
رواية اسميتها ريحانة ج2 الفصل الخامس عشر 15 ج1 بقلم سلمى جاد
«حمد لله على السلامة يا سليم، معقول ترجع مصر وتروح شركتي من غير ما أعرف؟ ده إحنا حتى المفروض ولاد عم!»
كاد سليم أن يفتح فمه، لكنه تجمد عندما لكمه أدهم لكمة قوية في وجهه، جعلته يتراجع إلى الخلف من شدة الضربة. وبالرغم من فارق السن بينهما، إلا أن أدهم ما زال محتفظًا بقوته الجسدية أمام سليم.
تعالت أنفاس سليم الغاضبة. ففي ظروف مختلفة، لم يكن ليسمح له بفعل ذلك، لكنه يعلم بالتأكيد أن هذا حقه، لذلك لم يعلّق. لم يغضب حتى، بل قال بكل هدوء:
«نورت يا أدهم بيه،اتفضل ادخل.»
دخل الآخر من الباب ورأسه مرفوع ببرود، ليجلس على أقرب كرسي، واضعًا قدمًا فوق أخرى.
غاب سليم لدقائق، ثم عاد وهو يحمل صينية بها فنجان قهوة، بينما كانت يده الأخرى تحمل كيسًا من الثلج، وضعه بجانب عينه مكان الكدمة التي تلقاها منذ قليل.
كان الصمت يخيم على المكان. أدهم يجلس وبيده فنجان القهوة يحتسيه ببرود، بينما جلس سليم على الكرسي المقابل له، مستغربًا صمته وبروده. فعلى الرغم من شخصية سليم القوية وكاريزمته المعروفة، إلا أنه اهتز أمام ثقة ذلك الرجل.
قطع أدهم الصمت أخيرًا، وهو يضع فنجان القهوة على الطاولة، ليقول بنبرة باردة:
«إيه اللي رجعك؟ أنا فكرت إننا خلصنا منك ومش هنشوف وشك تاني.»
ابتسم سليم بجانب فمه، وهو يحاول كتم غيظه من حديث أدهم المستفز، ليقول بهدوء، بينما ما زال محتفظًا بتلك الابتسامة التي استفزت أدهم:
«راجع عشان أصلح غلطي.»
رفع أدهم حاجبه، ليكمل سليم:
«أنا عرفت كل حاجة... بس للأسف عرفت متأخر.»
ابتسم أدهم بسخرية:
«ببساطة كده؟»
اختفت ابتسامته عالفور، ليقول بنبرة غاضبة:
«إنت عارف إنت عملت إيه؟ أنا لو أطول أمو.تك وأشرب من دم.ك كنت عملت كده، بس إنت متستاهلش أدخل السجن عشانك. إنت كسرت قلب بنتي الوحيدة، ودلوقتي راجع تقول: أصلح غلطتي؟»
مسح سليم على ذقنه المنبتة، وقال باستسلام:
«حقك... بس صدقني، أنا بجد ندمت، وراجع عشان أصلح غلطي.»
عقد أدهم ذراعيه أمام صدره، وقال:
«وناوي تصلحها إزاي بقى؟»
تنهد سليم وقال بنبرة صادقة:
«أنا بجد بحب ريحانة. يمكن ما كنتش واخد بالي قبل كده، لأنه مكنش يهمني غير الانتقام. كنت معمي عن حقيقة اللي جوايا، بس صدقني، أنا فعلًا بحبها ومقدرش أعيش من غيرها. وعارف إنها صعب تسامحني بعد اللي عملته، بس أنا مش هستسلم لحد ما أخليها ترجع تحبني.»
ظل أدهم صامتًا يستمع فقط، ومن خبرته الواسعة استشف الصدق من كلماته.
ليكمل سليم حديثه:
«صدقني يا أدهم بيه، إنت واحد حبيت قبل كده، وأكيد عارف وحاسس باللي جوايا. أنا بجد بحب ريحانة زي ما إنت بتحب مدام جميلة.»
ابتسم أدهم ابتسامة خفيفة بجانب فمه عندما ذكر اسمها؛ فهي ليست زوجته فقط، وإنما حبيبة قلبه وتوأم روحه.
ليسند ظهره عالكرسي خلفه ،ويقول بصوت هادئ:
«إنت تعرف إن الحسنة الوحيدة اللي أبوك عملها فيا، إنه كان السبب في معرفتي بجميلة.»
قطب سليم جبينه بدهشة:
«إزاي؟»
ابتسم أدهم، والذكريات تتدافع داخل عقله:
«هحكيلك.»
بدأ أدهم يسرد حكايته مع جميلة، وكيف بدأت علاقتهما، وأنها في البداية جاءت كمحتالة من طرف إبراهيم، لكنها انقلبت الموازين، ووقع في عشقها، ليصبح عاشق محتالة احتلت قلبه،نعم ... كانت محتالة، سرقت قلبه وعقله وكيانه بالكامل.
قال سليم بصدمة:
«يعني أبويا كان باعت مدام جميلة عشان تمثل إنها أختك؟ بس إنت حبيتها واتجوزتها؟»
هز أدهم رأسه بتأكيد.
هز سليم رأسه بنفي، وهو يحاول استعادة تركيزه من أثر الصدمة، ليقول:
«طيب، بما إننا شبه اتفقنا، فأنا عايز أصارحك بحاجة.»
ليقول أدهم باستفهام «حاجة إيه؟»
بلع الآخر ريقه، خوفًا من ردة فعله، وقال بعض الكلمات التي جعلت أدهم ينهض فجأة، ويردف بصدمة وغضب:
«وحياة أمك؟!»
قال سليم سريعًا:
«اهدى يا أدهم بيه، اقعد وأنا هفهمك.»
تنفس أدهم بغضب، ثم جلس:
«اتفضل، فهمني.»
كمل سليم حديثه:
«أولًا، ياريت الكلام اللي عرفته ده يفضل سر ما بينا. ثانيًا، أنا مقدرش أخلي ريحانة تسامحني غير لما...»ثم بدأ في إقناع أدهم بوجهة نظره.
بعد دقائق، نهض أدهم وقال بجدية:
«بص يا سليم، مش معنى إننا بنتكلم دلوقتي إني سامحتك أو نسيت اللي عملته في بنتي، بس أنا للأسف مضطر أعمل هدنة معاك عشان بس مصلحة بنتي.»
ثم أكمل بتحذير، وهو يشير إليه بإصبعه:
«بس وبربنا لو عرفت إنك جرحتها أو أذيتها، ليكون آخر يوم في عمرك.»
ابتسم سليم:
«متخافش، هحطها في عيوني. بس أفهم من كده إننا اتفقنا، وإني تقريبًا مبقتش عدوك يا... يا ابن عمي.»
رفع أدهم طرف شفته العلوية بسخرية:
«نعم؟ إيه ابن عمي دي؟مش عشان إنت ابن إبراهيم تبقى ابن عمي؟ متنساش فرق السن اللي بينا. وبعدين، عشان إنت مبتنزلش من زوري، هتفضل تقول يا أدهم بيه.»
ابتسم سليم:
«صدقني، هييجي يوم وتحبني.»
ابتسم أدهم بسخرية، وهو يستعد للمغادرة:
«معتقدش... أنا مش بطيقك.»
ثم فتح الباب وغادر بهدوء.
بينما ابتسم سليم، فهو سعيد بتلك الهدنة بينه وبين أدهم السويسي، حتى وإن كانت مؤقتة. فلأول مرة يجد شخصًا يشبه شخصيته الباردة، لذلك يعلم أن الشرار والتحدي سيظلان بينهما طويلًا.
لكن المهم الآن هو أن يفعل كل ما بوسعه حتى تعود إليه ريحانة وتسامحه؛ فما يحركه الآن ليس شرارة الانتقام ... بل شرارة العشق.
_____________________________________________________________
كان في شقته، وللتو خرج من الحمام بعد حمام طويل، ليزيل عنه إرهاق اليوم ويساعده على النوم.
كان يقف يرتدي ملابس مريحة، حتى قاطعه صوت رنين هاتفه.
التقط الهاتف الموضوع على الشاحن، ونظر إلى الشاشة، لكن ثوانٍ وقطب جبينه باستغراب عندما علم هوية المتصل؛ فقد كان المحامي الذي وكّله من قبل في قضية خلع آيات.
أجاب بهدوء:
«ألو.»
«ألو يا دكتور ياسين، أخيرًا رديت.»
«معلش يا أستاذ محمود، موبايلي كان فاصل ولسه حاطه عالشاحن. خير، فيه حاجة؟»
قال محمود بأسف:
«للأسف أخبار مش حلوة. الصبح جالي تلفون إن أستاذ مازن، طليق مدام آيات، قدر يهرب من السجن.»
قال ياسين بصدمة:
«إيييه؟!»
لم يستغرق الأمر أكثر من ثوانٍ، حتى كان أمام باب شقتها يدقه بخوف، وضربات قلبه تنبض بسرعة، خوفًا من أن يكون قد أصابها مكروه.
بعد ثوانٍ، فتحت آيات الباب، فأغمض عينيه باطمئنان عندما رآها، وهو يضع يده على صدره:
«الحمد لله.»
لكنه اهتز من الصدمة عندما صرخت الأخرى بفزع، وهي تضع يدها على عينيها:
«إيه ده؟ إنت إزاي تخبط عليّا وإنت كده؟!»
نظر لنفسه باستغراب، وهو يقول:
«كده اللي هو إزاي ؟»
لكنه توقف عندما أدرك أنه خرج مسرعًا دون أن يرتدي شيئًا تقريبًا، باستثناء شورت قصير كان قد ارتداه قبل أن تأتيه المكالمة التي جعلته يهرول سريعًا نحو شقتها ليطمئن عليها.
قال ياسين بإحراج، وهو يحاول أن يغطي نفسه:
«أأ... أنا آسف، حقك عليّا. هروح ألبس حاجة وأجيلك، خليكي واقفة زي ما إنتي.»
هزت آيات رأسها بخجل، وما زالت مغمضة عينيها، حتى سمعت صوت باب شقته يُغلق، لتفهم أنه دخل شقته. فتحت عينيها وهي تتنفس سريعًا، وما زالت آثار حمرة الخجل واضحة على وجنتيها.
بعد دقيقة، عاد مرة أخرى، ليتقدم نحوها بخطوات بطيئة، وما زال محرجًا مما حدث قبل قليل:
«أنا آسف، بس من خوفي محستش بنفسي غير وأنا قصادك.»
قالت آيات باستغراب:
«وكنت خايف ليه؟»
تنهد ياسين بجدية، قبل أن يقول:
«مازن هرب من السجن.»
شهقت بصدمة، وشعرت بتعالي أنفاسها، لتهمس برعب:
«مازن... طليقي؟»
«متخافيش يا آيات، أنا مش هسمح لحد يأذيكي أو يأذي إياد.»
وضعت يدها على فمها برعب، وما زالت عيناها تزوغان بخوف:
«إياد... ممكن مازن يأذي إياد عشان ينتقم مني؟»
اقترب ياسين منها حتى أصبح أمامها مباشرة، ثم قال بنبرة حازمة أخرجتها من حالة الخوف:
«آيات، بصيلي.»
رفعت عينيها العسليتين نحوه، لتجده ينظر لها بثقة، فدب في نفسها شيء من الاطمئنان.
قال ياسين بنبرةصادقة:
«أنا لو هضحي بعمري عشان أحميكي إنتي وإياد، مش هتردد لحظة... أرجوك اهدي وثقي فيا.»
نظرت له بصمت، وبدأت أنفاسها تهدأ وتعود إلى رتمها الطبيعي، لتسمعه يقول:
«واثقة فيا؟»
أومأت برأسها بابتسامة باهتة.
«طيب، يلا ادخلي نامي، وبكرة نكمل كلامنا.»
أومأت برأسها ودخلت الشقة، لكنها بقيت خلف الباب.
قال ياسين بابتسامة خفيفة:
«تصبحي على خير يا آيات.»
ضمت شفتيها بخجل:
«وإنت من أهله.»
ثم أغلقت الباب بهدوء، ليتنهد الآخر وينظر أمامه بنظرات مليئة بالغضب والإصرار.
لن يسمح بأن يصيبها أي أذى، مهما كلفه الأمر ...
_____________________________________________________________
في صباح يوم جديد، خرجت ريحانة من المصعد وعلى وجهها ابتسامة إصرار؛ فاليوم هو اليوم الأول في بداية المعركة.
سارت بخطوات واثقة في الطرقة، لكنها توقفت فجأة عندما سمعت أصوات الموظفين وهم يتداولون الحديث فيما بينهم، يتهامسون وينظرون لها.
«معقول كانوا متجوزين واتطلقوا؟»
«يا ترى سابها ليه؟»
«يمكن هي اللي سابته، هي واحدة زي ريحانة تتساب؟»
«يعني هو راجل زي سليم اللي يتساب؟»
قبضت ريحانة على كفها بشدة، وتعالت أنفاسها بسرعة من شدة الانفعال، وهي تراقب نظرات الموظفين لها. لم تستطع تمالك أعصابها، لتقف في منتصف الطرقة وتقول بصوت عالٍ:
«يا ريت متبقوش زي الناس الفاضية اللي موراهاش غير الكلام. ما إنتوا لو بتشتغلوا بضمير وفالحين في الشغل زي ما إنتوا فالحين في النميمة، ما كانش ده بقى حالكم»
صمتت لثوانٍ وهي تسترد أنفاسها المتقطعة من شدة الانفعال، ثم تابعت:
«يا ريت لو حد عنده سؤال، وبالجرأة الكافية إنه ييجي لي ويسألني بنفسه، وأنا هجاوب.»
ابتسمت بسخرية وهي تلاحظ صمتهم، والجميع يتهرب من النظر إليها، لتقول باستخفاف:
«أنا قلت كده برضه... يا ريت بقى كل واحد يرجع لشغله.»
عاد الجميع لاستكمال عملهم، ولم يجرؤ أحد حتى على التنفس بصوت عالٍ، بينما توجهت ريحانة إلى مكتبها بغرور وثقة واضحة في خطواتها.
_____________________________________________________________
في عيادة الدكتور ياسين برهان
كان ياسين يجلس في مكتبه، وأمامه جهاز اللابتوب، يقرأ أحدث الأبحاث الطبية ومستجداتها؛ فقد اعتاد على متابعة تلك الأبحاث الخاصة بمجاله، ليكون ملمًّا بكل ما هو جديد.
قطع تركيزه دقات هادئة على الباب، تبعها دخول الممرضة.
«دكتور ياسين.»
همهم بتركيز، وما زالت عيناه مسلطتين على شاشة اللابتوب، قائلًا:
«نعم؟»
«في واحد برة عايز حضرتك.»
رفع ياسين عينيه عن الشاشة، وسألها باستغراب:
«مريض يعني ومعاه طفل؟»
نفت الممرضة برأسها:
«لا، ده بيقول إنه واحد صاحبك.»
قطّب ياسين جبينه باستغراب:
«صاحبي؟ صاحبي مين؟»
كادت الممرضة أن تجيبه باسمه، لكن قاطعها ظهور الشخص نفسه خلفها، وهو يقول:
«أنا يا ياسين.»
انتفض ياسين من مكانه، واتسعت عيناه بعدم تصديق، قبل أن تشرق ملامحه بفرحة وهو يهمس:
« مش معقول .. سليم!»..
الفصل الخامس عشر ج2 من هنا