنها بحب، ليبتعد بعد قليل ويقول: «عايز أكلمك في موضوع مهم قبل ما نقابل الناس اللي جاية النهاردة.»
أومأت ريحانة برأسها، ليكمل أدهم وهو ينظر لها: «إنتي تعرفي إن سليم مش ابن سعد الحقيقي؟»
صمتت ريحانة لثوانٍ، ليقول أدهم: «أنا عارف إنك مصدومة، بس هل الموضوع ده ممكن يأثر على موافقتك؟»
لتقاطعه ريحانة قائلة بابتسامة: «أيوة يا بابا، عارفة... سليم قالي.»
أدهم باستغراب: «وإنتي موافقة؟»
قالت ريحانة بدهشة: «إنت اللي بتقول كده يا بابا؟ معقول دي وجهة نظرك؟»
تنهد أدهم قبل أن يربت على رأسها: «افهميني يا حبيبتي، عايز أفهمك إن أي قرار هتاخديه دلوقتي هيأثر عليكي في المستقبل، فعايزك تاخدي وقت في التفكير، سواء على سليم أو غيره.»
ليصمت لثوانٍ، ثم يقول: «إنتي أغلى حاجة في حياتي، ومش هسمح لأي شخص، أيا كان مين، إنه يأذيكي أو يكسر قلبك الجميل ده.»
أومأت ريحانة برأسها: «حاضر يا بابا.»
أدهم بابتسامة: «ماشي يا حبيبتي، أنا هسيبك بقى عشان تكملي لبس.»
_____________________________________________________________
بعد نصف ساعة، في جناح أدهم وجميلة
كان أدهم مستلقيًا على السرير بعدما انتهى من ارتداء ملابسه، والتي كانت عبارة عن بدلة كحلي أنيقة، بينما كان يتفحص هاتفه. رفع عينه على جميلة الواقفة أمام المرآة تضع اللمسات الأخيرة، لينـهض ببطء ويتقدم نحوها بخطوات هادئة، حتى وقف خلفها تمامًا واحتضنها برفق، وهو يضع ذقنه على كتفها.
ابتسمت جميلة ورفعت أصابعها تلامس طرف ذقنه، وقالت: «مش مصدقة يا أدهم إن ريحانة هتتجوز. حاسة إن السنين عدت بسرعة، ولسه مخلفاها إمبارح.»
همهم أدهم بهدوء، لتقطب الأخرى جبينها باستغراب وتستدير لتصبح في مواجهته، قائلة: «مالك يا أدهم؟»
لتصمت ثواني قبل أن تقول بدهشة، وعلى وجهها ابتسامة واسعة: «إنت غيران على ريحانة ولا إيه؟»
نفخ أدهم بضيق وهو يحاول عدم النظر إليها، لتبتسم جميلة بعدم تصديق، وتمد يدها لترفع وجهه وتجبره على النظر إليها: «أدهم حبيبي، دي سنة الحياة. إنت عايزها تفضل جنبك العمر كله ولا إيه؟»
أدهم بضيق: «بس متخيلتش إن الموضوع ييجي بالسرعة دي.»
ليصمت لثوانٍ قبل أن يقول فجأة، وكأنه وجد فكرة: «أيوة فعلًا، لسه بدري. ريحانة لسه صغيرة. أنا بقول نرفض، البنت لسه مخلصتش جامعة.»
هزت جميلة رأسها بنفي، ولكن لم تستطع المقاومة لتضحك بقوة على غيرته الواضحة، وهو يحاول إخفاءها خلف تبريراته. كادت أن تتحدث ليقاطعها صوت الخادمة من خلف الباب: «مدام جميلة، الضيوف وصلوا.»
انتفضت جميلة وهي تقول: «أدهم، يلا، وصلوا.»
رفع أدهم حاجبه: « ما يوصلوا؟ أعملهم إيه يعني؟ ثم أنا حاسة إن البدلة دي مش حلوة؟ أنا هدخل أغيرها.»
ليتوقف فجأة عندما شعر بيد جميلة وهي تشده من كتفه، قائلة بحزم: «أدهم، بطل الحركات دي. البدلة زي الفل، مفيهاش حاجة. إنت اللي بتتهرب.»
بيقلب عينه بملل من كشف لعبته، لتقول جميلة بابتسامة: «يلا بقى يا حبيبي، عشان خاطري.»
هز رأسه باستسلام، ليمد يده لها ويمسكها بحب وهو يبتسم لها، ثم يخرجا من الجناح.
_____________________________________________________________
بالأسفل في الصالون
دخل كلٌّ من أدهم وجميلة، وتبعهما يزن وفتون، بالإضافة إلى علي وياسمين.رحب أدهم بالجميع، بما فيهم سعد وسليم وياسين، ليجلس الجميع أخيرًا بعد تبادل السلامات.
بدأ سعد كلامه: «أنا طبعًا يشرفني يا أدهم إن سليم ابني يرتبط بعيلتك، وتتوطد العلاقات بينا بشكل أكبر، برا للشغل.»
ربت أدهم على كتفه بابتسامة هادئة: «الشرف ليا يا سعد، كفاية إن سليم تربيتك.»
تحدثت جميلة بابتسامة دافئة: «أنا من وقت ما شوفت سليم في المستشفى وأنا قلبي انشرح له، وإن شاء الله ربنا يتمملهم ويكونوا من نصيب بعض.»
أمّن الجميع على كلامها، لتقول ياسمين: «مش تعرفونا بحضراتكم؟ إحنا منعرفش غير سليم ووالده.»
تحدث سليم بهدوء: «دي ندى أختي وجوزها جون. هما عايشين في أمريكا، بس أصروا ينزلوا مصر عشان يحضروا معايا.»
رحبت نساء العائلة بندى، ليكمل أدهم: «وده صاحبي ياسين، دكتور أطفال، ودي تبقى...»
ليقاطعه ياسين: «دي خطيبتي آيات.»
صمت الجميع، لينظر سليم لياسين باستغراب، بينما اتسعت عينا آيات بصدمة، ولكنها التزمت الصمت وهي تبادل الابتسامة مع الجميع.
جميلة بابتسامة واسعة: «أهلًا بيكم، نورتونا.»
قالت ندى: «البيت منور بأصحابه يا طنط. أومال فين ريحانة؟»
نظرت جميلة لأدهم، ليومئ لها برأسه بهدوء، لتنهض هي وفتون لإحضار ريحانة.
بعد دقائق
دخلت جميلة بابتسامة وهي تمسك ريحانة التي تسير على استحياء، وخلفهما فتون.
قال سعد: «بسم الله ما شاء الله، ربنا يحفظها. عرفت تختار يا سليم.»
بينما كان سليم في عالم آخر، وهو يتأملها وهي ترحب بالجالسين وعلى وجهها ابتسامة خفيفة، وقد لاحظ تورد وجنتيها بسبب الخجل.
خفض نظره على ملابسها، ليجدها ترتدي سوت أبيض بسيط، قطعة واحدة ذات أكمام واسعة، بحزام من الخرز الأبيض من عند الخصر، بينما تركت خصلات شعرها السوداء بدون قيود، لتتدلى خصلاتها المموجة على ظهرها ونهاية خصرها.
كانت تحتضن ندى بابتسامة وعدم تصديق، لتقول ندى بحب: «أول ما سليم قالي، أصريت على جون نحجز في أول طيارة نازلة مصر عشان أحضر معاكم ."
جاء الدور على آيات، لتسلم عليها ريحانة بابتسامة، بينما بادلتها آيات الابتسامة برقة وجلست. وعندما جاء الدور على سليم، ابتسمت له بخجل. كان يرتدي قميصًا زيتيًا أنيقًا مع بنطال بيج، وصفف خصلات شعره الكثيفة بلونها الفحمي، وعندما كان على وشك النهوض، ركضت ريحانة بسرعة وجلست بجانب جميلة بخجل شديد.
ضحك سعد قائلًا: «واضح ريحانة خجولة أوي. ربنا يحفظهالك يا أدهم.»
أمّن أدهم على كلامه، ليبدأ سعد حديثه بجدية: «طبعًا إحنا جايين النهاردة عشان ندخل البيت من بابه ونطلب إيد ريحانة لسليم، وأنا يا أدهم يشرفني إني أناسبك وأشاركك العيلة، زي ما شاركتك في الشغل.»
ليقول أدهم: «الشرف ليا يا سعد إني أحط إيدي في إيدك للمرة التانية.»
ليكمل سعد: «أول ما سليم قالي إنه عايز يتجوز ريحانة، أنا طرت من الفرحة، لأني مهما لفيت مش هلاقي لابني سليم في جمال ولا أخلاق بنتك ريحانة.»
تحدث سليم: «أنا أهم حاجة عندي إنه يصونها ويحترمها وميجرحهاش. ريحانة بنتي الوحيدة، وأنا مش هسلمها لأي حد.»
قال سعد: «ربنا يعملهم الصالح يا رب.»
دار الحديث على هذا المنوال، ليمر الوقت سريعًا من الاتفاقات والترتيبات، ليقول سليم فجأة: «بعد إذنك يا أدهم بيه، أنا شايف ملهاش لزوم نضيع وقت... نكتب الكتاب الأسبوع الجاي ومنعملش فرح، يعني نعمل احتفال بسيط يبقى فيه الأهل والصحاب وخلاص.»
لتتسع عينا جميلة بصدمة، بينما حل الصمت على الغرفة، ليقول سعد أخيرًا، ليكسر الصمت: «مستعجل كده ليه يا سليم؟ ثم إحنا هنلحق نجهز إيه في أسبوع واحد؟»
قال أدهم: «مش حكاية تجهيزات. أنا ممكن أجيب شركة تجهيز أفراح يجوا يظبطوا القصر هنا ويخلوه أحلى من أي قاعة، لكن أسبوع قليل أوي عشان نجهز كل حاجة ويحصل كتب كتاب.»
قال سليم بهدوء: «أنا فاهمك يا سليم بيه، بس أنا وريحانة نعرف بعض من شهور بحكم شغلنا، هي عرفتني طبعي وأنا عرفتها، فمش شايف إن له لزوم الخطوبة والتأجيل.»
نظر أدهم لريحانة وقال: «رأيك إيه يا ريحانة؟»
لتشعر بالتوتر، خصوصًا مع توجه أنظار الجميع نحوها، لتقول بصوت منخفض: «اللي حضرتك تشوفه يا بابا.»
ليتدخل سعد: «والله أنا شايف سليم بيتكلم صح. إحنا مش محتاجين حاجة عشان نأجل الموضوع، الشباب عارفين بعض وزي ما بيقولوا.»
ليصمت أدهم بتفكير قبل أن يقول فجأة: «سليم، عايزك بره شوية لو سمحت.»
لينهض ويسبقه إلى الخارج.
نظر سليم لريحانة ليجدها تفرك يدها بتوتر وهي تنظر إليه، ليومئ لها بابتسامة مطمئنة ويلحق بأدهم.
بالخارج
وقف سليم بهدوء وهو يضع كف يده في جيب بنطاله، بينما كان أدهم الواقف أمامه يراقبه. كانا متشابهان إلى حد كبير في الطلة والهيبة.
ليقول أدهم: «بص يا سليم، أنا لما أديك ريحانة، فمش بديك بنتي وخلاص، أنا بديك حتة مني. ريحانة دي الست الوحيدة اللي بتشارك جميلة في قلبي ،أنا معنديش مشكلة إن جوازكم يتم الأسبوع الجاي، لكن أكون متأكد إنك مش هتأذيها وتبسطها وتحميها زي ما طول عمري كنت بعمل، وإلا...»
صمت ثواني قبل أن يقول بنبرة صارمة: «اللي هييجي على بنتي مش هرحمه.»
ظل سليم على صمته، كلاهما ينظر للآخر بنظرات نارية، فلو كانت النظرات تصيب، لوقع كلاهما أرضًا.
بعد مرور عشر دقائق، عاد كلٌّ من أدهم وسليم لغرفة الصالون. الجميع متأهب ينتظرون بدء حديث أيٍّ منهما، ليكسر أدهم الصمت أخيرًا قائلًا:
«سليم وريحانة هيتجوزوا الأسبوع الجاي.».
الفصل الثاني عشر ج2 من هنا