
رواية اولاد الباشا الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم شيماء منير
ساد الصمت أرجاء المكان لحظة توقف السيارات أمام الفيلا. كانت أضواء الشرطة المتقاطعة باللونين الأحمر والأزرق تكسر ظلام الليل، لترسم لوحة من القلق والدهشة على وجوه الجميع.
نزل صلاح من سيارته بخطوات حادة، تاركاً نجوى تجلس في الداخل تترقب في ذهول، بينما نزل فارس من السيارة الخلفية بخطى ثابتة وموزونة، تحت أنظار بنان وسمية اللتين تتابعانه بذعر من خلف الزجاج.
اقترب الضابط بخطوات رسمية حاسمة، ممسكاً بيده ورقة مطوية وقال: احنا معانا اذن بالتفتيش الكامل للفيلا يا صلاح بيه.
اتسعت عينا صلاح بدهشة غاضبة، وارتفع صوته حاداً: ليه وليه البهدلة دي كلها
رد الضابط: للأسف وصل لنا بلاغ بوجود دفعة ه..يروين في الفيلا هنا.
جن جنون صلاح، واشتعل وجهه حمرة وهو يصرخ بجنون: انت جاي تهزر هنا؟ صلاح الباشا يتدخل بيته القرف دا؟
في تلك اللحظة، تقدم فارس برزانة غير عادية، وضع يده على كتف والده بنبرة هادئة لكنها تحمل ثقلاً عجيباً وقال: اهدى يا بابا، اهدا أرجوك.
سأله صلاح بابتسامة ساخرة يملؤها الغضب: انت سمعت قال ايه يا فارس؟ سمعت بيقولوا ايه؟
أجابه فارس: سمعت، وأنا عايز بس حضرتك تهدا، وتسيب سيادة الضابط والرجالة اللي معاه يشوفوا شغلهم.
ثم التفت فارس نحو الضابط بنظرة واثقة، وأشار له بيد حاسمة وقال: شوف شغلك يا حضرة الضابط، احنا منتظرين هنا.
توقف صلاح لحظة، ونظر إلى فارس باستفهام عميق. حواسه الخبرية أشعرته بوجود شيء غير طبيعي، شيء أعمق من مجرد هدوء ابنه. لكن فارس رد على نظرة أبيه بإيماءة عين خفيفة ومطمئنة تؤكد له أن كل شيء تحت السيطرة، وكانت تلك هي الرسالة الخفية التي قرأها صلاح في عيني ابنه.
التفت فارس إلى النساء، وطلب منهن بلهجة صارمة ومحترمة البقاء داخل السيارات لحين انتهاء المعمعة.
مرت الساعات كأنها دهر. أُقلبت الفيلا رأساً على عقب، فُتشت الأركان والحدائق والمخازن، وضباط الشرطة ينبشون في كل زاوية، بينما يجلس صلاح وفارس على مقاعد الحديقة، أحدهما يحترق صمتاً، والآخر يتابع ببرود قاتل.
أخيراً، خرج الضابط متنهداً ومقطوع الأمل، واقترب منهما وهو يطوي أوراق التفتيش وقال: أنا طبعاً بعتذر عن البهدلة دي يا صلاح بيه، بس كان لازم أنفذ الأوامر، البلاغ دا متقدملنا أربع مرات وراء بعض
رد صلاح بابتسامة تهكمية مسمومة: يااااه، أربع مرات؟ تمام، تمام أوي.
قال فارس بهدوء وثبات: مفيش مشكلة يا فندم، دا واجبكم، ولو حضرتك حابب تفتش عربياتنا كمان مفيش أي مانع، بس نُنزل حريمنا الأول.
ابتسم الضابط بقلة حيلة وقال: لا خلاص يا فارس باشا، المعاينة كافية، وأسفين جداً على الإزعاج.
أعطى الضابط إشارته للقوة، وبدأت سيارات الشرطة بالانسحاب واحدة تلو الأخرى، لتفرغ الفيلا تدريجياً وتعود لظلامها وهدوئها الثقيل.
صعد الضباب وساد الصمت، وتطلّع صلاح إلى فارس بنظرة طويلة مليئة بالأسئلة التي تنتظر إجابة.
دخل الجميع إلى الصالون بعد انسحاب أخر سيارة شرطة، كان الهدوء يسود المكان لكنه هدوء يسبق العاصفة.
وقف صلاح في منتصف القاعة، وعيناه تنطقان بأسئلة لا حصر لها، ثم التفت إلى ابنه ونطق بنبرة حادة يملؤها الشك: هو ايه الحكاية بالظبط يا فارس؟
تنفس فارس بعمق، وخطا خطوة نحو والده بثبات وقال: اهدا يا بابا وأنا هفهمك كل حاجة. بعد ما حضرتك قولتلي إنك مش مرتاح لوجود عبد الرحيم عزام في الحفلة، الشك أكلني، وبعت حد من الرجالة يطمن على الفيلا هنا.
توقف فارس لحظة ليجمع أنفاسه، بينما تسللت النظرات القلقة بين الحاضرين، قبل أن يتابع: وفعلاً، أول ما الرجالة وصلوا لقوا كل اللي في الفيلا متخدرين، من الحرس للشغالين.
ارتفعت حاجبًا صلاح بدهشة، وواصل فارس حديثه بنبرة واثقة: أمرت الرجالة يفتشوا الفيلا كلها فوراً، لأن أكيد في سر وراء تخديرهم بالشكل دا. وفعلاً.. لقينا الحاجة اللي سيادة الضابط كان بيفتش ويدور عليها.
شهقت نجوى بخضة وحطت إيدها على قلبها، بينما تجمد صلاح في مكانه من الصدمة، ينظر لابنه وكأنه يستمع إلى سيناريو فيلم سينمائي لا يمت للواقع بصلة.
أكمل فارس ليرفع العبء عن كاهل أبيه: بس متقلقش يا بابا، أنا خليت الرجالة يتصرفوا ويبعدوا كل القرف دا عن الفيلا تماماً. وأصرت أفضل في الحفلة وأفضل هناك عشان عبد الرحيم يفضل مطمن إن خطته ماشية تمام
هدر صلاح بصوت كالرعد يملؤه الغضب المكبوت، وعروق وجهه تبرز من شدة الانفعال: ولاد الكلب!
أمسك فارس بكتف والده يحاول تهدئته وقال بثقة وثبات: متزعلش يا بابا، هما خلاص بقى بيلعبوا على المكشوف..بس تفتكر يقدروا يواجهوا؟
ساد الصمت الغرفة من جديد، وظل صلاح يشخص بنظره في الفراغ، نظرة حادة يملؤها الغضب والوعيد، وكأنه يرسم في عقله بداية الانتقام.
وفي الزاوية المظلمة من الصالون، كانت سمية تجلس منزوية، تطرق رأسها إلى الأسفل، يعصر قلبها حزن قسيم، طوتشعر بغصة تخنقها لأنها تجد نفسها هي وابنتها السبب غير المباشر في كل ما يحدث لهذه العائلة
فاقت على صوت صلاح ل فارس :متنساش تكأفى الرجاله
فارس:حاضر ياباشا
ـــــــــــــــ
في بيت عبدالرحيم
عمرو بصرخة مكتومة وعيونه تشتعل شراراً:
كيف يعني؟! إكده بالبساطة دي؟! دا أنا مأكد بنفسي.. شايف بعيني المكان والحاجة محطوطة بنفسي! كيف يخلعوا منها إكده؟!
عبد الرحيم يزفر بضيق مكتوم ويهز رأسه بغيظ شديد وهو يجز على أسنانه:
أهو اللي حصل يا حزين! طلعوا منها زي الشعرة من العجين.. حظهم يكسر الصخر، ولا تقولي دماغهم هي اللي شغالة صح!
عمرو يقترب من والده بقلة صبر وينحني عليه بنبرة مليئة بالغل والرجاء وهو بيقوم بتعب فاثار الضرب لسه مازلت ظاهره عليه
أنا مش هقدر أصبر أكتر من كدة يا بوي.. النار واكلة قلبي! أنا عايزها.. عايزها هي بالذات يا بوي ومش جادر أستنى يوم كمان!
عبد الرحيم يضرب بعصاه على الأرض ضربة واحدة حادة تهز الغرفة وينظر لعمرو بنظرة ثاقبة وباردة:
اصبر قولتلك! الصبر حكمة ويا بخت من قدر عليه.. ومش بس هي اللي هتكون لك، هي وأملاكها، وأرضها، وكل نفس بتتفسسه هيبقوا ملكنا وتحت طوعنا!
عمرو يتنفس بسرعة وعيونه تتسع بين الشغف والشر:
متى يا بوي؟ متى ييجي اليوم ده ونكسر عينهم وناخد اللي لينا؟
عبد الرحيم يبتسم ابتسامة خبيثة بطيئة ويطقطق حبات سبحته:
قريب قوي يا ولدي.. أقرب مما تتخيل. بس لما نضرب، نضرب في العظم.. نضرب ضربة ميفوقوش منها أبدًا!
ـــــــــــــــــــ
في وقت متاخر في فيلا الباشا
تقترب بنان بخطوات هادئة، ترتدي ليجن أسود قصير وبلوزة كت وردية وتضع شالاً على كتفيها. يلمحها فارس فترتسم على شفتيه ابتسامة خفيفة دافئة. تجلس بنان بجانبه.
فارس بنبرة هادئة ومليئة بالحنان:
إيه اللي مصحيكي لغاية دلوقت؟
بنان تنظر له بابتسامة رقيقة:
شوفتك من فوق قاعد.. قولت أنزل أقعد مع الباشا شوية.
فارس يلف ذراعه حول خصرها ويشدها لتستقر داخل حضنه:
ده أنا أزيد شرف يا قلب وعيون الباشا.
بنان تبتسم بخفة، ثم تتغير ملامحها للتردد والحرج:
أنا آسفة يا فارس.. أنا السبب في كل اللي إنتوا فيه ده.
فارس يضع إصبعه على شفتيها برفق ناهياً كلامها:
هوششش.. سيبك من الكلام ده خالص! أنا عايز كل يوم من ده، بس إنتي تفضلي جنبي يا بنان وفي حضني كده.
بنان بصوت يملؤه الخوف والقلق:
بجد مش متخيلة لو كانوا لقوا الحاجة دي هنا كنا هنعمل إيه!
فارس بنبرة واثقة يملؤها التحدي:
لا.. جمدي قلبك كده! ده إحنا لسه في أول المشوار، بس أنا هفرجك بقى حبيبك هيعمل إيه.. اتفرجي واستمتعي!
بنان تتنهد بتعب وتتكئ عليه:
ولحد إمتى هنفضل في المشاكل دي؟
فارس وعيونه تتسع بإصرار:
لحد ما يعرفوا قيمة نفسهم.. ويقفوا عند حدهم!
تتدخل أضواء سيارة تقطع عتمة الحديقة، تدخل سيارة مالك من باب الفيلا وتتوقف. ينزل مالك منها ويعطي المفتاح للبواب، ثم يتحرك بخطوات مرحة مقترباً من فارس وبنان.
مالك بابتسامة عريضة ونبرة مرحة:
فارس باشا وحرمه المصون هنا؟!
فارس بابتسامة خفيفة ومجهدة:
أهلاً بالرايق.. يا شيخ ربع الرواقة اللي إنت فيها دي بس!
مالك يضحك ويحرك يديه بنفي:
هنبتدي نق ولا إيه؟!
فارس ينظر له بجدية:
ما إنت لو عرفت اللي حصل مش هتقول كده أبداً.
مالك تتغير ملامحه إلى الاستغراب والفضول:
ليه؟ هو في حاجة حصلت ولا إيه؟
يبدأ فارس في سرد تفاصيل ما حدث لمالك، ومع كل كلمة تظهر علامات الصدمة والغضب على وجه مالك.
مالك بغضب واندهاش شديد:
يا ولااااد الـ... هي حصلت لكده كمان؟!
فارس يبتسم ببرود وثقة يخفيان خلفهما بركاناً:
أيوه.. ولسه! بس سيبهم لي أنا بقى.. أنا حابب ألعاب معاهم أوي!
ــــــــــــــــــــــــــ
بعد مرور اسبوع
في ردهة شركة الباشا، حيث يسود الهدوء المنظم وصوت خطوات الموظفين المنتظمة، كان آسر يهبط درجات السلم بخطوات حذرة وثابتة.
في تلك اللحظة بالذات، كانت رحمة تصعد السلم في الاتجاه المقابل. التقت نظراتهما لبرهة، فتوقفت الحركة لثوانٍ معدودة وكأن الزمن تباطأ بينهما.
ارتسمت على شفتي آسر ابتسامة خفيفة، هادئة تحمل شيئاً من الودّ، وقال بنبرة دافئة:
— اخبارك إيه؟
توقفت رحمة، ونظرت إليه بابتسامة متفاجئة لكنها مريحة، وتردد صوتها الرقيق متسائلاً:
— كويسة.. انت عامل إيه؟ وحمد الله على السلامة.
ردّ آسر بتهذيب وهو يميل برأسه قليلاً:
— الله يسلمك.
تابعت رحمة وهي تحاول إخفاء اهتمامها اللطيف بتفاصيل غيابه:
— رجعت الشغل إمتا؟
أجابها بثقة وهو يضع يده في جيبه:
— من أول الأسبوع.
لم تتردد رحمة في إبداء مودة عفوية، فقالت بنبرة صادقة:
— الشركة رجعت نورت.
سرت ملامح الرضا على وجه آسر، وردّ بأسلوب راقٍ وابتسامته تتسع قليلاً:
— منورة بوجودك.. والدتك عاملة إيه؟
ارتسمت الراحة على وجه رحمة وأجابت بامتنان:
— الحمد لله كويسة.
أومأ آسر رأسه مودعاً بلطف، وقال وهو يستعد لمتابعة طريقه:
— يارب دايماً.. عن أذنك.
ردت عليه بابتسامة رقيقة صادقة وهي تتنحى جانباً:
— اتفضل.
تجاوز كل منهما الآخر، وواصل آسر هبوطه بينما تابعت رحمة صعودها، وكل منهما يحمل في داخله أثراً هادئاً وخفيفاً من ذلك اللقاء السريع، قبل أن يستأنف كل منهما طريقه إلى عمله.
ــــــــــــــــــــــــــــ
كان المساء قد ألقى بسدوله على المدينة، بينما تقف يُمنى في غرفتها تهيئ نفسها لاستقبال الضيف. ينساب صوتها عبر الهاتف متسائلاً بنبرة لا تخلو من الاستعجال:
— «يعني هتيجي امتى؟»
جاءها صوت مالك هادئاً ودافئاً:
— «ساعة كده، أنا بجهز أهو.»
أردفت يُمنى باهتمام:
— «أوكي متتأخرش، ماما بتجهز الأكل من بدري عشان عامله حسابها إنك هتتعشى معانا.»
ابتسم مالك وهو يلقي نظرة على مرآته، محاولاً اللطف:
— «أنا مش أكيل أوي على فكرة..»
قاطعته بسرعة وبحماس رقيق:
— «لا طبعاً! تعالى دوق أكل ماما، أنا متاكدة إنه هيعجبك أوي.»
— «تمام، هجهز وجاي.»
— «ماشي.. سلام.»
— «سلام.»
أغلقت يمنى الخط، وبدأت تفاصيل تحضيرها الأخير بلمسات مفعمة بالحيوية. ارتدت فستاناً بلون الوردي الهادئ، ونسقت معه حجاباً أبيض ناصعاً، فتجلت في حليتها كأميرة استوفت أسباب الرقة.
مرت الساعة كما وُعدت، وحضر مالك. استقبله خالد بشاشة وترحاب حار، واقتاده إلى ركن المعيشة حيث تتوسط الصالة شاشة عرض كبيرة، بينما على الجانب الآخر كانت منال ويُمنى تنشغلان بتنسيق سفرة الطعام المواجهة لهما.
وقعت عين مالك على يُمنى وهي تتحرك برقة بين الأطباق، فغرق لثوانٍ في تأمل هيئتها الرقيقة، قبل أن تشعر هي بوطأة نظراته؛ سري فيها ارتباك لطيف، وابتسمت بتوتر متظاهرة بالإشغال كي لا يلاحظ والدها القريب منهما.
استعاد مالك تركيزه على صوت خالد وهو يسأله بودّ قديم:
— «وصلاح عامل إيه؟»
انتبه مالك وسارع بالرد بتهذيب:
— «احم.. كويس يا أنكل، وبيبعت لحضرتك السلام.»
ارتسمت على وجه خالد ذكريات الصبا وهو يقول:
— «أبوك ده صاحب عمري، كنا مع بعض من ابتدائي، بس بعد الثانوي كل واحد فينا سلك طريق. أبوك طول عمره بيحب التجارة والشغل ده.»
— «أيوه، بابا شاطر في شغله جداً.»
تطلع إليه خالد بتمعن مردفاً:
— «أتمنى أنت كمان تكون زيه.»
زفر مالك هواء خفيفاً، وأجاب بشفافية لم يتردد فيها:
— «في الحقيقة أبقى كداب لو قولت لحضرتك ده.. أنا كان نفسي أشتغل في مجال السياحة، بس بابا رفض جداً وصمم إني أدخل كلية إدارة أعمال. ودخلتها ..حتى بعد ما خلصت الكليه عرضت عليه أفتح شركة سياحة رفض برضه، ومصمم إني أكون معاه.»
شعر خالد بتلك الغصة المكتومة في نبرة الشاب، وبأن وراء هذا الهدوء طموحاً لم يجد من يرعاه، فسأله باهتمام محفز:
— «طيب ليه رافض؟ عايزك تكون نفسك بنفسك؟»
هز مالك رأسه نفياً:
— «بالعكس.. رافض الفكرة كلها وشايف إن ده مش مجالنا ومصمم إني مش هنجح فيه. مع إني راسم له في دماغي حاجات كتير أوي.»
استند خالد إلى ذراع الكرسي مستزيداً:
— «زي إيه؟ اشرح لي كده..»
انطلق مالك يشرح شغفه بفكرة غائبة عن أبيه:
— «والله يا أنكل، أنا نفسي أفتح شركة سياحة وأدعمها ب باصات، وأخلي رحلاتها مختلفة في جميع أنحاء البلد.. غير إني كنت هشغل جنبها الفنادق بتاعتنا ويكون السياح فيها.. بس برضه معرفتش أقنعه. هو مقتنع بشكل شغله كده، حتى فارس حاول يقنعه بالفكرة لما فهمتها له، برضه موافقش.»
علق خالد بنظرة واقعية:
— «بس طبعاً أنت متعرفش تبدأ لوحدك؟»
تنهد مالك:
— «لا طبعاً، لأن محتاج دعم مادي كبير وحاجات تانية..»
في هذه اللحظة، كانت يُمنى تقترب منهما بخطوات هادئة، وعلى وجهها ابتسامة انشراح لرؤية هذا الانسجام في الحديث بين مالك ووالدها، وقالت بصوت ناعم:
— «العشا جهز خلاص.»
قام خالد ملوحاً بيده لإنهاء الحديث مؤقتاً:
— «طيب بلغي آسر في أوضته.. يلا يا مالك تعال يا حبيبي.»
نهض مالك والابتسامة تضيء وجهه، يشعر بارتياح كبير لتفهم هذا الرجل وعطفه.
على السفرة، خرج آسر من غرفته، وسلّم على مالك بجفاء وبرود ملحوظين، لم يملك مالك أمامهما إلا أن يبادله ذات النظرة والرد المقتضب.
بدأ العشاء بهدوء تام خيم على المكان، حتى قطعت منال هذا الصمت وهي تضع الطبق الأخير:
— «أتمنى أكلي يعجبك يا مالك..»
رد مالك بتهذيب ومودّة:
— «تسلم إيدك يا طنط، كل حاجة بتعمليها أكيد من إيدك حلوة.»
ابتسمت منال باتساع:
— «تسلم يا حبيبي.»
تدخل خالد بفكاهته المعتادة:
— « انت بلفتها خلاص بالكلمتين دوول .. كل مرة بقى.. مش هتسيبك غير لما تأكل!»
ضحكت منال قائلة:
— «يا سلام!»
مالك واتكلم بلطف
— «أنا بس مش عايزك تتعبي نفسك كل مرة كده، أنا بجد مش أكيل أوي، أي حاجة بتشبعني.»
نظرت إليه منال بنظرة أمومة تحمل عتاباً خفيفاً:
— «أنا هقولك بس متزعلش.. أنت بتشرب سجاير كتير يا حبيبي، وده بيسد نفسك عن الأكل.»
ابتسم مالك ابتسامة اعتيادية:
— «اتعودت عليها مش أكثر..»
هنا، انطلق صوت آسر بنبرة حادة وضيقة قطعت الود القائم:
— «قصدك أدمنتها.. السجاير دي إدمان!»
استدار مالك بنظره نحو آسر ملتقطاً بضيق واضح هذا الأسلوب الفج، في حين رمقت منال ابنها بنظرة عتاب صارمة على تصرفه غير المبرر.
حاول خالد تدارك الموقف وسحب الفتيل باعتدال:
— «بس على فكرة، لو أنت عايز تبطلها ممكن تبدأ تدريجي..»
أومأ مالك بابتسامة خافتة يحاول بها تجاوز حرج الموقف:
— «ربنا يسهل..»
لمحت يُمنى الضيق الذي تسلل لملامح مالك، وشعرت بانقباض في صدرها؛ فهي تعلم جيداً أن أخاها آسر لم يتقبل وجود مالك من الأساس.
انتهى العشاء، وانتقل الجميع إلى جلسة الشاي والقهوة أمام التلفاز، حيث ساد الجو العائلي مجدداً.
بادرت منال وهي تصب القهوة:
— «بس أنا زعلانة منك يا مالك..»
انتبه مالك وتساءل باحترام:
— «ليه بس يا طنط؟»
— «عشان الحاجات اللي أنت جايبها وأنت جاي.. ليه كده يا حبيبي؟ هو إحنا غرب؟ وبعدين كل مرة هتجيب الحاجات دي؟»
— «دي حاجة بسيطة يا طنط..»
تدخل خالد مؤكداً:
— «إحنا بس عايزينك لما تيجي، تيجي بطولك كده وما تكلفش نفسك، بلاش الرسميات دي.»
— «والله يا أنكل مش رسميات، بس مقدرش أدخل فاضي كده.»
ابتسم خالد بحنو:
— «يا سيدي إحنا عايزينك تيجي فاضي كده!»
في الجهة المقابلة، كان آسر يجلس في صمت جهم، ينظر بنشاز إلى السلسلة الجلدية التي تطوق عنق مالك، وإلى قميصه الأزرق المفتوح الزرين الأولين في استرخاء. زفر آسر بضيق مكتوم، وجذب هاتفه لينشغل به منسحباً من الجلسة ببدنه لا بعينيه.
كان خالد يراقب تلك النظرات المتبادلة والمتوترة من ابنه ونحوه، لكنه آثر الصمت وفضل تمرير الليلة بسلام.
وانتهت السهرة بهدوء، ودع مالك العائلة وغادر راجعاً إلى الفيلا
---------------
أطفأ مالك محرك سيارته بعدما ركنها في كراج الفيلا، ودخل بخطوات هادئة وسط سكون الليل الذي أضفى على المكان جوّاً من الهدوء والسكينة.
كان يتجه نحو درج غرفته، حين قطعت عتمة الممر نبرة أخيه فارس الهادئة:
— «حمد الله على السلامة..»
التفت مالك وارتسمت على وجهه ابتسامة ارتياح:
— «الله يسلمك يا باشا.. إيه اللي مصحيك لحد دلوقت؟»
استند فارس بكتفه على الحائط أجاب ببساطة:
— «عادي، كنت بخلص شوية أمور كده، وسمعت صوت عربيتك فعرفت إنك رجعت.. قلت أطمن عليك.»
قال مالك بنبرة ممتنة ودافئة:
— «تسلم يا قلب أخوك..»
ثم تذكر شيئاً وأردف باعتراف جميله: «صحيح، شكراً على الحاجة اللي ساعدتني أجيبها.. بجد مكنتش عارف آخد إيه، وطنط وأنكل شكروني عليها أوي.»
غمز فارس بعينه وهو يبتسم بزهو أخيّ ممتع:
— «أي خدمة يا أسطى! كل ما تعوز حاجة بس قولي، وأنا أجهزلك اللي يشرفك قدامهم.»
اتسعت ابتسامة مالك، واقترب من أخيه ليعانقه بحرارة شديدة:
— «ربنا ما يحرمني منك يا فارس..»
بادَله فارس العناق باعتزاز، قبل أن يتملكه المرح فجأة، فيربد على ظهره ممتنعاً بفكاهة:
— «بس الواحد بيخاف من أحضان بعد ١٢ بالليل دي!»
خرج مالك من أحضانه وانطلقت منهما ضحكة عالية أذابت متبقي تعب اليوم، قبل أن يتجه كل منهما ليرتاح.
ــــــــــــــــ
في صباح اليوم التالي، كانت أجواء الفيلا تحمل طابعاً من الجدية والحذر. وقفت نجوى بعنفوانها المعهود تتطلع إلى ولدها وزوجها، وتساءلت بنبرة مستفسرة لا تخلو من الحدة:
— «يعني أنتم عايزين إيه بالظبط؟»
تقدم فارس شارحاً بهدوء ودبلوماسية:
— «يعني يا ماما. هنجيب مدام غادة هنا عشان نكون مطمنين على أي حد يخص عيلة الباشا.»
قطعت نجوى نظراتها بينهم، وقالت بستنكار يحمل كبرياءها أن تُقاسمها امرأة أخرى عرشها:
— «يعني يا فارس.. هتجيبوها في بيتي كمان؟»
تدخل صلاح برزانة مفسراً خطورة الموقف:
— «مؤقت بس.. لحد ما نخلص من العزامية دول.»
تأملت نجوى الفراغ لثوانٍ، ثم هزت رأسها وهي تفرض هيبتها بذكاء رفيع:
— «ماشي.. الأوض كتير تسع ضيوف كتير! هاتها يا صلاح..»
التقط فارس نظرة أمه، وابتسم في سرّه وهو يرى كيف صيغت الكلمات بدقة؛ فتحت أبواب بيت «نجوى» للمساعدة، لكنها في الوقت ذاته رسمت خطاً أحمر واضحاً يحفظ لها ملكية هذا البيت، تاركةً لأي امرأة أخرى صفة «الضيفة» فقط.
ــــــــــــــــــــــــــــ
بعد مرور يومين
في بيت عبدالرحيم
كان الغضب يغلي كالمجلجل في بيت عبدالرحيم
عبد الرحيم يتحدث بهستيريا وغضب عارم وهو يضرب عصاه بالأرض
:إزاي؟! إزاي ينزل خبر إن في لحوم فاسدة في مصانعنا؟!
عمرو يدخل بغضب ساحق:
دول شمعوا لينا المصنع يا أبوي!
عبد الرحيم يبرق بعينيه بغيظ:أنا متأكد إنهم ورا الموضوع دا.. مش هتعدي بالساهل!
عمرو بقلة صبر وعيون مشتعلة:قولتلك سيبني أخلص عليهم كلهم ونرتاح من الصداع دا!
عبد الرحيم بنبرة صارمة وهو يحاول تهدئته:
إهدا يا عمرو! المسائل دي مش بتتوزن أكده.. مش هتعدي بلاش، وأنا هعرف أردها لهم إزاي.. اعرفهم مين العزاميه
عمرو بتسائل وحيرة:وهنعمل إيه في حوار المصنع دا؟
عبد الرحيم بنظرة شريرة ومكرة
أنا هتصرف.. اتقل أنت بس.
كانت غادة قد انتقلت بالفعل للإقامة في الفيلا واتخذت لنفسها غرفة هناك. ورغم عدم ارتياح "نجوى" للوضع، إلا أنها حاولت مسايرة الأمور قدر الإمكان تقديراً للظروف
في الحديقة، وسط إضاءة مسائية خافتة ونسيم الليل الدافئ، كان "صلاح" يجلس على مقعده المفضل يرتشف كوباً من الشاي، وإلى جواره "نجوى" و"فارس
صلاح (ابتسم بسخرية وهز رأسه):
دا المتوقع طبعاً.. لازم يلبّسوها لموظف غلبان عشان يطلعوا منها زي الشعرة من العجين!
فارس (بهدوء وثقة):
أنا كنت متوقع إنهم هيعملوا كدا، بس دي مجرد قرصة ودن صغيرة.. قبل الضربة القاضية.
نجوى(نظرت لهما بقلق وتساءلت):
هو لسه في كمان؟!
فارس (ضحك بمرح وغمز بعينه):
اه طبعاً.. باقي السكر!
نجوى (بعدم فهم ونظرة حائرة):
سكر؟ سكر إيه؟!
صلاح (ضحك بقوة ونظر لفارس بإعجاب):
دماغك بتعجبني يا فارس!
فارس (بغمزة ومرح):
تلميذك يا باشا!
نجوى (بتهكم وسخرية لطيفة):
لا اطمن.. وتلميذ شاطر كمان!
(تعالت ضحكات فارس وصلاح، لكن الضحكات سرعان ما تلاشت حين أقبلت "غادة" بخطوات هادئة نحوهم).
ما إن لاحظت نجوى اقتراب غادة، حتى تحركت سريعاً وجلست بجوار صلاح مباشرة في حركات تنم عن غيرة ومحاولة فرض سيطرة. لاحظ فارس تصرف أمه فابتسم بخفة ومرح
غادة (تقربت منهم بابتسامة رقيقة):
مساء الخير..
الجميع:
مساء النور.
(جلست غادة على أحد الكراسي المجاورة)
صلاح (باهتمام):
إيه يا غادة.. عرفتي تنامي كويس؟
نجوى (تدخلت بغيره واضحة تحاول مداراتها خلف نبرة حادة):
ليه هي كانت نايمة في الشارع؟! دي الأوض كلها مكيفة ومجهزة!
غادة (بهدوء وحذر):
أصل أنا لما بغير مكاني مبعرفش أنام بسهولة..
نجوى (بسخرية لاذعة):
يا حراااام! صعبتي عليا والله!
(نظرت لها غادة بصمت ينم عن الصبر، بينما شعر فارس أن الجو شحن بالكهرباء والغيرة، فقرر الانسحاب فوراً).
فارس (وهو ينهض بسرعة):
أنا هطلع أوضتي بقى.. عن إذنكم.
صعد فارس السلالم متجهاً لغرفته، وفي طريقه قابل "مالك"
فارس بابتسامة ساخرة ومرحة:
إيه دا؟! مالك باشا هنا بنفسه؟ أنت من يوم ما خطبت وأنت عقلت وما عدتش بتخرج ولا إيه؟
مالك بتنهيدة تعب:مش بالظبط كدا.. بس كنت مرهق النهاردة شوية.
فارس:ماشي يا سيدي.. يلا تصبح على خير.
مالك يلتفت بنظرة استكشافية للأسفل:هو في حد تحت؟
فارس بضحكة مكتومة ومرح:
أبوك وزوجاته...
مالك بهز رأسه وابتسامة:والله ما حد رايق في البيت دا غير أبوك!
فارس بضحك:اسكت يا عم.. الدنيا تحت مولعة نار!
مالك بدهشة:بجد؟ وأنا اللي كنت ناوي أنزل..
فارس:لا.. من رأيي تطلع أحسن لك!
مالك بدأ يضحك ويغني بدندنة وممازحة
جوز الاثنين... يا جوز الاثنين~
ثم أكمل وهو يدندن بصوت مرح
بحب اثنين سوا يا هنايا بحبهم.. المية والهوا~
فارس وهو يضحك بشدة ويحاول كتم صوته:
بس يا يالا! أبوك لو سمعك هيعمل منك بطاطس محمرة!
مالك بهزار وغمزة:أعتقد أبوك دلوقت سمعه تقيل ومش فاضيلنا خالص!
فارس بضحك وهو يددفعه بخفة:بس يا واطي..!
دخل كل منهما لغرفته والضحكات المكتومة تملأ الممر.